المقدمة
تعتبر دراسة القانون الدولي الإنساني من الدراسات المهمة التي برزت بشكل واضح منذ أن وُضِعت قواعده من خلال اتفاقيات جنيف لعام 1949، والبروتوكولين الإضافيين الأول والثاني لعام 1977 الملحقين بتلك الاتفاقيات. فكانت حاجة الدول لوجود قانون ينظم علاقاتها في فترات النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية؛ ولضمان عدم ارتكاب المزيد من الجرائم الدولية حافزاً لتطوير قواعد القانون الدولي، بحيث يشمل تصرفات وسلوكيات المقاتلين من أطراف النزاع، وضمان الحماية لهم، وللجرحى والمرضى والغرقى، وامتدت لتشمل حماية فئة الأسرى والمدنيين.
وجاءت قواعد القانون الدولي الإنساني للتأكيد على عدد من المبادئ والتي اشتركت بها مع القانون الدولي لحقوق الإنسان في أهمية العنصر البشري وكرامته وأمنه، وتحقيق جوانب عديدة يترتب عليها حالات النزاع من قتل وجرح وأسر، وحماية للأطقم الطبية، والهيئات القائمة على ضمان سير تطبيق القانون الدولي الإنساني فترة النزاع الدولي وغير الدولي، والمدنيين وممتلكاتهم، فأصبحت المنظمة الدولية للصليب الأحمر الجهة الرسمية الكافلة للإشراف على ذلك.
في ضوء ما سبق من تطورات في تلك القواعد القانونية، كان لزاماً على الدول إيجاد آلية لضمان السيطرة في تنفيذ القانون الدولي الإنساني، مما أوجد معه آلية المساءلة الجنائية الدولية عن الأفعال التي ترتكبها الدول والأفراد فترة النزاعات الدولية وغير الدولية. فالتطور الكبير في المحكمة الجنائية الدولية، حيث بدأت الدول في وضع النظام الأساسي لها على أثر اتفاقية روما عام 1998، ودخلت حيز التنفيذ عام 2002، بدأ السؤال عن جدوى عمل هذه المحكمة؟ ومدى التزام الدول بتنفيذ قراراتها؟ وهل هنالك دور للاعتبارات السياسية في إنشاء محاكم جنائية دولية خاصة، تفوق الاعتبارات الإنسانية والقانونية من إنشائها؟
ويأتي مُؤلفنا هذا لتتبع حالة التطور في منظومة القواعد الخاصة بالقانون الدولي الإنساني ونطاق نفاذها، وأهم المبادئ التي تقوم عليها، والإشارة إلى حالة التفرقة مع القانون الدولي الحقوق الإنسان، والفئات المحمية والمشمولة من قبل القانون الدولي الإنساني، والآليات المختلفة على المستوى المحلي والدولي الكافلة لتطبيقه وضمان استمراره، وكذلك مراحل تطور آلية المساءلة الجنائية الدولية من بداية المحاكمات الدولية التي عقدت بعد الحرب العالمية الثانية (نورمبرج، وطوكيو) إلى مرحلة إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الخاصة (يوغسلافيا ورواندا)، وبروز المحكمة الجنائية الدولية الدائمة عام 1998، واستمرار حالة التأثير السياسي الواضح في إيجاد محاكم جنائية خاصة (كما في حالة لبنان).
يجد المتتبع لمراحل تطور القانون الدولي الإنساني أن هنالك فجوة قائمة ما بين النظرية والتطبيق، على الرغم من التزام بعض الدول في تطبيق قواعده، إلا أن حالة الازدواجية في المعايير والانتقائية، قد دفع الكثير من الدول وبشكل خاص الدول الفاعلة في النظام الدولي إلى انتهاك قواعده.
ويأتي مفهوم التدخل الدولي لاعتبارات إنسانية ليشكل فرصة من قبل الدول لتبرير موقفها من العدوان، ولجوئها إلى حالة الحرب لضمان السلم والأمن الدوليين، ويظهر ذلك من خلال دراسة التدخل الدولي في كوسوفو والعراق؛ مما أدى لمزيد من التناقضات والغموض في إمكانية نجاح القانون الدولي الإنساني في تعزيز جانب المصداقية من قبل دول العالم.
وتأكيداً للمقولة السابقة حول ضعف القانون الدولي الإنساني شهدت الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2008، رؤية واضحة لهذا التوجه من حيث القصور الكبير في حماية المدنيين فترة النزاعات، والاختلاف في التمييز بين ضرب الأهداف العسكرية والمدنية، على الرغم من التنديد الدولي بها، إلا أننا بحاجة إلى قطع أشواط كبيرة في ضمان تنفيذ قواعد القانون الدولي الإنساني، وإيقاع العقوبة بحق من يرتكب انتهاكات لقواعده، والتأكيد على الجوانب القانونية والإنسانية بعيداً عن تأثيرات الاعتبارات السياسية وازدواجية المعايير.
القانون الدولي الإنساني في إطار علم العلاقات الدولية
إن موضوع دراسة القانون الدولي الإنساني في إطار العلاقات الدولية يعتبر من أبرز موضوعات القانون الدولي المعاصر، وبشكل خاص مجالات ضبط وتحديد استخدام القوة، لأن هذا الأمر يتعلق بسلامة وسيادة وأمن الدول، وما يترتب عليه من آثار كبيرة تمتد طبيعتها المدمرة على الإنسان والدولة وتُخل بأمن المجتمع الدولي ككل، كما يثير هذا الأمر قضية منهجية تتعلق باستقلال علم القانون عن علم السياسة، أو التداخل بينهما. ويثير منهجية أخرى تتعلق بالأساس الإلزامي للقانون الدولي الإنساني وحدود ومجالات تطبيقه، ونطاق الحماية([1]).
الفرع الأول: القانون الدولي الإنساني وعلم العلاقات الدولية
من الملاحظ أن استخدام القوة في العلاقات الدولية ما زال يشكل ظاهرة مستمرة في تاريخ العلاقات البشرية حتى يومنا هذا. وأبلغ دليل على ذلك نشوب (58) حرباً، أو تدخلات عسكرية خطيرة في الفترة الممتدة من عام (1945- 1989)([2]).
بعد الحرب الباردة زادت حدة النزاعات والتدخلات الدولية على المستوى الدولي والداخلي (حروب أهلية) لأكثر من (50) صراعاً مسلحاً، اشتركت فيه أكثر من (40) دولة، نتيجة الإرهاصات السابقة للنظام الدولي، والتطورات الحديثة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والاستخدامات المتطورة للأسلحة، وزاد الاهتمام الدولي بدور القانون الدولي الإنساني في ضمان الحماية وإيقاع العقوبات، وفي توقع سلوكيات الدول بحيث تكون أكثر التزاماً بمبادئ الشرعية الدولية والاتفاقيات الدولية.
كل هذه الحقائق شكلت وتشكل تحدياً حقيقياً للقانون الدولي الإنساني في القدرة على التعامل مع الواقع بعيداً عن الإطار النظري، وفي مقدرته على الخروج من تأثير العوامل السياسية في تحديد مجالات التطبيق والتفسير والالتزام بقواعده من قبل الأفراد والدول والمنظمات.
وتتضح الأهمية السياسية للقانون الدولي الإنساني في دراسة أهم الجوانب والظروف الدولية المحيطة بنشأة قواعد القانون الدولي الإنساني، وتداعيات استخدام القوة ضد الدول والأفراد، ومعرفة مدى تأثير الاعتبارات السياسية في تحديد مجالات التفسير والتطبيق والالتزام والانتهاك لقواعد هذا القانون، والآليات الدولية الكفيلة بضمان الحماية واحترام حقوق الأفراد والجماعات فترة النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية. إضافة إلى تحديد الشروط القانونية والسياسية في تحديد صفة الحرب والنزاع وأطرافه، وخيارات الحماية والمسؤولية الدولية، والعقوبات المترتبة على حالة الانتهاك على الدول والأفراد، ضمن الظروف الخاصة لنشأة وتطور نظام الجزاءات الدولية في إطار التكيف القانوني والسياسي لنشأة المحكمة الجنائية الدولية الخاصة والعامة.
الفرع الثاني: مجالات اهتمام علم العلاقات الدولية
ينظر الكثير من الباحثين إلى أن علم العلاقات الدولية - وهو أحد الفروع الرئيسة للعلوم السياسية إلى جانب فروع النظرية السياسية والنظم السياسية- أنه علم المنتصرين، في الإشارة إلى أن أسس وقواعد هذا العلم وضعت من قبل الدول القوية والفاعلة في النظام الدولي خلال فترات تطوره المختلفة. وتعددت مفاهيم علم العلاقات الدولية لدى الكثير من المفكرين، فمنهم من عرفها بأنها "قواعد قانونية تنظم العلاقات بين مجموعة من الدول فترة السلم والحرب"([3]).
والعلاقات الدولية هي انعكاس لطبيعة العلاقة بين الأفراد والجماعات داخل الدولة، وهي تشمل كافة العلاقات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والإيديولوجية، والعسكرية والقانونية، على مستوى الدول ومجموعة الدول والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، والشعوب والأفراد([4]).
ويرى دي كولارد "أن دراسة العلاقات الدولية تغطي العلاقات السلمية والحربية بين الدول والمنظمات الدولية وتأثير القوى ذات البعد الدولي، وجميع المبادلات والنشاطات التي تتعدى حدود الدول". ويعرف الدكتور علي شفيق علم العلاقات الدولية: "بأنه العلم الذي يهتم بتحليل وتفسير مختلف الظواهر الدولية والعوامل التي تؤدي إليه، ومعرفة آثار ذلك على سلوك مختلف أطراف المجتمع الدولي"([5]).
ويمكن تحديد دوائر ومجالات اهتمام العلاقات الدولية في النقاط التالية([6]):
1- تحليل طبيعة النظام السياسي الدولي، وتحديد الكيفية التي يعمل فيها.
2- تحليل العوامل المؤثرة في الدولة وقوتها.
3- التعرف على أبعاد الدور الذي تقوم به الدول الكبرى في النظام الدولي.
4- دراسة تاريخ العلاقات الدولية الحديثة والمعاصرة.
5- البحث عن أنسب الطرق لتحقيق السلم والأمن الدولي.
6- التعرف على مدى التطور والتغيير الذي طرأ على مجموعة الأدوات التي تستخدمها الدول في علاقاتها المتبادلة في سبيل تحقيق مصالحها.
7- التعرف على أوجه التمييز والاختلاف بين السياسات الخارجية للدول الكبرى والسياسات الخارجية للدول الصغرى.
8- محاولة التعرف على أنماط الضبط والتحكم التي تمارسها أجهزة النظام الدولي ومؤسساته، وما يرتبط بها من التزامات وجزاءات يجري توقيعها على الأطراف غير المنضبطة أو المخالفة.
9- محاولة التعرف على نماذج الأنماط السلوكية التي يمكن أن تتمثل عليها استجابة الدول وفي ظل التطور في خيارات القوة واستخدام الأسلحة الحديثة والمتطورة، والأكثر فتكاً وتدميراً للممتلكات وللبشر، وبشكل خاص السلاح النووي.
10- التعرف على ما تؤديه الأمم المتحدة كمنظمة عالمية وغيرها من المنظمات الدولية والإقليمية من وظائف وأدوار، وتأثير ذلك إيجاباً وسلباً على مسار العلاقات الدولية.
وتجدر الإشارة إلى أنه قد جاء في تقارير المؤتمرات الدولية الخاصة بالعلوم السياسية والصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم (اليونسكو): على أن مادة العلاقات الدولية تشمل ثلاث مواد وفروع متصلة، وهي: (السياسة الدولية، والقانون الدولي، والتنظيم الدولي).
ومن هنا نجد أن علم العلاقات الدولية يشتمل على دراسة القانون الدولي الذي يشكل القانون الدولي الإنساني أحد فروعه. مما يقودنا للسؤال عن أهم الأطر النظرية والمنهجية التي تتناول دراسة وفهم القانون الدولي الإنساني في إطار علم العلاقات الدولية؟.
الفرع الثالث: الأطر النظرية الخاصة بدراسة القانون الدولي الإنساني
هنالك مجموعة من النظريات السياسية المختلفة التي تبحث في دراسة القانون الدولي الإنساني في إطار علم العلاقات الدولية، متناوله الظروف والطبيعة الدولية الخاصة في ظهور وتطور قواعد هذا القانون، والجوانب المفسرة لسلوكيات الدول وتصرفاتها في التعامل معه. ودرجة الالتزامات الدولية، والتكيف القانوني والسياسي في رؤية الدول لاحترام قواعد القانون وتطبيق قواعده، إضافة إلى تناسب المعاهدات والاتفاقيات الدولية مع ظروف إنشاءها وتقييدها للاستخدامات الحديثة والمتطورة لأساليب القوة في الإفراط باستخدام السلاح. ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى ثلاث نظريات وهي: النظرية القانونية، ونظرية الصراع الدولي، والنظرية الواقعية.
أولاً: النظرية القانونية
تعتبر من النظريات التقليدية التي تبحث في تحليل الجوانب القانونية التي تحيط بعلاقات الدول مع بعضها، أي أن هذه النظرية تدرس الموضوع من زاوية القانون الدولي وبشكل خاص الإنساني أكثر من أي شيء آخر. ومن مثلأمثلة الموضوعات التي تتناولها هذه النظرية في إطار فهم العلاقة بين العلاقات الدولية والقانون الدولي الإنساني:
1- مفهوم الدولة: هي وحدة التحليل الأساسية في دراسة العلاقات الدولية والشخص الرئيسي في القانون الدولي الإنساني، فمن أجل الدول والإنسان وجد القانون الدولي الإنساني. فالدولة تتكون من مجموعة من الأفراد يقيمون بصفة دائمة في إقليم معين وتسيطر عليهم هيئة حاكمة ذات سيادة.
وفي هذا السياق فإن دراسة مفهوم الدولة تمتد لتشمل دراسات النظم السياسية المقارنة في الجانب القانوني الدستوري لنظام الحكم، وأساليب ممارسة السلطة وطبيعتها، والتعريف بالدولة وأركانها وأشكاله موحدة أو فدرالية، وشكل الحكم ملكي أو جمهوري، وأنواع الحكومات استناداً إلى طبيعة العلاقة بين السلطات الثلاث (برلماني، رئاسي، حكومة الجمعية)، وأساليب إسناد السلطة (وراثة، تعيين، انتخاب)([7]). ووفق هذا الجانب يمكن تحديد سلوكيات الدول، ومدى التزامها بمواءمة قوانينها مع القوانين الدولية - وبشكل خاص القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان - وحجم الالتزامات المترتب عليها في ضوء تطبيقها حماية تلك القواعد على المستوى الدولي والداخلي.
2- المعاهدات والاتفاقيات الدولية: من حيث التزامات الأطراف المتعاقدة والجزاءات التي ينص عليها لمعاقبة الأطراف التي تخل بتعهداتها الواردة في هذه الاتفاقيات. فالاتفاقيات الخاصة بوضع وتنظيم قواعد القانون الدولي الإنساني تخضع لها الدول المتعاقدة وتلتزم بضمان عدم انتهاكها، ويترتب عليها مسؤولية دولية في تصرفاتها في ضوء تحليل عنصر تلك المسئولية والتمييز بين ما يعتبر مشروعاً أو غير مشروع من وجهة نظر قانونية.
3- التكييف القانوني لموضوع الحرب: من حيث ترتيب معايير يمكن الاحتكام إليها في تفنيد شرعية الحرب كأداة في سياسات الدول من عدم شرعيتها، وأيضاً التعرض لتحليل الآثار القانونية المترتبة على الحرب، مثل: حالات الضم والإلحاق والاحتلال، ونطاق الحماية الخاصة لفئة المقاتلين والمدنيين، والحقوق والواجبات التي يرتبها القانون الدولي للأطراف المتحاربة([8]).
4- تسوية المنازعات الدولية بالطرق القانونية والدبلوماسية (التفاوض)([9]): من حيث تحليل كافة الطرق والإجراءات المستخدمة في هذا الصدد، مثل: الوساطة، والمساعي الحميدة، والتوفيق، والتحقيق، والتحكيم، واللجوء إلى مجلس الأمن.
5- دراسة كيفية تكوين المنظمات الدولية والإقليمية والمحاكم الدولية، والأنظمة الخاصة بها وديباجتها، وأهم الوظائف والإجراءات التي تحكم عملها: قواعد التصويت، وشروط الانضمام والعضوية، والتزامات الدول الأعضاء، وفعاليتها في النظام الدولي، إضافة إلى دراسة ظروف النشأة والمتغيرات المحيطة بها، وعوامل البقاء والاستمرارية والانتهاء، والدور المؤثر الذي يمكن أن تطلع به في سياسات الدول.
ثانياً: نظرية الصراع الدولي
حيث يشير البعض إلى الصراع على أنه اختلاف في وجهات النظر بين طرفين أو أكثر حول موضوع معين بحيث يدرك أحدهما بوجود تناقض واضح لهذا الأمر، مما يترتب عليه سلوك من أحد الأطراف كرد فعل على التناقض الحاصل([10]). وهنالك الكثير من الخلط ما بين الصراع والحرب، على أن الأخير يشكل أعلى مراحل الصراع، كون الصراع لا يعني بالضرورة الحرب، بل أنه تنازع الإرادات الوطنية، وهذا التنازع الناتج عن اختلاف دوافع الدول في تصوراتها وأهدافها وتطلعاتها ومواردها وإمكانياتها، يقود إلى اتخاذ قرارات أو انتهاج سلوك وسياسات خلافية تقود بعضها إلى حالة الحرب والعداء([11]).
ومن هنا فإن الصراع كمفهوم يأخذ جوانب كثيرة وصوراً عديدة، بصورة منافسة أو نزاع، سواء أخذ جانب المواجهة المباشرة من خلال استخدام القوة سواء اقتصادية أو عسكرية، أو على شكل نزاع دون أن يأخذ مواجهة عسكرية مباشرة ومثال ذلك: الصراعات الدولية على الموارد المائية، أو النزاعات الدولية على الحدود المشتركة مابين الدول، بل أنه امتد إلى صور أخرى مثل: الاحتجاجات والمظاهرات والاضطرابات التي تنشأ داخل الدول- تقود بعضها إلى نزاعات داخلية أو حالة تدخل دولي. كذلك فإن الصراع تتنوع أدواته بين الإيجابية والسلبية، مثل: الضغط، والحصار، والاحتواء، والتهديد، والعقاب، والتفاوض، والمساومة، والإغراء، والتنازل والتحالف، والتحريض، والأعمال الثأرية، والتخريب، والتآمر، والتجسس.
لذلك اهتم العديد من المفكرين بالصراع الدولي والذي ظهر منذ القدم وبصورة أكثر فعالية بظهور الدول القومية وما صاحبها من مصالح وتناقضات، فأصبح الصراع أكثر شمولية وتأثير في حياة الدول، فكان الصراع بين الشرق والغرب والذي شكل جانباً مؤثراً في العلاقات الدولية، يمكن من خلاله تفسير الصراعات والحروب القائمة حتى يومنا هذا([12]).
كما أنه سلوك واضح داخل النظام الدولي يحدد حركة الدول في محيطها الداخلي والإقليمي والدولي، ويساعد على فهم التناقضات القائمة بين الدول، وتوجهها نحو الحرب، وإمكانية التنبؤ بتصرفاتها وطبيعة علاقاتها مع شعوبها ومع الدول الأخرى([13]).
هنالك العديد من المداخل والمنطلقات النظرية في دراسة وتفسير الصراع في العلاقات الدولية والتي تتركز على المداخل الرئيسية التالية: (السيكولوجي، والإيديولوجي، والمصالح القومية، والاقتصادي، وسباق التسلح... الخ).
تبرز أهمية نظرية الصراع الدولي كأحد النظريات المفسرة في العلاقات الدولية في دراسة القانون الدولي الإنساني من خلال تناول تحديد طبيعة الصراع القائم بين الدول، والسلوك المترتب عليه في ضوء إمكانية الوصول إلى ترتيبات خاصة تضمن بقاء أو انتهاء حالة الصراع، والنتائج المترتبة علية، ومدى التزام الدول في تطبيق قواعد القانون الدولي الإنساني وكفالة احترامه.
فالصراع العربي الإسرائيلي كصراع دولي شكل نموذجاً متناقضاً في بعده الداخلي والإقليمي والدولي، الأمر الذي ترتب عليه سلوكيات مختلفة، تنبأت بخيارات الانفراج والتعقيد في حل الصراع، وأبرزت الضعف الواضح في تطبيق القانون الدولي الإنساني وعدم التزام إسرائيل بقواعده.
نجد في قراءة السياسة الخارجية الإسرائيلية أن القوة المسلحة واللجوء إلى حالات التهديد والحرب، هي أحد أدواتها وهدفاً رئيساً تسعى من خلاله إلى تحقيق مصالحها، على الرغم من عدم مشروعيتها، والآثار المترتبة عليها من ارتكاب انتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني بحق الفلسطينيين.
ثالثاً: النظرية الواقعية
تعتبر من أبرز نظريات العلاقات الدولية تفسيراً ووضوحاً في تقديم رؤية واضحة لما يحدث من تغيرات وتطورات في النظام الدولي، تحديداً في علاقة الدول فيما بينها وعلاقة الأفراد والجماعات، والعلاقة بين الدولة والفرد.
وترتكز هذه النظرية على مفهوم القوة في تحديد توجهات وسلوكيات الدول على المستوى الداخلي والدولي، وتفسير تصرفات الدول ودوافع ومؤثرات اتخاذ القرار في سياستها الداخلية والخارجية([14]).
تطورت هذه النظرية بشكل واضح بعد الحرب العالمية الثانية وما تبعها في فترة أدت إلى تحويل التفكير الدولي من المثالية إلى العقلانية، أي في القانون والتنظيم، إلى عنصر القوة في العلاقات الدولية، فركزت على ضرورة الأخذ بالدروس المستفادة في التاريخ لتدعيم وجهة نظرهم، وعدم إعطاء دور بارز للرأي العام لعدم قدرته على تحقيق السلام العالمي، وترى بأن الدولة القومية وحدة التحليل الأساسية.
كما يرفض الواقعيون فكرة وجود تناسق في المصالح بين الدول، بل يرون بتضارب مصالحها لحد الوصول إلى احتمالية حدوث حرب، كما يعطون دوراً كبيراً لإمكانيات الدولة المتفوقة في تحديد نتيجة الصراع الدولي، والتأثير بالدول الأخرى، كما يرى الواقعيون بأن القوة ليست مقتصرة فقط على الجانب العسكري، بل هناك جوانب أخرى كالاقتصادية والديمقراطية والإيديولوجية وغيرها، ومع ذلك فإن الواقعيون لا يغفلون ضرورة تحقيق السلام العالمي ولو باللجوء إلى القوة كأساس لذلك، وإن كنا نرى في هذا الأمر نوع في التناقض كعوامل ثابتة في تشكيل السلوك الدولي.
ويرى الواقعيون بأن الطبيعية الإنسانية تتصف بالجمود ومن الصعب تغييرها وهي تتسم بالشرور والخطيئة، ويرى الواقعيون بضرورة الاهتمام بتوازن القوى كوسيلة أساسية في تحقيق السلام العالمي، وأن المبادئ المعنوية والأخلاقية ليس لها محل في العلاقات الدولية ومن الصعوبة تطبيقها على السلوك الدولي([15]).
ووفق هذه النظرية يمكن تفسير رفض العديد من الدول وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية للتوقيع على عدد من الاتفاقيات الدولية وبشكل خاص المتعلقة بالقانون الدولي الإنساني فمثلاً: نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية ترفض التوقيع على اتفاقية كيوتو للتغيرات المناخية، ورفضها التوقيع على اتفاقية سولت 2، ورفضها التوقيع على المحكمة الجنائية الدولية، ودفعها مجلس الأمن لإصدار قرار بمنع مثول الرعايا الأمريكيين أمام المحكمة الجنائية الدولية العامة، ورفض التوقيع على اتفاقية حظر ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948([16])، ورفضها للعديد من القرارات التي تجرم إسرائيل لارتكابها انتهاكات مخالفة للقانون الدولي الإنساني، وبشكل خاص موضوع الجرائم الدولية.
وكذلك تقدم هذه النظرية تفسيرات حول غريزة الإنسان ورغبته في السيطرة والقوة والعدوان، ولجوء الدول إلى الحرب والصراع من أجل السلطة والمصلحة، وتفسير انتهاكات الدول المستمرة لقواعد القانون الدولي الإنساني، وعدم الالتزام بتطبيق قواعده. وفي تفسير حالات التدخل الدولي لعدد من الدول والانتهاكات المستمرة لسيادة الدول الأخرى، وعمليات الاحتلال والآثار المترتبة على كل ذلك، وفي تفسير الاستخدام المفرط للقوة واللجوء لحالة الحرب والتسلح الدولي، وعدم التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، بل يمتد ذلك إلى تفسير ارتكاب الدول والأفراد للجرائم الدولية فترة السلم والحرب.
مقدمة
شكل عقد التسعينات وبالذات عامي 1998، 1999 الاحتفال العالمي باليوبيل الذهبي لكل من:
· الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، والذي شكل ركيزة رئيسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان.
· معاهدة حظر ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية 1948.
· إقرار النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في يوليو عام 1998، والتي دخلت حيز التنفيذ عام 2002، والتي يُعقد عليها الآمال الكبيرة لضمان احترام قواعد القانون الدولي الإنساني.
· شكلت اتفاقية لاهاي لعام 1899، والتي مرّ عليها قرن في العام 1999 واتفاقيات جنيف الأربعة في أغسطس عام 1949 الركائز الأساسية للقانون الدولي الإنساني.
· في العام 2004 مرّ اليوبيل الذهبي لاتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في فترات النزعات المسلحة .
ومن هنا يتبادر للذهن السؤال التالي: ما مدى نجاح المجتمع الدولي في كفالة احترام حقوق الإنسان على صعيد المجتمعات الوطنية وضمان آلية فعّالة لتنفيذ قواعد القانون الدولي الإنساني على صعيد العلاقات بين الدول؟
خلال العقود الماضية شكلت مسألة حقوق الإنسان الأساسية أمراً مستعصياً وموضوع الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني أمراً بعيد المنال في ظل وجود انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في جميع المجتمعات البشرية بما فيها المجتمعات المتقدمة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. وذلك ما تشير إليه النشرات الصادرة عن وسائل الإعلام الجماهريه، وتقارير المنظمات الدولية.
وانتشر موضوع انتهاك حقوق الإنسان من خلال عمليات القتل والتنكيل حتى على مستوى المجتمعات الوطنية المرتبطة بالسياسة العامة للدولة في الأنظمة التسلطية. ويعتبر مثال كمبوديا في السبعينات وما تعرضت له من (بوت بوت، والخمير الحمر) دليلاً على هذه الانتهاكات ضمن أنظمة الحكم التسلطية.
ومن أمثلة الدول الآسيوية التسلطية: فيتنام، الصين، كوريا، أفغانستان وإيران. وفي أفريقيا: سياسة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وأحداث سيوتو في بريتوريا عام 1976 التي أدت إلى مقتل المئات من السود على يد البيض، وحكم مسنجو في اثيوبيا، والحكم التسلطي في أفريقيا الوسطى. وفي أمريكيا اللاتينية: حكم بتستا في كوبا وبونشيه في تشيلي. وفي أوروبا: حكم ستالين في الاتحاد السوفيتي، هتلر في ألمانيا، فرانكو في اسبانيا، تشاوشيسكو في رومانيا، وموسيليني في ايطاليا. وأنظمة الحكم التسلطية في معظم الدول العربية مثالاً على انتهاكات حقوق الإنسان فقد انتشرت ظاهرة العنف المسلح بين الدول، وداخل الدولة الواحدة، والتي أكدت على الانتهاكات الجسيمة لقواعد القانون الإنساني تجاوزتها إلى جريمة الإبادة الجماعية على أساس مذهبي وعرقي وديني وإيديولوجي كما حدث في رواندا، والبوسنة والهرسك، وكوسوفو، والصومال، والعراق، وإقليم دارفور، وما حدث ويحدث في فلسطين([17]).
أدى انتشار ظاهرة انتهاك حقوق الإنسان وقت السلم والنزاعات المسلحة إلى تحفيز المجتمع الدولي لتطوير قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، وقواعد القانون الدولي الإنساني على عدة مستويات منها([18]):
1. المستوى التشريعي: وضع قواعد موضوعية على سلوك الدول، تفرض عليها الالتزام بمبادئ القانونين.
2. المستوى الإجرائي المؤسسي: تطبيق آلية الرقابة والمساءلة لدفع الدول للالتزام بهذه القواعد من أجل احترام وحماية حقوق الأفراد وممتلكاتهم.
وهناك مجموعه من الاعتبارات شكلت دافعاً للمجتمع الدولي من أجل وضع قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني حيز التنفيذ وهي على ثلاثة مستويات:
3. المستوى الأخلاقي: لقد شكلت الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تحدياً صريحاً للضمير الإنساني الجماعي، والذي تولّد لديه إدراك ومن خلال وسائل الإعلام الفورية بأن هذه الانتهاكات سوف ينتج عنها آثار مدمرة على البشرية مثل :
1- قتل الملايين من الأرواح.
2- إحداث إصابات عديدة وجسيمة ومستدامة.
3- تشريد الملايين من الناس (نازحين ولاجئين).
4- إحداث خسائر مادية كبيرة من خلال إهدار الموارد الاقتصادية والعدوان على البيئة والتراث الحضاري والثقافي والفني للبشر.
4. المستوى القانوني: ويتضح ذلك من خلال أمرين:
1- إن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان شكلت تحدياً صريحاً للشرعية الدولية. ولا سيما أن معظم قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني تشكل:
· قواعد عرفية دولية عامة؛ بحكم تواتر العمل عليها.
· مبادئ قانونية دولية عامة تم استقبالها في جميع الدول كنظام قانوني وطني رئيسي مثل النظام القانوني المصري.
· اعتراف المجتمع الدولي بأنها قواعد آمره. تفرض التزام مطلق على جميع الدول ولا يجوز مخالفتها بأي شكل من الأشكال.
2- إن هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تدرج ضمن قائمة الأعمال الدولية المحرمة ( أي تخضع لمبدأ المساءلة الجنائية على الصعيد الوطني والدولي).
5. المستوى الأمني: إن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان شكلت تهديداً للأمن والسلم الدوليين. وتتضح العلاقة المترابطة بين احترام حقوق الإنسان وحفظ السلم والأمن الدوليين من خلال ما أكدت عليه مبادئ وأهداف منظمة الأمم المتحدة وخاصة في المادة الأولى المتعلقة بحفظ الأمن والسلم الدوليين، من خلال احترام حقوق الإنسان وحريات الناس الأساسية، فقد تدخلت المنظمات الدولية من خلال تطبيق آلية الأمن الجماعي ضمن الفصل السابع من الميثاق، ومن خلال إرسال القوات الدولية لحفظ الأمن والسلم الدوليين، وبمقتضى هذا الأمر أصبحت الدول بشكل منفرد، أو جماعي تتدخل في شؤون الدول الأخرى وفقاً للاعتبارات الإنسانية سواء بتفويض من المنظمات الدولية أو عدم التفويض للحد من الانتهاكات لحقوق الإنسان وكإجراء وقائي للحيلولة دون حدوث ذلك.
المبحث الأول :مفهوم القانون الدولي الإنساني
ظهر مفهوم القانون الدولي الإنساني بشكل حديث نسبياً بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة من خلال اتفاقيات جنيف الأربعة (أغسطس 1949) وبروتوكولي جنيف لعام 1977.
ويعرف القانون الدولي الإنساني بأنه" جملة القواعد التي تحمي في زمن الحرب الأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال العدائية، أو الذين كفوا عن المشاركة فيها، وتقييد استخدام أساليب ووسائل القتال. وتتمثل غايته الأساسية في الحد من المعاناة البشرية ودرئها في زمن النزاعات المسلحة. ولا يقتصر الالتزام بقواعد القانون على الحكومات وقواتها المسلحة فحسب، وإنّما يمتد ليشمل أيضاً جماعات المعارضة المسلحة وغيرها من أطراف النزاعات"([19]). وشاع استخدام قانون الحرب قبل تلك الفترة، فظهرت عدة كتابات للتحدث عن هذا الأمر منها([20]):
- كتاب (قانون الحرب) لـ جنتيلية عام 1598.
- كتاب (قانون الحرب والسلم) لأبي القانون هوجودي بروت عام 1625.
وارتبط قانون الحرب بموضوعين مختلفين ومتكاملين هما([21]):
أولاً: الحق في الحرب (مشروعية الحرب): مشروعية الدول في استخدام القوة في علاقاتها الدولية لتحقيق مصالحها القومية.
ثانياً: قانون الحرب (في كيفية إدارة سير الأعمال القتالية) ومدى شرعية وسائلها وأدواتها وما يترتب عليها من آثار على الأفراد والممتلكات.