صفحة 1
المقدمة
«الولد المقاتل»، هو صورة تعكس خصائص عصرنا، حيث يقدّر عدد الأولاد المقاتلين اليوم بـ300 ألف ولد وفقاً لمنظّمة اليونيسف. وهذا الانفجار يعود بوضوح إلى تكاثر الحروب الأهليّة؛ فبوسعنا أن نُحصيَ حاليّاً ثلاثين حرباً، بعضها ما زال مستمرّاً منذ أمد طويل. وهذه النزاعات المنسيّة أحياناً هي على الدوام دامية ولا نهاية لها.
إنَّ تجنيد المقاتلين الأولاد ليس ظاهرة محدودة بحروب العالم الثالث أو في المناطق المعروفة بأنّها مناطق «متوحشة»، لأنَّ هذا التجنيد يحدث حتماً هناك وحيثما تجتمع عناصره، أيّاً كان البلد. فالحرب في كوسوفو وفي الدول الأوروبيّة دامت ـ على أكثر تقدير ـ عاماً ونصف العام، ومع ذلك فإنّنا شهدنا ارتفاعاً في وجود الأولاد المقاتلين في صفوف جيش تحرير كوسوفو UK فماذا لو أنّ النزاع قد تأبّدَ؟
تفسّر هذه الظاهرة جزئيّاً بطبيعة النزاعات «الحديثة». بالفعل، ومنذ زمن بعيد، تدور الحرب بصورة أساسيّة بين الجيوش وتُوقع القليل من الضحايا بين المدنيين. فالحرب بين عامي 1914 و1918 كانت مُرعبة في ظلّ وجود شباب مُضَحّى بهم، لكنّها كانت حرب جيش ضد جيش، وخاضعة إلى «سلطة الأب». وقد قدِّر عدد الضحايا المدنيين بـ5% كحدّ أقصى. أمّا الحرب العالميّة الثانيّة فقد كانت مخيفة، بخاصّة في نهايتها، في مرحلة القصف العنيف: لقد كان 45% من الضحايا مدنيين، بين قتلى وجرحى ومُهجَّرين. ومع ذلك بلغ هذا العدد في السنوات العشرالأخيرة، عتبة الـ90% (1). هذا التزايد الدراماتيكي يعود في الواقع إلى أنّ النزاعات المسلّحة أخذت أكثر فأكثر شكل الاضطرابات المدنيّة المُعَمّمة، حيث الصراع لم يكن فقط بين تشكيلات عسكريّة (جيوش /حروب عصابات/متمرّدون/ميليشيات)، لكن أيضاً صراعات بين تشكيلات اثنيّة ودينيّة، وسكانية من خلال حروب شوارع أو حروب قرية ضدّ أخرى. كذلك فإنَّ العنف في استخدام الوسائل المتنوعة لم يعرف حدوداً البتّة: عمليّات اغتصاب، اعتماد سياسة الأرض المحروقة وتسميم الآبار وصولاً إلى التطهير الاثني وإلى الإبادات الجماعيّة. في ظلّ هذه الفوضى الاجتماعية والسياسية التي نجمت عن كلّ ذلك (والتي من الممكن أن تستمرّ عشرات السنين) ما من أحدٍ عاد وكلّف نفسه عناء مراعاة القواعد الدوليّة للحرب التي نصت عليها معاهدة جنيف ومعاهدة حماية حقوق الطفل لأنه، في مثل هذه المجتمعات المجزّأة، ننسى جميعاً أبسط مبادئ الحرب، بقوانينها ومحظوراتها وأماكنها المقدّسة.
يبقى الأولاد وبنادقهم... حيث قَلَبَ الأولاد المقاتلون اللعبة اعتماداً على ما تخوِّلهم البندقية من سلطة: فتحوّلوا من ضحايا إلى جلّادين وأثبتوا «وحشيّتهم» بقتل أقارب وأصدقاء وجيران وأساتذة ومواطنين.
لكن ما شأن الأولاد في حروب الراشدين؟
إنّهم يَسعون قبل كلّ شيء لتدعيم الجماعات المسلحة التي تعوزها سواعد مقاتلة، جرّاء ارتفاع عدد القتلى في صفوفها أو جرّاء انسحاب المتقاتلين الخائبين سياسيّاً. ويُصبح حينها مُلحّاً تجديد العديد ورصّ الصفوف واستدعاء الأولاد، هؤلاء الأدوات المطواعة والليّنة العريكة. وغالباً ما يُجَنَّدُون بداية في وظائف ثانوية (طهاة، حمّالون، حجّاب، إلخ). ويصبحون بسرعة فائقة أدوات سهلة الانقياد لا تطرح أسئلة وتفعل ما يطلبه منها رؤساؤها. وغالباً ما يَتطوّعون بأنفسهم، رغبة في التخلّص من الخواء الاجتماعي والسياسي الذي يحيط بهم أو هرباً من الجوع. وسواء جُنّدوا داخل القوى الحكوميّة أم داخل المجموعات المسلّحة المعارضة، فبالإمكان أن يُدفعوا إلى المعركة في كلّ لحظة. والفارق هنا يتمثل في أن «الفتى المجنّد» والذي هو عضو في القوى الحكوميّة المسلّحة منظّم ومضبوط بفعل النّظام والقانون اللّذين هما رهينة شخص واحد ألا وهو «الرئيس». هذا الأخير يمثّل الأب الرمزي لهرمية الدولة حيث يكمن دوره في إخراج الكراهية كموضوع سيئ من المجتمع وتصويبه نحو العدوّ. فحماية البلاد هي نضال مشروع وفعل القتل مشروع بموجب حقّ الدفاع عن القيم. إنّ العلاقات الاجتماعية مُوطَّدة عبر الحبّ، والإخاء والتّضحية، لكن في الحرب الأهليّة، فالسياق معكوس: موضوع الكراهية ينتقل إلى داخل المجموعة بواسطة رؤساء الميليشيات، ويتمّ توظيفه داخل الشبكة الاجتماعيّة. إنَّ كلّ مواطن يُمكن أن يُصبح العدوّ اللدود للآخر، الأمر الذي يخلق مناخاً من العنف والريبة المُعمّمة، ويُلقى الولد المقاتل في هذا الجحيم حيث السيادة لصراع الإخوة وحده.
وحينما يسعى أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 15 ـ 16 سنة إلى أن يعترضوا، فإنّ الرؤساء يفرضون عليهم قواعد عسكريّة تخدم مصالحهم البديهيّة. فقاعدة «نفّذ ثمّ اعترض» تستخدم بصورة تعسّفية في صفوف الأولاد المقاتلين. لكن، كما قال أحد الأولاد المُقاتلين ـ السابق ـ «نستنتج بعد حين أنّ الوقت أصبح متأخّراً للاعتراض وما حصل قد حصل».
فكما يشهد عليه لفظ «الرَّجّالة» (أو infanterie بالفرنسية) الذي يعني اليوم «الجيش الرّاجل» أي المشاة، شارك الأولاد في الحملات العسكريّة منذ وقت طويل. لقد كانوا يُستخدمون نوتيين على متن السفن الحربيّة أو كقارعي طبول في ساحات الوغى. وفي كلّ مرّة كان السلاح ثقيلاً جدّاً عليهم فلم يحملوه إلّا نادراً. لقد سهُل إلى حدٍّ بعيد استخدامهم كمقاتلين، في أيّامنا هذه، من خلال ظهور السلاح الخفيف في السوق وبثمن زهيد: فهو يعادل قيمة دجاجة في أوغندا، وعنزة في شمال كينيا، وإذا كان تعقيد استخدامها جعلها سابقاً محصورة بالراشدين، فهي اليوم في متناول الأولاد الصغار.
إنّ غالبية هؤلاء هم ممن يتناولون المخدّرات، ولقد درّبوا على فنون التعذيب وعلى بتر الأعضاء والقتل؛ إنهم أولاد تراوحت أعمارهم في الغالب بين 10 و15 سنة، وهم أكثر المقاتلين وحشيّة. لقد أرعب هؤلاء المراهقون كلّ العالم مع شيوع الحواجز في لبنان وسيريلانكا وزائير وإيران وسيراليون وغيرها.
لقد كانوا جميعاً بالهيئة نفسها: وجوه أولاد ونَظَرَات قتلة، مُعتادون على الجبهات، متوترون، الإِصبع على الزناد - وغالباً ما يكونون مُخدّرين بمادّة الانفيتامين أو الحشيش أو الكحول أو الكوكايين، وأحياناً يتناولون كلّ هذه الأشياء في آن. هم لا يلعبون أدواراً في الحرب، إنهم الحرب نفسها. ينتقلون من مقاتلين صغار فيصبحون كومندوس، يعرفون كيف يُلغّمون أرضاً ويذبحون خفيراً. في سن الـ 14 عاماً، يُعَدّون مقاتلين قدامى. الجسد مثقل بالندوب والنفس أشلاء. لقد حطمتهم التي اسـتخدمتهم باستغلال دوافعهم الخاصّة وسعيهم البلوغي ـ زمن الصدمة الجنسيّة بامتياز ـ ودفعتهم إلى حافة الهاوية، حيث يصبح الموت أمراً حتمياً.
«الولد المقاتل»، هو صورة تعكس خصائص عصرنا، حيث يقدّر عدد الأولاد المقاتلين اليوم بـ300 ألف ولد وفقاً لمنظّمة اليونيسف. وهذا الانفجار يعود بوضوح إلى تكاثر الحروب الأهليّة؛ فبوسعنا أن نُحصيَ حاليّاً ثلاثين حرباً، بعضها ما زال مستمرّاً منذ أمد طويل. وهذه النزاعات المنسيّة أحياناً هي على الدوام دامية ولا نهاية لها.
إنَّ تجنيد المقاتلين الأولاد ليس ظاهرة محدودة بحروب العالم الثالث أو في المناطق المعروفة بأنّها مناطق «متوحشة»، لأنَّ هذا التجنيد يحدث حتماً هناك وحيثما تجتمع عناصره، أيّاً كان البلد. فالحرب في كوسوفو وفي الدول الأوروبيّة دامت ـ على أكثر تقدير ـ عاماً ونصف العام، ومع ذلك فإنّنا شهدنا ارتفاعاً في وجود الأولاد المقاتلين في صفوف جيش تحرير كوسوفو UK فماذا لو أنّ النزاع قد تأبّدَ؟
تفسّر هذه الظاهرة جزئيّاً بطبيعة النزاعات «الحديثة». بالفعل، ومنذ زمن بعيد، تدور الحرب بصورة أساسيّة بين الجيوش وتُوقع القليل من الضحايا بين المدنيين. فالحرب بين عامي 1914 و1918 كانت مُرعبة في ظلّ وجود شباب مُضَحّى بهم، لكنّها كانت حرب جيش ضد جيش، وخاضعة إلى «سلطة الأب». وقد قدِّر عدد الضحايا المدنيين بـ5% كحدّ أقصى. أمّا الحرب العالميّة الثانيّة فقد كانت مخيفة، بخاصّة في نهايتها، في مرحلة القصف العنيف: لقد كان 45% من الضحايا مدنيين، بين قتلى وجرحى ومُهجَّرين. ومع ذلك بلغ هذا العدد في السنوات العشرالأخيرة، عتبة الـ90% (1). هذا التزايد الدراماتيكي يعود في الواقع إلى أنّ النزاعات المسلّحة أخذت أكثر فأكثر شكل الاضطرابات المدنيّة المُعَمّمة، حيث الصراع لم يكن فقط بين تشكيلات عسكريّة (جيوش /حروب عصابات/متمرّدون/ميليشيات)، لكن أيضاً صراعات بين تشكيلات اثنيّة ودينيّة، وسكانية من خلال حروب شوارع أو حروب قرية ضدّ أخرى. كذلك فإنَّ العنف في استخدام الوسائل المتنوعة لم يعرف حدوداً البتّة: عمليّات اغتصاب، اعتماد سياسة الأرض المحروقة وتسميم الآبار وصولاً إلى التطهير الاثني وإلى الإبادات الجماعيّة. في ظلّ هذه الفوضى الاجتماعية والسياسية التي نجمت عن كلّ ذلك (والتي من الممكن أن تستمرّ عشرات السنين) ما من أحدٍ عاد وكلّف نفسه عناء مراعاة القواعد الدوليّة للحرب التي نصت عليها معاهدة جنيف ومعاهدة حماية حقوق الطفل لأنه، في مثل هذه المجتمعات المجزّأة، ننسى جميعاً أبسط مبادئ الحرب، بقوانينها ومحظوراتها وأماكنها المقدّسة.
يبقى الأولاد وبنادقهم... حيث قَلَبَ الأولاد المقاتلون اللعبة اعتماداً على ما تخوِّلهم البندقية من سلطة: فتحوّلوا من ضحايا إلى جلّادين وأثبتوا «وحشيّتهم» بقتل أقارب وأصدقاء وجيران وأساتذة ومواطنين.
لكن ما شأن الأولاد في حروب الراشدين؟
إنّهم يَسعون قبل كلّ شيء لتدعيم الجماعات المسلحة التي تعوزها سواعد مقاتلة، جرّاء ارتفاع عدد القتلى في صفوفها أو جرّاء انسحاب المتقاتلين الخائبين سياسيّاً. ويُصبح حينها مُلحّاً تجديد العديد ورصّ الصفوف واستدعاء الأولاد، هؤلاء الأدوات المطواعة والليّنة العريكة. وغالباً ما يُجَنَّدُون بداية في وظائف ثانوية (طهاة، حمّالون، حجّاب، إلخ). ويصبحون بسرعة فائقة أدوات سهلة الانقياد لا تطرح أسئلة وتفعل ما يطلبه منها رؤساؤها. وغالباً ما يَتطوّعون بأنفسهم، رغبة في التخلّص من الخواء الاجتماعي والسياسي الذي يحيط بهم أو هرباً من الجوع. وسواء جُنّدوا داخل القوى الحكوميّة أم داخل المجموعات المسلّحة المعارضة، فبالإمكان أن يُدفعوا إلى المعركة في كلّ لحظة. والفارق هنا يتمثل في أن «الفتى المجنّد» والذي هو عضو في القوى الحكوميّة المسلّحة منظّم ومضبوط بفعل النّظام والقانون اللّذين هما رهينة شخص واحد ألا وهو «الرئيس». هذا الأخير يمثّل الأب الرمزي لهرمية الدولة حيث يكمن دوره في إخراج الكراهية كموضوع سيئ من المجتمع وتصويبه نحو العدوّ. فحماية البلاد هي نضال مشروع وفعل القتل مشروع بموجب حقّ الدفاع عن القيم. إنّ العلاقات الاجتماعية مُوطَّدة عبر الحبّ، والإخاء والتّضحية، لكن في الحرب الأهليّة، فالسياق معكوس: موضوع الكراهية ينتقل إلى داخل المجموعة بواسطة رؤساء الميليشيات، ويتمّ توظيفه داخل الشبكة الاجتماعيّة. إنَّ كلّ مواطن يُمكن أن يُصبح العدوّ اللدود للآخر، الأمر الذي يخلق مناخاً من العنف والريبة المُعمّمة، ويُلقى الولد المقاتل في هذا الجحيم حيث السيادة لصراع الإخوة وحده.
وحينما يسعى أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 15 ـ 16 سنة إلى أن يعترضوا، فإنّ الرؤساء يفرضون عليهم قواعد عسكريّة تخدم مصالحهم البديهيّة. فقاعدة «نفّذ ثمّ اعترض» تستخدم بصورة تعسّفية في صفوف الأولاد المقاتلين. لكن، كما قال أحد الأولاد المُقاتلين ـ السابق ـ «نستنتج بعد حين أنّ الوقت أصبح متأخّراً للاعتراض وما حصل قد حصل».
فكما يشهد عليه لفظ «الرَّجّالة» (أو infanterie بالفرنسية) الذي يعني اليوم «الجيش الرّاجل» أي المشاة، شارك الأولاد في الحملات العسكريّة منذ وقت طويل. لقد كانوا يُستخدمون نوتيين على متن السفن الحربيّة أو كقارعي طبول في ساحات الوغى. وفي كلّ مرّة كان السلاح ثقيلاً جدّاً عليهم فلم يحملوه إلّا نادراً. لقد سهُل إلى حدٍّ بعيد استخدامهم كمقاتلين، في أيّامنا هذه، من خلال ظهور السلاح الخفيف في السوق وبثمن زهيد: فهو يعادل قيمة دجاجة في أوغندا، وعنزة في شمال كينيا، وإذا كان تعقيد استخدامها جعلها سابقاً محصورة بالراشدين، فهي اليوم في متناول الأولاد الصغار.
إنّ غالبية هؤلاء هم ممن يتناولون المخدّرات، ولقد درّبوا على فنون التعذيب وعلى بتر الأعضاء والقتل؛ إنهم أولاد تراوحت أعمارهم في الغالب بين 10 و15 سنة، وهم أكثر المقاتلين وحشيّة. لقد أرعب هؤلاء المراهقون كلّ العالم مع شيوع الحواجز في لبنان وسيريلانكا وزائير وإيران وسيراليون وغيرها.
لقد كانوا جميعاً بالهيئة نفسها: وجوه أولاد ونَظَرَات قتلة، مُعتادون على الجبهات، متوترون، الإِصبع على الزناد - وغالباً ما يكونون مُخدّرين بمادّة الانفيتامين أو الحشيش أو الكحول أو الكوكايين، وأحياناً يتناولون كلّ هذه الأشياء في آن. هم لا يلعبون أدواراً في الحرب، إنهم الحرب نفسها. ينتقلون من مقاتلين صغار فيصبحون كومندوس، يعرفون كيف يُلغّمون أرضاً ويذبحون خفيراً. في سن الـ 14 عاماً، يُعَدّون مقاتلين قدامى. الجسد مثقل بالندوب والنفس أشلاء. لقد حطمتهم التي اسـتخدمتهم باستغلال دوافعهم الخاصّة وسعيهم البلوغي ـ زمن الصدمة الجنسيّة بامتياز ـ ودفعتهم إلى حافة الهاوية، حيث يصبح الموت أمراً حتمياً.
صفحة 2
إنّه لمن المستحيل أن نبقى لا مبالين حيال مثل تلك الحوادث الخطيرة التي تزعزع العالم. والأهميّة التي أوليها للأولاد المقاتلين تعود إلى مرحلة عشتها، وإلى مساري الفكري والعاطفي أيضاً. لقد اختبرت بنفسي تجربة الحرب الأهلية اللبنانيّة منذ عشرين عاماً. وخلال تلك الحرب، كان المراهق منذ البداية «مستخدماً كآلة قتل» يدربه الكبار على إحداث الرعب. بدايات هذا المشهد كانت في السابع من كانون أول/ديسمبر عام 1975. هذا التاريخ المُقدّر وَسَمَ الكبار (الآباء، قادة الميليشيات، والسياسيين) في فعلة «القتل البنوي» القاسية المركبة بحق هؤلاء الأولاد. ويدفع تكرار ارتكاب تلك الفظائع القصوى إلى البحث عن العناصر التي تُسهم في فهم آليّات الحرب والعنف والهدم بغية وضع حدٍّ لها. وفيما يتعدى البيّنة الآيلة إلى إيقاظ الوعي، يكمن هدفي في إطار التحليل النفسي، أن أفتح الطريق أمام الأعمال الجديدة التي تتناول الصدمات النفسيّة الخطيرة بقصد إعداد ما من شأنه تقديم الدعم على المستويين الوقائيّ والعلاجيّ.
فكلّ حرب تطول تقلب المعايير وتحدث ارتدادات. فهي لا تفتك بالبنى الاقتصاديّة وحسب، لكن بالبنى الاجتماعيّة أيضاً وبركائزها، حيث يصبح تكوين البنى الاجتماعية مجدّداً أمراً في غاية الصعوبة.
في لبنان ومنذ نهاية الحرب، تركز الحكومة الجهد لإعادة بناء البلاد مع إعطاء الأولوية للحجر، وإهمال البشر، كأنّ الحرب لم تمس الفرد سواء أكان مدنيّاً أو مقاتلاً أو راشداً أو ولداً أو مراهقاً... في لبنان، لم تدمّر الحرب رسميّاً إلّا البنية التحتيّة والاقتصاديةّ و«الحجر»؛ واللبنانيّون خرجوا سالمين! مع العلم أن هذه العجالة لمحو كلّ أثر للحرب هي حقيقة محاولة لنفي كلّ ما حصل: ما نقصده هنا هو قانون العفو «العام». لكن لماذا هذا السعي الحثيث نحو النّسيان ولمحو آثار كلّ ما حدث؟ وهل الناس مرعوبون من الوحشيّة التي ارتكبوها أو شاهدوها؟ باختصار يتعلّق الأمر هنا بصدمة جماعيّة: الجماعة مُسَّت في اعتقاداتها وبأخلاقها من جرّاء انتهاك مقدّساتها ومحرّماتها. لكن بالنسبة إلى الفرد، الصدمة لها معنى خاص متّصل بالفرد ومعاناته الخاصّة. ومن حق المرء التخوّف من النتائج المشؤومة، بالنسبة إلى المجتمع كما بالنسبة إلى الفرد، التي يمكن أن ينتجها مثل هكذا رفض لتحمّل مسؤولية التاريخ بصورة لا محالة، إذ إنّه يوصد الباب بوجه الحداد والعمل على الذاكرة الذي لا غنى عنه في إعادة البناء النفسي لكلّ اللاعبين في الحرب، وفي مقدمهم الأولاد المقاتلون.
لكن ماذا حل بهؤلاء المتقاتلين بعد عشر سنوات؟ ولماذا لم نعد نراهم في بيروت؟ لماذا يتوارون عن الأنظار، في حين أصبح رؤساؤهم قادة البلاد الجدد؟ ولماذا نجدهم بهذه الأعداد الكبيرة في مراكز المعالجة من الإدمان؟ ولماذا بقي آخرون أسرى نزوة الهدم داخل لعبتهم المرعبة «الروليت الروسي»؟ كيف يمكن لأيّ عملٍ تحليلي أن يقوم مع نتائجه العلاجيّة المفترضة في ظلّ هذه الوضعيات المولدة للصدمات (2)؟
لقد حدث شيء ما خطير جدّاً لهؤلاء الأولاد المقاتلين خلال الحرب. لقد أردت أن أفهم وأن أُحلّل أثر هذا العنف على نفسيّتهم، هذا العنف الممارس عليهم والممارسة من قبلهم في آن. وعليه فقد تبدّى لي بوضوح، لدى المقاتلين القدامى الذين التقيتهم، أنّ حادث الصدمة هذا لم يُكبت ولم يُنسَ. لقد مَكَثَ في الذاكرة. فالكبت بما هو آليّة دفاع، قد أَخفق. وهذه الذكرى المستحوذة تجتاح منذ ذلك الوقت كلّ حياتهم النفسيّة؛ إذ إنّ جزءاً كبيراً من الطاقة النفسيّة حوّل اتجاهه عن العلاقات مع الغير وانطوى ثانية في حقل العلاقات بين الفرد وصدمته النفسيّة. لقد استعاد الخطاب وانشغالات الشخص بلا توقّف تاريخ الصدمة دون أن يتوافر الوقت ولا المكان للتدامج الاجتماعي وللمشاعر.
ينبغي هنا أن أشير إلى أنني في البداية وحينما باشرت هذا العمل، الذي كان بحثاً في العيادة النفسيّة التحليلية، تخوّفت من لقاء هؤلاء الأولاد المقاتلين القدامى الذين كانوا مصدر خوف بالنسبة إليّ خلال الحرب. وعندما مثلَ سمير أمامي قائلاً: «لقد نفّذت مذبحة السبت الأسود»، لم أستطع أن أمنع نفسي من استعادة صورة المذبحة تلقائيّاً وأن أسأل نفسي أيضاً وأنا أنظر إليه: «هل هو الذي رمى القنبلة التي جرحت ابني؟».
إلا أنني كنت سريعة الدهشة بالمسافة التي توصّلت إلى اتخاذها حيال الوضعيات التي عشتها، وانفصلت بسرعة كبيرة عن هذا الماضي الثـقيل لأكون واقعية أكثر وأصيلة أكثر، وبالمحصّلة سأحاول، قدر المستطاع، توظيف حضوري في هذا العمل على أفضل وجه. فهل يعود ذلك ببساطة إلى أنّني قاربت الحقيقة «حقيقتي» عن طريق تجربة التحليل النفسي؟ بالمعنى الذي يقول، تبعاً لفرويد، «إنّ علاقة التحليل النفسي قائمة على حبّ الحقيقة، أي الإقرار والاعتراف بالواقع». ويمكنني القول في جميع الأحوال إنني أستطيع هنا أن أتصالح مع تجربة ثقيلة رزحت على حياتي زماناً طويلاً.
بهذه الكلمات التي أخطّ، أشهد على موت شخصية وولادتها، مُزَوّدة من الآن فصاعداً بحرِّيّتها وحقيقتها بعينها. وهناك بين الشخصيّة التي كنت والشخصية التي أصبحت مسافة متعذّر تقديرها، مع أن امرأة الحرب الشابّة وأنا لا تشكّلان إلا امرأة واحدة: نحن متشابهان ومتحابان متعايشان معاً.
إنّ شعور الحزن الذي اجتاحني وأنا أعيد قراءة نفسي يبيِّن بشكل جيِّد بسط هذه السيرورة التي انطلقت منذ اكتمال هذا المشروع. ولقد ساعدتني الكتابة في العثور ثانية على السلام في داخلي ومع الآخرين ومع بلدي.
إنّي أنحني أمام 144240 قتـيلاً (3)، ضحايا الحرب الأهلية، وأعود نحو أولئك الذين «استخدِموا كآلة قتل»، الأولاد المقاتلين. فإذا كان بعض الراشدين قد سحقوا حياة هؤلاء الأولاد من خلال تدريبهم على الإرهاب، فأنا مقتنعة أن هناك آخرين سيساعدونهم على الخروج من هذا الجحيم. ثقتي كبيرة بقانون الآباء، المنظّم للعلاقة الاجتماعيّة حيث في مقدوره إيقاف هذه الجريمة التي لا اسم لها.
هذا البحث يطرح قراءة وإضاءة تحليليّة نفسيّة لآثار استخدام الأولاد المقاتلين كأدوات وتحويلهم إلى آلات للقتل حيث يسعى الفصل الأوّل إلى إعطاء صورة جليّة عما اتّفق على تسميته بالولد المقاتل، أو الصورة التي تعكس خصائص عصرنا كما كان حال الولد البروليتاري في القرن التاسع عشر. عند هذا المستوى، لا يمكنني أن أغفل الإشارة إلى المُفارقة المدهشة للثقافة الأمريكيّة والعالم الانغلوساكسوني. حتى أن المرء يتساءل ما إذا كان المقاتلون الأولاد في عصرنا، لا يتلقّون تدريباً عن طريق الفظائع. في الفصل الثاني، فإن تساؤلاتي حول المستقبل الذاتي لهؤلاء الأولاد والمراهقين الذين واجهوا الصدمات النفسيّة الملازمة للهمجيّة في لحظة من حياتهم، وحيث تتوسّل الصدمة الجنسية الناجمة عن مرحلة انتقال المراهق جهازهم النفسي، دفعتني تلك التساؤلات إلى وضع معالم هذه اللحظة الأساسية للنضج النفساني ألا وهي سيرورة المراهقة.
في الفصل الثالث، سأطرح مرض العُصاب النفسي الناتج عن الرّعب وأتتبّع تطوّر الفكر منذ هيرودوت، مُركّزة على الأبحاث التي أجريت في نهاية القرن الثامن عشر، والتي بشرت بالعُصاب النفسي مع هيرمان أوبنهايم. وأخذاً بعين الاعتبار سياق كتابي لن يكون بوسعي أن أهمل المشاكل النفسيّة الحادّة، الأكثر قدماً من وجهة النظر التاريخية، والتي تميّزت دراستها بهاجس الإبقاء على الأعداد العسكرية. فابتداءً من الحرب العالمية الثانية توزع موضوع الصدمة النفسيّة أكثر فأكثر وتسترّ وراء مفاهيم أكثر غموضاً من قبيل الصدمة الانفعالية والإنهاك والانعصاب حيث إنّ الضغط العصبي سيشغل رويداً رويداً مكاناً متقدّماً في الطبّ وفي علم النفس المرضي. يبقى أنّ هذا المفهوم والأصل البيولوجي قد تعرض كثيراً للانتقاد من قبل المحللين النفسيين الذين رفضوا أن يختزلوا الصدمة النفسيّة في صورة نموذج نفسي ـ بيولوجي.
وسنرى مع ولادة التحليل النفسي واكتشاف علاقة الذات بالخطاب، ظهور مصير تمثيل الصدمة لمفهوم الكبت. إنّه المفهوم الفرويدي للـ «صدمات الجنسيّة». إنَّ معاينة الأولاد المقاتلين العيادية، تُظهر أنّ الأمر لا يتعلّق فقط «بصدمات جنسيّة» لكن أيضاً «بصدمة الإبادة»: يتأتى هذا المفهوم عن تنظيم أكثر قدماً يهدد نزوات حفظ الذات والنرجسية. هنا لا وجود للنسيان (الكبت) بل لجمود في الآليات النفسية حيث أن الخطاب لم يعد قادراً أن يعني شيئاً على الإطلاق.
في الفصول الأربعة اللاحقة، سأعرض لحالات فرديّة وأشرح تصرّف الأولاد المقاتلين خلال الحرب الأهليّة اللبنانيّة، ونتائج هذا العنف المرتكب والممارس على سيرورة تطوّرهم النفسي وعلى عملية الانخراط - الاندماج في الحياة الطبيعيّة بعد الحرب. وسأختم هذا الجزء العيادي ـ متأثرة بما رأيت ـ وأنا أسأل نفسي عن معنى هذه الحرب ( حرب الآباء) حيث يُقتل الأولاد.
سأتطرق ختاماً وفي فصل أخير، إلى المنظور العلاجي، وسأوضّح أهمية وصعوبة التطرّق العلاجي للصدمات النفسية الخطيرة.
غير أن الهدف يتخطّى مسألة الاعتناء انطلاقاً من هاجس طبي وإنساني بهؤلاء الضحايا الذين حوّلوا إلى جلّادين ليتركوا فيما بعد إلى مصيرهم الخاوي بعينه. إنَّ الهدف هو أكثر من سياسي، فهو يتعلّق كذلك في قطع دابر آلية العنف، وتفادي أن يتوالد العدم من العدم إلى ما لانهاية.
فكلّ حرب تطول تقلب المعايير وتحدث ارتدادات. فهي لا تفتك بالبنى الاقتصاديّة وحسب، لكن بالبنى الاجتماعيّة أيضاً وبركائزها، حيث يصبح تكوين البنى الاجتماعية مجدّداً أمراً في غاية الصعوبة.
في لبنان ومنذ نهاية الحرب، تركز الحكومة الجهد لإعادة بناء البلاد مع إعطاء الأولوية للحجر، وإهمال البشر، كأنّ الحرب لم تمس الفرد سواء أكان مدنيّاً أو مقاتلاً أو راشداً أو ولداً أو مراهقاً... في لبنان، لم تدمّر الحرب رسميّاً إلّا البنية التحتيّة والاقتصاديةّ و«الحجر»؛ واللبنانيّون خرجوا سالمين! مع العلم أن هذه العجالة لمحو كلّ أثر للحرب هي حقيقة محاولة لنفي كلّ ما حصل: ما نقصده هنا هو قانون العفو «العام». لكن لماذا هذا السعي الحثيث نحو النّسيان ولمحو آثار كلّ ما حدث؟ وهل الناس مرعوبون من الوحشيّة التي ارتكبوها أو شاهدوها؟ باختصار يتعلّق الأمر هنا بصدمة جماعيّة: الجماعة مُسَّت في اعتقاداتها وبأخلاقها من جرّاء انتهاك مقدّساتها ومحرّماتها. لكن بالنسبة إلى الفرد، الصدمة لها معنى خاص متّصل بالفرد ومعاناته الخاصّة. ومن حق المرء التخوّف من النتائج المشؤومة، بالنسبة إلى المجتمع كما بالنسبة إلى الفرد، التي يمكن أن ينتجها مثل هكذا رفض لتحمّل مسؤولية التاريخ بصورة لا محالة، إذ إنّه يوصد الباب بوجه الحداد والعمل على الذاكرة الذي لا غنى عنه في إعادة البناء النفسي لكلّ اللاعبين في الحرب، وفي مقدمهم الأولاد المقاتلون.
لكن ماذا حل بهؤلاء المتقاتلين بعد عشر سنوات؟ ولماذا لم نعد نراهم في بيروت؟ لماذا يتوارون عن الأنظار، في حين أصبح رؤساؤهم قادة البلاد الجدد؟ ولماذا نجدهم بهذه الأعداد الكبيرة في مراكز المعالجة من الإدمان؟ ولماذا بقي آخرون أسرى نزوة الهدم داخل لعبتهم المرعبة «الروليت الروسي»؟ كيف يمكن لأيّ عملٍ تحليلي أن يقوم مع نتائجه العلاجيّة المفترضة في ظلّ هذه الوضعيات المولدة للصدمات (2)؟
لقد حدث شيء ما خطير جدّاً لهؤلاء الأولاد المقاتلين خلال الحرب. لقد أردت أن أفهم وأن أُحلّل أثر هذا العنف على نفسيّتهم، هذا العنف الممارس عليهم والممارسة من قبلهم في آن. وعليه فقد تبدّى لي بوضوح، لدى المقاتلين القدامى الذين التقيتهم، أنّ حادث الصدمة هذا لم يُكبت ولم يُنسَ. لقد مَكَثَ في الذاكرة. فالكبت بما هو آليّة دفاع، قد أَخفق. وهذه الذكرى المستحوذة تجتاح منذ ذلك الوقت كلّ حياتهم النفسيّة؛ إذ إنّ جزءاً كبيراً من الطاقة النفسيّة حوّل اتجاهه عن العلاقات مع الغير وانطوى ثانية في حقل العلاقات بين الفرد وصدمته النفسيّة. لقد استعاد الخطاب وانشغالات الشخص بلا توقّف تاريخ الصدمة دون أن يتوافر الوقت ولا المكان للتدامج الاجتماعي وللمشاعر.
ينبغي هنا أن أشير إلى أنني في البداية وحينما باشرت هذا العمل، الذي كان بحثاً في العيادة النفسيّة التحليلية، تخوّفت من لقاء هؤلاء الأولاد المقاتلين القدامى الذين كانوا مصدر خوف بالنسبة إليّ خلال الحرب. وعندما مثلَ سمير أمامي قائلاً: «لقد نفّذت مذبحة السبت الأسود»، لم أستطع أن أمنع نفسي من استعادة صورة المذبحة تلقائيّاً وأن أسأل نفسي أيضاً وأنا أنظر إليه: «هل هو الذي رمى القنبلة التي جرحت ابني؟».
إلا أنني كنت سريعة الدهشة بالمسافة التي توصّلت إلى اتخاذها حيال الوضعيات التي عشتها، وانفصلت بسرعة كبيرة عن هذا الماضي الثـقيل لأكون واقعية أكثر وأصيلة أكثر، وبالمحصّلة سأحاول، قدر المستطاع، توظيف حضوري في هذا العمل على أفضل وجه. فهل يعود ذلك ببساطة إلى أنّني قاربت الحقيقة «حقيقتي» عن طريق تجربة التحليل النفسي؟ بالمعنى الذي يقول، تبعاً لفرويد، «إنّ علاقة التحليل النفسي قائمة على حبّ الحقيقة، أي الإقرار والاعتراف بالواقع». ويمكنني القول في جميع الأحوال إنني أستطيع هنا أن أتصالح مع تجربة ثقيلة رزحت على حياتي زماناً طويلاً.
بهذه الكلمات التي أخطّ، أشهد على موت شخصية وولادتها، مُزَوّدة من الآن فصاعداً بحرِّيّتها وحقيقتها بعينها. وهناك بين الشخصيّة التي كنت والشخصية التي أصبحت مسافة متعذّر تقديرها، مع أن امرأة الحرب الشابّة وأنا لا تشكّلان إلا امرأة واحدة: نحن متشابهان ومتحابان متعايشان معاً.
إنّ شعور الحزن الذي اجتاحني وأنا أعيد قراءة نفسي يبيِّن بشكل جيِّد بسط هذه السيرورة التي انطلقت منذ اكتمال هذا المشروع. ولقد ساعدتني الكتابة في العثور ثانية على السلام في داخلي ومع الآخرين ومع بلدي.
إنّي أنحني أمام 144240 قتـيلاً (3)، ضحايا الحرب الأهلية، وأعود نحو أولئك الذين «استخدِموا كآلة قتل»، الأولاد المقاتلين. فإذا كان بعض الراشدين قد سحقوا حياة هؤلاء الأولاد من خلال تدريبهم على الإرهاب، فأنا مقتنعة أن هناك آخرين سيساعدونهم على الخروج من هذا الجحيم. ثقتي كبيرة بقانون الآباء، المنظّم للعلاقة الاجتماعيّة حيث في مقدوره إيقاف هذه الجريمة التي لا اسم لها.
هذا البحث يطرح قراءة وإضاءة تحليليّة نفسيّة لآثار استخدام الأولاد المقاتلين كأدوات وتحويلهم إلى آلات للقتل حيث يسعى الفصل الأوّل إلى إعطاء صورة جليّة عما اتّفق على تسميته بالولد المقاتل، أو الصورة التي تعكس خصائص عصرنا كما كان حال الولد البروليتاري في القرن التاسع عشر. عند هذا المستوى، لا يمكنني أن أغفل الإشارة إلى المُفارقة المدهشة للثقافة الأمريكيّة والعالم الانغلوساكسوني. حتى أن المرء يتساءل ما إذا كان المقاتلون الأولاد في عصرنا، لا يتلقّون تدريباً عن طريق الفظائع. في الفصل الثاني، فإن تساؤلاتي حول المستقبل الذاتي لهؤلاء الأولاد والمراهقين الذين واجهوا الصدمات النفسيّة الملازمة للهمجيّة في لحظة من حياتهم، وحيث تتوسّل الصدمة الجنسية الناجمة عن مرحلة انتقال المراهق جهازهم النفسي، دفعتني تلك التساؤلات إلى وضع معالم هذه اللحظة الأساسية للنضج النفساني ألا وهي سيرورة المراهقة.
في الفصل الثالث، سأطرح مرض العُصاب النفسي الناتج عن الرّعب وأتتبّع تطوّر الفكر منذ هيرودوت، مُركّزة على الأبحاث التي أجريت في نهاية القرن الثامن عشر، والتي بشرت بالعُصاب النفسي مع هيرمان أوبنهايم. وأخذاً بعين الاعتبار سياق كتابي لن يكون بوسعي أن أهمل المشاكل النفسيّة الحادّة، الأكثر قدماً من وجهة النظر التاريخية، والتي تميّزت دراستها بهاجس الإبقاء على الأعداد العسكرية. فابتداءً من الحرب العالمية الثانية توزع موضوع الصدمة النفسيّة أكثر فأكثر وتسترّ وراء مفاهيم أكثر غموضاً من قبيل الصدمة الانفعالية والإنهاك والانعصاب حيث إنّ الضغط العصبي سيشغل رويداً رويداً مكاناً متقدّماً في الطبّ وفي علم النفس المرضي. يبقى أنّ هذا المفهوم والأصل البيولوجي قد تعرض كثيراً للانتقاد من قبل المحللين النفسيين الذين رفضوا أن يختزلوا الصدمة النفسيّة في صورة نموذج نفسي ـ بيولوجي.
وسنرى مع ولادة التحليل النفسي واكتشاف علاقة الذات بالخطاب، ظهور مصير تمثيل الصدمة لمفهوم الكبت. إنّه المفهوم الفرويدي للـ «صدمات الجنسيّة». إنَّ معاينة الأولاد المقاتلين العيادية، تُظهر أنّ الأمر لا يتعلّق فقط «بصدمات جنسيّة» لكن أيضاً «بصدمة الإبادة»: يتأتى هذا المفهوم عن تنظيم أكثر قدماً يهدد نزوات حفظ الذات والنرجسية. هنا لا وجود للنسيان (الكبت) بل لجمود في الآليات النفسية حيث أن الخطاب لم يعد قادراً أن يعني شيئاً على الإطلاق.
في الفصول الأربعة اللاحقة، سأعرض لحالات فرديّة وأشرح تصرّف الأولاد المقاتلين خلال الحرب الأهليّة اللبنانيّة، ونتائج هذا العنف المرتكب والممارس على سيرورة تطوّرهم النفسي وعلى عملية الانخراط - الاندماج في الحياة الطبيعيّة بعد الحرب. وسأختم هذا الجزء العيادي ـ متأثرة بما رأيت ـ وأنا أسأل نفسي عن معنى هذه الحرب ( حرب الآباء) حيث يُقتل الأولاد.
سأتطرق ختاماً وفي فصل أخير، إلى المنظور العلاجي، وسأوضّح أهمية وصعوبة التطرّق العلاجي للصدمات النفسية الخطيرة.
غير أن الهدف يتخطّى مسألة الاعتناء انطلاقاً من هاجس طبي وإنساني بهؤلاء الضحايا الذين حوّلوا إلى جلّادين ليتركوا فيما بعد إلى مصيرهم الخاوي بعينه. إنَّ الهدف هو أكثر من سياسي، فهو يتعلّق كذلك في قطع دابر آلية العنف، وتفادي أن يتوالد العدم من العدم إلى ما لانهاية.
صفحة 3
الفصل الأوّل
في العالم، جيوش من الأولاد ـــ المقاتلين
يُعْتَبَرُ «طفلاً» حسب التعريف العام للشرعة الخاصّة بحقوق الطفل، كلّ شخص دون 18 سنة. أمّا هؤلاء الذين نُسمّيهم « الأولاد ـ المقاتلين» فهم الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و17 سنة، إذ يتعلّق الأمر هنا تَحديداً بالمُراهقين ـ المقاتلين. تَبقى الإشارة إلى أنّ التجنيد يبدأ بطريقة بالغة الدلالة مع الأولاد في عمر الـ 10 سنوات، كما يُمكن أن يُسجّل أيضاً استخدام الأولاد الأقلّ منهم سنّاً.
إطار قانوني غير كافٍ
يُحدِّد القانون الدولي الساري المفعول سنّ الـ 15، السن الأدنى لتجنيد الأولاد والمشاركة في النزاعات. ومن المعروف على نطاق واسع أنّ هذه السنّ هي منخفضة مما استوجب رفعها إلى الـ 18. كذلك تمنع غالبية الدول حالياً التجنيد والمُشاركة في النزاعات المسلّحة لمن يَقلّ عمرهم عن الـ 18 سنة. مع ذلك أطلقت بعض الدول، من بينها دولٌ عظمى، العنان عن قصد لمتابعة تجنيد الأولاد في عمر الـ 17 سنة بل والـ 16 سنة: إنها حالة الولايات المتحدة، وهي من دون أدنى شكّ الدولة الأكثر معارضة لتحديد عمر الـ 18 سنة السن الأدنى للتجنيد والمشاركة في النّزاعاتالمسلّحة (4). المملكة المتّحدة تابعت أيضاً تجنيد المراهقين في عمر الـ 16 سنة وذلك منذ انفصالهم عن المدرسة. ولقد اندفع هذا البلد مؤخراً، في محاولته لتعزيز صفوف قواته المسلّحة في سياق تجنيد من هم دون الـ 18 سنة نحو تشجيع الفتية على البدء بتنفيذ إجراءات التّطوّع وهم لا يزالون في المدرسة، محتفظاً فقط بتسجيلهم رسمياً إلى مرحلة لاحقة. فإذا تطوّع فتى في سن الـ 16 سنة ـ عادةً لمدة 22 سنة خدمة ـ فله أو لها الحقّ في «الرجوع عن تطوّعه» بعد 3 سنوات. إنَّ حقبة الثلاث سنوات هذه لا تبدأ إلّا من سن الـ 18 وهذا ما نُسميه بـ «مكيدة الخمس سنوات». ولقد قاتل الجنود البريطانيون الذين هم دون 18 سنة ـ وَتُوفّوا ـ خلال حرب المَالوين (Malouines) وكذلك خلال حرب الخليج.
بالإضافة إلى المملكة المتحدة والولايات المتحدة جنّدت 46 دولة مَن هم دون الـ 18 سنة (5). وفي عدد من الدول الأخرى، سُجّل استخدام الأولاد كجنود في القوات المُسلّحة الحكوميّة أو جماعات المعارضة المُسلّحة وذلك بمعزل عن أيّ تشريع وطني يُحظّر تجنيد من هم دون الـ 18 سنة.
في العالم، جيوش من الأولاد ـــ المقاتلين
يُعْتَبَرُ «طفلاً» حسب التعريف العام للشرعة الخاصّة بحقوق الطفل، كلّ شخص دون 18 سنة. أمّا هؤلاء الذين نُسمّيهم « الأولاد ـ المقاتلين» فهم الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و17 سنة، إذ يتعلّق الأمر هنا تَحديداً بالمُراهقين ـ المقاتلين. تَبقى الإشارة إلى أنّ التجنيد يبدأ بطريقة بالغة الدلالة مع الأولاد في عمر الـ 10 سنوات، كما يُمكن أن يُسجّل أيضاً استخدام الأولاد الأقلّ منهم سنّاً.
إطار قانوني غير كافٍ
يُحدِّد القانون الدولي الساري المفعول سنّ الـ 15، السن الأدنى لتجنيد الأولاد والمشاركة في النزاعات. ومن المعروف على نطاق واسع أنّ هذه السنّ هي منخفضة مما استوجب رفعها إلى الـ 18. كذلك تمنع غالبية الدول حالياً التجنيد والمُشاركة في النزاعات المسلّحة لمن يَقلّ عمرهم عن الـ 18 سنة. مع ذلك أطلقت بعض الدول، من بينها دولٌ عظمى، العنان عن قصد لمتابعة تجنيد الأولاد في عمر الـ 17 سنة بل والـ 16 سنة: إنها حالة الولايات المتحدة، وهي من دون أدنى شكّ الدولة الأكثر معارضة لتحديد عمر الـ 18 سنة السن الأدنى للتجنيد والمشاركة في النّزاعاتالمسلّحة (4). المملكة المتّحدة تابعت أيضاً تجنيد المراهقين في عمر الـ 16 سنة وذلك منذ انفصالهم عن المدرسة. ولقد اندفع هذا البلد مؤخراً، في محاولته لتعزيز صفوف قواته المسلّحة في سياق تجنيد من هم دون الـ 18 سنة نحو تشجيع الفتية على البدء بتنفيذ إجراءات التّطوّع وهم لا يزالون في المدرسة، محتفظاً فقط بتسجيلهم رسمياً إلى مرحلة لاحقة. فإذا تطوّع فتى في سن الـ 16 سنة ـ عادةً لمدة 22 سنة خدمة ـ فله أو لها الحقّ في «الرجوع عن تطوّعه» بعد 3 سنوات. إنَّ حقبة الثلاث سنوات هذه لا تبدأ إلّا من سن الـ 18 وهذا ما نُسميه بـ «مكيدة الخمس سنوات». ولقد قاتل الجنود البريطانيون الذين هم دون 18 سنة ـ وَتُوفّوا ـ خلال حرب المَالوين (Malouines) وكذلك خلال حرب الخليج.
بالإضافة إلى المملكة المتحدة والولايات المتحدة جنّدت 46 دولة مَن هم دون الـ 18 سنة (5). وفي عدد من الدول الأخرى، سُجّل استخدام الأولاد كجنود في القوات المُسلّحة الحكوميّة أو جماعات المعارضة المُسلّحة وذلك بمعزل عن أيّ تشريع وطني يُحظّر تجنيد من هم دون الـ 18 سنة.
صفحة 4
من هم هؤلاء الأولاد؟ ومن أين يأتون؟
يصعب الحصول على الإحصاءات المتعلقة بهذا الموضوع على اعتبار أن بعض الحكومات وبعض الميليشيات تُنكر استخدام الأولاد في صفوفها. وبمقدار ما يستوجب هذا الاستخدام اللوم لاعتبارات عدّة، إذ حتى لو تَمّ اعتبار هذا الأمر يتعلق هناك بشكل عملٍ مُنَفَّذ من قبل الأولاد فإنّ طبيعته الخطرة ستجعله تلقائياً غير شرعي.
في الواقع، لقد تشابهت أَبحاثي التي أجريتها في بيروت في العام 1996 تماماً مع دراسة للأمم المتّحدة حول أثر النزاعات المسلّحة على الأولاد، لتُؤكّد أنّ الأهداف الأولى التي صُوِّبَ نحوها كانت بخاصة الأولاد المُنتمين إلى مجموعات كانت تقوم بتدريبهم على أشكال تعسفيّة من العمل أو على العمل في قطاعات غير شرعية (بائعو دخان، تذاكر لوتو، إلخ). يُمكننا كذلك أَنْ نعرض أَنَّ غالبية الأولاد ـ المقاتلين تأتي من المجموعات الآتية:
ـ يتامى، وأولاد بدون مساعدات، أولاد منفصلون عن عائلاتهم أو منحدرون من أسرة مفككة ومشوّهة (ونتيجة لهذا الواقع فهذه العائلات هي غالباً غير قادرة على أداء دورها تماماً تجاه الأولاد في مرحلة نُموّهم) أولاد يجيئون من عائلات أُحادية الأهل أو عائلات وليّ أمرها هو ولد؛
ـ أولاد مَحرومون اقتصاديّاً واجتماعيّاً (فقراء، ريفيّون أكثر منهم حضريين، وكذلك كلّ من لم يتسنّ لهم الحصول ـ سواء بسبب الفشل أم الفقر ـ على تربية، وإلى تعليم مهني أو إلى مستوى معيشة مقبول)؛
ـ مجموعات أُخرى هامشيّة (أولاد طُرقات أو مُتحدِّرون من أقلّيات لاجئة ومُهجّرة داخل بلدها). تتعرّض الجماعات المُهَجّرة ولاجئو المُخيّمات خاصّة إلى خطر استغلالها من قبل كيانات مُسلّحة: العائلات غالباً ما تكون مُدمَّرة، وتبعاً لذلك يجد الأولاد أنفسهم وحيدين، البنى الجماعية مُفكّكة، كما ويعكس الوضع العام حالة عدم ثبات عميق اجتماعي واقتصادي، واللّاجئون يُلفون على الدوام تحت رحمة المجموعات المسلحة، يَستخدمون المخيّمات كأماكن يسهل التجنيد فيها. لقد أصبح معروفاً أكثر فأكثر من قبل المجتمع الدولي أَنّ الأولاد المُهجرين هم أكثر عُرضة للانجرار نحو التجنيد القسريّ تحت ضغط القوى المسلّحة، وبخاصّة أولئك الذين يعيشون في المناطق القريبة من النزاع (6).
- أولاد في مناطق النزاع.
يصعب الحصول على الإحصاءات المتعلقة بهذا الموضوع على اعتبار أن بعض الحكومات وبعض الميليشيات تُنكر استخدام الأولاد في صفوفها. وبمقدار ما يستوجب هذا الاستخدام اللوم لاعتبارات عدّة، إذ حتى لو تَمّ اعتبار هذا الأمر يتعلق هناك بشكل عملٍ مُنَفَّذ من قبل الأولاد فإنّ طبيعته الخطرة ستجعله تلقائياً غير شرعي.
في الواقع، لقد تشابهت أَبحاثي التي أجريتها في بيروت في العام 1996 تماماً مع دراسة للأمم المتّحدة حول أثر النزاعات المسلّحة على الأولاد، لتُؤكّد أنّ الأهداف الأولى التي صُوِّبَ نحوها كانت بخاصة الأولاد المُنتمين إلى مجموعات كانت تقوم بتدريبهم على أشكال تعسفيّة من العمل أو على العمل في قطاعات غير شرعية (بائعو دخان، تذاكر لوتو، إلخ). يُمكننا كذلك أَنْ نعرض أَنَّ غالبية الأولاد ـ المقاتلين تأتي من المجموعات الآتية:
ـ يتامى، وأولاد بدون مساعدات، أولاد منفصلون عن عائلاتهم أو منحدرون من أسرة مفككة ومشوّهة (ونتيجة لهذا الواقع فهذه العائلات هي غالباً غير قادرة على أداء دورها تماماً تجاه الأولاد في مرحلة نُموّهم) أولاد يجيئون من عائلات أُحادية الأهل أو عائلات وليّ أمرها هو ولد؛
ـ أولاد مَحرومون اقتصاديّاً واجتماعيّاً (فقراء، ريفيّون أكثر منهم حضريين، وكذلك كلّ من لم يتسنّ لهم الحصول ـ سواء بسبب الفشل أم الفقر ـ على تربية، وإلى تعليم مهني أو إلى مستوى معيشة مقبول)؛
ـ مجموعات أُخرى هامشيّة (أولاد طُرقات أو مُتحدِّرون من أقلّيات لاجئة ومُهجّرة داخل بلدها). تتعرّض الجماعات المُهَجّرة ولاجئو المُخيّمات خاصّة إلى خطر استغلالها من قبل كيانات مُسلّحة: العائلات غالباً ما تكون مُدمَّرة، وتبعاً لذلك يجد الأولاد أنفسهم وحيدين، البنى الجماعية مُفكّكة، كما ويعكس الوضع العام حالة عدم ثبات عميق اجتماعي واقتصادي، واللّاجئون يُلفون على الدوام تحت رحمة المجموعات المسلحة، يَستخدمون المخيّمات كأماكن يسهل التجنيد فيها. لقد أصبح معروفاً أكثر فأكثر من قبل المجتمع الدولي أَنّ الأولاد المُهجرين هم أكثر عُرضة للانجرار نحو التجنيد القسريّ تحت ضغط القوى المسلّحة، وبخاصّة أولئك الذين يعيشون في المناطق القريبة من النزاع (6).
- أولاد في مناطق النزاع.
صفحة 5
لماذا الأولاد في النزاعات المسلّحة؟
أولاً، يُمكننا أن نسجّل أنه كلما كان استمرار النزاع مدة أطول كان احتمال «تجنيد» الأولاد أكبر. ويقود غياب اليد العاملة العائد إلى ارتفاع عدد الموتى والجرحى وتصعيد النزاع، إلى طلب متزايد مستميت على الدوام لتجنيد عناصر جديدة لتعزيز الصفوف. ولمّا لَمْ يكونوا موضوع بحث نوعي (لأنّهم على سبيل المثال يُنظر إليهم كجنود مطيعين) أمكن تجنيد الأولاد إمّا لأنَّ الإجراءات الرسميّة للتجنيد غير مُتَّبعة أو لأنهم لا يَحْمِلون بطاقات شخصيّة تُحَدِّد أعمارهم.
صغار، وكتومون، هؤلاء الغلمان سيندسُّون بين صفوف الأعداء. يُستبدلون على الخاطر وبإمكانهم أن يخدموا ككشّافة على الأراضي الملأى بالألغام، وبعد تمرين بدائِيّ، يَرتدون بزّة نظاميّة مَرفوعة الأكمام تكاد تكشف عن جسد في بداية البلوغ، ويوضعون في مواجهة الخصم. إنه في الأغلب ولد آخر. أولاد ـ مقاتلون يَشعرون بالخوف ويُخيفون، أولاد شرسون مع بُندقية هي رفيقهم الوحيد. مُجندون عنوة، ومتعصّبون لا بل ثملون أو مُخدّرون. أولاد ضحايا تحوّلوا إلى جلّادين.
التدريب الذي يتلقون يُمكن أن يراوح من أسبوع إلى عدّة أشهر. و«يكرس هذا التكوين من خلال إجراءات تلقينية (7) يفترض فيها تثبيت إخلاصهم للمجموعة وإزالة أي إحساس لديهم». لم يعد هؤلاء الأولاد يَلعبون: يَلبسون ثياب القتال، تُغطّي رؤوسهم قبّعات كبيرة جدّاً، مُسلَّحون «بكلاشينكوفات» ثقيلة للغاية. لقد تعلموا فن القتال، وما أن تعلموه فإنهم جاهزون لتطبيقه: الملاعب تتحول إلى ميادين قتال. فطيلة 17 عاماً، في لبنان، تناحر الكبار بصورة يومية. ثم راودتهم فكرة أن يزجّوا أولادهم في ألعابهم المُميتة، كما سيكون الحال في كل مكان في العالم: «أولاد إريتريا وأولاد كمبوديا أو أفغانستان. سر على الخطى أيها الصبي، سر، هناك دائماً جنّة لتُجنى. حينئذ يركضون كالإيرانيين الصغار الذين في أعمار العشر سنوات يندفعون إلى حقول الألغام العراقية ليفتحوا ممرّاً دامياً أمام آبائهم. حالهم حال هؤلاء الغلمان في بيروت، أو بعلبك أو جنوب لبنان. وُلدوا في الحرب ويموتون في الحرب» (8). إنَّ استخدام الأولاد المقاتلين المنذورين للموت، وحتّى في الصفوف الأولى على الأراضي الملغّمة خلال الحرب الإيرانيّة ـ العراقيّة على سبيل المثال هو أمر مُوثَّق.
فضلاً عن ذلك، يعرف رؤساء الميليشيات أن هؤلاء المراهقين يُمثّلون أفضل مُجنّديهم لأنهم يَملكون روح المُخاطرة، وموقف التّحدي إزاء الموت، ويَمتثلون للأوامر. ويتثبت غالباً هذا الميل لديهم من خلال تناول المخدّرات أو شرب الكحول التي يمكن أن يُجبروا على تَناولها. تماماً كما لخّصه «ضابط» من المتمردين الكونغوليين إلى صحافي من وكالة فرانس برس «يشكّل الأولاد مقاتلين جيّدين جدّاً لأنهم لا يخافون من شيء، إنهم يمتثلون للأوامر (9)، لا يطرحون أسئلة ولا يُفكرون في العودة إلى زوجاتهم أو عائلاتهم». وبفعل قامتهم ورشاقتهم يقوم الأولاد أحياناً بمهمات خاصّة محفوفة بالمخاطر. نسميهم الأولاد ـ المقاتلين « أولاد الموت أو أيضاً جذور الشرّ» (10).
في سيراليون، موسى الولد ـ المُقاتل الأسبق، ابن الـ 15 عاماً، يروي قصّته: «في عمرنا، الوضع أكثر تعقيداً بالنسبة إلى المُتمرّدين. حينئذ يَستخدمون الوسائل الأكثر قساوة، كالمخدّرات أو المال، ليجتذبونا ويجعلونا نسير معهم... إنّي أتذكر الهجوم على مدينة نجولا ـ كمبويا، في جنوب سيراليون. لقد أيقظونا في الساعة الواحدة فجراً ومشينا حتّى الساعة السابعة. جاء طبيب يحمل قصعة من الماء البارد وحقنتين، نظّف الإبرة في الماء، ترافقه دائماً قارورة صغيرة فيها سائل أحمر. في البداية شَعرتُ باسترخاء دائم وفيما بعد أحسستُ بأني أملك طاقة غير محدودة، شعرت أني قادر على كلّ شيء... شعرت بالغضب وبالكراهية وأردت تحطيم كلّ شيء. لا يُمكنكم أن تفهموا، هم يضعوننا في حالة نَتلوّى فيها من الضحك أمام كلّ عنف، كنا نجد هذا مُثيراً، لم تكن لدينا حدود». ولكي يُنهوا عملية تعبئتنا كانوا يظهرون لنا الكثير من المال: «إذا قُمتم بما نطلبه منكم أنتم أيضاً ستحصلون على حقائب ملأى بالفلس. ستصبحون أحراراً، وستغدون الزعماء الجدد لهذا البلد». كنّا مُخدرين إلى درجة لم نكن نرغب فيها إلّا في شيء واحد: «تدمير كلّ شيء، هذا بالضبط ما يريده المتمرّدون» (11). وما يتبع هو كابوس متُكرّر. الهجوم على هذه القرية هو مماثل لهجومات أخرى. عنف ومجازر واغتصابات ومذابح وخطف.
وجب على الأولاد ـ المقاتلين وتحت تأثير المخدّرات، أن يُنفِّذوا كذلك أعمال قتل، وعنف واغتصاب جماعي، وتعذيب وفظاعات أخرى. هكذا في ليبيريا، زوّدت الجماعات المسلّحة (من الجبهة القوميّة الوطنيّة) صغار السنّ المراهقين بالخمر والمخدّرات بهدف السيطرة عليهم. قبل المعارك وكمكافأة يحصل الأولاد على الماريخوانا وعلى الكوكايين والأمفيتامين ومزيج من عصير القصب، وبارود المدافع والتي يُمكن أن تُحدث خللاً دماغيّاً خطيراً.
هذا ما كان يحصل في بيروت كذلك. السيناريو يتكرّر مع بعض التغييرات في إجراءات «تلقينية» (12). هنا «الفتية المقاتلون قد خضعوا لعملية تعبئة مذهبية قائمة على الكراهية والفظاعة والانتقام والتعصُّب عبر وسائل الإعلام وعبر الكتب والتّجمّعات السياسيّة والعظات الدّينيّة» (13).
من ناحية أخرى، والأمر هنا يتعلق بظاهرة خطيرة للغاية، فحتّى صانع الأسلحة بذل مجهوداً للتكيُّف كي يجعل الحرب ممكنة لتلك السواعد التي لا تزال هزيلة... فالتطوّرات التكنولوجيّة جعلت الأسلحة نصف ـ الأوتوماتيكيّة خفيفة بالقدر الكافي لكي يستعملها أولاد يبلغون من العمر 10سنوات وبسيطة بالقدر الكافي لفكّها وتركيبها من قبل ولد في مثل هذا العمر (14). وبضغطة واحدة على الزّناد بالإمكان أن تُطلق رشقات مُتواصلة من الرصاص. بالإضافة إلى ذلك فسعر هذه الأسلحة زهيد، إذ أمكن في بعض الدول المتحاربة، شراء بندقية رشّاشة Ak46 بعشرين دولاراً.
أولاً، يُمكننا أن نسجّل أنه كلما كان استمرار النزاع مدة أطول كان احتمال «تجنيد» الأولاد أكبر. ويقود غياب اليد العاملة العائد إلى ارتفاع عدد الموتى والجرحى وتصعيد النزاع، إلى طلب متزايد مستميت على الدوام لتجنيد عناصر جديدة لتعزيز الصفوف. ولمّا لَمْ يكونوا موضوع بحث نوعي (لأنّهم على سبيل المثال يُنظر إليهم كجنود مطيعين) أمكن تجنيد الأولاد إمّا لأنَّ الإجراءات الرسميّة للتجنيد غير مُتَّبعة أو لأنهم لا يَحْمِلون بطاقات شخصيّة تُحَدِّد أعمارهم.
صغار، وكتومون، هؤلاء الغلمان سيندسُّون بين صفوف الأعداء. يُستبدلون على الخاطر وبإمكانهم أن يخدموا ككشّافة على الأراضي الملأى بالألغام، وبعد تمرين بدائِيّ، يَرتدون بزّة نظاميّة مَرفوعة الأكمام تكاد تكشف عن جسد في بداية البلوغ، ويوضعون في مواجهة الخصم. إنه في الأغلب ولد آخر. أولاد ـ مقاتلون يَشعرون بالخوف ويُخيفون، أولاد شرسون مع بُندقية هي رفيقهم الوحيد. مُجندون عنوة، ومتعصّبون لا بل ثملون أو مُخدّرون. أولاد ضحايا تحوّلوا إلى جلّادين.
التدريب الذي يتلقون يُمكن أن يراوح من أسبوع إلى عدّة أشهر. و«يكرس هذا التكوين من خلال إجراءات تلقينية (7) يفترض فيها تثبيت إخلاصهم للمجموعة وإزالة أي إحساس لديهم». لم يعد هؤلاء الأولاد يَلعبون: يَلبسون ثياب القتال، تُغطّي رؤوسهم قبّعات كبيرة جدّاً، مُسلَّحون «بكلاشينكوفات» ثقيلة للغاية. لقد تعلموا فن القتال، وما أن تعلموه فإنهم جاهزون لتطبيقه: الملاعب تتحول إلى ميادين قتال. فطيلة 17 عاماً، في لبنان، تناحر الكبار بصورة يومية. ثم راودتهم فكرة أن يزجّوا أولادهم في ألعابهم المُميتة، كما سيكون الحال في كل مكان في العالم: «أولاد إريتريا وأولاد كمبوديا أو أفغانستان. سر على الخطى أيها الصبي، سر، هناك دائماً جنّة لتُجنى. حينئذ يركضون كالإيرانيين الصغار الذين في أعمار العشر سنوات يندفعون إلى حقول الألغام العراقية ليفتحوا ممرّاً دامياً أمام آبائهم. حالهم حال هؤلاء الغلمان في بيروت، أو بعلبك أو جنوب لبنان. وُلدوا في الحرب ويموتون في الحرب» (8). إنَّ استخدام الأولاد المقاتلين المنذورين للموت، وحتّى في الصفوف الأولى على الأراضي الملغّمة خلال الحرب الإيرانيّة ـ العراقيّة على سبيل المثال هو أمر مُوثَّق.
فضلاً عن ذلك، يعرف رؤساء الميليشيات أن هؤلاء المراهقين يُمثّلون أفضل مُجنّديهم لأنهم يَملكون روح المُخاطرة، وموقف التّحدي إزاء الموت، ويَمتثلون للأوامر. ويتثبت غالباً هذا الميل لديهم من خلال تناول المخدّرات أو شرب الكحول التي يمكن أن يُجبروا على تَناولها. تماماً كما لخّصه «ضابط» من المتمردين الكونغوليين إلى صحافي من وكالة فرانس برس «يشكّل الأولاد مقاتلين جيّدين جدّاً لأنهم لا يخافون من شيء، إنهم يمتثلون للأوامر (9)، لا يطرحون أسئلة ولا يُفكرون في العودة إلى زوجاتهم أو عائلاتهم». وبفعل قامتهم ورشاقتهم يقوم الأولاد أحياناً بمهمات خاصّة محفوفة بالمخاطر. نسميهم الأولاد ـ المقاتلين « أولاد الموت أو أيضاً جذور الشرّ» (10).
في سيراليون، موسى الولد ـ المُقاتل الأسبق، ابن الـ 15 عاماً، يروي قصّته: «في عمرنا، الوضع أكثر تعقيداً بالنسبة إلى المُتمرّدين. حينئذ يَستخدمون الوسائل الأكثر قساوة، كالمخدّرات أو المال، ليجتذبونا ويجعلونا نسير معهم... إنّي أتذكر الهجوم على مدينة نجولا ـ كمبويا، في جنوب سيراليون. لقد أيقظونا في الساعة الواحدة فجراً ومشينا حتّى الساعة السابعة. جاء طبيب يحمل قصعة من الماء البارد وحقنتين، نظّف الإبرة في الماء، ترافقه دائماً قارورة صغيرة فيها سائل أحمر. في البداية شَعرتُ باسترخاء دائم وفيما بعد أحسستُ بأني أملك طاقة غير محدودة، شعرت أني قادر على كلّ شيء... شعرت بالغضب وبالكراهية وأردت تحطيم كلّ شيء. لا يُمكنكم أن تفهموا، هم يضعوننا في حالة نَتلوّى فيها من الضحك أمام كلّ عنف، كنا نجد هذا مُثيراً، لم تكن لدينا حدود». ولكي يُنهوا عملية تعبئتنا كانوا يظهرون لنا الكثير من المال: «إذا قُمتم بما نطلبه منكم أنتم أيضاً ستحصلون على حقائب ملأى بالفلس. ستصبحون أحراراً، وستغدون الزعماء الجدد لهذا البلد». كنّا مُخدرين إلى درجة لم نكن نرغب فيها إلّا في شيء واحد: «تدمير كلّ شيء، هذا بالضبط ما يريده المتمرّدون» (11). وما يتبع هو كابوس متُكرّر. الهجوم على هذه القرية هو مماثل لهجومات أخرى. عنف ومجازر واغتصابات ومذابح وخطف.
وجب على الأولاد ـ المقاتلين وتحت تأثير المخدّرات، أن يُنفِّذوا كذلك أعمال قتل، وعنف واغتصاب جماعي، وتعذيب وفظاعات أخرى. هكذا في ليبيريا، زوّدت الجماعات المسلّحة (من الجبهة القوميّة الوطنيّة) صغار السنّ المراهقين بالخمر والمخدّرات بهدف السيطرة عليهم. قبل المعارك وكمكافأة يحصل الأولاد على الماريخوانا وعلى الكوكايين والأمفيتامين ومزيج من عصير القصب، وبارود المدافع والتي يُمكن أن تُحدث خللاً دماغيّاً خطيراً.
هذا ما كان يحصل في بيروت كذلك. السيناريو يتكرّر مع بعض التغييرات في إجراءات «تلقينية» (12). هنا «الفتية المقاتلون قد خضعوا لعملية تعبئة مذهبية قائمة على الكراهية والفظاعة والانتقام والتعصُّب عبر وسائل الإعلام وعبر الكتب والتّجمّعات السياسيّة والعظات الدّينيّة» (13).
من ناحية أخرى، والأمر هنا يتعلق بظاهرة خطيرة للغاية، فحتّى صانع الأسلحة بذل مجهوداً للتكيُّف كي يجعل الحرب ممكنة لتلك السواعد التي لا تزال هزيلة... فالتطوّرات التكنولوجيّة جعلت الأسلحة نصف ـ الأوتوماتيكيّة خفيفة بالقدر الكافي لكي يستعملها أولاد يبلغون من العمر 10سنوات وبسيطة بالقدر الكافي لفكّها وتركيبها من قبل ولد في مثل هذا العمر (14). وبضغطة واحدة على الزّناد بالإمكان أن تُطلق رشقات مُتواصلة من الرصاص. بالإضافة إلى ذلك فسعر هذه الأسلحة زهيد، إذ أمكن في بعض الدول المتحاربة، شراء بندقية رشّاشة Ak46 بعشرين دولاراً.
صفحة 6
كيف يُجنّد هؤلاء الأولاد؟
الاعتبارات التي تُمهّد لتجنيدهم كثيرة. يُمكن أن يتمّ استخدامهم كحمّالين، وحملة بريد أو جواسيس، لكن سرعان ما ينتقلون إلى خطّ الجبهة. يَصِل الأمر أحياناً إلى تجنيد الفتيات، غالباً بالقوة، لكن عددهن أقلّ بكثير من الصبية «هن يستخدمن في الأغلب كطاهيات، مقاتلات و/أو خليلات. يمكن أن ترغم فتاة على «تلبية رغبة» عدّة جنود في القاعدة» (15).
هناك عدد لا يُستهان به من الأولاد يتطوّعون إرادياً: وذلك للبقاء على قيد الحياة، لأنهم لا يَملكون أي مكان يذهبون إليه أو لأنّهم يبحثون عن منزل وعن الغذاء والأمن، أو لإثبات رجولتهم، مدفوعين إلى ذلك من نظرائهم، أو رغبة منهم في الانتقام من الفظاعات التي ارتكبت بحقّ عائلاتهم أو طائفتهم. في الواقع، يزيّن رؤساء الحرب للمراهقين الذين يجندونهم إمكانية حماية من يخصّونهم أو الثأر لهم، ولكن يعدونهم أيضاً كذلك بتقاضي راتب بالدولار والإفلات التام من العقاب عن كل تجاوز يرتكبونه في مناطق القتال. أولاد الحرب هؤلاء يَحفظون في الذاكرة صورة الذين يكبرونهم سناً ممن نجحوا في الخروج من هذا البؤس المحزن في الضواحي والتحقوا بالميليشيات التي فتحت درب الثراء. وبالنسبة إليهم، بعد انهيار نموذج الوالدين، فإن النّجاح الاجتماعي الذي يتفاخر به أولئك الذي جنوا الثروات، سرعان ما أصبح موضوعاً يبهرهم.
غير أن الأمر يتعلق بتفسير مصطلح «إرادي»، بمعناه الواسع لأنّ الظروف هي على نحو لا تترك فيه إلا مكاناً ضيقاً لإجراء خيار حقيقي. فالبحث الذي أُجريَ لحساب منظّمة الأمم المُتّحدة من قبل مكتب كواكر (Quaker) لدى الأمم المتّحدة في جنيف أظهر أنّ السبب الأغلب الذي من أجله يتطوّع الأولاد إرادياً ويلتحقون بقوى المُعارضة المُسلّحة في بلادهم هو المعاملة السيئة التي فرضت عليهم وعلى عائلاتهم من قبل عناصر القوات الحكومية. لذلك فإنَّ الدرس الذي يجب أن تستخلصه الحكومات التي تزج بنفسها في قمع الداخل هنا واضح جداً.
ما هي العواقب؟
حياة الأولاد المجندين هي حتماً صعبة. فبمقدار ما هم أعضاء في القوات المسلّحة، يصبحون في النزاعات المسلّحة هدفاً للهجمات المشروعة، يخسرون الحماية العامّة التي هي من حقّهم بوصفهم أفراداً من السكّان المدنيين. وخلال المعارك، يقوم الأولاد بمجازفات كبيرة جدّاً كتلك التي يقوم بها الراشدون، بسبب عدم نضجهم النسبيّ وبسبب اطلاق العنان لوحشيّة وقساوة غريبة بالنسبة إلى أعمارهم. حتّى في القوات المسلّحة الحكوميّة، عُومل الأولاد في الأغلب بفظاظة، والعقوبات المفروضة عليهم يمكن أن تكون قاسية. حسبما جاء في بحث أعدّ للأمم المتّحدة «فإنّ أيّ محاولة للهروب يُمكن أن تؤدي إلى الاعتقال أو إلى إعدام سريع».
علاوة على أخطار الموت البديهيّة أو الإصابة بجروح خطيرة في المعارك، يعاني الأولاد ـ المقاتلون من المعاملة القاسية ومن «الإفراط في العنف» (16) الممارس من قِبَل رئيسهم بما لا يتناسب مع إمكانياتهم. فيُمكن أن تتشوّه أكتاف الأولاد وظهورهم وذلك بفعل نقل الحمولات الثقيلة جدّاً بالنسبة إليهم. كذلك فإنَّ سوء التغذية وإصابتهم بالتهابات في المجاري التنفسيّة والبَشَرة إضافة إلى أمراض أُخرى، هي حالات متكررة في صفوفهم، من ضمنها الأمراض القابلة للانتقال جنسياً كمرض السّيدا، أو كذلك المشاكل السّمعيّة والبصريّة.
الحرب، بخاصّة حينما تكون حرباً أهلية، تَخْلق كذلك شروط حياة ذات آثار نفسية أكيدة على كلّ شخص، لكن بخاصّة لدى الأولاد والمراهقين. فهؤلاء لا يعانون من اضطرابات ثانوية نتيجة الصدمات التي يَتسبب بها العنف الذي يواجهونه فحسب، بل أيضاً باضطرابات تتّصل بالسّجن وبصعوبة التنقّل وبالمحظورات المُتعدّدة التي تُفرض على الأفراد وإلى خسارة الحدّ الأدنى من الأمن، لاسيّما ذاك المتّصل بالمسكن (تدمير، طرد، اغتصابات) والتّماسك العائلي (اعتقالات، انخراط في الميليشيات، توقيف أعضاء من العائلة، إلخ) واجتماعية (تجنيد مقاتلين من بين أولاد في المرحلة المدرسيّة حال دون ذهاب عدد كبير منهم إلى المدرسة).
الجدير بالمعاينة أن المرء بدأ «فقط» إدراك مدى انعكاس النتائج النفسانية-المرضية الخطيرة على الأولاد المقاتلين، كذلك على المجتمع بمجمله؛ تلك الآثار الناتجة عن المُشاركة الفاعلة للأولاد في الأعمال القتالية، إذ كان هؤلاء شهوداً على الفظائع كما أنهم قد ارتكبوا قسماً منها بأنفسهم.
فالحرب اللبنانيّة قد عاثت فساداً طوال 17 سنة وخلّفت وراءها فضلاً عن الأضرار الماديّة المرئيّة والمحددة، تدميراً إنسانياً لم يُحصَ، خصوصاً بين الأولاد والمراهقين. لقد نشأ هؤلاء الأولاد في محيط تَمزّق فيه النسيج الاجتماعي القديم وتشوّه وغدا غير قابل للاستعمال فيما تتقاذفهم يمنة ويسرة، للبحث عن ملجأ لم يَكُن آمناً أبداً. لقد أصبحوا صغاراً مُقتلعين من بلدهم الخاص. وتركوا دون دفاع، ومُكوّمين في منازل وقتية وغير صحيّة يَنتظرون عودة افتراضية إلى مَقَام المَنْشأ الذي هو مَقَام أسطوري بالنسبة إليهم أكثر منه واقعياً.
لقد أمكن لنا حسب دراسات أُجريت في بيروت في العام 1996 استخلاص أنَّ مُستقبل هؤلاء المراهقين المقاتلين (البالغين من العمر حالياً أكثر من 30 سنة) هو أكثر خطراً على المستوى النفسي وأكثر مأسويةً على المستوى الإنساني ممّا نتخيّله.
ما خلا خاصية الحرب الصدموية بحد ذاتها، فقد جُحِد المُراهق ـ المقاتل بالإضافة إلى ذلك في مرحلة طفولته ومراهقته. ولقد نتج عن هذا الواقع، أنّ السيرورة النفسية التي يجتازها كلّ مُراهق لكي يَصِل إلى وضعية الراشد قد خطفت. لقد حصلت قطيعة في تطوره، وتكفّلت المخدرات والرُعب بإنهائه بما هو ذات و/أو تحويله إلى «آلة موت»؛ ليست فقط أنّاه قد دُمّرت، لكنّه أُصيب حتّى في مرتكزاته النرجسية.
أمّا أُولئك الذين أمكن لهم أن يَتَمسّكوا بأطراف المجتمع فقد استمروا في الصمود. وإنَّ اندماجهم الاجتماعي يطرح مشاكل ضخمة... وذلك ما يحثّ على طرح سؤال حول مصير الصدمية لديهم، الذي له علاقة ـ برأيي ـ مع مستقبلهم النفسي.
الاعتبارات التي تُمهّد لتجنيدهم كثيرة. يُمكن أن يتمّ استخدامهم كحمّالين، وحملة بريد أو جواسيس، لكن سرعان ما ينتقلون إلى خطّ الجبهة. يَصِل الأمر أحياناً إلى تجنيد الفتيات، غالباً بالقوة، لكن عددهن أقلّ بكثير من الصبية «هن يستخدمن في الأغلب كطاهيات، مقاتلات و/أو خليلات. يمكن أن ترغم فتاة على «تلبية رغبة» عدّة جنود في القاعدة» (15).
هناك عدد لا يُستهان به من الأولاد يتطوّعون إرادياً: وذلك للبقاء على قيد الحياة، لأنهم لا يَملكون أي مكان يذهبون إليه أو لأنّهم يبحثون عن منزل وعن الغذاء والأمن، أو لإثبات رجولتهم، مدفوعين إلى ذلك من نظرائهم، أو رغبة منهم في الانتقام من الفظاعات التي ارتكبت بحقّ عائلاتهم أو طائفتهم. في الواقع، يزيّن رؤساء الحرب للمراهقين الذين يجندونهم إمكانية حماية من يخصّونهم أو الثأر لهم، ولكن يعدونهم أيضاً كذلك بتقاضي راتب بالدولار والإفلات التام من العقاب عن كل تجاوز يرتكبونه في مناطق القتال. أولاد الحرب هؤلاء يَحفظون في الذاكرة صورة الذين يكبرونهم سناً ممن نجحوا في الخروج من هذا البؤس المحزن في الضواحي والتحقوا بالميليشيات التي فتحت درب الثراء. وبالنسبة إليهم، بعد انهيار نموذج الوالدين، فإن النّجاح الاجتماعي الذي يتفاخر به أولئك الذي جنوا الثروات، سرعان ما أصبح موضوعاً يبهرهم.
غير أن الأمر يتعلق بتفسير مصطلح «إرادي»، بمعناه الواسع لأنّ الظروف هي على نحو لا تترك فيه إلا مكاناً ضيقاً لإجراء خيار حقيقي. فالبحث الذي أُجريَ لحساب منظّمة الأمم المُتّحدة من قبل مكتب كواكر (Quaker) لدى الأمم المتّحدة في جنيف أظهر أنّ السبب الأغلب الذي من أجله يتطوّع الأولاد إرادياً ويلتحقون بقوى المُعارضة المُسلّحة في بلادهم هو المعاملة السيئة التي فرضت عليهم وعلى عائلاتهم من قبل عناصر القوات الحكومية. لذلك فإنَّ الدرس الذي يجب أن تستخلصه الحكومات التي تزج بنفسها في قمع الداخل هنا واضح جداً.
ما هي العواقب؟
حياة الأولاد المجندين هي حتماً صعبة. فبمقدار ما هم أعضاء في القوات المسلّحة، يصبحون في النزاعات المسلّحة هدفاً للهجمات المشروعة، يخسرون الحماية العامّة التي هي من حقّهم بوصفهم أفراداً من السكّان المدنيين. وخلال المعارك، يقوم الأولاد بمجازفات كبيرة جدّاً كتلك التي يقوم بها الراشدون، بسبب عدم نضجهم النسبيّ وبسبب اطلاق العنان لوحشيّة وقساوة غريبة بالنسبة إلى أعمارهم. حتّى في القوات المسلّحة الحكوميّة، عُومل الأولاد في الأغلب بفظاظة، والعقوبات المفروضة عليهم يمكن أن تكون قاسية. حسبما جاء في بحث أعدّ للأمم المتّحدة «فإنّ أيّ محاولة للهروب يُمكن أن تؤدي إلى الاعتقال أو إلى إعدام سريع».
علاوة على أخطار الموت البديهيّة أو الإصابة بجروح خطيرة في المعارك، يعاني الأولاد ـ المقاتلون من المعاملة القاسية ومن «الإفراط في العنف» (16) الممارس من قِبَل رئيسهم بما لا يتناسب مع إمكانياتهم. فيُمكن أن تتشوّه أكتاف الأولاد وظهورهم وذلك بفعل نقل الحمولات الثقيلة جدّاً بالنسبة إليهم. كذلك فإنَّ سوء التغذية وإصابتهم بالتهابات في المجاري التنفسيّة والبَشَرة إضافة إلى أمراض أُخرى، هي حالات متكررة في صفوفهم، من ضمنها الأمراض القابلة للانتقال جنسياً كمرض السّيدا، أو كذلك المشاكل السّمعيّة والبصريّة.
الحرب، بخاصّة حينما تكون حرباً أهلية، تَخْلق كذلك شروط حياة ذات آثار نفسية أكيدة على كلّ شخص، لكن بخاصّة لدى الأولاد والمراهقين. فهؤلاء لا يعانون من اضطرابات ثانوية نتيجة الصدمات التي يَتسبب بها العنف الذي يواجهونه فحسب، بل أيضاً باضطرابات تتّصل بالسّجن وبصعوبة التنقّل وبالمحظورات المُتعدّدة التي تُفرض على الأفراد وإلى خسارة الحدّ الأدنى من الأمن، لاسيّما ذاك المتّصل بالمسكن (تدمير، طرد، اغتصابات) والتّماسك العائلي (اعتقالات، انخراط في الميليشيات، توقيف أعضاء من العائلة، إلخ) واجتماعية (تجنيد مقاتلين من بين أولاد في المرحلة المدرسيّة حال دون ذهاب عدد كبير منهم إلى المدرسة).
الجدير بالمعاينة أن المرء بدأ «فقط» إدراك مدى انعكاس النتائج النفسانية-المرضية الخطيرة على الأولاد المقاتلين، كذلك على المجتمع بمجمله؛ تلك الآثار الناتجة عن المُشاركة الفاعلة للأولاد في الأعمال القتالية، إذ كان هؤلاء شهوداً على الفظائع كما أنهم قد ارتكبوا قسماً منها بأنفسهم.
فالحرب اللبنانيّة قد عاثت فساداً طوال 17 سنة وخلّفت وراءها فضلاً عن الأضرار الماديّة المرئيّة والمحددة، تدميراً إنسانياً لم يُحصَ، خصوصاً بين الأولاد والمراهقين. لقد نشأ هؤلاء الأولاد في محيط تَمزّق فيه النسيج الاجتماعي القديم وتشوّه وغدا غير قابل للاستعمال فيما تتقاذفهم يمنة ويسرة، للبحث عن ملجأ لم يَكُن آمناً أبداً. لقد أصبحوا صغاراً مُقتلعين من بلدهم الخاص. وتركوا دون دفاع، ومُكوّمين في منازل وقتية وغير صحيّة يَنتظرون عودة افتراضية إلى مَقَام المَنْشأ الذي هو مَقَام أسطوري بالنسبة إليهم أكثر منه واقعياً.
لقد أمكن لنا حسب دراسات أُجريت في بيروت في العام 1996 استخلاص أنَّ مُستقبل هؤلاء المراهقين المقاتلين (البالغين من العمر حالياً أكثر من 30 سنة) هو أكثر خطراً على المستوى النفسي وأكثر مأسويةً على المستوى الإنساني ممّا نتخيّله.
ما خلا خاصية الحرب الصدموية بحد ذاتها، فقد جُحِد المُراهق ـ المقاتل بالإضافة إلى ذلك في مرحلة طفولته ومراهقته. ولقد نتج عن هذا الواقع، أنّ السيرورة النفسية التي يجتازها كلّ مُراهق لكي يَصِل إلى وضعية الراشد قد خطفت. لقد حصلت قطيعة في تطوره، وتكفّلت المخدرات والرُعب بإنهائه بما هو ذات و/أو تحويله إلى «آلة موت»؛ ليست فقط أنّاه قد دُمّرت، لكنّه أُصيب حتّى في مرتكزاته النرجسية.
أمّا أُولئك الذين أمكن لهم أن يَتَمسّكوا بأطراف المجتمع فقد استمروا في الصمود. وإنَّ اندماجهم الاجتماعي يطرح مشاكل ضخمة... وذلك ما يحثّ على طرح سؤال حول مصير الصدمية لديهم، الذي له علاقة ـ برأيي ـ مع مستقبلهم النفسي.
صفحة 7
لاعبو حرب قررها الكبار
إنّه لمرعب أن نعاين في فجر القرن الواحد والعشرين، أن يكون الراشدون راغبين في أن يقوم الأولاد بالحرب نيابة عنهم. إنّهم «يعدّونهم» للحرب من خلال الانغماس في الفظائع إلى أقصى حدود. الدم والعنف، والجرائم مُقزّزة، كل ذلك ليتعلّموا أن يتغلبوا على الخوف... أبطال هذه التجنيدات الإجباريّة أو «الإراديّة»، هم أفراد الميليشيات وحركات التمرّد التي تستفيد من التشوش القضائي المُتعمد على ما يبدو من قبل عدد من الدّول. لكن، ما هو يقيني تماماً أن عدداً من الأولاد المقاتلين قد شُجّعوا ضمنياً من قبل أولياء أمورهم على مثل هذا الانخراط، متباهين بهم أمام مجموعتهم وأقرانهم.
يشعر المرء بأن هنالك رغبة في تدمير الذات المُراهقة وخنقها. حيث ينبغي ألّا ينفذ إلى مرتبة الرجال، و«الراشدين». إذ كيف يمكن فهم هذه الجريمة التي لا تَحمل اسماً؟ مع أنهم، سواء كانوا ودعاء وعاشوا حياة «عادية» أم أصبحوا قَتَلة، لا يُمكن للأولاد أن يتخلّصوا أبداً من مرحلة النضج الجسدي هذه: النموّ الذي يَحمل ختم البلوغ.
هذا التحوّل من حالة قديمة إلى حالة جديدة يتيح للمراهق منفذاً إلى الوظائف الجسديّة التي تفترض إعادة تملك نفسيّة لجسده المتحوّل.
إلا أنه لا بد له لكي يستعيد نفسه في هذه الهيئة الجديدة، أن يَبني شخصية جديدة في إطار مشروع حياة، وأن يُصبح مستقلاً، أي يُؤسس علاقاته مع الآخرين، بخاصة مع والديه، على أُسس أخرى، مما يحتّم المرور بفترة أزمة. إن فهم فترة العبور هذه، يعني الأخذ بعين الاعتبار خطوط القوّة التي من خلالها ينتظم هذا الاضطراب النفسي والجسدي رويداً رويداً. إنها عملية عبور من الطفولة إلى سن الرشد كما لفتت إليه ايفيلين كستمبرغ، «نقول غالباً وهذا خطأ إنَّ المُراهق هو في الوقت عينه ولد وراشد؛ في الحقيقة هو لم يَعُد ولداً، ولم يُصبح راشداً بعد. هذه الحركة المُزدوجة، إنكار الطفولة من جهة، والبحث عن حالة ثبات لراشد من جهة أخرى، هي التي تُشكّل الجوهر نفسه للـ "أزمة"، وللسيرورة النفسية ... التي يجتازها كلّ مراهق» (17).
وجراء ذلك، لا بد للراشد، حسب رأينا، من أن يكتفي بمرافقة يتطابق فيها مع الآخر، وببعض الدعم، في مواجهة التغيّرات المُستمرة والقطيعات المتعدّدة، والمُفارقات العديدة التي تحرك كل مراهق والتي سنسعى إلى إيضاحها في الصفحات الآتية. في المنازعات المُسلّحة، حينما يشترك المُراهق البالغ من العمر أقلّ من 18 سنة في الأعمال العدوانية، تراه في الـ «فعل» العابث الذي يقوم به، لا يملك هدفاً سوى تحقيق ذاته الخاصّة، أيّ أنّ الراشد يَضعه في نظام مُغلق ـ مَرَضيّ ـ هو نقيض الأنظمة المفتوحة التي تميّز الفعالية العادية.
وعليه تحديداً، يُمكننا أن نتساءل، هل إحدى خصوصيات الفعل لدى المراهق، لا تقوم ـ خلافاً للراشد ـ على الفقر في تعدد معاني أفعاله وعلى الطابع المُغلق في معظم الأحيان لأنظمة الفعل التي انخرط فيها. إن المراهق معرض بخاصّة في المجموعات المُسلّحة، لتنفيذ عمليات مُتقطّعة يعتاد خلالها على انعدام التجانس الأقصى في توظيف أنظمة أفعال مقفلة حيث إن السرعة في اللجوء إلى الفعل كانت تضعه في حال عجز عن التفكير بمنطق. من ناحية أخرى فإن التوتر النفسي الداخلي «المتواصل» الذي يَخضع له المُراهق في النزاعات المسلّحة يعرض إلى إخفاق كلي كلّ محاولة لتوظيف آليات ذهنيّة. هذا ما يترجم في الواقع من خلال حدوث عمليات انتقال فجائية إلى الفعل أو خلال حلقات من الالتباس أو فقدان الإدراك المرحلية. لقد روى الأولاد الذين أمكن لهم الهرب، وقد فقدوا الصواب جراء الضربات التي تلقوها والفظاعات التي أُرغموا على ارتكابها، فقالوا : «لا شيء بعد الآن يبدو واقعيّاً».
بعض الأولاد أمكن لهم الحديث عن هذا الانتقال نحو الجحيم، لكن الكثير منهم بقوا صامتين أمام تلك الصدمة الإبادية.
إنّه لمرعب أن نعاين في فجر القرن الواحد والعشرين، أن يكون الراشدون راغبين في أن يقوم الأولاد بالحرب نيابة عنهم. إنّهم «يعدّونهم» للحرب من خلال الانغماس في الفظائع إلى أقصى حدود. الدم والعنف، والجرائم مُقزّزة، كل ذلك ليتعلّموا أن يتغلبوا على الخوف... أبطال هذه التجنيدات الإجباريّة أو «الإراديّة»، هم أفراد الميليشيات وحركات التمرّد التي تستفيد من التشوش القضائي المُتعمد على ما يبدو من قبل عدد من الدّول. لكن، ما هو يقيني تماماً أن عدداً من الأولاد المقاتلين قد شُجّعوا ضمنياً من قبل أولياء أمورهم على مثل هذا الانخراط، متباهين بهم أمام مجموعتهم وأقرانهم.
يشعر المرء بأن هنالك رغبة في تدمير الذات المُراهقة وخنقها. حيث ينبغي ألّا ينفذ إلى مرتبة الرجال، و«الراشدين». إذ كيف يمكن فهم هذه الجريمة التي لا تَحمل اسماً؟ مع أنهم، سواء كانوا ودعاء وعاشوا حياة «عادية» أم أصبحوا قَتَلة، لا يُمكن للأولاد أن يتخلّصوا أبداً من مرحلة النضج الجسدي هذه: النموّ الذي يَحمل ختم البلوغ.
هذا التحوّل من حالة قديمة إلى حالة جديدة يتيح للمراهق منفذاً إلى الوظائف الجسديّة التي تفترض إعادة تملك نفسيّة لجسده المتحوّل.
إلا أنه لا بد له لكي يستعيد نفسه في هذه الهيئة الجديدة، أن يَبني شخصية جديدة في إطار مشروع حياة، وأن يُصبح مستقلاً، أي يُؤسس علاقاته مع الآخرين، بخاصة مع والديه، على أُسس أخرى، مما يحتّم المرور بفترة أزمة. إن فهم فترة العبور هذه، يعني الأخذ بعين الاعتبار خطوط القوّة التي من خلالها ينتظم هذا الاضطراب النفسي والجسدي رويداً رويداً. إنها عملية عبور من الطفولة إلى سن الرشد كما لفتت إليه ايفيلين كستمبرغ، «نقول غالباً وهذا خطأ إنَّ المُراهق هو في الوقت عينه ولد وراشد؛ في الحقيقة هو لم يَعُد ولداً، ولم يُصبح راشداً بعد. هذه الحركة المُزدوجة، إنكار الطفولة من جهة، والبحث عن حالة ثبات لراشد من جهة أخرى، هي التي تُشكّل الجوهر نفسه للـ "أزمة"، وللسيرورة النفسية ... التي يجتازها كلّ مراهق» (17).
وجراء ذلك، لا بد للراشد، حسب رأينا، من أن يكتفي بمرافقة يتطابق فيها مع الآخر، وببعض الدعم، في مواجهة التغيّرات المُستمرة والقطيعات المتعدّدة، والمُفارقات العديدة التي تحرك كل مراهق والتي سنسعى إلى إيضاحها في الصفحات الآتية. في المنازعات المُسلّحة، حينما يشترك المُراهق البالغ من العمر أقلّ من 18 سنة في الأعمال العدوانية، تراه في الـ «فعل» العابث الذي يقوم به، لا يملك هدفاً سوى تحقيق ذاته الخاصّة، أيّ أنّ الراشد يَضعه في نظام مُغلق ـ مَرَضيّ ـ هو نقيض الأنظمة المفتوحة التي تميّز الفعالية العادية.
وعليه تحديداً، يُمكننا أن نتساءل، هل إحدى خصوصيات الفعل لدى المراهق، لا تقوم ـ خلافاً للراشد ـ على الفقر في تعدد معاني أفعاله وعلى الطابع المُغلق في معظم الأحيان لأنظمة الفعل التي انخرط فيها. إن المراهق معرض بخاصّة في المجموعات المُسلّحة، لتنفيذ عمليات مُتقطّعة يعتاد خلالها على انعدام التجانس الأقصى في توظيف أنظمة أفعال مقفلة حيث إن السرعة في اللجوء إلى الفعل كانت تضعه في حال عجز عن التفكير بمنطق. من ناحية أخرى فإن التوتر النفسي الداخلي «المتواصل» الذي يَخضع له المُراهق في النزاعات المسلّحة يعرض إلى إخفاق كلي كلّ محاولة لتوظيف آليات ذهنيّة. هذا ما يترجم في الواقع من خلال حدوث عمليات انتقال فجائية إلى الفعل أو خلال حلقات من الالتباس أو فقدان الإدراك المرحلية. لقد روى الأولاد الذين أمكن لهم الهرب، وقد فقدوا الصواب جراء الضربات التي تلقوها والفظاعات التي أُرغموا على ارتكابها، فقالوا : «لا شيء بعد الآن يبدو واقعيّاً».
بعض الأولاد أمكن لهم الحديث عن هذا الانتقال نحو الجحيم، لكن الكثير منهم بقوا صامتين أمام تلك الصدمة الإبادية.
صفحة 8
الفصل الثاني:المُراهقة لَحْظَةٌ ـــ جوهريّة في النضج النفسي
تاريخ مفهوم المُراهقة وانفجاره
قبل التطرّق إلى موضوعنا، من المهمّ أن نُسطّر باختصار بعض الجوانب الهامّة في تاريخ المُراهقة.
نَسترجع على سبيل التذكّر، أنّ كلمة «مُراهقة» adolescens (18) في روما القديمة، تعني «في طور النموّ»، وتُقابل لدى الشّابّ الحقبة من حياته المُمتدة من عمر الـ 17 إلى 30 عاماً. أمّا الفتاة في العمر نفسه فتَكون قد تزوّجت. فإذا كانت فترة النضج قد شَغَلت على الدّوام مَكَاناً في التاريخ، فالأمر مُختلف فيما يتعلّق بالدّخول إلى سنّ الرّشد، الذي تبدّل كثيراً بسبب مقتضيات اللحظة. إذاً، لم يعرف مفهوم الطفولة ومن باب أولى مفهوم المُراهقة حتّى نهاية النّظام القديم. وإذا كان سنّ الزّواج في العقود السابقة على الثورة قد تأخر إلى ما بعد الـ 25 سنة ـ وذلك وقاية اجتماعية حقيقية مُعلّلة آنذاك بالحفاظ على توازن ديموغرافي كان يوشك على الاختلال ـ في القرن الثامن عشر، فقد قال جان جاك روسو، السبّاق إلى وضع مفهوم المُراهقة، في كتابه إميل ، وفي معرض حديثه عن الشّباب: «هذا العمر لا يَدوم كفاية للاستخدام الذي نريد أن نستخدمه به وأهميّته تسترعي انتباهاً بلا توقّف. ولذا فأنا أُصرّ على فنّ إطالته» (19). لكن في زمنٍ كان مُعدّل الحياة الوسطي فيه 33 سنة، لقد عسر على هذا العمر المتوسط إيجاد حيّز أكثر أهمية. لذلك وَجَب الانتظار إلى منتصف القرن التاسع عشر، الذي تَميّز عن العصور الأُخرى بمعدل عمر أطول بكثير اتّصل بالتّقدّم الطبّي والتّصنيع، حتّى رأينا ظهور مفهوم الـ «مُراهقة» في تنظيم الفئات العمرية وفي المعاجم. هذا المفهوم الذي بَقِيَ موضوع نقاش في الوسط الفكري على اعتبار أنّها إذا كانت قد شغلت مَكاناً واسعاً في بعض النّصوص الأدبيّة (لدى بالزاك، ستندال، إلخ) فإنّ كُتّاباً آخرين (ديكنز، فالّيس، ورونار، إلخ) أصرّوا على اعتبار أنّ نهاية مرحلة الطفولة هي اللّحظة التي تَنقلب فيها إلى مرحلة الرّشد بلا تمهيد. وليس من العبث أن نُسجِّل كيف أنّ المُراهقة تبدأ بإقلاق وإزعاج مجتمع ما ـ وقد طمح هذا المجتمع إلى الهدوء بعد الحوادث الثوريّة والحربيّة التي وَسَمَت النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
في بداية القرن العشرين، شَهدنا تَطوّراً سريعاً تَرافق مع إلزاميّة التّعليم والعديد من التدابير الخاصّة بالشّباب، بدءاً من الحركة الكشفية إلى الشبيبة الموسيقية الفرنسية، مروراً بالجمعيات الرّياضيّة. لقد أُنشئت في العام 1912 مَحَاكم للأولاد، كما وضعت الحُريّة تحت الرقابة : هذا«الخوف من الشّباب» (20) بالإضافة إلى الصورة التي يُعطيها عن المُراهقين، أصبح في أساس طلب اجتماعي مُلحّ مطروح لعناية «المُتخصّصين». يقول دوركايم إنّ «الشهوة الجنسيّة لدى المُراهق تدفعه نحو العُنف والخشونة بل والساديّة» (21). ويُضيف انطوان دوپراه في العام 1909 إنَّ «المُراهق هو مريض ذو سطوة» (22). بالتّوازي، أُجريت الدراسات الحقيقيّة الأولى حول المُراهقة في الولايات المتّحدة. ففي العام 1904، نَشَـر سـتانلي هول تحت عنوان «المُراهقة»، مُؤلَّفاً، هو في الوقت نفسه مؤلّف في علم النفس وموسوعة. فيقول: «إذا وَصَلَجنسنا البشري في يوم إلى مُستوى أعلى، فهذا سَيَكُونُ ثماراً لتطورات تدريجيّة في مرحلة المُراهقة والتي تُشكّل البُرعم الواعد للجنس البشري» (23).
إذا لم يعالج سيغموند فرويد في ميدان التحليل النفسي، إلّا مسألة البلوغ (24)، فقد تحدّث إرنست جونس (Ernest Jones) ، في العام 1922، ومن ثمّ برنفلد (Bernefeld) في فيينا، وختاماً وخاصّة، آنّا فرويد (Anna Freud) عن المُراهقة. في العام 1936، مع كتاب «الأناوالهو في مرحلة البلوغ والقلق الحاجي (25) خلال مرحلة البلوغ»، قامت آنّا فرويد بالمزاوجة بين مفهوم البلوغ كما تحدّث عنه والدها ومفهوم «المُراهقة» الذي شهد الرواج الذي عرفنا.
لقد شهدت مرحلة ما بعد الحرب تطَوّر الإطار الاجتماعي التربوي للشباب، وأصبحت المُراهقة نوعاً من المرض. تغيّرت النّظرة: لقد انتقلنا إلى وضع أدوات اعتلام (26) تَصِف الأمراض ومن شأنها أن تفتح مَنْفَذاً نحو العلاجات الاجتماعية-الطبية-النفسيّة. لذلك وجب انتظار دونالد وينيكوت (27) لنسمع ما يذكر بأن أزمة البلوغ هي القاعدة وأنّ غيابها هو المَرَضَيّ. من ناحية أخرى، فإنّ طفرة مُعدّل المواليد (baby -boom) سيؤدي إلى حركات اجتماعيّة عميقة. وفيما يقبع المراهقون في أماكن حياة خاصة بهم، يصبحون مجموعة متضامنة قابلة للاسغلال من قبل الراشدين. أمّا المراهقون فسيطالبون بالاعتراف بحقوقهم في العام 1968، موسعين بالتالي «الهوة بين الأجيال». ومنذ ذلك الوقت تنامت الفروقات بين الأعمار وبين الأجوبة الخاصّة التي جُلبت لكلّ عمر. إننا سنشهد ولادة ما قبل ـ مُراهقة، وما بعد مُراهقة في الوقت نفسه الذي تُصبح فيه المُراهقة لامتناهية، إلى حدّ أنّها تصادق على عجزنا عن إدارة العبور من الطفولة إلى سنّ الرّشد.
تاريخ مفهوم المُراهقة وانفجاره
قبل التطرّق إلى موضوعنا، من المهمّ أن نُسطّر باختصار بعض الجوانب الهامّة في تاريخ المُراهقة.
نَسترجع على سبيل التذكّر، أنّ كلمة «مُراهقة» adolescens (18) في روما القديمة، تعني «في طور النموّ»، وتُقابل لدى الشّابّ الحقبة من حياته المُمتدة من عمر الـ 17 إلى 30 عاماً. أمّا الفتاة في العمر نفسه فتَكون قد تزوّجت. فإذا كانت فترة النضج قد شَغَلت على الدّوام مَكَاناً في التاريخ، فالأمر مُختلف فيما يتعلّق بالدّخول إلى سنّ الرّشد، الذي تبدّل كثيراً بسبب مقتضيات اللحظة. إذاً، لم يعرف مفهوم الطفولة ومن باب أولى مفهوم المُراهقة حتّى نهاية النّظام القديم. وإذا كان سنّ الزّواج في العقود السابقة على الثورة قد تأخر إلى ما بعد الـ 25 سنة ـ وذلك وقاية اجتماعية حقيقية مُعلّلة آنذاك بالحفاظ على توازن ديموغرافي كان يوشك على الاختلال ـ في القرن الثامن عشر، فقد قال جان جاك روسو، السبّاق إلى وضع مفهوم المُراهقة، في كتابه إميل ، وفي معرض حديثه عن الشّباب: «هذا العمر لا يَدوم كفاية للاستخدام الذي نريد أن نستخدمه به وأهميّته تسترعي انتباهاً بلا توقّف. ولذا فأنا أُصرّ على فنّ إطالته» (19). لكن في زمنٍ كان مُعدّل الحياة الوسطي فيه 33 سنة، لقد عسر على هذا العمر المتوسط إيجاد حيّز أكثر أهمية. لذلك وَجَب الانتظار إلى منتصف القرن التاسع عشر، الذي تَميّز عن العصور الأُخرى بمعدل عمر أطول بكثير اتّصل بالتّقدّم الطبّي والتّصنيع، حتّى رأينا ظهور مفهوم الـ «مُراهقة» في تنظيم الفئات العمرية وفي المعاجم. هذا المفهوم الذي بَقِيَ موضوع نقاش في الوسط الفكري على اعتبار أنّها إذا كانت قد شغلت مَكاناً واسعاً في بعض النّصوص الأدبيّة (لدى بالزاك، ستندال، إلخ) فإنّ كُتّاباً آخرين (ديكنز، فالّيس، ورونار، إلخ) أصرّوا على اعتبار أنّ نهاية مرحلة الطفولة هي اللّحظة التي تَنقلب فيها إلى مرحلة الرّشد بلا تمهيد. وليس من العبث أن نُسجِّل كيف أنّ المُراهقة تبدأ بإقلاق وإزعاج مجتمع ما ـ وقد طمح هذا المجتمع إلى الهدوء بعد الحوادث الثوريّة والحربيّة التي وَسَمَت النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
في بداية القرن العشرين، شَهدنا تَطوّراً سريعاً تَرافق مع إلزاميّة التّعليم والعديد من التدابير الخاصّة بالشّباب، بدءاً من الحركة الكشفية إلى الشبيبة الموسيقية الفرنسية، مروراً بالجمعيات الرّياضيّة. لقد أُنشئت في العام 1912 مَحَاكم للأولاد، كما وضعت الحُريّة تحت الرقابة : هذا«الخوف من الشّباب» (20) بالإضافة إلى الصورة التي يُعطيها عن المُراهقين، أصبح في أساس طلب اجتماعي مُلحّ مطروح لعناية «المُتخصّصين». يقول دوركايم إنّ «الشهوة الجنسيّة لدى المُراهق تدفعه نحو العُنف والخشونة بل والساديّة» (21). ويُضيف انطوان دوپراه في العام 1909 إنَّ «المُراهق هو مريض ذو سطوة» (22). بالتّوازي، أُجريت الدراسات الحقيقيّة الأولى حول المُراهقة في الولايات المتّحدة. ففي العام 1904، نَشَـر سـتانلي هول تحت عنوان «المُراهقة»، مُؤلَّفاً، هو في الوقت نفسه مؤلّف في علم النفس وموسوعة. فيقول: «إذا وَصَلَجنسنا البشري في يوم إلى مُستوى أعلى، فهذا سَيَكُونُ ثماراً لتطورات تدريجيّة في مرحلة المُراهقة والتي تُشكّل البُرعم الواعد للجنس البشري» (23).
إذا لم يعالج سيغموند فرويد في ميدان التحليل النفسي، إلّا مسألة البلوغ (24)، فقد تحدّث إرنست جونس (Ernest Jones) ، في العام 1922، ومن ثمّ برنفلد (Bernefeld) في فيينا، وختاماً وخاصّة، آنّا فرويد (Anna Freud) عن المُراهقة. في العام 1936، مع كتاب «الأناوالهو في مرحلة البلوغ والقلق الحاجي (25) خلال مرحلة البلوغ»، قامت آنّا فرويد بالمزاوجة بين مفهوم البلوغ كما تحدّث عنه والدها ومفهوم «المُراهقة» الذي شهد الرواج الذي عرفنا.
لقد شهدت مرحلة ما بعد الحرب تطَوّر الإطار الاجتماعي التربوي للشباب، وأصبحت المُراهقة نوعاً من المرض. تغيّرت النّظرة: لقد انتقلنا إلى وضع أدوات اعتلام (26) تَصِف الأمراض ومن شأنها أن تفتح مَنْفَذاً نحو العلاجات الاجتماعية-الطبية-النفسيّة. لذلك وجب انتظار دونالد وينيكوت (27) لنسمع ما يذكر بأن أزمة البلوغ هي القاعدة وأنّ غيابها هو المَرَضَيّ. من ناحية أخرى، فإنّ طفرة مُعدّل المواليد (baby -boom) سيؤدي إلى حركات اجتماعيّة عميقة. وفيما يقبع المراهقون في أماكن حياة خاصة بهم، يصبحون مجموعة متضامنة قابلة للاسغلال من قبل الراشدين. أمّا المراهقون فسيطالبون بالاعتراف بحقوقهم في العام 1968، موسعين بالتالي «الهوة بين الأجيال». ومنذ ذلك الوقت تنامت الفروقات بين الأعمار وبين الأجوبة الخاصّة التي جُلبت لكلّ عمر. إننا سنشهد ولادة ما قبل ـ مُراهقة، وما بعد مُراهقة في الوقت نفسه الذي تُصبح فيه المُراهقة لامتناهية، إلى حدّ أنّها تصادق على عجزنا عن إدارة العبور من الطفولة إلى سنّ الرّشد.
صفحة 9
بالتّوازي، فإنّ الإلغاء التّدريجي لِمَا كان يعتبر بمثابة طقوس انتقال تضع حداً لكرب المراهقين وكذلك الصّعوبات المتزايدة في النقل بين الأجيال، تسببت بالنّتائج التي نعرف : محاولات الانتحار، والفرار من المنزل، والحَمْل قبل الأوان، وإدمان المخدّرات، الدخول في المجازفات، الخوض في معارك عنيفة، وحروب أهليّة، والفشـل المدرسي، إلخ. يُمكننا أن نَتساءل هل هذه التّجلّيات المُسمّاة عَرَضيّة (28) ليس من المُمكن اعتبارها بمثابة تدريبات ذاتيّة حيث أنّ المُبادرة لا يُمكن أن تُؤخذ إلّا من قبل هؤلاء الشّباب أنفسهم، أملاً في انتزاع الاعتراف بأنهم لم يعودوا أولاداً، بغياب أي عروض مقدمة إليهم من قبل الكبار؛ لأنّ المُراهق الذي يَتعجّل أن يصبح رجلاً بغية انتزاع الاعتراف بذكورته وأن يثبّت نفسه في ادّعائه وأن يَحكم بالصّواب على تمرّده الداخلي، هو بحاجة لأن يكون مُطمئناً ومُحاطاً وبخاصّة مُرافقاً من قبل الراشد في فترة عبوره (29) التي تتصف بكثير من القلق والعنف. وحينما لا يَكون الراشد جاهزاً أليس ذلك أنّ المُراهقة تمثّل من هذا المنظور المرآة المُضَخّمة لمخاوفه فيما يتعلّق بالمُستقبل: المُراهق «يفعلن ما يُفكّر فيه الراشدون (الوالدان) أو يُعبرون عنه وحتّى يخفوه ويكبتوه» (30). يُمكننا القول إنّ مشروع حياة الشاب يَتَحَضّر انطلاقاً من الإرث الوالدي، بشكل يتطابق أو يتناقض معه.
مع سقوط مخيال السلطة القضيبيّة المطلقة (31) للوالدين، سيُلفي المُراهق نفسه داخل تناقض وصراع داخلي إزاء أولئك الذين يتخذهم كنماذج للتقمص (التماهي)، وتحديداً الوالدين. من جهة، يُريد المُحافظة على التماهيات المُكتسبة للشخصيّة ومن جهة أخرى التخلّص من العلاقة مع أولئك الذين يتخذهم كنماذج لتلك التماهيات. من هذا الواقع، لكي يَتمايز عن ذلك الذي يُشكّل مركز انبناء ذاتي، بغية إعادة بناء نفسه، فإنّه يستدير نحو احتمالين آخرين. الأوّل يرتكز على حصد القيم المعياريّة، هنا حيث يكون محظوظاً بإيجادها، وأن يعتقد بها وأن يستبطن ما تُجسّده (المعبود البطل أو الأستاذ). الثاني هو بناء مشاريع على رمال ـ تنهار على الدوام ـ أو الانضمام إلى «أجهزة معتقدية». وسواء أكانت سياسيّة أم دينية أم ايديولوجية، فإنها تشكل على الدوام قناعاً للفراغ. إنّهم يُقَنّون (32) عند الاقتضاء العنف النزوي لأنه يُشكل الدعامة للبدء بوضع الاستيهام (33) والنزاعات النفسيّة لهذه الذات موضع التطبيق، لكنهم لا يستخدمونها لأجل غايات بنّاءة. هذا النمط هو ما نراه موضع التطبيق لدى الأولاد المقاتلين.
من إلغاء التماهي الوالدي إلى التماهي الراشدي
الوالدان هما بطبيعة الحال في قلب هذه العاصفة النّفسيّة التي تُثير المُراهق، والمواجهة معهم حتميّة بل ضروريّة: إنّها خاصّة كلّ عملية سلب للتماهي وذلك بسماحها للشخص بأن يجد هويّته الخاصّة.
أن يَتعرّف على ذاته، وأن يَتمايز عمّا شكّل مركزاً لبنيته النفسية، ذلك ما تنطوي عليه حركاته العُدوانيّة، ورفض من كان أقرب الناس إليه. وإنَّ حدّة هذا العنف هي على الدوام دلالة على صعوبة المُراهق أن يتخلّى عن إقامة علاقة انصهارية مع والديه. أما الأسباب فيمكن أن تكون كثيرة. يُمكن أن يَتعلق الأمر باستحالة مُغادرة «الولد الذي كنّاه» بغية عدم خسارة حماية الوالدين، أو «استحالة الاعتداء عليهما، حتّى ولو فكريّاً ... لأنّهما يتبدّيان أحياناً وبحقّ ضعيفين جدّاً لا يتحمّلان هذا الاعتداء ... أو كمن كانت قيمتهما الاجتماعية منتقصة في الواقع الاجتماعي لكي لا تعود فعلنة الحط من القيمة والمتصل بعملية إلغاء المثلنة النفسية، أمراً جائزاً» (34). إنّها حالة عدد من المُراهقين المتحدّرين من عائلات محرومة اجتماعيّاً. في الأغلب، يُحَوّل الشاب حينئذٍ المعارضة المستحيلة إزاء الأهل نحو مُمثّلي السّلطة والنّجاح الاجتماعي.
مع ذلك، مهما كانت مُصادفات التّاريخ الفردي والعائلي للشابّ، كأن يُوجد في بلد في حالة سلم أو في حالة حرب، هذا الإلغاء للتماهي يُلازم البحث عن راشدين آخرين غير الوالدين، الذين من المُمكن التماهي معهم واتخاذهم كنماذج. يروقني هنا أن أُبيّن دور الأستاذ والمعبود، مع التركيز على هذا الأخير أكثر، لأنّه يتصل اتصالاً وثيقاً بعملي.
مع سقوط مخيال السلطة القضيبيّة المطلقة (31) للوالدين، سيُلفي المُراهق نفسه داخل تناقض وصراع داخلي إزاء أولئك الذين يتخذهم كنماذج للتقمص (التماهي)، وتحديداً الوالدين. من جهة، يُريد المُحافظة على التماهيات المُكتسبة للشخصيّة ومن جهة أخرى التخلّص من العلاقة مع أولئك الذين يتخذهم كنماذج لتلك التماهيات. من هذا الواقع، لكي يَتمايز عن ذلك الذي يُشكّل مركز انبناء ذاتي، بغية إعادة بناء نفسه، فإنّه يستدير نحو احتمالين آخرين. الأوّل يرتكز على حصد القيم المعياريّة، هنا حيث يكون محظوظاً بإيجادها، وأن يعتقد بها وأن يستبطن ما تُجسّده (المعبود البطل أو الأستاذ). الثاني هو بناء مشاريع على رمال ـ تنهار على الدوام ـ أو الانضمام إلى «أجهزة معتقدية». وسواء أكانت سياسيّة أم دينية أم ايديولوجية، فإنها تشكل على الدوام قناعاً للفراغ. إنّهم يُقَنّون (32) عند الاقتضاء العنف النزوي لأنه يُشكل الدعامة للبدء بوضع الاستيهام (33) والنزاعات النفسيّة لهذه الذات موضع التطبيق، لكنهم لا يستخدمونها لأجل غايات بنّاءة. هذا النمط هو ما نراه موضع التطبيق لدى الأولاد المقاتلين.
من إلغاء التماهي الوالدي إلى التماهي الراشدي
الوالدان هما بطبيعة الحال في قلب هذه العاصفة النّفسيّة التي تُثير المُراهق، والمواجهة معهم حتميّة بل ضروريّة: إنّها خاصّة كلّ عملية سلب للتماهي وذلك بسماحها للشخص بأن يجد هويّته الخاصّة.
أن يَتعرّف على ذاته، وأن يَتمايز عمّا شكّل مركزاً لبنيته النفسية، ذلك ما تنطوي عليه حركاته العُدوانيّة، ورفض من كان أقرب الناس إليه. وإنَّ حدّة هذا العنف هي على الدوام دلالة على صعوبة المُراهق أن يتخلّى عن إقامة علاقة انصهارية مع والديه. أما الأسباب فيمكن أن تكون كثيرة. يُمكن أن يَتعلق الأمر باستحالة مُغادرة «الولد الذي كنّاه» بغية عدم خسارة حماية الوالدين، أو «استحالة الاعتداء عليهما، حتّى ولو فكريّاً ... لأنّهما يتبدّيان أحياناً وبحقّ ضعيفين جدّاً لا يتحمّلان هذا الاعتداء ... أو كمن كانت قيمتهما الاجتماعية منتقصة في الواقع الاجتماعي لكي لا تعود فعلنة الحط من القيمة والمتصل بعملية إلغاء المثلنة النفسية، أمراً جائزاً» (34). إنّها حالة عدد من المُراهقين المتحدّرين من عائلات محرومة اجتماعيّاً. في الأغلب، يُحَوّل الشاب حينئذٍ المعارضة المستحيلة إزاء الأهل نحو مُمثّلي السّلطة والنّجاح الاجتماعي.
مع ذلك، مهما كانت مُصادفات التّاريخ الفردي والعائلي للشابّ، كأن يُوجد في بلد في حالة سلم أو في حالة حرب، هذا الإلغاء للتماهي يُلازم البحث عن راشدين آخرين غير الوالدين، الذين من المُمكن التماهي معهم واتخاذهم كنماذج. يروقني هنا أن أُبيّن دور الأستاذ والمعبود، مع التركيز على هذا الأخير أكثر، لأنّه يتصل اتصالاً وثيقاً بعملي.
صفحة 10
المعبود أو الأستاذ الحامي
سيجد البحث عن تماهي شخصية راشد دعائمه في الصور العامّة «الباسلة» التي تحملها الشبكات الاجتماعيّة: ذلك ما نراه في أيّامنا هذه، بخصوص صور منقولة عبر مختلف وسائل الإعلام (جرائد/ تلفزيون، إلخ). فعلى اختلافها، هذه النماذج المثاليّة لها الوظيفة نفسها بالنسبة إلى المُراهقين.
في بلد في حال السّلم، يُمكن أن يتجسّد المعبود من خلال المُغنين والرياضيين المعروفين من خلال وسائل الإعلام. كذلك يتعلق المُراهق بصورة الأستاذ، وصورة ذاك الذي لا يَخاف الموت، وذلك الذي جَابه كلّ محرمات المنطق القضيبي ليذهب في رغبته حتّى منتهاها، حتّى الموت كحدّ نهائي للانتصار. لا تملك صُورة الأستاذ حضوراً مهماً في العلاقات الاجتماعيّة، لكنّها مُهمّة دائماً بالنسبة إلى الشّباب، إنما على مستوى أكثر حميمية. هناك صورة أخرى للمعبود يُمكن أن تُسمّى «المُتمرّد»، ويمثّل الوجه الآخر للمثال المراهق. فالتماثل مع معبود مُتمرّد يفسّر التمرّد على كل القواعد القائمة. فبالنّسبة إلى المراهقين الذين يُعانون الإخفاق في القاعدة المتّصلة بالأب الخيالي ذي السطوة، المُتمرّد هو حامل لواء المعارضة ضدّ القواعد الاجتماعيّة التي تبدو له كيفيّة وحمقاء وعبثيّة على اعتبار أن لا شيء يضمنها، وهو «رافض القواعد الحاليّة باسم قاعدة أفضل ـ المُمكنة على الدوام ـ مُدافعاً حتّى في تمرّده نفسه على الوظيفة التي أنكرها، والخاصّة بالفالوس (عضو الذكورة) الرمزي الذي يُنظِّم علاقات التبادل بين النّاس» (35).
أياً يكن الأمر، في بلد تدور فيه حرب أهليّة، فإن الخيار الذي يقوم به المراهقون فيما يخصّ البحث عن صورة يتماهى معها، بخاصّة بالنسبة إلى المُقاتلين يكون خياراً مسدداً عليه بصورة أدقّ. ويتم التسديد أكثر على قائد ميليشيوي و/أو زعيم سياسي، لأنهما من المتمتعين بسلطة قضيبيّة.
لكن لماذا خيار تقمص أب مثالي؟ في الواقع، أمام أزمته الذاتيّة، لم يكن بوسع المُراهق تغيير بنيته الاستيهاميّة، بمعنى «اعتماد الأب الواقعي وإلغاء تقمصه الأب المثالي لأجل حملها على مثال الأب» (36). وبالتالي تحت تأثير العقدة الأوديبيّة، يجرِّد الأب من هذا المثال ويحيله من خلال هذه العمليّة إلى أيّ صورة أخرى عديمة السلطة سيسدّد حسابات كراهيته الأوديبية حيالها. في هذا السياق، المُراهِق مقُود إلى أن يَقطع مع المحيط العائلي ومن ثمّ يستدير إلى الخارج بغية «إيجاد أب مثالي بعد أن يكون الأوّل قد أخفق في القيام بواجبه» (37).
بالرغم من كلّ المُصادفات، «هذه النماذج المثاليّة تهدف إلى توحيد الحشود وإلى تأسيس علاقات اجتماعيّة» (38). فهي سيكون لها بالنسبة إلى المُراهقين (كيفما كانوا)، الوظيفة المزدوجة التي تسمح ببقاء الخصاء مُعلّقاً وأن يكوّنوا مجموعة اجتماعية.
لنرى الآن بما ترتبط هذه المرحلة من المُراهقة على مستوى النضج الجسمي الذي يحمل خاتم البلوغ، وما هو أثره على التنظيم النفسي للذات المُراهِقة.
سيجد البحث عن تماهي شخصية راشد دعائمه في الصور العامّة «الباسلة» التي تحملها الشبكات الاجتماعيّة: ذلك ما نراه في أيّامنا هذه، بخصوص صور منقولة عبر مختلف وسائل الإعلام (جرائد/ تلفزيون، إلخ). فعلى اختلافها، هذه النماذج المثاليّة لها الوظيفة نفسها بالنسبة إلى المُراهقين.
في بلد في حال السّلم، يُمكن أن يتجسّد المعبود من خلال المُغنين والرياضيين المعروفين من خلال وسائل الإعلام. كذلك يتعلق المُراهق بصورة الأستاذ، وصورة ذاك الذي لا يَخاف الموت، وذلك الذي جَابه كلّ محرمات المنطق القضيبي ليذهب في رغبته حتّى منتهاها، حتّى الموت كحدّ نهائي للانتصار. لا تملك صُورة الأستاذ حضوراً مهماً في العلاقات الاجتماعيّة، لكنّها مُهمّة دائماً بالنسبة إلى الشّباب، إنما على مستوى أكثر حميمية. هناك صورة أخرى للمعبود يُمكن أن تُسمّى «المُتمرّد»، ويمثّل الوجه الآخر للمثال المراهق. فالتماثل مع معبود مُتمرّد يفسّر التمرّد على كل القواعد القائمة. فبالنّسبة إلى المراهقين الذين يُعانون الإخفاق في القاعدة المتّصلة بالأب الخيالي ذي السطوة، المُتمرّد هو حامل لواء المعارضة ضدّ القواعد الاجتماعيّة التي تبدو له كيفيّة وحمقاء وعبثيّة على اعتبار أن لا شيء يضمنها، وهو «رافض القواعد الحاليّة باسم قاعدة أفضل ـ المُمكنة على الدوام ـ مُدافعاً حتّى في تمرّده نفسه على الوظيفة التي أنكرها، والخاصّة بالفالوس (عضو الذكورة) الرمزي الذي يُنظِّم علاقات التبادل بين النّاس» (35).
أياً يكن الأمر، في بلد تدور فيه حرب أهليّة، فإن الخيار الذي يقوم به المراهقون فيما يخصّ البحث عن صورة يتماهى معها، بخاصّة بالنسبة إلى المُقاتلين يكون خياراً مسدداً عليه بصورة أدقّ. ويتم التسديد أكثر على قائد ميليشيوي و/أو زعيم سياسي، لأنهما من المتمتعين بسلطة قضيبيّة.
لكن لماذا خيار تقمص أب مثالي؟ في الواقع، أمام أزمته الذاتيّة، لم يكن بوسع المُراهق تغيير بنيته الاستيهاميّة، بمعنى «اعتماد الأب الواقعي وإلغاء تقمصه الأب المثالي لأجل حملها على مثال الأب» (36). وبالتالي تحت تأثير العقدة الأوديبيّة، يجرِّد الأب من هذا المثال ويحيله من خلال هذه العمليّة إلى أيّ صورة أخرى عديمة السلطة سيسدّد حسابات كراهيته الأوديبية حيالها. في هذا السياق، المُراهِق مقُود إلى أن يَقطع مع المحيط العائلي ومن ثمّ يستدير إلى الخارج بغية «إيجاد أب مثالي بعد أن يكون الأوّل قد أخفق في القيام بواجبه» (37).
بالرغم من كلّ المُصادفات، «هذه النماذج المثاليّة تهدف إلى توحيد الحشود وإلى تأسيس علاقات اجتماعيّة» (38). فهي سيكون لها بالنسبة إلى المُراهقين (كيفما كانوا)، الوظيفة المزدوجة التي تسمح ببقاء الخصاء مُعلّقاً وأن يكوّنوا مجموعة اجتماعية.
لنرى الآن بما ترتبط هذه المرحلة من المُراهقة على مستوى النضج الجسمي الذي يحمل خاتم البلوغ، وما هو أثره على التنظيم النفسي للذات المُراهِقة.