eKtab
EN ع
الوظيفة الإقليمية لتركيا في الشرق الأوسط
اقرأ عينة مجانية

الوظيفة الإقليمية لتركيا في الشرق الأوسط

بقلم د. أحمد نوري النعيمي

صفحة 1
الـمـقــدمـة

منذ أن انتهت الحرب العالمية الثانية، بدأت تركيا تبحث عن دور لها في الشرق الأوسط، ولا سيما بعد التهديدات السوفيتية لها والمتعلقة بتعديل ميثاق مونترو لعام 1936 والمطالبة بقارص واردهان، وإقامة قواعد عسكرية على البحر المتوسط. إذ أن السوفيت في هذه المرحلة خرجوا منتصرين من الحرب، بعد أن سيطروا على جل مناطق أوربا الشرقية، وبالتالي فرض النظام الماركس على دولها، مما شكل تهديداً للأمن الثقافي الأوربي. في خضم هذه التطورات بدءوا بالضغط على تركيا لتحقيق المطالب السالفة الذكر، في الوقت الذي قاموا أيضاً بدعم الحزب الشيوعي اليوناني من أجل سيطرته على الحكم، وقد دفعت هذه الأمور قيام الولايات المتحدة إلى إعلان مبدأ ترومان من 12 آذار 1947 والخاص بتقديم المساعدات لكل من تركيا واليونان بعد أن تنازلت بريطانيا عن التزاماتها للدفاع عنهما في شرقي البحر الأبيض المتوسط. فضلاً عن ذلك وبموجب مبدأ ترومان تم إبرام اتفاقيات ثنائية بين تركيا والولايات المتحدة.

والحق، لم يستطع القادة الأتراك الوقوف وحدهم في الصراع مع السوفيت نظراً للظروف الاقتصادية والعسكرية لتركيا وقتئذ. وعلى هذا الأساس بدأت تركيا تبحث عن قوة كبيرة تصون أمنها الخارجي، ووجدت هذا الضمان في الغرب بصورة عامة والولايات المتحدة بصورة خاصة.

ونتيجة لذلك، حاولت تركيا منذ أيلول 1948 وخلال الخطوات التمهيدية لتأسيس حلف شمال الأطلسي إبداء رغبتها في الانضمام للحلف المذكور. ولتنفيذ رغبتها هذه، قامت تركيا بإرسال 4500 مقاتل لخدمة قوات الأمم المتحدة في كوريا كي تبرهن مدى انصياعها لميثاق الأمم المتحدة والعالم الغربي. وأكثر من هذا، فقد أصبحت تركيا جزءً من منظمة قيادة الشرق الأوسط التي نشأت في مستهل عام 1950، ونتيجة لذلك، فقد جعلت الأقطار الغربية من تركيا خير وسيلة للتغلغل في أقطار الشرق الأوسط، بحجة ردع أطماع السوفيت في هذه المنطقة.

إن الغاية الرئيسة من الإستراتيجية التركية إزاء الغرب، كانت تتمثل الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، ولكن كانت هناك معوقات أمامها، جاءت أساساً من بريطانيا التي رفضت الاقتراح التركي، لأنها كانت تنوي تأسيس منظمة الدفاع من الشرق الأوسط، إذ أنها أرادت ضم دول الكومنولث والأقطار العربية وبصورة خاصة مصر إلى هذه المنظمة، وكانت بريطانيا تخشى من توسيع قيادة S.H.A.P.E. في عمق القارة الأسيوية، ولهذا السبب فإنها أخذت تفضل خطة الربط الإستراتيجي لليونان وتركيا بالشرق الأوسط أكثر منه بأوربا الغربية، وزيادة على ذلك أنه في حالة انضمام كل من تركيا واليونان إلى حلف شمال الأطلسي فسوف يؤدي ذلك في نهاية الأمر إلى وضع بريطانيا في الشرق الأوسط تحت القيادة الأمريكية.

ونتيجة لذلك اقترح المارشال مونتغمري إيجاد قيادتين هما:-

1. معاهدة الدفاع عن الشرق الأوسط التي تضم تركيا واليونان ومصر وسوريا والأردن والعراق وربما الباكستان والكيان الصهيوني.

2. تشكيل قيادة مستقلة عن معاهدة الدفاع عن الشرق الأوسط التي تضم القوات الجوية والبحرية ويرأسها أدميرال، إذ يكون مسؤولاً أمام الوحدة العسكرية الدائمة في واشنطن.

ونتيجة للجهود الدبلوماسية التي قامت بها تركيا، والأوضاع السياسية غير المستقرة في الشرق الأوسط في عام 1951 والأزمة الإيرانية، هذه العوامل الثلاث قد ساعدت كثيراً على تخلي بريطانيا عن موقفها السابق إزاء تركيا واليونان، فقد أعلن مورسون أن حكومته تساند انضمام اليونان وتركيا إلى حلف شمال الأطلسي، مؤكداً في الوقت نفسه على دور تركيا في إيجاد ترتيبات نظام الأمن في الشرق الأوسط.

وقد وافق مجلس حلف شمال الأطلسي في 21 أيلول عام 1951 انضمام تركيا واليونان إلى الحلف، وفي 18 شباط عام 1952 نفذ البروتوكول الخاص بانضمام تركيا إلى الحلف. وبانضمام تركيا إلى الحلف المذكور يكون قد امتد دفاع الغرب إلى حدود إيران، وسد الفراغ في الجناح الشرقي لحوض البحر الأبيض المتوسط بما في ذلك بحر الأدرياتيك والحق، إن في انضمام تركيا إلى حلف شمال الأطلسي، ولدورها الفاعل في حلف بغداد منذ تأسيسه في عام 1955 عظيم الأثر في جعل تركيا تبدأ بممارسة الوظيفة الإقليمية في الشرق الأوسط نيابة عن الولايات المتحدة والأقطار الغربية، وقد تركزت هذه الوظيفة في الأمور الآتية:

1. أصبحت تركيا عنصراً فاعلاً في مبدأ ايزنهاور الذي تم إعلانه في كانون الثاني 1957، إذ بدأت تهدد الأمن القومي السوري من خلال مناورات حلف شمال الأطلسي، وكان هذا التهديد العامل الرئيس في إقامة الوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا في عام 1958.

2. أبرمت تركيا بموجب معاهدة حلف شمال الأطلسي اتفاقيات ثنائية، تم بموجبها إيجاد قواعد عسكرية في الأراضي التركية، إذ كانت هذه القواعد بمثابة تهديد لأمن الشرق الأوسط، وقد تمثل ذلك في استخدام هذه القواعد في الولايات المتحدة في عام 1958 لحماية حكم كميل شمعون والتدخل في لبنان عام 1982.

3. بدأت الولايات المتحدة تولي اهتمامها بتركيا على الرغم من ظهور مفهوم الوفاق، وقد برز هذا الاهتمام منذ غزو القوات السوفيتية أفغانستان في عام 1979، من خلال حث الولايات المتحدة تركيا على الانظمام إلى قوات الانتشار السريع.

وقد طرأت تغييرات جذرية على السياسة الخارجية التركية نحو منطقة الشرق الأوسط منذ عام 1963، إذ أختبر الأتراك حلفائهم الغربيين في هذه الحقبة التاريخية من الأزمة القبرصية، فضلاً عن الأسباب الاقتصادية التي شهدتها تركيا نتيجة لارتفاع أسعار النفط والتوازن التركي للمدفوعات الذي كان سبباً قويا لذهاب تركيا إلى المدين مما دفعت تركيا إلى أن تدخل في علاقات قوية مع الأقطار العربية.

وهذا يعني، أن الوظيفة الإقليمية التي قامت بها تركيا إزاء الشرق الأوسط لمدة غير قصيرة، طرأت عليها بعض التغييرات، نتيجة إدراك صانعي القرار في السياسة الخارجية التركية أنه بتوطيد أواصر الصداقة مع الأقطار العربية خدمة لمصالح تركيا القومية.

ولمعالجة هذا الموضوع، فقد تناولناه في فصل تمهيدي تضمن نبذة تاريخية عن العلاقات العربية التركية، مع خمسة فصول وهي:-

الفصل الأول: الموقف التركي من نشوء الكيان الصهيوني.

الفصل الثاني: تركيا وسياسة التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط.

الفصل الثالث: قضية قبرص وتأثيرها على العلاقات العربية التركية.

الفصل الرابع: متغيرات السياسة الخارجية التركية.

الفصل الخامس: أثر المياه في التقارب العربي التركي.

ولإنجاز هذه الدراسة الحيوية، ومعالجتها معالجة أكاديمية، اعتمدنا على مراجع تاريخية مهمة، فضلاً عن مصادر حديثة ومعاصرة باللغات العربية والتركية والإنكليزية على الرغم من ندرتها، مع اتباع المنهج التاريخي والقانوني والتحليلي، للتوصل إلى نتائج إيجابية وواقعية من أجل وضع الخطوط العامة لدراسة السياسة الخارجية التركية إزاء الشرق الأوسط والمنطقة العربية. ومن الله التوفيق.
صفحة 2
فصل تمهيدي

نبذه تاريخية عن العلاقات العربية التركية

1. اعتناق الأتراك الإسلام

كانت هناك محاولات من قبل المسلمين منذ القرن الأول للهجرة، السابع للميلاد للوصول إلى بلاد الترك،(1) ناهيك عن قيام المسلمين بصد غارات الترك، وإبعادهم عن بلاد ما بين النهرين. ومع كل هذا فقد كانت هناك جهود دبلوماسية من قبل المسلمين لإدخال الأتراك إلى الإسلام. وفي هذا المجال لابد من الإشارة إلى الرسالة التي بعثها هشام بن عبد الملك (105 – 125هـ / 724 – 743م) إلى ملك الترك(2) يدعوه إلى الإسلام، وما كان من ملك الترك إلا أن جمع مائة ألف مقاتل، قائلاً لمترجمه: "قل لهذا الرسول يعرف صاحبه (أي الخليفة هشام)، أنه ليس في هؤلاء حجام ولا إسكافي ولا خياط، فإذا أسلموا والتزموا شروط الإسلام من أين يأكلون؟؟".(3)

وصل الإسلام إلى أواسط آسيا عن طريق المسلمين، بعد أن استطاع الأخيرون التغلب على الفرس، إذ تغلغلوا في بخارى وFergana في العقد الأول من القرن الثامن، وعلى هذا الأساس يكون الأتراك قد اعتنقوا الإسلام عن طريق آبائهم في شرقي سيبيريا والصين. وهذا يعني أن الأتراكاتصلوا ولأول مرة مع العرب المسلمين، بعد أن فتح عمر بن الخطاب إيران، وبعد معركة ما وراء النهر.(4)

وقد انتشر الإسلام بين الأتراك بشكل تدريجي، بصورة غير منتظمة منذ أن قام قتيبة بن مسلم الباهلي على عهد الخليفة سليمان بن عبد الملك الأموي بفتح بخارى ومرو وسمرقند وغيرها من بلاد الترك في عام 98هـ وفي عام 717م. وبدأ الأتراك يدخلون إلى الإسلام وبأعداد هائلة على عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. وفي عهد المأمون اعتنق ملك أشروسته المسمى كاوس الإسلام وأسلم معه قومه. وبالإمكان أن نقول في هذا المجال أن عهد الخليفة المطيع لله ابن المقتدر العباسي يمثل الحقبة الحاسمة في دخول الأتراك إلى الإسلام إذ أسلم زعيم الترك قرة خان في عام 349هـ.(5)

والحق، اعتنق الأتراك الإسلام بمحض من إرادتهم، وإذا كان دخول بلغار الفولجا يمثل خطوة كبيرة على طريق انتشار الإسلام بين الترك، فإن الحادثة الأهم في التاريخ الإسلامي ترجع إلى سنة 349هـ (960م)، عندما اعتنق آلاف مؤلفة منهم في آسيا الوسطى.(6)

وفي هذا الشأن يقول محمود الكاشغري وابن الأثير ما نصه: "وفيها أسلم من الأتراك نحو مائتي ألف خركاء، والخركاء هي الخيمة التي تأوي أسره.(7)

والظاهر، أن استخدام الخليفة المأمون والمعتصم الترك في أجهزة الدولة الإدارية كان له الأثر الكبير في انتشار الإسلام بينهم.(8) ولا سيما إذا عرفنا أن المعتصم كان ينتسب من جهة أمه إلى الأتراك لذلك فقد قربهم إلى مركز الخلافة، وسكن معهم في مدينة سامراء، الأمر الذي جعل الكلمة في الدولة العباسية للأتراك، ورجحان أمرهم على العرب والفرس، وقد استمرت هذه المدة إلى عام 1258، وهو تاريخ دخول المغول بغداد، والقضاء على الدولة العباسية،وكان من نتائج ذلك قيام الهجرة التركية غرباً من بغداد إلى بلاد الشام والأناضول.(9)

استخدم العثمانيون مصطلح الجهاد في تعاملهم مع العالم الخارجي، الأمر الذي دفع العرب والمسلمين إلى التعاون معهم في آسيا الصغرى في الأيام الأولى من تأسيس دولتهم، وهذا ما يفسر وجود مؤلفات كثيرة باللغة العربية، وكتابة أصول الشريعة الإسلامية باللغة نفسها، فضلاً عن ذلك فقد تسربت هذه اللغة إلى الجهاز الإداري في مجالات المعاملات وأسماء الأشخاص.(10)
صفحة 3
2. العرب والدولة العثمانية

إن أهم حادث في تاريخ العلاقة بين العرب والأتراك، يعود أساساً إلى استيلاء الدولة العثمانية على الوطن العربي خلال القرن السادس في مدة لا تتجاوز الأربعين عاماً.(11)

والحق أن السيطرة العثمانية على الأقطار العربية بدأت في عام 1516 وذلك عند انتصار جيوش السلطان سليم، على جيوش المماليك في "مرج دابق"، بالقرب من مدينة حلب (شمال حلب)(12).

وقد أدى هذا الانتصار إلى فتح أبواب سوريا والحجاز أمام الجيش العثماني إذ أخذ يتغلغل الأخير غرباً وشرقاً وجنوباً بغية السيطرة على الأقطار العربية الواحدة بعد الأخرى(13).

وبعد انقضاء أربعين عاماً "على معركة مرج دابق، كان حكم العثمانيين قد شمل من ناحية الشرق كلاً من العراق 1534 والحسا عام 1555، وامتد من الجنوب حتى عدن 1547 ووصل غرباً حتى وهران وتلمسان 1556، فلم يبق من الأقطار العربية خارج الدولة العثمانية إلا المغربالأقصى من ناحية وقلب الجزيرة الغربية من ناحية أخرى(14).

وخلال مدة الحكم العثماني للوطن العربي، كان العرب من بين العديد من القوميات التي ضمتها الدولة العثمانية أقرب تلك القوميات إلى الأقلية التركية الحاكمة،(15) وذلك بالنظر إلى ما بينهما من وحدة الدين والتقارب في اللغة والعادات والتقاليد الاجتماعية ومن ثم فقد وقع قدر من الاحتكاك والتأثير المتبادل بين العرب والأتراك خلال تلك المرحلة في الكثير من النواحي الاجتماعية والتجارية والسياسية والإدارية التي ما زالت مظاهرها ملموسة في حياة كل من الشعبين حتى اليوم.(16)

ورغم وضع الأتراك بالنسبة للعرب بوصفهم يمثلون الأقلية الحاكمة في الدولة العثمانية(17) إلا أنهم تأثروا بالعرب أكثر مما أثروا فيهم، ويرجع ذلك إلى الانتماء الديني إذ كان لهذا الانتماء الغلبة على روح القومية لدى الأتراك ولا سيما في بداية عهد الدولة العثمانية وكان الأتراك ينظرون إلى أنفسهم مسلمين قبل أن يكونوا أتراكاً.

وقد استمر هذا التيار حتى نهاية حكم عبد الحميد الثاني وتولي الاتحاد والترقي الحكم في 27 / نيسان / 1909(18).

وقد كان من نتيجة سيطرة الاتجاه الإسلامي حتى عام 1909 أن قبل الأتراك التزاوج من العرب وتعلم اللغة العربية(19).. بل إن اللغة التركية نفسها كانت حتى قيام حركة مصطفى كمال تكتب بالحروف العربية وكانت خليطاً من العربية والفارسية.. ورغم ما قام به مصطفى كمال من تحويل الحروف العربية في اللغة التركية إلى حروف لاتينية واستبدال العديد من المصطلحات العربية بمصطلحات أخرى إنكليزية وفرنسية وذلك في إطار اتجاهه نحو الأخذ بأساليب الحضارة الغربية.. إلا أن اللغة التركية احتفظت ببعض الكلمات العربية المكتوبة بحروف لاتينية(20).

ومن ناحية أخرى فقد استعان الأتراك بخبرة العرب في العلوم نظراً لتفوقهم عليهم في هذا المجال وفي ذلك يقول أحد المستشرقين "إن حياة العثمانيين كانت خالية من الأصالة والإبداع العلمي ولذا تتلمذوا على العرب في العلوم الدقيقة.(21)

أما الحوادث التي أعقبت 27 نيسان عام 1909، فإنها تعد مرحلة التحول في العلاقات العربية التركية، لأن الانقلابيين من رجال الاتحاد والترقي اتبعوا سياسات متعددة تجاه العرب أدت إلى بروز ردود فعل عند العرب وبالإمكان إيجاز هذه الاتجاهات في ثلاث نقاط:

1. قال فريق من هؤلاء باستقلال العرب في السياسة الداخلية ضمن دولة طورانية وعلى رأس هؤلاء أنور باشا وجاويد بك.

2. يؤكد الفريق الثاني سياسة تتريك العرب وعل رأس هؤلاء جمال باشا.

3. أما الفريق الأخير، فإنه يؤكد ضرورة التساهل مع العرب، ومنحهم نوعاً من اللامركزية في الحكم وعلى رأسهم طلعت بك.

هذه السياسة التي اتبعها رجال الاتحاد والترقي هي التي أدت إلى بروز الفكرة القومية عند العرب، ويعزز هذا الرأي علي أكرم بك متصرف القدس في هذه المدة إذ يقول: "يجب أن نعترف في هذا المجال بأنه لم تمنح الحرية التامة لهؤلاء العرب للتعبير عن آرائهم السياسية، وكل ذلك أدى إلى إهمال تعليم الشعب العربي في القدس والمنطقة السورية، علاوة على ذلك فإن الولاة كانوا يختارون من بين الأتراك، وليس من بين العرب، وهذه الأسباب كفيلة ببلورة الفكر القومي عندهم.(22)

ومما لاشك فيه، أن الحكم العثماني بعد عام 1909 في الوطن العربي أثار حساسيات لدى الشعب العربي ولا سيما أنها ارتبطت بعدد من المساوئ وبممارسة التفرقة بين العرب والأتراك، ومنح الأخير امتيازات على حساب أصحاب البلاد سواء في أجهزة الجيش أو الإدارة مما كان له أبعدالأثر في إثارة المشاعر القومية للعرب ضد الأتراك واشتعال الثورات الوطنية في المنطقة العربية ومساعدة العرب للحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى بهدف التخلص من الحكم العثماني.(23)

وقد قوّم الملك عبد الله في مذكراته الحكم العثماني قائلاً: "إن معركة الهاشميين لم تكن ضد الدولة العثمانية، ولكنها كانت ضد لجنة الاتحاد والترقي".(24)

إنّ من الثابت لدينا أن الجامعة الطورانية كانت الهدف الأساس لجمعية الاتحاد والترقي وبمثابة تحد شامل لمفهوم الجامعة الإسلامية والجامعة العثمانية. وبموجب الجامعة الطورانية دعا الاتحاديون إلى أن الترك أمة عريقة في التاريخ – أشد عراقة من العرب – وقد سيطر على هؤلاء الاتجاهات الغربية في الفكر القومي، ويدور مفهوم الجامعة الطورانية حول تتريك العناصر ومن بينهم العرب، ومن هنا بدأ الانفصام التاريخي بين الأتراك والعرب، وقد أدى ذلك إلى بروز التصدع والخلاف في العلاقات العربية – التركية.(25)

وكانت النتيجة تمزيق أواصر العلاقة بين العرب والأتراك في إطار الدولة العثمانية،و الحق كان للغرب دور واضح في دعم اتجاه دعاة الطورانية.(26) من هنا جاء الاعتقاد ألا حياة للعرب مع الأتراك على هذا الوضع، وأن الأمة العربية يجب أن تعمل على استقلالها.(27)

والحق، إن حركة الاتحاد والترقي قد أدت إلى التحول في العلاقات بين العرب والأتراك، وبالإمكان إيجاز ذلك في النقاط التالية:
صفحة 4
1. الانفصال عن العرب والقضاء عليهم، واتباع سياسة التتريك معهم.

2. نشر المفاهيم الطورانية المتعصبة في الدولة العثمانية.

3. تبني المناهج الغربية في مجال الفكر والحضارة معاً.

وقد انتـقلت الحساسية بـين العرب والأتراك إلى مـجالات الدين، فقـد عـاب رشـيد رضـا في المنار على الأتراك تشبـثهم بالخـلافة، فالخـلافة في قريـش وأن حروب وفتوح الأتراك لم تكن دينية، ودعـوتهم للإسـلام إنما كانت لأجـل توسيع ملكـهم وسيطرتـهم.(28)

وفـي هـذا المـعنى، قالـت جريـدة "البـرق": "أن الأمـة التـركية ستـظل الأمـة الحـاكمة فـي السلطـنة العـثمانية، وأنـهم يتـمتعون بصفـة سامـية بصفـتهم فاتحـين، ولا مجـال للاعـتراف بحقـوق مسـاوية للعـناصر العـرقية الأخـرى والدسـتور العثـماني دستور"تركي".(29)

وتروي أيضاً جريدة "البرق" عن لسان ابن الداماد محمود باشا: "أن كل ولاية لا يقطنها الترك يخشى عليها من تغلب العنصر الإسلامي على المسيحي، لأن الترك يجرون مع الحضارة، فضلاً عن الاستعداد الكافي للحكم الدستوري، بخلاف العرب فان القسم الأكبر منهم من الرحل وهم غير أهل للاستقلال السياسي".(30)

وقد انتقل هذا الصراع إلى مستوى اللغة، إذ أحذ شكلاً محسوساً وخطراً مع مسالة تتريك للغة العربية. وتقول جريدة "البرق" في 26 آذار 1911: "فهل خطر في بال نوابنا، وعددهم يقرب نصف المجموع العام. البحث بشأن تعديل المادة 18 من الدستور، تلك المادة التي يقع تحت ألفاظهاالقليلة سقوط أمة ونهوض أخرى وإذلال لغة وأعلاء أخرى".(31)

والحق، أن الشكاوي قد كثرت من جراء إجبار الناس على الكتابة باللغة التركية، وفي تعليق لجريدة "البرق" في 2 تشرين الأول 1909 أن اللغة التركية تتضمن 40% من اللغة العربية، و40% من اللغة الفارسية و 20% من التركية الأصيلة.(32)

وتروي جريدة "البرق" في 21 مايس 1910 حديثاً لأحد المسؤولين الأتراك من جمعية الاتحاد والترقي: "إن إزالة مسألة الأمام وتعصبهم معطوف على تلك الجهة. إنما يوجد طريق لتقليل نفوذ الأمام وحل هذه المعضلة، ألا وهو المال، لأن العرب بمقتضى فطرتهم يفادون بأنفسهم حباً بالمال.(33)

وتنقل إلينا جريدة "البرق" في 3 كانون الأول 1910 صورة عن موقف الاتحاديين من ممثلي العرب في مجلس المبعوثان. فلقد هاجم الاتحاديون إبراهيم سليمان النجار بلسان حسن جاهد الذي قال: "قام رجل يدعى نجاراً وهو من مسيحي سوريا. ولكنه لا يعلم أكان عربياً أم غير عربي، وانتحل لنفسه الوكالة عن الأمة العربية، ونشر اقتراحا يطلب فيه اتحاد النواب الروم والعرب، نعجب وأيم الحق من هذه الجرأة المستغربة التي دفعت نجاراً أفندياً لأن ينتحل لنفسه حق الوكالة عن العرب حتى الموجودين في أقصى الولايات المتحدة الأمريكية، ويزعم أنه يطلب بحق هذه الأمور ليحافظ على اللغة العربية".(34)

وقد اعتقد المفكرون العرب في تلك الحقبة أن إعلان جمعية الاتحاد والترقي الدستور وإطلاق الحريات بعد حكم السلطان عبد الحميد الثاني كان يعني حقبة جديدة لتعزيز العلاقات العربية التركية، ولكن كان الأمر على العكس من ذلك، كانت حركة منظمة للانقضاض على يقظة الحركة العربية.(35)

والحق الأمر إن إعلان دستور عام 1908 كان يشير إلى أمرين هما: (36)

1. إحلال الجامعة الطورانية محل الجامعة الإسلامية.

2. الانفصال والفرقة بين العرب والأتراك.

3. العرب والأتراك في الحرب العالمية الأولى

بعد القضاء على سلطة عبد الحميد الثاني في 27 نيسان 1909، عمد الاتحاديون خطة مزدوجة مع العرب، من ناحية اتباعهم لسياسة محاباة العرب وخداعهم بهدف إحصاء خطواتهم ثم الكشف عن مخططاتهم، وقد أصبحت هذه السياسة جلية وواضحة منذ أن بين احمد جمال في خطابه حول نيته عن العرب حين قال في حفلة الشبيبة العربية: "إن حركة الجامعة التركية التي شهدتموها في الأستانة، وفي الجهات الأخرى الآهلة بالعناصر التركية لا تتضارب بشكل ما والمطامع العربية، وان الدولة العثمانية وجدت فيها حركات بلغارية ويونانية وأرمينية، والآن توجد حركة عربية، لقد نسى الأتراك وجودهم بالمرة إلى حد انهم يخشون ذكر شعبهم. فالروح الوطني رقد رقوداً تاماً حتى لقد ضيق على الشعب التركي أن يتلاشى نهائياً، فدرءاً لهذا الخطر المقبل نهض رجال تركيا الفتاة بغيرة تستحق الإعجاب فلجئوا إلى السلاح لتعليم الأتراك الروح الوطنية، وما يضمه من الفضائل".(37)

وقد كشف احمد جمال باشا عن نيته في ضرب الحركة العربية حين قال في مذكراته: "إن موظفي قلم الاستعلامات عثروا على وثيقة تدين بعض قادة العرب لاشتراكهم في الثورة ضد الأتراك. جاء في هذه الوثيقة: "فلو ختمت الحرب بانتصار الحلفاء فان هذه النهاية تصح ولا مفر منها وبذلك يسهل حل المسألة الشرقية بوساطة روسيا، وإذ ذاك تصبح الأراضي العربية عرضة للأخطار نفسها التي تهدد الأراضي التركية. وبما إن الأتراك سوف يبذلون قصارى جهدهم ويستخدمون كل مواردهم الدفاعية للذود عن دولتهم وممتلكاتهم فان الخطر الذي يهدد العرب سيكون اعظم والبلية أشد.. وهذا هو المنتظر وقوعه فعلاً.. إذن فمن المهم أن يتأهب العرب للذود عن استقلالهم المهدد وان جمعيتنا التي لديها هيئة خاصة والمؤلفة من نفر اشتهروا بالوطنية، وعرفوا بالتضحية ترى إن واجبها المقدس يقضي اتخاذ الوسائل الفعالة في الحال لصيانة الوطن وأبنائه".(38)

حارب مصطفى كمال ضد الأوربيين في ليبيا، وفي حملات الشرق الأوسط الدموية في الحرب العالمية الأولى. وقد ساعدت الاندحارات العثمانية على إقناعه إن الشرق الأوسط ليس لديه الكثير ليقدمه إلى دولته الجديدة. ومن الواضح إنه لم تكن جمهورية اتاتورك الجديدة بدأت للأوربيين في سياستهم من أجل النفوذ الاستعماري.(39)

وفي أثناء الثورة العربية عام 1916(40) حدثت بعض المشاكل في العلاقات بين العرب والأتراك إذ قامت القبائل البدوية من العرب بقتل مجموعة من الجنود الأتراك على جبهة فلسطين وقد أدى هذا من جانب الأتراك إلى بروز الشعور القومي عندهم.. ومن جانب آخر استغلت في هذه المدة بعض الأقطار العربية.. كل هذا أدى إلي انهيار الدولة العثمانية في جبهة فلسطين إذ تحرك الإنكليز للسيطرة عليها ومن ثم احتلال جنوب تركيا من قبل الجيوش الفرنسية(41).. إن نخبة عالية من الضباط العسكريين الذين حكموا تركيا بعد عام 1922 لم ينسوا ولم يعفوا عن مسؤوليتهم فيثورتهم لعام1916(42).

وهذا يعني أن الأتراك قد شعروا أن العرب قد خانوهم بسبب ثورتهم ضد الحكم العثماني وقد أدى ذلك إلى شعور بالألم والمرارة.. ومن الناحية العملية نظرت جمهورية اتاتورك إلى الشرق الأوسط صاف على ثورتها القليلة.. لقد كانت المنطقة فقيرة ومتخلفة وسوف تؤدي محافظاتها الاجتماعية والدينية إلى إعاقتها اندفاع تركيا الشديد نحو ما أسماه أتاتورك "الحضارة" وأكثر من ذلك ستكون الجمهورية دولة قومية.. إن الروابط مع الدول المجاورة الشرق أوسطية لتركيا تذكرها بالأيام العثمانية والخلافة التي أكد اتاتورك أنها ذهبت إلى الأبد(43).
صفحة 5
3. موقف العرب من حرب الاستقلال التركية

عندما نشبت حرب الاستقلال التركية في الأناضول عام 1919، كان الوطن العربي ينظر إليها بالتقدير والاحترام، وفي هذا المجال، نرى أن صحيفة الرقيب التي كانت تصدر في طرابلس – ليبيا – تابعت هذه الحرب طيلة سنوات القتال، إلى حد أنها خصصت ثلاثة صفحات كاملة لمقالكتبه سليمان الباروني وذلك بمناسبة تشكيل حكومة المجلس الوطني التركي في أنقرة في مايس 1920. وفي هذا الشأن، كتبت صحيفة الرقيب قائلة: " أن جيش التحرير لن يتراجع أبداً إلى أن تتحقق مطالب الشعب التركي".(44)

وبعد انتصار قادة التحرير في حرب الاستقلال في الأناضول، في 30 آب 1922، قام العرب بإرسال برقيات تأييدهم، منها برقية قنبر أفندي أحد المسؤولين في الحكومة العراقية المؤقتة في ماردين إلى مصطفى كمال في 16 تشرين الثاني 1920 يهنئه فيها بنصره، وقد رد مصطفى كمال عليها، وبرقية جلال الدين عارف بك ممثل تركيا في روما وردت وزارة الخارجية لحكومة المجلس الوطني التركي عليها في 19 أيلول 1922. وبرقية الأمير خالد ممثل الأوساط المالية وعضو مجلس الجزائر إلى فريد بك ممثل تركيا في باريس في 11 أيلول 1922، ومن السيد مهدي من حي باب المنارة في تونس، ومن السادة ذهامي بن عبدالله وشرف الدين في تونس إلى الممثلية التركية في باريس في 11 أيلول 1922، ومن الجمعية المصرية في مدينة تولوز في فرنسا إلى فريد بك ممثل تركيا في باريس في 13 أيلول 1922، ومن حزب الدستور في مدينة سوس في تونسإلى أحمد فريد بك ممثل حكومة أنقرة في باريس في 15 أيلول 1922 ومن الدكتور الدار ديري المصري في برلين وأحمد محمد ثمروك من مدينة بخمادي في تونس وطلاب الجامع الكبير في تونس وحمودة الزهماس من مدينة بتورسك في تونس.(45)

ومن جانب آخر، إن نشوء القومية في تركيا، وإلغاء الخلافة عام 1924، وغلق المحاكم الشرعية من قبل مصطفى كمال، وإبدال الأبجدية العربية بالأبجدية اللاتينية، كان من بين الأسباب التي أدت إلى برود العلاقات العربية – التركية.(46)

ولا بد أن نؤكد في هذا المجال أن تجارة تركيا مع الشرق الأوسط كانت قليلة جداً، وكانت إستراتيجيتها التنموية تهدف إلى الاعتماد الذاتي بدلاً من الاعتماد المتبادل، وقبل أن يصبح الشرق الأوسط منتجاً للنفط، لم تكن المنطقة تنتج شيئاً مهماً تحتاجه تركيا. في المدة الواقعة بين 1923 –1938 لم يكن لتركيا دور كبير في تاريخ المنطقة خارج نطاق حدودها، وعليه فإن تركيا ابتعدت عنها ثقافياً.(47)

4. مشكلة الموصل والإسكندرونة

شهدت العلاقات العربية – التركية بعد استقلال الوطن العربي عن الدولة العثمانية العديد من القضايا والمشكلات ومنها ما يتعلق بالحدود مثل مشكلتي الموصل والإسكندرونة.(48)

بالنسبة للموصل فقد ضمت إلى العراق بموجب قرار عصبة الأمم في كانون الأول 1924، وأعقب ذلك اتفاق بين تركيا وبريطانيا في حزيران 1926، ينص على تنازل تركيا عن مطالبها في الموصل مقابل حصولها على 10% من إنتاج الموصل النفطي.(49)

أما ولاية الإسكندرونة فإنها أصبحت جزءاً من الاتفاق الوطني التركي في عام 1920، وكانت هذه الولاية تتبع إدارياً ولاية حلب عام 1920، وألحقت في (1) أيلول من العام نفسه بحكومة حلب مع منحها استقلالاً في الشؤون الإدارية. وفي العام 1924 أعيد ربط اللواء برئيس الدولةالسوري مع استمرار احتفاظه بالاستقلال الإداري، وقد أقرت هذا الوضع اتفاقية أيار 1926 بين سوريا وتركيا. وعندما قسمت سوريا عام 1936 إلى تسع محافظات كان الإسكندرون أحداها.(50) ولكنها سلمت إلى الإدارة الفرنسية بموجب اتفاقية أنقرة – اتفاقية فرانكلين – بولون Franklin - Boullon.(51) التي أبرمت في 20 تشرين الأول 1921. ومع ذلك فإن الحالات الخاصة للسنجقية نظمت بموجب المادة السابعة من الاتفاقية المذكورة التي لها علاقة بحقوق الأتراك.(52)
صفحة 6
نصت اتفاقية فرانكلين – بولون على تشكيل نظام إداري خاص للواء الإسكندرونة، وأصبح هذا النظام ساري المفعول إلى حقبة زمنية معينة، دون أن يجري عليه أي تعديل في الوقت الذي كان يؤمل الأتراك إجراء تعديل على ذلك، واستمرت هذه الحالة إلى عام 1936، إذ أبرمت المعاهدةالسورية – الفرنسية، وبموجبها قدمت وعود باستقلال سوريا بما فيها الإسكندرونة.(53)

أن هذه القضية قد أقلقت مصطفى كمال حتى قبل أن يعمد إلى المطالبة بها، وهذه النقطة واضحة في خطبة له ألقاها في ادنة في 17 شباط 1931(54): "هناك في ادنة أكثر من 80,000 مواطن لا يتكلمون التركية.. إذا حلت نكبة أو فاجعة بنا يوماً ما، فإن هؤلاء الناس قد يلتحقوا بقواتشعب يتكلم لغة أخرى ويتحركون ضدنا.. إن الواجب الرئيس للنوادي القومية التركية هو أن تحاول وتجعل هذه العناصر أتراكاً حقيقيين يتكلمون لغتنا.. هؤلاء الناس هم مواطنون أتراك، قدرنا ومصيرنا هو نفسه اليوم وغداً.. أنتظر من شبابنا أن ينجحوا بسرعة في هذا الواجب النبيل".(55)

ومن جهة أخرى فقد تحدث مصطفى كمال في المجلس الوطني التركي الكبير في 1 تشرين الثاني 1936، ذاكراً أن السنجقية تعود إلى تركيا، وأنها يجب أن تحل بموجب ذلك.(56)

فضلاً عن ذلك، أكد مصطفى كمال أن هاتاي هي جزء من مملكة "Hittite Biblical" في الأناضول، ونتيجة لذلك فهي – من وجهة نظر مصطفى كمال – جزء من الأناضول الحديثة من تركيا، وإن غالبية السكان هم من الأتراك(57).

عندما قررت فرنسا في أيلول 1936 منح الاستقلال لسوريا التي وضعت تحت حكم الانتداب عارضت تركيا فرنسا في التنازل عن الإسكندرونة لسوريا(58).

وعليه فقد طلبت تركيا ضم ولاية الإسكندرونة إليها، ونتيجة لذلك فقد شكلت لجنة من الخبراء في داخل عصبة الأمم وقد وجدت الأخيرة أن الأتراك يشكلون أقلية من السكان، وقد عرف مصطفى كمال أن هذه النسبة لا تستطيع أن تقف على قدميها وعليه فإنه قام بزيارة رسمية إلى مرسين عام 1938 التي تقع في الجنوب الشرقي من تركيا، إذ كان يفكر في غزو ولاية الإسكندرونة وكانت النتيجة هي إقناع فرنسا بالسماح لهيئة عسكرية تركية بالإشراف على الانتخابات(59).

ونتيجة لهذه التطورات عرضت تركيا هذه المشكلة على مجلس العصبة.. وبعد أن حصل مجلس العصبة على موافقة فرنسا وتركيا.. وضع في أيار 1937 دستوراً خاصاً ينص على: استقلال اللواء ومن ثم تجريده من الصبغة العسكرية وتقديم ضمانات خاصة للأتراك من سكانه.(60)

وفي نهاية الأمر أصبحت الإسكندرونة جزءاً من تركيا وذلك في عام 1939.(61)

وضح اتاتورك لجميل مردم رئيس وزراء سوريا – وقتئذ – حينما زار تركيا في المدة الواقعة بين 21 – 22 كانون الأول 1937 – أنه عندما ترك السنجقية تحت الإدارة الفرنسية في عام 1921، كان لديه الصلاحية بأن يبقيه ضمن الإدارة التركية، لكنه فكر انه سوف يأتي يوم تفهم فيه كلمن تركيا وسوريا إحداهما الأخرى وستعقد بينهما اتفاقية بسهولة، فضلاً عن ذلك فإن هاتاي هي قضية شرف بالنسبة له.(62)

ونتيجة لهذه التطورات، فقد قامت تركيا بإلغاء معاهدة الصداقة التركية السورية التي أبرمت في عام 1926، وشن حملة على فرنسا، وكان من نتائج ذلك أن توصلت تركيا إلى اتفاقية مع فرنسا في 3 تموز 1938، التي جاء فيها خضوع الإسكندرونة لحكم فرنسي وتركي مشترك، حتى يتمإجراء انتخاب عام يقرر بنتيجته وضع اللواء المقبل.(63)

وقد أجرى الاستفتاء العام في تموز 1938 تحت سيطرة القوات التركية التي دخلت الولاية في 5 تموز(64) وحصل الأتراك في ظل هذا الاستفتاء على 22 مقعداً في المجلس الوطني التركي الكبير من مجموع 40 مقعداً(65)، وكانت النتيجة إعلان الاستقلال وباسم "جمهورية هاتاي"، ومنذ ذلك التاريخ رفع العلم التركي فيها.(66)
صفحة 7
وفي الوقت نفسه، تم إبرام معاهدة جديدة بين فرنسا وتركيا في 23 حزيران 1939 بخصوص الإسكندرونة، تم بموجبها ضم الأخيرة بصورة نهائية إلى تركيا. وبالإمكان تفسير الموقف الفرنسي في تلك المدة، إن فرنسا كانت ترغب في استقطاب تركيا إلى جانبها، في عالم تخيم عليهاحتمالات الحرب.(67) لأن فرنسا كانت ترغب في كسب حلفاء لها في مواجهة ألمانيا التي أخذت في البروز في أواخر الثلاثينات، واكتساب تركيا إلى جانبها له أهمية كبيرة بحكم موقعها الجغرافي وإشرافها على المضايق.(68)

وفي ظل هذه الظروف، اقترحت جمعية هاتاي في عام 1939 شكل الحكومة التركية، ونتيجة لذلك فقد أصبحت ولاية الإسكندرونة جزءاً من المقاطعة التركية(69).

وبهذا الخصوص صرح عصمت اينونو قائلاً: "إن المصالح بين قوميتين هي مطابقة، وليس هناك من عامل يقوض العلاقات الأخوية مع فرنسا"(70).

وعندما نالت سوريا استقلالها في عام 1946، أصبحت مشكلة الإسكندرونة شائكة ومعقدة بين كل من سوريا وتركيا(71) وفي خضم ذلك، قام نوري السعيد بدور الوساطة بين تركيا وسوريا، وقد أدى هذا الدور إلى عقد اتفاق تركي – سوري وبموجب ذلك قبلت تركيا بعدم إعلان سوريا إلى إثارة هذا الموضوع(72).

الفصل الأول.

الموقف التركي من نشوء الكيان الصهيوني

1.الاعتراف التركي بالكيان الصهيوني

اهتم السلطان عبدالحميد بفلسطين منذ ظهور الحركة الصهيونية، إذ أن العثمانيين نظروا للصهيونية نظرة تتسم بالتخوف والحذر، واتبعوا سياسة خاصة للتعامل معها، وبإمكاننا أن نقول في هذا المجال أن عبدالحميد هو الذي أرسى معالم هذه السياسة تجاه الحركة الصهيونية(73).

ونتيجة لذلك، فقد عرض عبدالحميد مناقشة هذا الموضوع على مجلس الوزراء العثماني، إذ تبنى الأخير مجموعة من السياسات، أصبحت من اختصاصات وزارتي الداخلية والخارجية، اتبعت الأولى كل السبل ووضعت جميع العراقيل ضد دخول اليهود إلى الدولة العثمانية، في حين كرست الثانية جهودها لإقناع الدول الكبرى بعدم تقديم أي مساندة للحركة الصهيونية(74).
صفحة 8
ومن جانب آخر، بذلت الحركة الصهيونية من جهودها في التأثير على السياسة العثمانية إزاء فلسطين، إذ حاول هرتزل زعيم الحركة الصهيونية الاتصال بوزير الخارجية العثماني، إلا أنه أخفق في مهمته،ونتيجة لذلك، فقد اتصل بصديقه نيولنسكي، ولا سيما انه كانت هناك علاقات ودية بين نيولنسكي وعبدالحميد، والحق بعد وساطة نيولنسكي عند عبدالحميد، بعث الأخير برسالة إلى نيولنسكي،جاء فيها:

"أنصح صديقك هرتزل، أن لا يتخذ خطوات جديدة حول هذا الموضوع، لاني لا أستطيع أن أتنازل عن شبر واحد من الأراضي المقدسة، لأنها ليست ملكي، بل هي ملك شعبي. وقد قاتل أسلافي من أجل هذه الأراضي، ورووها بدمائهم. فليحتفظ اليهود بملايينهم. إذا مزقت دولتي، من الممكن الحصول على فلسطين من دون مقابل، ولكن لزم أن يبدأ التمزيق أولاً في جثتنا، غير أنى لا أوافق على تشريح جثتي وأنا على قيد الحياة(75).

وكان هذا الموقف من عبدالحميد هو السبب بخلعه من السلطنة في 27 نيسان 1909 وذلك بالتعاون مع لجنة الاتحاد والترقي التي جل أعضائها من الماسونيين البارزين، ولكن هذا الموقف قد تغير بعد مجيء الكماليين للسلطة. وعليه نرى أنه في أواخر عام 1930 وذلك بعد طرد هتلرمجموعة من اليهود إلى خارج ألمانيا، قامت تركيا بقبول عدد من الهاجرين اليهود(76).

وعلى هذا الأساس، كانت هناك محاولات صهيونية للتأثير على مركز اتخاذ القرار في تركيا الكمالية، وفي هذا المجال يقول وايزمن في مذكراته: " ذهبت عام 1938 لاستعين بالأتراك على تهدئة العرب، فقابلت عصمت اينونو وزير المالية، وجلال بايار رئيس الوزراء، وقد طلبا مني قرضاًمالياً على أن يدفع ذهباً. وقال لي السير برسي لورين السفير البريطاني أن الأتراك في حاجة إلى نصف مليون جنيه. وقد عدت وتحدثت إلى لندن في ذلك ولم يكن هناك اهتمام بكلامي ترى كم من الملايين دفعتها بريطانيا وأمريكا بعد ذلك بعام واحد لشراء ود الأتراك؟"(77).

ولكن مع ذلك، كان موقف تركيا إيجاباً من القضايا العربية، ولا سيما في نهاية الأربعينات من هذا القرن، وهذه المسألة واضحة لو حاولنا أن نرجع إلى اقتراح اللجنة الخاصة بمشروع قرار عربي ينص على إنشاء حكومة مركزية تقوم بإدارة الحكم في فلسطين بصورة مؤقتة على أن يتم انسحاب بريطانيا من البلاد بعد سنة واحدة من قيام الحكومة التي تتولى إجراء انتخابات عامة لجمعية تأسيسية تقوم بوضع دستور ديمقراطي للبلاد بأكملها على اعتبار أنها وحدة مستقلة ولم تؤيد القرار إلاّ اثنتا عشرة دولة، كانت تركيا من بينها، بينما رفضته تسع وعشرون دولة في مقدمتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وفي هذا المجال عرض كل من الاتحاد السوفيتي والهند مشروع دولة ديمقراطية مستقلة في فلسطين، فأيدته الأقطار العربية وتركيا.(78)

فضلاً عن ذلك، كان هناك اتفاق في وجهات النظر الغربية عند تصويت اللجنة الخاصة في 24 و25 تشرين الثاني 1947 على مشروع قرار ينص على الرجوع إلى محكمة العدل الدولية للرأي الاستشاري فيما يخص بثماني مسائل تثيرها المشكلة الفلسطينية، وتخص المسألة الأخيرة بعدتنفيذ أي مشروع تقسيم يخالف آمال الفلسطينيين أو يتم دون موافقتهم.(79)

وأكثر من ذلك، أن تركيا صوتت مع الأقطار العربية ضد مشروع قرار التقسيم الذي يحمل رقم 181 عند عرض المشكلة الفلسطينية في الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني عام 1947(80) وقد فسر بعضهم هذا التصويت أنه يعكس الشعور الإسلامي في تركيا(81) ومن جانب آخر، أنه حسب المفهوم التركي، فإن تصويت تركيا ضد التقسيم كان نتيجة لضغط سوفيتي تمثل في المطالب الإقليمية السوفيتية من تركيا في هذه المدة الزمنية. وقد أثار التأييد السوفيتي لقرار التقسيم ورغبة الاتحاد السوفيتي في إقامة الكيان الصهيوني شكوكاً في الصحافة التركية. ودعت هذه الصحف إلى أن الكيان الصهيوني سيصبح تابعاً وخاضعاً لنفوذ السوفيت(82) ولا سيما إذا عرفنا وجود حزب المابام في السلطة وذلك في 15 أيار 1948 الذي أقام علاقات اشتراكية مع غيره من الأحزاب الاشتراكية، مما أثار خشية تركيا أن يكون الكيان الصهيوني صنيعاً منالاتحاد السوفيتي.(83)

وعليه يمكننا أن نذهب إلى القول في هذا المجال أن موقف تركيا ضد قرار التقسيم لا يعكس الشعور الإسلامي، ولا سيما إذا عرفنا أن أنقرة استخدمت في هذه الحقبة السياسية العلمانية المتطرفة بأبعاد المجتمع التركي عن المسلمين والعرب في آن واحد.(84)

وفي هذا الصدد قالت صحيفة جمهوريت التركية: "إن دولة إسرائيل تكون بلا شك متأثرة إلى حد بعيد بالعناصر اليسارية التي تسيطر على اقتصادياتها". وقد عملت تركيا أيضاً بعد ذلك للتعاون مع الأقطار العربية بعد اتخاذها قرارها هذا(85).

اما فيما يخص الكيان الصهيوني، فانه سعى ومنذ مدة ليست بالقصيرة الدخول مع تركيا في علاقات ستراتيجية وثيقة، فالقادة الصهاينة واعتبارا من دافيد بن غوريون اولو اهتماما في توثيق العلاقات مع تركيا، لان ذلك من وجهة نظرهم سيسهم في تخفيف العامل الديني في الصراع العربي الصهيوني، واعطاء الكيان الصهيوني بعدا ستراتيجيا مهما، وشريكا تجاريا، وارتباطا صهيونيا مع حلف شمال الاطلسي والعالم الغربي.
صفحة 9
وفضلاً عن ذلك حاول حزب الشعب الجمهوري إرضاء بعض شرائح الرأي العام المحلي المتمسك بالدين على الرغم من علمانية النظام السياسي التركي، ولا سيما إذا عرفنا أن الحزب بدأ ومنذ عام 1948، بالاهتمام بالدين، بغية الوقوف أمام شعبية الحزب الديمقراطي، الذي حمل شعار إحياء التقاليد الإسلامية في تركيا.

إن تركيا لم تكن لتنظم في هذه المدة إلى التكتلات والأحلاف العسكرية التي تشكل قيوداً على تحركها في السياسة الخارجية.

ناهيك عن أن تركيا رغبت أن تلعب دوراً بارزاً في الأمم المتحدة، عن طريق إظهار نفسها بمظهر الدولة التي تسهم في إقرار السلام والاستقرار في العالم، بموجب شعار اتاتورك "السلم في الداخل والسلم في الخارج"(86).

وفي خريف عام 1948 ناقشت الجمعية العامة في دورتها الثالثة التقرير الذي أعده الكونت برنادوت الوسيط العام في فلسطين، وقد تضمن هذا التقرير أن عرب فلسطين لم يغادروا ديارهم طوعاً واختياراً وإنما غادروها نتيجة لأعمال العنف والإرهاب التي ارتكبتها السلطات الصهيونية ضد الامنين العرب وإن قضية فلسطين لا يمكن حلها إلا إذ أتيح للاجئين العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم المغتصبة، وبناءً على هذا التقرير أصدرت الجمعية العامة قرارها المرقم 194(د3) في كانون الأول 1948 حول تشكيل لجنة التوفيق التي تكونت من ثلاث دول هي الولايات المتحدة وفرنساوتركيا.(87)

إن عضوية تركيا في لجنة التوفيق هي مرحلة جديدة أدت إلى الفتور في العلاقات العربية التركية. والحق أدخلت هذه العضوية بعداً جديداً في العلاقات العربية التركية بسبب معارضة الأقطار العربية لهذه اللجنة. وعليه فبحكم عضوية تركيا في اللجنة المذكورة لم يعد بمقدور تركيا مساندة الموقف العربي والفلسطيني، وبدأ واضحاً أنها لا تنوي عمل ذلك إذ ساندت الخطط الغربية، ولا سيما إذا عرفنا أن تركيا أصبحت جزءاً من مبدأ ترومان عام 1947.(88)

وفي هذه الحقبة بالذات، أخذت تركيا تبحث عن الاعتراف بالكيان الصهيوني، وفي هذا الشأن أدلى نجم الدين ساداك وزير خارجية تركيا وقتئذ بحديث إلى وكالة الأناضول التركي في 8 شباط 1949، جاء فيه: " أن إسرائيل أصبحت حقيقة، وإن أكثر من ثلاثين دولة اعترفت بها، وإنالعرب في حالة تفاوض مباشر معها، وفي ظل هذه الظروف يجب علينا أن لا نغير موقفنا من لجنة التوفيق بشأن فلسطين التابعة للأمم المتحدة، وعلينا أداء واجبنا في هذه اللجنة على خير ما يرام ".(89)

وقد اعترفت تركيا فعلاً بالكيان الصهيوني في آذار 1949،وبهذا تكون تركيا أول دولة إسلامية تعترف به.(90) وقد كان هذا الاعتراف اعترافاً واقعياً.(91) وبهذه المناسبة قال عصمت اينونو زعيم حزب الشعب الجمهوري وقتئذ في المجلس الوطني التركي الكبير: " وقد كونا علاقات سياسية مع إسرائيل التي أنشأت منذ عهد قريب، ونتمنى أن تكون هذه الدولة مصدر أمن واستقرار في الشرق الأوسط ".(92)

وفي هذا الصدد قال نجم الدين ساداك وزير خارجية تركيا وقتئذ: " أن تركيا فكرت في العمل بموجب الاتجاه العام، وعلى هذا الأساس فانها اعترفت باسرائيل في 28 اذار 1949 ".(93)

انتقدت الأقطار العربية قرار اعتراف تركيا بالكيان الصهيوني، إلا أن الأتراك قالوا، إن تركيا كانت من بين آخر الأقطار الأوربية التي اعترفت بالكيان الصهيوني، وأكد هؤلاء، أن حكومة أنقرة انتظرت حتى غدت إسرائيل حقيقة واقعة.(94)

لم تكتف تركيا بهذا القدر، إذ قامت بالاعتراف القانوني الكامل للكيان الصهيوني في كانون الثاني عام 1950، ونتيجة لذلك فقد قامت علاقات دبلوماسية بين تركيا والكيان الصهيوني على مستوى المفوضيات، وعين في هذا الشأن " الياهو ساسون "(95) أول وزير مفوض للكيان الصهيوني في تركيا.(96) أما تركيا فإنها بعثت سيف الله حسن القائم بالأعمال إلى الكيان الصهيوني.(97)

في خضم هذه التطورات، وافقت الحكومة التركية على هجرة اليهود الأتراك إلى الأرض المحتلة. إذ هاجر حتى أوائل 1954 ما يقارب من 34 ألف يهودي تركي، وازداد هذا الرقم إلى 36 ألف مهاجر في عام 1960.(98)

ونتيجة لذلك فقد تطورت العلاقات التركية الصهيونية في مجالات عدة، لعل من بينها المجال الثقافي، إذ قام تعاون علمي بين جامعة الشرق الأوسط للتكنولوجيا في أنقرة، والمعهد الزراعي التابع للجامعة العبرية، وقد أدى هذا التعاون إلى نشر النظريات والخبرات الصهيونية في مجال التنمية الإقليمية للأساتذة والطلاب الأتراك، وفي الوقت نفسه تم إنشاء قسم للتخطيط الإقليمي والمشاركة في برامج البحوث الجامعية، وإجراء البحوث بالتعاون مع الحكومة ولا سيما مع وزارتي الإنشاء والتعمير والشؤون الدينية.(99)

وعليه نرى، فإن الحكومة التركية استعانت بعلماء اليهود، وذلك في منتصف الخمسينات، ومن بين هؤلاء على سبيل المثال بودينهمر عالم الحشرات، وقد أصبح لهؤلاء دور في تأسيس قسم الفلسفة في الجامعات التركية، إذ تتلمذ على أيديهم مجموعة علماء الفلاسفة والاجتماع واللغة.(100)

ولا بد من معرفة اتجاهات الرأي العام التركي ووسائل الإعلام في تركيا، إذ أن قسماً من الرأي العام التركي أخذ ينظر إلى الكيان الصهيوني – وقتئذ أنه قاعدة ارتكاز للمخططات السوفيتية في المنطقة العربية والشرق الأوسط، وفي هذا الخصوص يقول أحد كتاب السياسة الخارجية البارزين في تركيا: " إن الاتحاد السوفيتي مول " إسرائيل قبل إنشائها وذلك بوساطة المهاجرين اليهود من رومانيا والدول البلقانية، والانكى من ذلك أن المنظمة الإرهابية اليهودية شتيرن على اتصال دائم بالاتحاد السوفيتي، وقد تفشى سر ذلك. وجدير بالإشارة أن الاتحاد السوفيتي أرسل الخبراء من العسكريين لتدريب اليهود في إسرائيل. وقد أصبحت إسرائيل قاعدة ستراتيجية للشيوعية الدولية في الشرق الأوسط، وذلك فإن الشيوعية ستتغلغل من الجنوب إلى الشمال وليس من الشمال إلى الجنوب، إن هذا التيار الشيوعي سيكون موجهاً لتركيا بالذات، وعليه فإن أمن البحر الأبيض المتوسط سيكون مثار بحث ".(101)
صفحة 10
2.أسباب اعتراف تركيا بالكيان الصهيوني

ويثار سؤال بهذا الصدد وهو، ما هي الأسباب الكامنة وراء اعتراف تركيا بالكيان الصهيوني(102)؟ للإجابة على هذا السؤال يجب أن نضع أمام أعيننا هذه النقاط:

1. دور جماعات الضغط الصهيونية في تركيا بصورة عامة ودور جماعات الدونمة بصورة خاصة إذ أن الأخيرة تسيطر على وسائل الإعلام التركية والاقتصاد التركي، وجماعات الدونمة كانت لها دوراً واضحاً في السياسة العثمانية قبل الحرب العالمية الأولى إذ قامت هذه الجماعة على إقصاء السلطان عبد الحميد من الحكم، لأن الأخير رفض مطاليب الحركة الصهيونية. وقد تغلغل يهود الدونمة في صفوف حركة مصطفى كمال اتاتورك ولا سيما بأن اتاتورك له عرق من طائفة الدونمة التي كانت تعيش في ولاية سلانيك وبإمكاننا أن نقول أنه في بداية حركة اتاتورك في العشرينات من هذا القرن كان لطائفة الدونمة دور واضح في تأسيس كيان حزب الشعب الجمهوري، إذا عرفنا أن الحزب الأخير هو الذي اعترف بالكيان الصهيوني في 28 آذار 1949، إذ كان عصمت اينونو رئيساً للجمهورية وكان في حينه زعيماً للحزب المذكور.

2. بدأت وسائل الإعلام التابعة لطائفة الدونمة والماسونية المشتركة تنشر مقالات قبل الاعتراف التركي بالكيان الصهيوني، تؤكد فيه أن الأقطار العربية كانت سبباً في انهيار العثمانيين عندما قام العرب بثورتهم بزعامة الشريف حسين خلال الحرب العالمية الأولى، الأمر الذي أسهم فياندحار الجيش العثماني.(103)

يقول في هذا الشأن فطين زورلو وزير خارجية عدنان مندريس: " في أثناء الحرب العالمية الأولى، وبينما كنا ندافع عن الإسلام تحالف العرب مع الكفار وطعنونا في الظهر، ولن ننسى أبداً هذه الخيانة ".(104)

3. عند نشوب الصراع بين العرب والكيان الصهيوني، تدفقت المساعدات الاقتصادية والعسكرية من الولايات المتحدة إلى تركيا بموجب مبدأ ترومان، إذ أن المبدأ الأخير يعد المنطلق الأساس للتحالف التركي الأمريكي، ومنذ ذلك الوقت فقد أصبح التحالف مع الولايات المتحدة بالنسبة لتركيامن الأهداف الحقيقية لسياستها الخارجية. وعليه بالإمكان القول أنه تحت تأثير بعض العوامل مثل التهديد السوفيتي لتركيا واختيارات الصفوة الحاكمة والمصالح الاقتصادية، جاءت اعتراف تركيا بالكيان الصهيوني.(105)

وهذا يعني من جانب آخر أن تركيا احتاجت الغرب في المدة الواقعة

بين 1945 – 1947 لمقاومة التهديد السوفيتي، من هذا المنطلق فإن تركيا بدأت تبحث الاعتراف بالكيان الصهيوني، لاستمالة الغرب إلى جانبها(106).

أما بالنسبة للعرب فإنهم ابتعدوا عن السياسات الغربية بصورة عامة والسياسة الأمريكية بصورة خاصة، لأنهم وضعوا مسؤولية نشوء الكيان الصهيوني عليها.

1. أرادت تركيا إرضاء الولايات المتحدة، وكانت تركيا قد قدمت إلى عضوية حلف شمال الأطلسي منذ بداية الخطوات التأسيسية للحلف، ولا سيما أن الولايات المتحدة كانت مترددة في قبولها في بداية الأمر.

2. إن ظهور الكيان الصهيوني في المنطقة العربية سيؤدي إلى اعتقاد القادة الأتراك في قبض تركيا على ميزان القوى في المنطقة العربية والشرق الأوسط.(107)

3. دخلت تركيا في مشكلة مع بعض الأقطار العربية، لعل من بينها الصراع على الموصل مع العراق علم 1923، والإسكندرونة مع سوريا عام 1939، هاتان المشكلتان مع الوطن العربي خلقتا بيئة لمصلحة الكيان الصهيوني عند نشوئه.