صفحة 1
الطبعة الثالثة
تحية شكر وتقدير لمؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، ولأعضاء أمانتها لاختيارهم كتابي عذا «الراوي: الموقع والشكل»، ونشره في «سلسلة الفائزين».
فلهذه المؤسسة الثقافية، ولدار الفارابي كما للقارئ العربي يعود الفضل في إصدار هذا الكتاب في طبعة الثالثة، ليبقى مصدر معرفة لكل باحث في موضوعة السرد الروائي العربي المعاصر.
يمنى العيد
بيروت ـ تشرين أول 2013
مقدمة الطبعة الثانية
الأمانة العامةلمؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية
هذه السلسلة..
مشروع «سلسلة الفائزين» هو إعادة لطبع أفضل كتاب لكل فائز بجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية، وقد جاء هذا المشروع الذي احتضنه مجلس أمناء مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية لأنه يشكل أهمية كبيرة لأسباب عديدة منها:
إيجاد حالة من التواصل بين المؤسسة والفائزين بالجائزة، بالرغم من رحيل الكثيرين من الفائزين الذين نحمل مسؤولية الاعتناء بنتاجهم الفكري والإبداعي وتوفيره لمن يطلبه.
لاحظنا أن العديد من هذه الكتب فقد من الأسواق ونفد من المكتبة مع استمرار طلب الباحثين والدارسين للحصول عليها لحاجتهم إليها في بحوثهم ودراساتهم كمصدر من مصادر البحث، ولاحظنا أيضاً أن معظم هذه الكتب تتجدد باستمرار كونها لا تشكل دعوة ضيقة، أو عقلية منغلقة على نفسها، وأنها كتبت أساساً لتبقى مرجعاً، ومصدراً ورافداً ، لا ينضب.
ولأن مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية مؤسسة ليست ربحية أو تجارية، فإن هذا المشروع يوفر مجموعة من الكتب والمصادر للعديد من الطلبة والدارسين والباحثين، بعيداً عن الربحية أو الكسب التجاري الذي يعاني منه الكتاب العربي المعاصر.
إن هذا المشروع، وبعد سنوات قصيرة سيوفر مجموعة من الكتب التي تعتبر مصادر مهمة جداً في شتى حقول البحث والمعرفة، وخصوصاً أن عدداً كبيراً من المفكرين والمبدعين العرب فازوا بالجائزة، ما يعني أننا أمام حصيلة واسعة من الكتب المهمة التي ستسد فراغاً واسعاً في المكتبة العربية.
وقد فضلنا أن نبدأ بطبع ونشر الأبحاث والدراسات قبل نشر الإبداعات من قصة ورواية أو مسرحية أو شعر، لأن كتب الدراسات هي الأكثر فقداناً في المكتبة العربية، على أننا لن نهمل الكتب الإبداعية، لأنها هي الأخرى تشكل مادة ثقافية ونتاجاً إبداعياً مهماً لا يمكن تجاوزه أو الاستغناء عنه، ولأن المكتبة العربية تحتاج أيضاً إلى هذه الكتب الإبداعية التي بالضرورة ستأخذ طريقها للنشر في السلسلة.
نأمل لهذا المشروع أن يستمر لا لخدمة الكاتب أو المفكر أو المبدع فحسب، بل لتوفير هذه الكتب للمهتمين بها في كل أرجاء الوطن العربي، خصوصاً أن نشر المعرفة بين الناس من بين أهم أهداف مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، وأن توفير مثل هذه الكتب وإن لم يسد نواقص المكتبة العربية وحاجتها بشكل كامل، إلا أنه بلا شك سيلبي الكثير من المتطلبات الضرورية، ولعل كل ذلك يأتي في الحصيلة النهائية ليصب في اهتمام مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية بالإبداع العربي، واللغة العربية وقرائها ونشر إبداعاتها.
2006
صفحة 2
مقدمة الطبعة الأولى
شكّل موضوع هذا الكتاب همّاً عندي يعود تاريخه إلى العام 1982، ويعود تاريخه غير الواضح إلى أبعد من ذلك.ففي أواخر ربيع عام 1982 أقيمت ندوة في بيروت[1]، عالجت موضوع الرواية العربية المعاصرة في إطار البحث في الثقافة الوطنية الديمقراطية، ساهمتُ في هذه الندوة بمداخلة طرحت فيها سؤالاً حول مفهوم الراوي الذي هو أداة وظيفية دالّة.
لكن سؤالي، وكما بدا لي، غرق في الندوة، ربما لأنه كان يقف دون حدود تعيين موضوعه في تفاصيله وأبعاده، وربما لأنه طُرح في محيط كلامي كان معنيّاً في لحظته الحارة آنذاك، بموقع الثقافي أكثر مما كان معنيّاً بفنّية هذا الموقع، هكذا وجدتُ نفسي، وقد وقع الاحتلال الإسرائيلي علينا، بعد أيام معدودة من تلك الندوة، أصغي إلى سؤال آخر، عن راوٍ آخر،. يصيبنا بالموت والدمار، ويملأ فضاءنا بلون الدم والجحيم.
تراجع آنذاك سؤالي البرعم، وتراجع معه بحثي عن هذا الراوي الفني ووظيفته الدّلاليّة، لكنه بقي يجري كالمياه الهادئة في سهل واسع يحاول أن يرى خيوط الترابط ويشق مساراً، ربما ليس عميقاً، لكنه قادر على أن يجعله لا يأسن، ويخوله التقدم باتجاه المعرفة.
هكذا، ولما كانت ندوة الدار البيضاء في المغرب ربيع عام 1985 [2]، تحفّز سؤالي مجدداً، فقمتُ بالمحاولة، محاولة البحث عن موقع الراوي في نص «أوديب ملكاً».
اختياري لهذا النص اليوناني الأصل، المنقول إلى العربية، يبدو نشازاً في سياق كتابي الذي ركّز، فيما بعد، على القصّ العربي، حتى إنه يمكن القول إن كتابي، هو في حقيقته، بحث في السرد الفني العربي المعاصر، لذا، لا بدَّ وأن يسأل القارئ: لِـمَ كان هذا الاختيار؟ ولِـمَ وضع هذا النص بين هذه النصوص العربية؟
وتراني بصراحة أقول للقارئ، بأن مثل هذا السؤال لم يخطر ببالي إلا بعد أن تقدمت في البحث وشارفت النهاية منه، كأني كنت قبلاً مسوقة بشوق المعرفة، بسؤال يكشف لي هُويّة الموقع، بغضّ النظر عن هُويّة النص اللغويّة، فبهويّة الموقع كان يبدو لي أن النص ينبني، وبهذه الهويّة يتميّز طابعُ البنية ونمطها.
مع هذا الشوق المعرفي لم أكن أفرق بين نص كُتب أصلاً بالعربية وآخر نُقل إليها، فالثقافي له أحياناً سمة الشمولية، يتجاوز اللغوي في اللفظي، ليلتقي وإياه في الدلالي.
لكن، إذ ذاك، قد يكون السؤال: لماذا نص «أوديب ملكاً» بالذات وثمة نصوص روائية أخرى كثيرة ومنقولة إلى العربية؟.
صحيح لماذا هذ النص، نص «أوديب ملكاً»؟
لن أشير إلى الأسباب العامة، والعارضة، التي يمكن أن تطرح على كل ناقد وكل قارئ مما هو جوابه الصدفة أو الظروف إلخ.. بل أكتفي بالإشارة إلى أن اختياري لنص أوديب كان واعياً ومقصوداً: ذلك أني لئن كنت لم أطرح مسألة اللغة في لفظيتها كعائق لاختياري، فذلك لأنني كنت مقدّرة لما يتميّز به هذا النص من إحكام في البنية يُعين تحليلي، ويُسهل شغلي، وبالتالي يخوّلني بلورة سؤالي، خصوصاً وأن نص الترجمة العربية الذي اعتمد بدا لي غير مخلّ بهذا الإحكام:
فنصّ أوديب هو نصّ كلاسيكي، متماسك الصياغة، مبنيّ على احترام قواعد تتعلق بالزمان والمكان، وتفرض، في الوقت نفسه، شوق القراءة ومتعتها، أضف أن هذا النص يبقى، وإن جاء بأسلوب الحوار المسرحي، حكاية لها مقدمة وعقدة وحل/خاتمة، لذلك فهو بحبكته الكلاسيكية هذه، يقدم مادة طيعة للتحليل الهيكلي، في حين تتكشّف صياغتهُ عن صعوبة في إظهار هويّة الموقع: إن شخصية أوديب المأزقية تخفي هويّة موقع الراوي المتحكّم في النص، أي بالقول فيه، حتى ليبدو المنطق، الذي به تترابط الأفعال، في هذه الحكاية، منطقاً ملتبساً، وربما أغرى بنقيضٍ له.
لكن دراستي لنص «أوديب ملكاً» التي تقدمتُ بها لندوة الدار البيضاء حملتني، بما كشفته لي حول مسألة الموقع، على إعادة النظر فيها، فجاءت، في هذا الكتاب، مغايرة لنصها الأول لجهة التدقيق، والتوسيع والتوضيح والإضافة.
ثم تتابع عملي على عدد من النصوص العربية التي رحت ألمس فيها تنوعاً في مواقع الرواة، وفي أنماط البنى، فارتأيت اختيار ما يقدِّم منها مروحة، ولو محدودة، لهذا التنويع، علّها تصل بنا إلى شيء!
وعليه فقد كان اختياري لهذه النصوص التي قدمت، محكوماً بموقع الراوي فيها، وبنمط بنيتها، دون أن يعني ذلك إغفالي، وضمن هذا الاختيار، ما تتميّز به هذه النصوص، إن من ناحية تقديم تجربة جديدة وإن من ناحية الإبداعية:
فنحن مع «التيه» لعبد الرحمن منيف، مثلاً، أمام نص إبداعي يشكّل فاصلة هامة في سياق سردنا الفني العربي. إنه نقلة نوعية، شكْلٌ فني لمنطوق الناس في تعدده واختلافه وفي تفاوته وتناقضه، شكْلٌ ينهض من موقع يتَّسع مدى منظوره، فيطرح سؤاله حول معنى الديمقراطي في الفني الأدبي.
ونحن مع نص إلياس خوري أمام تجربة تستأهل الدراسة، لما لها من ارتباط بالمسألة الثقافية، أو بديمقراطية الموقف في اللغة الأدبية، هكذا يصل خوري إلى إقامة بنية اللاموقع مثيراً سؤالاً ضمنياً حول معنى الديمقراطية في العمل الذي يصوغ.
وقد لا أكون بحاجة إلى الإشارة إلى أهمية رواية نجيب محفوظ «ميرامار» التي قدمت للسرد الفني العربي نمطاً من البنية متميّزاً في الشغل على ديمقراطية فنية لموقع الراوي الذي تعدّد وعبّر، بتعدّده، عن اختلاف زوايا النظر وعدم كليتها. في حين تبقى «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح نموذجاً رائعاً للحوارية.
لئن كان عملي قد ركّز على بلورة مسألة الموقع للراوي، وحاول، في حدود قدرته، إظهار دلاليّة الشكل بإظهار العلاقة العضوية بين موقع الراوي ونمط البنية التي بها يقول، فإنه حاول أيضاً قراءة الإيديولوجي بقراءته الفني، وذلك عن طريق البحث في علاقة الراوي بما يروي وبمن يروي، وفي ما يستخدمه الراوي من تقنّيات تساعده على تحقيق روايته، أي، على إقامة تركيب لغوي فني.
ليس استخدام التقني عملاً بريئاً، ومن ثم ليس الفني عملاً أثيرياً، صافياً أو منزهاً، بل هو نشاط بشري، يعبّر ويقول، وهو، من حيث هو كذلك، إيديولوجي[3] للقائل موقع فيه.
وقد يكون بإمكان القارئ أن يقول بعد انتهائه من قراءة هذه الدراسة: إن القول السردي يكتسب فنيته «بديمقراطيته»، أي بانفتاح موقع الراوي على أصوات الشخصيات، بما فيها صوت السامع الضمني، فيترك لهم حرية التعبير الخاص بهم، ويقدم لنا منطوقاتهم المختلفة والمتفاوتة والمتناقضة، وبذلك يكشف الفني عن موقع في الثقافي ـ السياسي قوامه حرية النطق والتعبير.
يبقى لي أن أقول للقارئ في نهاية هذا التقديم، بأني لم أتوقف طويلاً ، في كتابي هذا، على بعض المسائل النظرية التي تناولتها، والتي جاءت فصولها، كما هو ملاحظ، قصيرة وموجزة. وأنا لم أفعل ذلك من قبيل التقليل من أهمية النظري، بل لأنني، نقديّاً، أفضل أن يوصلني البحث في النصوص، إلى هذا النظري، أي أفضّل أن يخوّلنا البحث في النصوص، استنتاج النظري أو معرفته. وأنا طبعاً قمت ببحثي، اعتماداً على منطلقات نظرية، لا يصعب على القارئ المعني بمعرفتها، كشفها في هذه المحاولة التي أقدم. علّه يحاول!
يمنى العيد
17/3/1986
صفحة 3
النقد/القراءة
I
النقد، أساساً، هو قراءة النصوص. والقراءة نشاط ذهني يمارسه القارئ.تحتاج ممارسة القراءة إلى أدوات كي تصبح فعلاً نشطاً ومنتِجاً.
تكون القراءة نشطة ومنتِجة حين يكون بمقدور القارئ أن يفهم النصَّ ويفسّره فيناقشه أو يحاوره: يقبل ما يقوله النصُّ أو يرفضه. يعرف كيف يصغي إليه فيسأله، ويقرأ أسئلته فيرى إلى احتمال الأجوبة.
القراءة النشطة تعني أن لا يبقى القارئ مجرّد متلقٍّ، تنطبع على سطح ذاكرته حمولات النصّ، وتتركه أسيراً لها، مستسلماً، بلا قوة، لسطوتها... هي التي تصوغ لوعيه جدراناً، فيتكوّن متنمطاً داخلها.
إن مفهوم القراءة، بمعناها النشط، هو نقد ينتج معرفةً بالنصّ. وإن النقد، بمعناه المنتِج، هو قراءة تمكِّن من يمارسها من أن يكون له حضوره الفاعل في النتاج الثقافي في المجتمع، أي من أن يكون معنيّاً بالحياة التي تنمو وتتغيّر حوله، فيساهم هو، ومن موقعه في المجتمع، في تطويرها.
II
لكن، لماذا النقد قراءة؟نعرف أنَّ النقد يعتمد النصَّ موضوعاً له. فالنقد نصٌّ لكنه يشتغل على نصٍّ آخر. والشغل على نصٍّ آخر يعني أولاً وقبل كل شيء قراءة هذا النصّ ومعرفته، ليس من نصٍّ نقدي بدون نصٍّ مقروء.
هذا التأكيد على صفة القراءة للنقد هو، في معناه الفعلي، تأكيد على أهمية النصّ موضوع النقد، وعلى الربط، ربطاً مباشراً، بين النقد وهذ النصّ الذي هو موضوعه. فلا نقد بدون نصوص مقروءة، ليس النقد نقداً حين يهمل النصّ أو النصوص، أو حين يكتفي بنظرة برّانية، لا ترى إلى دواخل النصّ، أو إليه من حيث هو مادة: النصّ/الموضوع هو أساسي لفعل النقد لأنه هو المادة. بدون هذه المادة النصّية، كيف يمكن للناقد أن يكتب نصّاً نقديّاً.
بتأكيده على أن تكون له مادة يشتغل عليها، يعبّر النقد عن تأثّره بعلوم عصره، وعن تطلّعه لأن يكون هو أيضاً علماً.
غير أن تطلّع النقد لأن يكون علماً، ما زال يعاني إشكاليّة هامة. هذه الإشكاليّة المطروحة بشكل خاص على النقد الأدبي، تطرحها المادة الأدبيّة نفسها، أي مادة شغله نفسها التي لا يمكنه أن ينهض، كعلم، بدونها، لأنَّ لا علم يقوم بدون مادة هي موضوع له.
تتحدّد هذه الإشكالية في السؤال التالي: هل يمكن للنص الأدبي أن يكون مادة بحث علمي؟
هذا السؤال مطروح انطلاقاً من سؤال آخر: هل تشكّل المادة الأدبيّة/النصّ، موضوع بحث خارج القيمة، وهل القيمة تقوم، فقط في النص، أم في علاقة النص بالقارئ؟ وإذا كان القارئ طرفاً متغيّراً، أو طرفاً يقيم علاقته بالنصّ من موقع له في المجتمع متغيّر، فكيف يمكن الشغل على النصّ/الموضوع والبحث في قيمته أو إنتاج معرفة بهذه القيمة؟
صفحة 4
III
إن قيمة النص الأدبي (لا نبحث هنا في النصوص الفنية الأخرى غير الأدبية التي قد ينطبق عليها تساؤلنا هذا)، تقوم في علاقة هذا النص بمراجعه التي يحيل عليها. وهذه العلاقة بين النصّ وما يحيل عليه تنهض، عند القارئ على مستوى المتخيّل، أو الذاكرة، ويظهر معادلها الجمالي بواسطة قارئ يقيم هو بدوره علاقة/علاقات بين النصّ وما يحيل عليه (العالم، الحياة في وسعها وتعقدها). على أن العلاقة التي يقيمها القارئ ليست هي تماماً، أو بالضرورة، العلاقة نفسها التي تبني النصّ من قبل الكاتب... بهذا يبدو النص الأدبي مادة هاربة من الموْضعة التي تخضع لها المادة الفيزيائيّة مثلاً، وبهذا أيضاً يبدو النصّ الأدبي نصّاً متغيّر الدلالات أو مولَّدها وفق علاقة النص بموقع القراءة/القراءات. لئن كانت دلالات النصّ تولد في العلاقة بين النصّ كطرف وبين القارئ كطرف آخر، فإن هذه الدلالات تتنوّع وتختلف بتنوّع موقع القارئ واختلافه، أي بتنوّع واختلاف أحد طرفي هذه العلاقة، الذي هو طرف متغيِّر في الزمان والمكان، وفي الموقع الاجتماعي الذي له في هذا الزمان والمكان.هكذا يبدو النص الأدبي نصاً قائماً في التأويل، إنه مادة ولكنّ قيمتها تنهض في علاقة، أحدُ طرفيها ليس ثابتاً.
على أن قيام النصّ في التأويل لا يعني تغيّره أو تبدّله هو، بل يعني تحوّله بالنظر إلى قيمه، ومن حيث هي قيم فنية. في هذا التحوّل تعيش النصوص تاريخيّتها، أي تعبّر عن اجتماعي ثقافي لها، يتحوّل بتحوّل مفاهيم الثقافة وقيمها.
وليس تحوّل مفاهيم الثقافة وقيمها سوى اندراجها في العلاقات الاجتماعية بين الناس، وفي ما هي رؤاهم وأحلامهم وصراعهم من أجل حياة فضلى، لهم فيها حريّة العيش والتعبير وفرحهما.
يدخل النصّ في القراءة فيتحرّر من صفاتٍ تغلقه على ذاته، وتحرّم النقد عليه، يدخل النص في القراءة فيصير مُنْتَجاً تمارس المعرفةُ نشاطها عليه.
لا نقد بلا قراءة ولا قراءة بلا قارئ، ولا قارئ بلا موقع، ولا موقع إلا في الاجتماعي. أو في العلاقات ذات الهويّة الاجتماعيّة.
من هذا الموقع في الاجتماعي، أو فيه على مستواه الثقافي، تكون القراءة علاقة نقديّة بين كلام النص الناطق، وكلام القراءة/النقد الصامت، أو بين كلام جاء إلى الكتابة، وكلام يساهم فيها: يؤوّلها، يسائلها، يحاورها فينطق.
لا تكون القراءة نقديّة بالتماهي مع النص المقروء، بالغياب فيه... بل باستنطاقه. على أن استنطاق النص له أدواته، أي سبله الخاصّة التي هي سبل النظر في نمط حركة العلاقات بين عناصر بنيته، وفي ما تنتجه هذه الحركة، إذ تمارس وظائفها، من دلالات.
IV
تحتاج القراءة/النقد إلى عُدّة هي الأدوات، أو الأدوات من حيث هي أحياناً مفاهيم. بهذه الأدوات أو المفاهيم تتمنهج القراءة، فتصير قادرة بهذه النسبة أو تلك، على رؤية النصّ في دواخله. تكشف مخبّأه ونتعرّف إلى ما يقول.الأدوات، أو المفاهيم، ليست هي دائماً ذاتها، بل هي مختلفة، وإن اشتركت في موضوعها، الذي هو هذا النص، أو ذاك. تختلف الأدوات باختلاف مناهج القراءة، بل قل إن اختلاف المناهج هو، في وجه منه، اختلاف أدواتها ومفاهيمها، أو هو، أحياناً، اختلاف بعضها. على أن مثل هذا الاختلاف ليس بمعزل عن اختلاف المنطلقات الفكرية التي تعتمدها القراءة للنظر في النصّ. (المنطلق الاجتماعي مثلاً أو المنطلق النفساني، اللذان قد يستعينان ببعض الأدوات نفسها. إن اختلاف المنطلق يظهر أثره في تفسير الدلالات أي في الاستخدام الغائي للأداة).
لكن القول بالمنهج أو بقراءة منهجيّة، لا يعني عملاً آليّاً، أو تطبيقاً حرفيّاً لهذا المفهوم، أو ذاك، بل يعني الاستعانة بمعارف مفهومية تضيء سبل البحث، وتساعده على كشف ما يحمله النصّ، ما يقوله. فما يقوله النصّ (من قول بمعنى Discours ) خاضع لعمليّة صياغة، لأسلبة، تُخفي محمولها فيصير سراً. هكذا تبدو عمليّة إظهار الخفي، المضمر في الصياغة وإنطاقه عمليّة تحتاج إلى ما يساعدنا على تحقيقها، إلى أدوات، وإلا أصيبت بالتعثّر والفوضى، وقصرت عن الإقناع.
القراءة المنهجيّة هي تسلّح بالمعرفة، يستوجبه النصّ نفسه، من حيث هو نص ينبني بتقنيات، تشكل قواعد وقوانين نهوضه، كما تخوّله ممارسة وظائفه، نطقه الفني. لذا تصبح معرفة ما يحكم النص السردي مثلاً، من مفاهيم، أمراً ضرورياً يُمنهج القراءة ويمنحها قدرة الكشف، عن سريٍّ في النص، كامن في منطق تكوّنه، ومحرّك لدينامية هذا التكوّن. بهذا الكشف تنتقل القراءة إلى السؤال. تكشف القراءة المنهجية فتسأل، وتدخل في فعل المخاطبة والنقد.
صفحة 5
V
لكن إذا كان التركيز على النص/المادة، أو النص/الموضوع، يوضح في الكلام الموجز الذي حاولنا، لماذا النقد قراءة. فإنّ هذا لا يعادل تماماً سؤالنا: لماذا القراءة نقد؟ذلك أنه لئن كان النقد (والمقصود هنا بنوع خاص النقد الأدبي) لا ينهض إلا بقراءة نصّه الذي هو موضوع شغله، فإن القراءة يمكن أن تكون نقدية، أو أن تبقى مجرد تلقٍّ ساكن. في مثل هذه الحال قد يقتصر النقد على النقاد، ذوي الاختصاص، أو كُتّابه، أو قد يصير النقد حكراً على من هم في موقع السطوة على القارئ، أو قد يحوَّل النقد إلى موعظة لا مباشرة، إلى واحدية الموقف وإطلاقيته.
لئن كان هناك نقاد باحثون متخصصون يكتبون النقد تنظيراً، وحواراً ووجهة نظر، أو رأياً يندرج في نقاش ثقافي، فإن هذا لا يمنع من أن يصبح النقد قراءة، بل على العكس إنه يدعو، وفي خطوة أوسع منه وأشمل، ليصبح النقد مقدرة يملكها كل قارئ، كما أنه يؤكد، بالعودة إلى النقد والنقاد، على ضرورة أن يكون فعل قراءتهم للنصوص فعلاً نقدياً، وليس مجرد تكرار وتجيير لقِيم ابتذلها الزمن.
إن ما نود التأكيد عليه، إضافة إلى كون النقد بحثاً وتنظيراً، هو جعل القراءة معرفة. لكن لا معرفة بدون معين يخوّلنا إياها. ولا معرفة بدون سؤال نخاطب به النص فنحاور قولاً بقول.
إن النقد الباحث عن المعرفة هو نقد محتاج إلى منهجية، إلى أدوات مفهومية، إنه قراءة مستضيئة بأدواتها، قادرة على الانتقال من التلقي إلى المساءلة، من التقليد إلى التملك.
أن تكون القراءة فعلاً نقدياً، يعني أن يكون القارئ، ومن موقع معرفي في المجتمع قادراً على الرفض والقبول، وعلى أن يكون له حضوره النشط في التعبير الثقافي، فيساهم في إنتاج هذه الثقافة ويدخل في حركة زمنه ممارساً فعل التغيير باتجاه إبداع حياته الأفضل والأجمل.
هكذا يمكن القول بأن إنتاج الثقافة لا يعني كتابة النصوص، تحبيرها، ونقلها، بل يعني قراءتها أي نقدها وإبداعها في زمنها الاجتماعي.
VI
لكن، لماذا التأكيد على أن يكون الإنسان قارئاً مساهماً في إنتاج الثقافي في مجتمعه؟ ولماذا إيلاء القراءة/النقد مثل هذا الاهتمام؟لعل جواباً موجزاً نجده إذ نلفت النظر إلى تنوع النصوص في زمننا الحاضر، وإلى كون الكثير منها، في تنوعه، غدا مؤسسياً مسخّراً، أو تابعاً لسلطة.
فالنص لم يعد فقط هذا النص الفني في أشكاله ولغات تعبيره المنوّعة، بل أصبح أيضاً نصاً مبثوثاً، مرسلاً بالصوت والضوء والحركة باتجاه أن تكون له سطوة علينا.
لقد تطورت وسائل البث وتقنيات إنتاج النصوص. تنوعت الرموز الإشارية، واستخدمت بطرائق جدّ معقدة، ومتطورة، لتركيب نص، فأمكن للعب التقني وللخدعة النظرية أن يمارسا أثرهما الإقناعي البالغ في من يتعامل، بسهولة، وبلا نقد، مع هذه النصوص، يشاهدها على الشاشة الكبيرة عموماً وعلى الشاشة الصغيرة خصوصاً، يسمعها أشرطة مسجلة، يراها تزين الشوارع والمحال، ينظر إليها في المصوَّر من المطبوعات... إلخ.
إن النصوص تحيط بنا، تتكاثر بأزيائها الباهرة، تحاصرنا، تغوينا، توفر علينا الجهد، جهد الفهم والمعرفة، تبثّ، توصل لتبقينا مجرد متلقين.
الثقافة، غدت، في جانب منها، منتجة من قبل هذه النصوص، خاضعة لما تخضع له، أي خاضعة لأن تكون ثقافة تلقين، وترويج وتوظيف... متحكمة مؤسّسيّة وصاحبة سطوة، لذا برزت ضرورة القراءة، أو هذا النشاط الشخصي النقدي: امتلاك سبل المعرفة بحقائق الأمور وقدرة مساءلتها.
ليس جائزاً أن يبقى «القارئ» مجرد متلقٍّ خاضعٍ لسطوة النص، عاجز عن كشف وظيفته القابعة في بنيته، مهدَّدٍ بأن يكون مثل إسفنجة تمتص كل ما يصلها، تنتفخ وتستسلم لعصرها أو لعبور الماء فيها.
للنصوص، على تنوعها، واختلاف رموزها الإشارية، محاميلها المختلفة التي هي أحياناً محاميل ثقافية قيِّمة (بالمعنى الإيجابي)، والتي هي أحياناً كثيرة، محاميل تمارس سطوتها، تهمّش القارئ وتلغي حضوره في الدورة الثقافية في المجتمع.
ولئن كنا هنا غير معنيين بدراسة هذه الرموز الإشارية(4)، فإن ممارسة النقد على نص، هو في دراستنا اللاحقة، نص سردي، قد تشكل خطوة في الطريق الطويل، طريق تحويل النقد إلى قراءة والقراءة إلى نقد.
صفحة 6
التعبير ومسألة الموقع
في دراسة لنا سابقة تكلمنا فيها على «القول الشعري»[5] أوضحنا علاقة الشعر باللغة، وكيف أن الشعر، من حيث هو قول، يصير شعرياً بأدوات ومفاهيم خاصة.إلا أن اعتبارنا القول الشعري قولاً لغوياً لم يكن من منطلق نزعة لغوية تجرد الشعر وتطلقه، إذ تجرد اللغة وتطلقها، فتعزله عن جذوره الاجتماعية وأجوائه النفسيّة، بل على العكس، كان ذلك من منطلق إظهار الجذر الاجتماعي للقول الشعري، من حيث هو قول لغوي.
لقد أظهرنا هذا الجذر بإظهارنا أن القول هو نشاط تعبيري حيّ، له طابع الحوار ينشأ في العلاقة بين الناس في المجتمع. فالقول نشاط نطقي مشدود إلى حاجات الناس ومصالحهم، إلى رغباتهم وأحلامهم. في تكوّنه يمارس المتكلم فعل تملك اللغة، أي فعل إعادة إنتاجها، وبالتالي نموّها وتحوّلها.
ونحن في هذا السياق أوضحنا الهويّة الإيديولوجيّة[6] للقول معتمدين في ذلك نظرية الباحث والمفكر باختين. هذه النظرية بيّنت أن اللغة كون إيديولوجي، فضاء من العلامات، فيه وبه يتكوّن التعبير:
فالناس الذين يعيشون في مجتمع، يمارسون نشاطهم التعبيري في هذا الفضاء الذي تستقل فيه العلامات والذي يشكل، بحكم هذا الاستقلال، مستوى معيّناً من مستويات المجتمع، عليه نرى إلى النشاط الثقافي في حقوله المختلفة: كالحقل السياسي، مثلاً، وحقل التشريعات الحقوقية، أو حقل المعتقدات... إلخ.
كما أننا أوضحنا، في تلك الدراسة، كيف أن التعبير الذي يمارسه الناس، كنشاط نطقي، في العلاقات فيما بينهم، هو تخاطب أو تحاور، وهذا يعني أن التعبير ليس واحديَّ المنبت، وإن بدا كذلك أحياناً، حين يأتي الكلام بوحاً بضمير الـ «أنا» أو حين يعتمد الأديب المونولوج أسلوباً للتعبير.
التعبير ثنائي المنبت، بمعنى أنه من أ إلى ب، وفي الوقت نفسه، من ب إلى أ، كل متكلِّم هو أيضاً، وفي الوقت نفسه، مستمِـع. أو، كل مستمع هو أيضاً، وفي الوقت نفسه، متكلِّم. فالكلام مخاطبة وتوجّه، إصغاء لنطق ونطق. إنه علاقة.
إذا كان التعبير علاقة تخاطبيّة، أي حواريّة، بين الناس الذين يعيشون في مجتمع، فهو، وبحكم كونه كذلك، ذو طابع صراعي[7]، أو طابع تناقضي. هذا الطابع هو نفسه طابع العلاقات الاجتماعية بين الناس. إنه طابع ممارساتهم الماديّة، من حيث هم طبقات وفئات في مجتمع، لهم مصالحهم، وحاجاتهم، كما لهم رغباتهم وأحلامهم المختلفة، غير المتماثلة فيما بينها، بل المتفاوتة حيناً والمتناقضة حيناً آخر.
هكذا يتسم القول، ومن حيث هو تعبير لغوي، بطابع الصراع الذي يحكم علاقات الناس الماديّة، وممارساتهم الاجتماعيّة.
وهكذا يأتي الكلام حواراً يطرح أسئلته، أو يقدّم أجوبته الحاملة لأدلتها وبراهينها، لمنطقها، كي تكون مقنعة في توجُّهها لمن تخاطبه أو تحاوره.
يأتي الكلام، حين يأتي، حواراً، مساءلة أو نقداً، يأتي مناقشة، قبولاً أو رفضاً، فهماً يسوغ كلاماً آخر... وهو بذلك يشير إلى اختلاف المواقع التي منها ينبني وبها يصدر.
يموت النشاط التعبيري، أو يفقد ديناميّته حين يفقد النطقُ قلقَه، أو مساءلته. حينذاك تغيب المواقع، أو يُغيَّب اختلافها، وتُقمع في التوحد. تتماهى الأصوات بعضها في بعض، في الواحد الكلي، البسيط، المتجوهر بتماثله بذاته. تفنى الأصوات في صوت الخطاب، تتراجع دائرة النطق نحو مركزها، يضيق محيطها، يسقط الكلام، يمّحي، لتبقى واحدية اللغة.
ليس من قبيل الصدفة أن تتسم اللغة بالخواء، أن تتحنط وتفقد نكهة الحياة في مجتمع خنق التسلّطُ فيه التعبير، وأفقد الممارسةَ التعبيريَّةَ شرط نشاطها وتحولها، أي حياتها. وليس من قبيل الصدفة، بالتالي، أن يشترط ازدهار التعبير حرية غير مرهونة بنظام المؤسسات وسلطتها.
* * *
هذا ما سبق وقلناه في دراستنا التي أشرنا. أوجزناه هنا لنتابع محاولتنا، بالنظر إليه، فنوضح بأنّ التعبير الذي ينهض في كون العلامات، في هذا الفضاء الإيديولوجي، إنما ينهض من مواقع له: لئن كان التعبير ممارسة إيديولوجية لعلاقات الناس فيما بينهم، فإن هذه العلاقات تنطلق من مواقع للناس في المجتمع. وهي محكومة بهذه المواقع، تقولها باتجاه مَنْ تخاطِب. هكذا، وحين ينتظم التعبير وينبني إنما ينتظم وينبني وفق منطقٍ خاصّ هو أثرٌ لموقع ينهض منه، أو لإيديولوجي يسمه ويحكمه.
الإيديولوجي هو في الرؤية، في الوعي، في الحاجة، في الجمالي، في الفرح، في الحزن إلخ... إنه في اختلاف العلاقة تبعاً لمواقع الناس من مرئيهم ومن هذا الذي يتعاملون معه حساً وإدراكاً وتوهماً وحلماً وحقيقة إلخ...
ليس لنا أن نختلف حول ما إذا كان التعبير إيديولوجيّاً أم لا، فكل تعبير هو بهويّته الاجتماعيّة التاريخيّة، تعبير إيديولوجي. لأنه، وبحكم هذه الهويّة، أي بحكم الممارسة والمراكمة والتحويل، مفارق[8] لواقعه المادي، واقع الموجودات الماديّة[9]، التعبير ممارسة بالعلامات اللغوية. بهذه الممارسة تفارق العلامة، باستمرار، مرجعها. أو قل: إن العلامة تنزع إلى مفارقة مرجعها بالاستعمال. تفارقه إذ تُنسَج في العلاقات المجتمعية، تفارقه وتحيل عليه. هكذا يختلف الكلام عن الكلام ويستمر النقاش والصراع بحثاً عن حقيقة مرجعية هاربة.
في عمليّة المفارقة والإحالة يولّد الدالّ مدلوله المختلف، يحقِّق ذلك بفعل الصيّاغة، أو بفعل ما نسميه إبداع الأسلوب الخاص.
يمارس التعبير/الصِّياغة فعل تملّك اللغة، إنتاجها وتخصيصها، ينسج الفاعلُ (المتكلم/الكاتب) القول، يبني تركيبه الخاص ليجعل اللغة قادرة على قول ما يحتاج، أو ما يريد قوله، أو ما يصبو إلى قوله.
هكذا يولّد التعبير/الصياغة مدلولاته المفتوحة على الزمن.
صفحة 7
يصوغ المتكلم تعبيره، أو ينطق ويقول، من منطلق علاقته بموضوع كلامه، أي من منطلق رؤيته، أو حاجته، أو تقديره، لهذا الموضوع. ومن ثم فهو، أي المتكلِّم «منحاز» بهذا التعبير، لما يراه أو يحسّه، أو يقدّره، إنه بالتالي، مدافع عن هذا الذي يراه، أو يحسّه، أو يقدّره، وصاحب أثر فيه.
يتوجه المتكلم بتعبيره إلى مخاطب/سامع، قد يختلف عنه في رؤيته أو إحساسه أو تقديره، أي قد يكون له ـ للسامع ـ منطلق آخر يتسق وموقعه الاجتماعي المختلف. فتختلف العلاقة بموضوع الكلام المشترك، أو بهذا المرجعيّ العام للكلام. هكذا يصوغ المخاطَب/السامِـع تعبيرَه ويتوجّه به إلى المتكلِّم/المخاطِب وقد أصبح هذا الأخير مخاطباً/سامعاً.
يختلف التعبير في نطاق علاقة مزدوجة:علاقة المتكلم/المخاطب بموضوع كلامه من جهة وعلاقته بالمخاطَب/السامع من جهة أخرى. ويغدو التعبير لا مجرد عملية تلفّظ، بل عملية تحويل وامتلاك[10] للكلام/اللغة. إنها عملية إنتاج لغة تقول. لذا فهي مختلفة وجديدة ومحوّلة.
لكن، إذا كان التعبير نشاطاً نطقياً يمارسه الناس على المستوى الإيديولوجي في المجتمع في نطاق العلاقات فيما بينهم، وبالتالي، إذا كان من غير الممكن الاختلاف على ما إذا كان التعبير إيديولوجياً أم لا، لأنه بطبيعته كذلك، فإن الاختلاف قد يظهر، بل هو ظاهر عندنا في مجال الثقافة، حول المواقع التي منها ينهض التعبير.
يخلط الكثيرون بين المستوى الإيديولوجي والموقع فيه، فيقول بعضهم، في معرض كلامه، مثلاً على أعمال أديب، وعلى الموقع الذي في هذه الأعمال: هذا موقع إيديولوجي، وهذا موقع غير إيديولوجي؛ ثم ينعت الموقع غير الإيديولوجي بالموضوعية مثلاً، أو بغيرها من النعوت بغية إثبات صحتها وعدم صحة غيرها، وقد يقول البعض لدى سماعهم كلاماً: هذا كلام يصدر عن موقع وذاك كلام لا يصدر عن موقع. ينفي أصحاب هذه الأقوال الموقع لقول، ويثبتونه لآخر، قصد نفي الهوية الإيديولوجية لكلام وإثباتها لآخر، أو قصد نفي هذه الهوية لموقع وإثباتها لآخر.
لكن، إذا كان التعبير، وبحكم طبيعته الاجتماعية، إيديولوجياً، أي إذا كان التعبير لا يطابق الواقع، وينهض على مستوى مفارق للموجود المادي، هو مستوى النظر، أو الوعي، للعلاقة بين المتكلم وموضوع كلامه من جهة، وبينه وبين السامع/القارئ من جهة ثانية، فإن للموقع الذي منه ينهض التعبير وجوداً فعلياً موضعياً قائماً في الاجتماعي ـ الثقافي، لا يناط أمر إثباته أو نفيه بإرادتنا.
كل تعبير، هو تعبير من موقع، وكل موقع هو موقع إيديولوجي. إنه موقع يقول، والقول علاقة، والعلاقة نظر باتجاه موضوع، وتوجه إلى مخاطب... وفي هذه منشأ لإيديولوجي يسم مواقع النظر والتوجه، يتفاوت بتفاوت هذه المواقع. يختلف ويتناقض باختلاف وتناقض هذه المواقع في العلاقة الاجتماعية فيما بينها.
يظهر اختلاف المواقع في اختلاف أشكال الوعي والتفكير، ويمكن القول أيضاً، إن اختلاف أشكال الوعي والتفكير مؤشر على اختلاف الموقع الذي يجد سبيله إلى تنويع لغات القول.
في هذا الصدد قد نسأل: كيف يمكننا أن نرى إلى اختلاف المواقع وتعددها، وكيف يمكن الكلام على المواقع حين لا يكون كلام بلا موقع؟ وهل تغرقنا المواقع، باختلافها المستمر، وربما اللامحدود، في تفتت الكلام فتصل به إلى فوضاه؟
لا يتحدد الموقع بذاته، لأنه ليس قائماً بذاته، بل هو قائم في علاقة مع موقع آخر، وفي إطار هذه العلاقة يتحدد: يرى الموقع إلى الموقع الآخر، فيرى إلى اختلافه معه فيولد الصراع الذي هو في وجهه الأهم دينامية الحركة والنمو والتحول.
لكن اختلاف موقع مع موقع آخر، إنما هو اختلاف بالنظر إلى موضوع، ضمن وضعية اجتماعية معيّنة، في زمن تاريخي معين. لذا فإن اختلاف موقع مع آخر ليس هو فقط اختلافه عنه، بل هو أيضاً اختلافه معه على موضوع يريان إليه. وهذا يعني أن الصراع بين موقعين ليس هو صراع الذوات المجردة، كما أن الاختلاف ليس اختلاف هذا نسبة إلى ذاك، إنما هو صراع في واقع ولواقع يخص الناس ويجدون لهم مواقع فيه.
لا يختلف موقع عن موقع في علاقة نسبية مطلقة، إن الاختلاف النسبي هذا، مرشح لأن يجعل من أحد الموقعين مركزاً به يتحدد الموقع الآخر وبه ينوجد. إن إسقاط مسألة الموضوع، هذا الواقع الذي فيه وبه يكون الاختلاف يصل بأحد الموقعين لأن يكون في علاقته بالموقع الآخر، ذيلاً أو تابعاً، أي لأن يكون بلا وجود فعلي. أضف أنه قد يصبح موقعٌ ما، بتحدّده نسبة إلى موقع مركز، عبارة عن ردة فعل مشروطة لا بخصائص الموقع المركز فحسب، بل أيضاً بوجوده. إن مثل هذه العلاقة تخلق وتؤكد طبيعةً جوهرية لموقعٍ مركز ينفي بها كل موقع آخر. كما أن مثل هذه العلاقة قد تغري المواقع بالنزوع باتجاه الموقع المركز بغية القيام بعملية الاستبدال.
هكذا، وعلى هذا الأساس من الفهم للعلاقة بين المواقع، يصبح هناك موقع هو الـ «موقع»، وهناك موقع يتحدّد به. الأول هو صاحب النطق والتعبير، هو: الـ «قائل»، أو هو: الـ «متكلِّم». صاحب البلاغة، سيدها ومنبرها. والثاني هو مجرد متلقٍّ، سامع، ليس له أن يقول أو ينطق ويعبّر، بل له أن يصغي ويتعلم. أو قل ليس له أن يقرأ، وينقد، ويمارس فعل التحويل الثقافي، بل له أن يستمر في قبول الـ «ثقافي» القائم والسائد وصاحب السطوة، لا لغة إلا هذه اللغة الواحدة التي لهذا الثقافي القابع على منبر المعلِّم، ولا صوت إلا صوته الواعظ صاحب الخطاب الـ «حق».
وهكذا لا جميل ولا نافع ولا ممتع ولا ممكن ولا حقيقي، إلخ... إلا ما هو كذلك في نظر من هو في الـ «موقع» الذي لا موقع سواه. لذا يبطل الاختلاف والتفاوت، يتراجع التعبير ليصير مكبوتاً، أو ليختزل في الشعار، وفي المقبول من الحِكَم والتعاليم، أو ليموت في واحديّة الموقع.
يتوجه المتكلم بتعبيره إلى مخاطب/سامع، قد يختلف عنه في رؤيته أو إحساسه أو تقديره، أي قد يكون له ـ للسامع ـ منطلق آخر يتسق وموقعه الاجتماعي المختلف. فتختلف العلاقة بموضوع الكلام المشترك، أو بهذا المرجعيّ العام للكلام. هكذا يصوغ المخاطَب/السامِـع تعبيرَه ويتوجّه به إلى المتكلِّم/المخاطِب وقد أصبح هذا الأخير مخاطباً/سامعاً.
يختلف التعبير في نطاق علاقة مزدوجة:علاقة المتكلم/المخاطب بموضوع كلامه من جهة وعلاقته بالمخاطَب/السامع من جهة أخرى. ويغدو التعبير لا مجرد عملية تلفّظ، بل عملية تحويل وامتلاك[10] للكلام/اللغة. إنها عملية إنتاج لغة تقول. لذا فهي مختلفة وجديدة ومحوّلة.
لكن، إذا كان التعبير نشاطاً نطقياً يمارسه الناس على المستوى الإيديولوجي في المجتمع في نطاق العلاقات فيما بينهم، وبالتالي، إذا كان من غير الممكن الاختلاف على ما إذا كان التعبير إيديولوجياً أم لا، لأنه بطبيعته كذلك، فإن الاختلاف قد يظهر، بل هو ظاهر عندنا في مجال الثقافة، حول المواقع التي منها ينهض التعبير.
يخلط الكثيرون بين المستوى الإيديولوجي والموقع فيه، فيقول بعضهم، في معرض كلامه، مثلاً على أعمال أديب، وعلى الموقع الذي في هذه الأعمال: هذا موقع إيديولوجي، وهذا موقع غير إيديولوجي؛ ثم ينعت الموقع غير الإيديولوجي بالموضوعية مثلاً، أو بغيرها من النعوت بغية إثبات صحتها وعدم صحة غيرها، وقد يقول البعض لدى سماعهم كلاماً: هذا كلام يصدر عن موقع وذاك كلام لا يصدر عن موقع. ينفي أصحاب هذه الأقوال الموقع لقول، ويثبتونه لآخر، قصد نفي الهوية الإيديولوجية لكلام وإثباتها لآخر، أو قصد نفي هذه الهوية لموقع وإثباتها لآخر.
لكن، إذا كان التعبير، وبحكم طبيعته الاجتماعية، إيديولوجياً، أي إذا كان التعبير لا يطابق الواقع، وينهض على مستوى مفارق للموجود المادي، هو مستوى النظر، أو الوعي، للعلاقة بين المتكلم وموضوع كلامه من جهة، وبينه وبين السامع/القارئ من جهة ثانية، فإن للموقع الذي منه ينهض التعبير وجوداً فعلياً موضعياً قائماً في الاجتماعي ـ الثقافي، لا يناط أمر إثباته أو نفيه بإرادتنا.
كل تعبير، هو تعبير من موقع، وكل موقع هو موقع إيديولوجي. إنه موقع يقول، والقول علاقة، والعلاقة نظر باتجاه موضوع، وتوجه إلى مخاطب... وفي هذه منشأ لإيديولوجي يسم مواقع النظر والتوجه، يتفاوت بتفاوت هذه المواقع. يختلف ويتناقض باختلاف وتناقض هذه المواقع في العلاقة الاجتماعية فيما بينها.
يظهر اختلاف المواقع في اختلاف أشكال الوعي والتفكير، ويمكن القول أيضاً، إن اختلاف أشكال الوعي والتفكير مؤشر على اختلاف الموقع الذي يجد سبيله إلى تنويع لغات القول.
في هذا الصدد قد نسأل: كيف يمكننا أن نرى إلى اختلاف المواقع وتعددها، وكيف يمكن الكلام على المواقع حين لا يكون كلام بلا موقع؟ وهل تغرقنا المواقع، باختلافها المستمر، وربما اللامحدود، في تفتت الكلام فتصل به إلى فوضاه؟
لا يتحدد الموقع بذاته، لأنه ليس قائماً بذاته، بل هو قائم في علاقة مع موقع آخر، وفي إطار هذه العلاقة يتحدد: يرى الموقع إلى الموقع الآخر، فيرى إلى اختلافه معه فيولد الصراع الذي هو في وجهه الأهم دينامية الحركة والنمو والتحول.
لكن اختلاف موقع مع موقع آخر، إنما هو اختلاف بالنظر إلى موضوع، ضمن وضعية اجتماعية معيّنة، في زمن تاريخي معين. لذا فإن اختلاف موقع مع آخر ليس هو فقط اختلافه عنه، بل هو أيضاً اختلافه معه على موضوع يريان إليه. وهذا يعني أن الصراع بين موقعين ليس هو صراع الذوات المجردة، كما أن الاختلاف ليس اختلاف هذا نسبة إلى ذاك، إنما هو صراع في واقع ولواقع يخص الناس ويجدون لهم مواقع فيه.
لا يختلف موقع عن موقع في علاقة نسبية مطلقة، إن الاختلاف النسبي هذا، مرشح لأن يجعل من أحد الموقعين مركزاً به يتحدد الموقع الآخر وبه ينوجد. إن إسقاط مسألة الموضوع، هذا الواقع الذي فيه وبه يكون الاختلاف يصل بأحد الموقعين لأن يكون في علاقته بالموقع الآخر، ذيلاً أو تابعاً، أي لأن يكون بلا وجود فعلي. أضف أنه قد يصبح موقعٌ ما، بتحدّده نسبة إلى موقع مركز، عبارة عن ردة فعل مشروطة لا بخصائص الموقع المركز فحسب، بل أيضاً بوجوده. إن مثل هذه العلاقة تخلق وتؤكد طبيعةً جوهرية لموقعٍ مركز ينفي بها كل موقع آخر. كما أن مثل هذه العلاقة قد تغري المواقع بالنزوع باتجاه الموقع المركز بغية القيام بعملية الاستبدال.
هكذا، وعلى هذا الأساس من الفهم للعلاقة بين المواقع، يصبح هناك موقع هو الـ «موقع»، وهناك موقع يتحدّد به. الأول هو صاحب النطق والتعبير، هو: الـ «قائل»، أو هو: الـ «متكلِّم». صاحب البلاغة، سيدها ومنبرها. والثاني هو مجرد متلقٍّ، سامع، ليس له أن يقول أو ينطق ويعبّر، بل له أن يصغي ويتعلم. أو قل ليس له أن يقرأ، وينقد، ويمارس فعل التحويل الثقافي، بل له أن يستمر في قبول الـ «ثقافي» القائم والسائد وصاحب السطوة، لا لغة إلا هذه اللغة الواحدة التي لهذا الثقافي القابع على منبر المعلِّم، ولا صوت إلا صوته الواعظ صاحب الخطاب الـ «حق».
وهكذا لا جميل ولا نافع ولا ممتع ولا ممكن ولا حقيقي، إلخ... إلا ما هو كذلك في نظر من هو في الـ «موقع» الذي لا موقع سواه. لذا يبطل الاختلاف والتفاوت، يتراجع التعبير ليصير مكبوتاً، أو ليختزل في الشعار، وفي المقبول من الحِكَم والتعاليم، أو ليموت في واحديّة الموقع.
صفحة 8
لا يعود للناس أن يقولوا الأشياء، أشياء عالمهم، كما يشعرون بها، أو كما يحلمون أن تكون من مواقعهم في الواقع المادي الذي يمارسونه عيشاً وحياةً في علاقات. يصير «تعبيرهم» مشروطاً، لا بعلاقة بينهم وبين مرئيِّهم، بل بعلاقة معطّلة بينهم وبين الـ «موقع» الآخر. هكذا تسقط مواقع الناس على تفاوتها، تسقط أسئلتهم، المختلفة، ويسقطون في التعبير الذاهب باتجاه موته، بعد أن تخلّى عن هوية منبته، عنينا عن حواريته، وصراعيّته في نطاق العلاقات الاجتماعيّة القائمة.
لكن، لئن كان الاختلاف بين موقعين هو اختلافهم بالنظر إلى موضوع، فإن ممارسة هذا الاختلاف تنهض على حدِّ قيمةٍ له تاريخيته، أي له حركته التي هي حركة نمو وتقدم. تختلف المواقع فتتصارع لكن على حدِّ قيمة هو في نهاية التحليل توجّه نحو ما هي حياة الناس وحريتهم وفرحهم ضمن وضعية اجتماعية.
إن اختلاف المواقع هو تفاوتها وصراعها، أي هو حركة نقلتها النوعية، التاريخيّة، في التقدم. في هذا الإطار، وفي ضوء حدّ القيمة هذا، أو في ضوء مفهومه، تتحدد المواقع في علاقتها بعضها ببعض.
ليس من شأننا التوسع في هذه المسألة التي تجد مجالها الخاص في بحث مسألة التناقض[11]، وفي تحديد قطبي هذا التناقض في المجتمع، ومن ثم تحديد الحدّ المفهومي للصراع بين هذين القطبين في علاقات تاريخيّة اجتماعية معيّنة. ذلك أن ما يهمنا هنا ليس البحث عن مواقع النظر، أو في المواقع الإيديولوجية، ولا مسألة العلاقات بين هذه المواقع، ولا عملية إنتاج المعرفي للحد المفهومي[12] الذي في ضوئه يمكن تحديد هذه المواقع وعلاقتها التقويمية بموضوعها، ومن ثم معرفة فاعليّتها في تطوير الواقع الاجتماعي. ليس هذا شأننا، فبحثنا ليس بحثاً في الاجتماعي أو الاقتصادي ـ السياسي، بل هو بحث في التعبير والقول ومن ثم في القول الأدبي.
يتكوّن العمل الأدبي خاصّاً ومستقلاً، ونحن إذ نتناوله فيما سيلي من هذه الدراسة، على أساس من هذه الاستقلالية لا نريد أن ننزلق إلى عزلة، كما لا نريد أن نتراجع به إلى حدود ما يسمى بمضمونه.
يستقل العمل الأدبي بتميّزه عما يستقل عنه، ومع هذا التميّز يصبح صعباً، أن نرى إلى هذا الجذر الاجتماعي في حضوره المختلف، أي أن نرى إلى الهوية الاجتماعية في تميزها الأدبي. وعليه فنحن سنحاول أن نرى إلى هذا الاجتماعي في القول، في التعبير الذي يجد منبته في الممارسة النطقية للناس.
يشكّل التعبير، من حيث هو ممارسة نطقيّة اجتماعيّة، مرجعاً حيّاً للعمل الأدبي. فالعمل الأدبي هو عمل مادته اللغة، أو قل: إن الصياغة الأدبية هي صياغة ترتبط بالناس، أي بممارستهم النشطة الفعليّة والماديّة، على أساس من هذا الارتباط يمكن للقول الأدبي أن يكون قولاً للحياة، وإلاّ، سقط في الخواء والتحنط، وفي نوع من الثرثرة اللغوية الجوفاء.
في علاقة مع هذا المنبت التعبيري الاجتماعي الحي المستمر في حركته وتحوّله، تنهض الصياغة الأدبية إلى مستواها الخاص، المستقل والمتميّز، والمتشكل في أنماط من البنى اللغويّة التي تقول، والتي لها أدواتها وتقنياتها ومفاهيمها المتطوِّرة والمتغيّرة أيضاً.
وعليه، فالقول سواء كان قولاً لليومي، أو قولاً مصوغاً في بنية أدبية، هو أساساً ممارسة تعبيريّة، أو هو علاقة ممارسة بين الناس في تفاوت وفي صراع وتناقض، ممارسة على حدّ، إنها تعبير ينطق، يقول الوعي والتصوّر، يقول لفظاً ويقول صمتاً، ويقول فعلاً وتحويلاً إلخ...
يمارس الناس نشاطهم التعبيري من مواقع مختلفة، وإن التقى بعضهم في بعضٍ منها فكانوا أحياناً أصواتاً من موقع واحد.
العمل الأدبي الذي يقول ينهض من موقع نرى إليه في أثره، أي في نمط البنية، في الشكل، في أثره على مسار انتظام التركيب التعبيري، على توالي الجمل، على منطق تمفصل البنيان اللغوي، على أصوات الشخصيّات، في القول الذي يقصّ، وعلى حركة الزمن فيه.
ينفتح الموقع على القول من إيديولوجي اجتماعي، ونحن حين نكشف بقراءتنا للنصّ، عن هذا الموقع، إنما نكشف عن هوية الإيديولوجي المتحكم في بنية النص وفي منطق نهوضه.
ليس الموقع عنصراً مستقلاً في العمل الأدبي، بل هو بوصلته إذا صح التشبيه، ولذا فهو مرئي في أثره، ومقروء فيه، ونحن فيه كأثر نرى الأدبي، أو الفني، من حيث هو قول قائم على المستوى الإيديولوجي في المجتمع، لا في علاقة توازٍ مع مستويات أخرى، بل على حدٍّ صراعي يخترق هذه المستويات ويقيم الفاعليّة فيما بينها.
لا نرى الحضور الاجتماعي في الأدبي من حيث هو مضمون أو إيديولوجيا بمعنى العقيدة أو المذهب، بل نرى إلى هذا الاجتماعي في شكل أدبي يقوله، وكل قول هو إيديولوجي، يحدِّد الموقعُ هويَّته.
على أن هذا لا يمنعنا من أن نلاحظ حقيقة تخص العمل الفني بشكل عام. فالموقع الذي منه ينهض التعبير هو موقع يبقى في العمل الفني خفيّاً، أو هو موقع يحاول الخفاء.
ذلك أن هذا الموقع القائم على المستوى الإيديولوجي في المجتمع، إنما هو قائم على هذ المستوى في حقل ثقافي، وهذا ما يشير إلى مجموعة من العوامل التي تحيط بهذا الموقع، أو التي بها يتحرك باتجاه التعبير والقول. فالحقل الثقافي، ومن حيث هو في وجه منه حقل أدبي، هو حقل واسع وتاريخي، مخترق أيضاً بالصراعي. إنه حقل من النصوص المتميزة والمستقلة، وغير المتماثلة، ولا الملتقية في مواقع قولها. لذا فهي، على استقلاليتها، تتكوّن من أنماط من التعبير، وتتمايز بها وفيها. وهذا يعني أن الموقع الذي به ينهض القول الأدبي هو موقع يتعامل مع ثقافي خاص وينهض مشروطاً بهذا الثقافي الخاص.
يتعامل الموقع مع عناصر قوله الأدبي، وهو إذ ينفتح لا ينفتح باتجاه ذاته، بل باتجاه ما ينهض به.
ينفتح باتجاه التعبير الحي، الوحشي، الخام، وينفتح باتجاه الثقافي.
في اقتصاره على الأول، الوحشي، يتعرض للسقوط في اليومي المبتذل، في العابر.
وفي اقتصاره على الثاني، يتعرض للخواء أو للبلاغي الخاوي.
لكن، لئن كان الاختلاف بين موقعين هو اختلافهم بالنظر إلى موضوع، فإن ممارسة هذا الاختلاف تنهض على حدِّ قيمةٍ له تاريخيته، أي له حركته التي هي حركة نمو وتقدم. تختلف المواقع فتتصارع لكن على حدِّ قيمة هو في نهاية التحليل توجّه نحو ما هي حياة الناس وحريتهم وفرحهم ضمن وضعية اجتماعية.
إن اختلاف المواقع هو تفاوتها وصراعها، أي هو حركة نقلتها النوعية، التاريخيّة، في التقدم. في هذا الإطار، وفي ضوء حدّ القيمة هذا، أو في ضوء مفهومه، تتحدد المواقع في علاقتها بعضها ببعض.
ليس من شأننا التوسع في هذه المسألة التي تجد مجالها الخاص في بحث مسألة التناقض[11]، وفي تحديد قطبي هذا التناقض في المجتمع، ومن ثم تحديد الحدّ المفهومي للصراع بين هذين القطبين في علاقات تاريخيّة اجتماعية معيّنة. ذلك أن ما يهمنا هنا ليس البحث عن مواقع النظر، أو في المواقع الإيديولوجية، ولا مسألة العلاقات بين هذه المواقع، ولا عملية إنتاج المعرفي للحد المفهومي[12] الذي في ضوئه يمكن تحديد هذه المواقع وعلاقتها التقويمية بموضوعها، ومن ثم معرفة فاعليّتها في تطوير الواقع الاجتماعي. ليس هذا شأننا، فبحثنا ليس بحثاً في الاجتماعي أو الاقتصادي ـ السياسي، بل هو بحث في التعبير والقول ومن ثم في القول الأدبي.
يتكوّن العمل الأدبي خاصّاً ومستقلاً، ونحن إذ نتناوله فيما سيلي من هذه الدراسة، على أساس من هذه الاستقلالية لا نريد أن ننزلق إلى عزلة، كما لا نريد أن نتراجع به إلى حدود ما يسمى بمضمونه.
يستقل العمل الأدبي بتميّزه عما يستقل عنه، ومع هذا التميّز يصبح صعباً، أن نرى إلى هذا الجذر الاجتماعي في حضوره المختلف، أي أن نرى إلى الهوية الاجتماعية في تميزها الأدبي. وعليه فنحن سنحاول أن نرى إلى هذا الاجتماعي في القول، في التعبير الذي يجد منبته في الممارسة النطقية للناس.
يشكّل التعبير، من حيث هو ممارسة نطقيّة اجتماعيّة، مرجعاً حيّاً للعمل الأدبي. فالعمل الأدبي هو عمل مادته اللغة، أو قل: إن الصياغة الأدبية هي صياغة ترتبط بالناس، أي بممارستهم النشطة الفعليّة والماديّة، على أساس من هذا الارتباط يمكن للقول الأدبي أن يكون قولاً للحياة، وإلاّ، سقط في الخواء والتحنط، وفي نوع من الثرثرة اللغوية الجوفاء.
في علاقة مع هذا المنبت التعبيري الاجتماعي الحي المستمر في حركته وتحوّله، تنهض الصياغة الأدبية إلى مستواها الخاص، المستقل والمتميّز، والمتشكل في أنماط من البنى اللغويّة التي تقول، والتي لها أدواتها وتقنياتها ومفاهيمها المتطوِّرة والمتغيّرة أيضاً.
وعليه، فالقول سواء كان قولاً لليومي، أو قولاً مصوغاً في بنية أدبية، هو أساساً ممارسة تعبيريّة، أو هو علاقة ممارسة بين الناس في تفاوت وفي صراع وتناقض، ممارسة على حدّ، إنها تعبير ينطق، يقول الوعي والتصوّر، يقول لفظاً ويقول صمتاً، ويقول فعلاً وتحويلاً إلخ...
يمارس الناس نشاطهم التعبيري من مواقع مختلفة، وإن التقى بعضهم في بعضٍ منها فكانوا أحياناً أصواتاً من موقع واحد.
العمل الأدبي الذي يقول ينهض من موقع نرى إليه في أثره، أي في نمط البنية، في الشكل، في أثره على مسار انتظام التركيب التعبيري، على توالي الجمل، على منطق تمفصل البنيان اللغوي، على أصوات الشخصيّات، في القول الذي يقصّ، وعلى حركة الزمن فيه.
ينفتح الموقع على القول من إيديولوجي اجتماعي، ونحن حين نكشف بقراءتنا للنصّ، عن هذا الموقع، إنما نكشف عن هوية الإيديولوجي المتحكم في بنية النص وفي منطق نهوضه.
ليس الموقع عنصراً مستقلاً في العمل الأدبي، بل هو بوصلته إذا صح التشبيه، ولذا فهو مرئي في أثره، ومقروء فيه، ونحن فيه كأثر نرى الأدبي، أو الفني، من حيث هو قول قائم على المستوى الإيديولوجي في المجتمع، لا في علاقة توازٍ مع مستويات أخرى، بل على حدٍّ صراعي يخترق هذه المستويات ويقيم الفاعليّة فيما بينها.
لا نرى الحضور الاجتماعي في الأدبي من حيث هو مضمون أو إيديولوجيا بمعنى العقيدة أو المذهب، بل نرى إلى هذا الاجتماعي في شكل أدبي يقوله، وكل قول هو إيديولوجي، يحدِّد الموقعُ هويَّته.
على أن هذا لا يمنعنا من أن نلاحظ حقيقة تخص العمل الفني بشكل عام. فالموقع الذي منه ينهض التعبير هو موقع يبقى في العمل الفني خفيّاً، أو هو موقع يحاول الخفاء.
ذلك أن هذا الموقع القائم على المستوى الإيديولوجي في المجتمع، إنما هو قائم على هذ المستوى في حقل ثقافي، وهذا ما يشير إلى مجموعة من العوامل التي تحيط بهذا الموقع، أو التي بها يتحرك باتجاه التعبير والقول. فالحقل الثقافي، ومن حيث هو في وجه منه حقل أدبي، هو حقل واسع وتاريخي، مخترق أيضاً بالصراعي. إنه حقل من النصوص المتميزة والمستقلة، وغير المتماثلة، ولا الملتقية في مواقع قولها. لذا فهي، على استقلاليتها، تتكوّن من أنماط من التعبير، وتتمايز بها وفيها. وهذا يعني أن الموقع الذي به ينهض القول الأدبي هو موقع يتعامل مع ثقافي خاص وينهض مشروطاً بهذا الثقافي الخاص.
يتعامل الموقع مع عناصر قوله الأدبي، وهو إذ ينفتح لا ينفتح باتجاه ذاته، بل باتجاه ما ينهض به.
ينفتح باتجاه التعبير الحي، الوحشي، الخام، وينفتح باتجاه الثقافي.
في اقتصاره على الأول، الوحشي، يتعرض للسقوط في اليومي المبتذل، في العابر.
وفي اقتصاره على الثاني، يتعرض للخواء أو للبلاغي الخاوي.
صفحة 9
كما أنه بانكفائه على ذاته يتعرض لأن يكون مجرد خطبة تدافع عن موقع، أو يتعرض الأدبي للتراجع إلى حدود الإيديولوجي.
ليس العمل الأدبي هو مجرد موقع ولا هو مجرد قول لموقع، بل إن العمل الأدبي، إذ ينهض من موقع، هو بنية عالم لا يمكنه أن ينمو إلا بصراعي فيه هو ديناميته، وهو انفتاحه على تعدد الأصوات وتناقض المواقع أو تفاوتها.
إن انفتاح الموقع في العمل الأدبي باتجاه عالم من الناس، عالم اجتماعي حي، يحملنا على أن نرى إلى هذا الانفتاح، لا فقط، على مسافة علاقة القول بالموقع الذي منه ينهض، وبالتالي على اختصار العمل في إيديولوجي فيه، بل يحملنا على أن نرى إلى هذا الانفتاح على مسافة علاقة الموقع بالعالم الذي يقول.
إن انفتاح الموقع يعني عدم تأطره بذاته، ويعني امتداد النظر إلى أبعد من حدود الموقع، ذلك أن النص الأدبي معني بالنظر إلى العالم، إلى الأشخاص فيه في اختلافهم وتنوّع أصواتهم، وتفاوتها على حدّ هو حدّ الصراع والحوار في الاجتماعي.
حين يتعامل قول النص مع الأشخاص ومع عالم الحياة، إنما يحملنا على أن نرى إلى الموقع فيه على أساس من قدرته على الانفتاح، أي على أساس من قدرته على نهوضه الأدبي، أو الفني، الخاص، أو على أساس من قدرته على ممارسة التعبير أدبياً. إذ ذاك تكشف الممارسة في أدبيتها مدى اتساع المنظور الفضائي المتخيّل، فلا يتقوقع القول في الموقع ليكون صوت الفرد المحدود به.
لا يروي الأديب من موقع له، وإن كان يرى إلى العالم من هذا الموقع، بل يروي عن الناس في المجتمع، عن الأشخاص الذين لهم مواقعهم المختلفة وأصواتهم المتنوعة وعلاقتهم المتصارعة، لذا لا يمكن للقول الأدبي، وخصوصاً الروائي، أن يتأطّر في الموقع الذي منه يرى، وإلا غدا كتلة وعظية، هكذا، يخون صدقُ التجربة، كما يُقال، موقفاً يريده الكاتب تعبيراً عن موقعه.
مع صدق التجربة والقول يقول الأدبي الفني، أحياناً ما ليس يريد الكاتب قوله.
يخون التعامل الفني مع العالم موقعاً كان يقصده الكاتب... يغيّر اتساعُ زاوية النظر موقعاً كان الأديب يريد النهوض منه، وقد يجد الكاتب نفسه يقول، حين يرى من موقع شخصيةٍ ما من عالم شخصياته، نقيض ما كان يودّ قوله.
ينفتح الموقع في النص الأدبي، خصوصاً القصصي، على مواقع الشخصيات المختلفة، فيكون عليه، إذ ذاك، أن يتقن ممارسة اللعب الفني وإبداع أدواته.
ولا بدّ لنا، في هذه المناسبة، من أن نشير إلى أن البعض يسمي الموقع في النص الأدبي زاوية رؤية، ونحن، بالرغم من تقديرنا لأهيمة هذا المصطلح، نفضل استعمال مصطلح الموقع. التفضيل هذا ليس شكلياً، ولا هو مجرد استحسان أو استنساب، بل هو مرتبط بنظرة فكرية إلى النصّ الأدبي، أو بمنطلق نظري للمستوى الأدبي في المجتمع. أو مرتبط بهذا الذي حاولنا إيضاحه بإيجاز، لمفهوم الموقع.
إن مصطلح الموقع هو أكثر إحالة على هذه الهوية الإيديولوجية التي له. وهو، بذلك، يخولنا أن نرى إلى منطق ترابط الأفعال في النص القصصي، لا كترابط آلي، بل كترابط محكوم بهذه الهوية الإيديولوجية. هكذا يعيد إلينا الكلامُ على موقعٍ في النص، إمكانيةَ استعادة النص من عزلته الأدبية لنرى إليه، كما هو في واقعه المادي، كتابةً يمارسها مؤلفٌ له وجوده في المجتمع.
ونحن إذا كنا نرى إلى النص الأدبي على أنه تعبير، فإن كلامنا على الموقع يطرح علينا سؤال البحث عن هذا الموقع الذي منه ينهض نص أدبي معيّن فيكون به، كما ذكرنا، انتظام لغته، ويكون به تكوّنُ فضائه أو عالمه.
وهو ما سنحاوله في فصول لاحقة من هذا الكتاب، وذلك بالشغل، مباشرة، على بعض النصوص القصصية والروائية.
ولو أردنا، في ختام هذا الفصل، أن نمهّد قليلاً لسؤالنا عن الموقع في النص الأدبي، لقلنا موجزين ما سبق، على إيجازه: إن الموقع هو دينامية تكوّن النص الباحث عن شكله الفني الخاص.
وكما سبق وذكرنا: إن القول بموقع لا يعني، ولا يمكنه أن يعني، تأطّر النص بهذا الموقع، لأن الأدبي، إذ ذاك، يتراجع، يضمحل ويموت.
هل يمكن الاستنتاج بأن الفني هو، بالضرورة، حواري، أو بتعبير يستند إلى مفهوم الحرية الاجتماعية، ديمقراطي؟..
ربما!..
لكن لنتابع البحث..
ليس العمل الأدبي هو مجرد موقع ولا هو مجرد قول لموقع، بل إن العمل الأدبي، إذ ينهض من موقع، هو بنية عالم لا يمكنه أن ينمو إلا بصراعي فيه هو ديناميته، وهو انفتاحه على تعدد الأصوات وتناقض المواقع أو تفاوتها.
إن انفتاح الموقع في العمل الأدبي باتجاه عالم من الناس، عالم اجتماعي حي، يحملنا على أن نرى إلى هذا الانفتاح، لا فقط، على مسافة علاقة القول بالموقع الذي منه ينهض، وبالتالي على اختصار العمل في إيديولوجي فيه، بل يحملنا على أن نرى إلى هذا الانفتاح على مسافة علاقة الموقع بالعالم الذي يقول.
إن انفتاح الموقع يعني عدم تأطره بذاته، ويعني امتداد النظر إلى أبعد من حدود الموقع، ذلك أن النص الأدبي معني بالنظر إلى العالم، إلى الأشخاص فيه في اختلافهم وتنوّع أصواتهم، وتفاوتها على حدّ هو حدّ الصراع والحوار في الاجتماعي.
حين يتعامل قول النص مع الأشخاص ومع عالم الحياة، إنما يحملنا على أن نرى إلى الموقع فيه على أساس من قدرته على الانفتاح، أي على أساس من قدرته على نهوضه الأدبي، أو الفني، الخاص، أو على أساس من قدرته على ممارسة التعبير أدبياً. إذ ذاك تكشف الممارسة في أدبيتها مدى اتساع المنظور الفضائي المتخيّل، فلا يتقوقع القول في الموقع ليكون صوت الفرد المحدود به.
لا يروي الأديب من موقع له، وإن كان يرى إلى العالم من هذا الموقع، بل يروي عن الناس في المجتمع، عن الأشخاص الذين لهم مواقعهم المختلفة وأصواتهم المتنوعة وعلاقتهم المتصارعة، لذا لا يمكن للقول الأدبي، وخصوصاً الروائي، أن يتأطّر في الموقع الذي منه يرى، وإلا غدا كتلة وعظية، هكذا، يخون صدقُ التجربة، كما يُقال، موقفاً يريده الكاتب تعبيراً عن موقعه.
مع صدق التجربة والقول يقول الأدبي الفني، أحياناً ما ليس يريد الكاتب قوله.
يخون التعامل الفني مع العالم موقعاً كان يقصده الكاتب... يغيّر اتساعُ زاوية النظر موقعاً كان الأديب يريد النهوض منه، وقد يجد الكاتب نفسه يقول، حين يرى من موقع شخصيةٍ ما من عالم شخصياته، نقيض ما كان يودّ قوله.
ينفتح الموقع في النص الأدبي، خصوصاً القصصي، على مواقع الشخصيات المختلفة، فيكون عليه، إذ ذاك، أن يتقن ممارسة اللعب الفني وإبداع أدواته.
ولا بدّ لنا، في هذه المناسبة، من أن نشير إلى أن البعض يسمي الموقع في النص الأدبي زاوية رؤية، ونحن، بالرغم من تقديرنا لأهيمة هذا المصطلح، نفضل استعمال مصطلح الموقع. التفضيل هذا ليس شكلياً، ولا هو مجرد استحسان أو استنساب، بل هو مرتبط بنظرة فكرية إلى النصّ الأدبي، أو بمنطلق نظري للمستوى الأدبي في المجتمع. أو مرتبط بهذا الذي حاولنا إيضاحه بإيجاز، لمفهوم الموقع.
إن مصطلح الموقع هو أكثر إحالة على هذه الهوية الإيديولوجية التي له. وهو، بذلك، يخولنا أن نرى إلى منطق ترابط الأفعال في النص القصصي، لا كترابط آلي، بل كترابط محكوم بهذه الهوية الإيديولوجية. هكذا يعيد إلينا الكلامُ على موقعٍ في النص، إمكانيةَ استعادة النص من عزلته الأدبية لنرى إليه، كما هو في واقعه المادي، كتابةً يمارسها مؤلفٌ له وجوده في المجتمع.
ونحن إذا كنا نرى إلى النص الأدبي على أنه تعبير، فإن كلامنا على الموقع يطرح علينا سؤال البحث عن هذا الموقع الذي منه ينهض نص أدبي معيّن فيكون به، كما ذكرنا، انتظام لغته، ويكون به تكوّنُ فضائه أو عالمه.
وهو ما سنحاوله في فصول لاحقة من هذا الكتاب، وذلك بالشغل، مباشرة، على بعض النصوص القصصية والروائية.
ولو أردنا، في ختام هذا الفصل، أن نمهّد قليلاً لسؤالنا عن الموقع في النص الأدبي، لقلنا موجزين ما سبق، على إيجازه: إن الموقع هو دينامية تكوّن النص الباحث عن شكله الفني الخاص.
وكما سبق وذكرنا: إن القول بموقع لا يعني، ولا يمكنه أن يعني، تأطّر النص بهذا الموقع، لأن الأدبي، إذ ذاك، يتراجع، يضمحل ويموت.
هل يمكن الاستنتاج بأن الفني هو، بالضرورة، حواري، أو بتعبير يستند إلى مفهوم الحرية الاجتماعية، ديمقراطي؟..
ربما!..
لكن لنتابع البحث..
صفحة 10
الكتابة والتحولات الاجتماعية
صيغة الموضوع
ما الذي نريد أن نوضحه في كلام يتخذ موضوعاً له: «الكتابة والتحولات الاجتماعية»، وهل تشكّل هذه العبارة موضوعاً؟ إذ ذاك كيف يتحدد هذا الموضوع، وما هو سؤاله؟والواقع إن هذه العبارة المطروحة على أنها موضوع، تبدو للناظر فيها عنواناً عريضاً لا يحدد سؤاله، بل يكتفي بوضع الكتابة مع التحوّلات الاجتماعية، يعطف بينهما مشيراً، بهذا العطف إلى مجرد وجود علاقة. في هذه العلاقة تبدو الكتابة طرفاً، كأنه كلي، وتبدو التحولات الاجتماعية طرفاً آخر كأنه أيضاً كلي.
وفي هذا الذي يبدو تبرز مجموعة أسئلة، لا نتوجه بها إلى الصياغة كشأن شكلي. بل من حيث إن الصياغة هي قول دال على نظرة فكرية للموضوع الذي يصوغ، فيقول.
ولا يثنينا عن طرح هذه الأسلة كون موضوع «الكتابة والتحوّلات الاجتماعية» جاء، في هذه الندوة[13]، تحت عنوان أعم وأشمل هو «جدلية الإبداع والواقع»، أي تحت عنوان يصف العلاقة بين الطرفين فيها، بـ «الجدلية»، أو كون موضوع «الكتابة والتحولات الاجتماعية»، وعنوانه الأعم والأشمل: «جدلية الإبداع والواقع»، يضمران نظرة توحي بطابع الجدّة والاختلاف، أي توحي بأن العلاقة ليست، وكما اعتدنا أن نقول، بين «الأدب والواقع»، أي بين ما له طابع المنجز والعام، بل هي بين «الإبداع/الكتابة» و«التحوّلات الاجتماعية» أي بين ما له طابع الفاعلية، الخلق والولادة، وبالتالي الاستمرار والتحوّل.
إذاً، ثمّة جديد في صياغة الموضوع. جديد يستبدل طرفي العلاقة بما يوحي باختلاف الدلالة، فيصف هذه العلاقة بالجدلية.
لكن هذا الذي نلاحظ، هذا الجديد المضمر في صياغة الموضوع، لن يثنينا عن طرح أسئلتنا، بل لعله هو الذي أثارها، أو زاد من ضرورتها وربما أضاف إليها أسئلة أخرى.
ونحن بدءاً نوضح: أن هذه الأسئلة التي تبرز أمامنا لا تتعلق بمبدأ وجود الكتابة في علاقة مع طرف آخر (لا نحدده، فربما تكون الكتابة في علاقة مع موجود طبيعي، أو مُنتج، وربما تكون في علاقة مع كتابة أخرى. وربما تكون، ومن حيث هي علاقة، مع علاقة أخرى... فهذا الطرف الآخر لا يعنينا الآن). نحن لا نجادل في هذا الشأن المبدئي، لا نطرح سؤالنا أو أسئلتنا حول ما إذا كانت الكتابة قائمة في علاقة أم قائمة في خارج العلاقة/العلاقات، أي في عزلة. بل نطرح أسئلتنا حول وضعية لهذه العلاقة. وضعية تجعل من الكتابة طرفاً في علاقة طرفها الآخر هو «التحوّلات الاجتماعية». مثل هذه الوضعية تحدد مفهوماً للعلاقة يكشف عن معنى الجدلية الموصوفة بها. إذ ذاك لا يعود مهماً أن نصف هذه العلاقة بالجدلية أو بغيرها من الصفات، لأن كلمة جدلية تصبح مجرد لفظة مضافة، لفظة برانية لا تغيّر شيئاً من طبيعة هذه الجدلية أو من مفهومها الذي تحدده، كما أشرنا، وضعية العلاقة.
وعليه نسأل:
هل الكتابة طرف في علاقة طرفها الآخر هو «التحوّلات الاجتماعية»؟ ذلك أنه إذا كانت الكتابة طرفاً في علاقة طرفها الآخر التحوّلات الاجتماعية، فإنما يعني هذا أحد أمرين:
ـ إما أن يكون لكل طرف فضاؤه الناقص والموقت.
ـ وإما أن يكون لكل طرف فضاؤه المكتمل والنهائي.
وفي كلا الحالين نجد أنفسنا أمام السؤال المستحيل، أو، أمام السؤال العبثي: كيف؟
ففي الحالة الأولى، في حالة وجود فضاء ناقص وموقت لكل طرف، فإن قيام علاقة بين الطرفين يعني قيام فضاء آخر مشترك فيه تمارس هذه العلاقة حركتها، أو، فيه يمارس هذان الفضاءان العلاقة فيما بينهما. وهذا بدوره يحملنا على أن نسأل:
أين ينهض هذا الفضاء المشترك، وكيف نرى إليه، وكيف يمكن لهذا الاجتماعي[14]، أو لهذه التحوّلات التي لها صفة الاجتماعية أن تمارس حركتها في فضاء يتجاوزها، أو يشملها، لتكون فيه في علاقة مع الكتابة، أو مع الإبداع، أو مع الأدب... إلخ؟
أو لنسأل هل يمكن للكتابة أن تتحرك في فضاء ينهض (ولنصفه بالاستقلال والتميّز) خارج التحوّلات الاجتماعية؟ أي نرى إلى هذا الفضاء للكتابة خارج التحولات الاجتماعية؟
وفي الحالة الثانية. في حال وجود فضاء مكتمل ونهائي لكل طرف، فإن هذا يعني انتفاء العلاقة بين الكتابة والتحولات الاجتماعية، أو، بتعبير أدق، تصبح العلاقة بينهما علاقة قطع، وبالتالي، لا يمكن لهذه العلاقة أن تكون علاقة جدلية، فطابع العلاقة صار القطع وليس الجدل.
لنقبل فرضاً الحالة الثانية، إذ ذاك، نجد أنفسنا نسأل: أين تتحرك الكتابة في فضائها النهائي، وأين ينهض فضاؤها هذا في حال وجوده، وهل يمكنه أن ينهض خارج التحولات الاجتماعية؟ وكيف؟
يمكن لمجموعة الأسئلة هذه أن تصل بنا إلى استنتاجين أوليين:
ـ الاستنتاج الأول يحملنا على الاعتقاد باستحالة النظر إلى الكتابة، بل حتى إلى أي نشاط آخر، خارج التحوّلات الاجتماعية.
ـ الاستنتاج الثاني يقوم على الاستنتاج الأول فيحملنا بدوره على القول إنه لا يمكن للكتابة أن تكون طرفاً، كلياً أو غير كلي، في علاقة طرفها الآخر التحوّلات الاجتماعية، لا يمكننا أن نضع الكتابة/الإبداع، ومن حيث هو نشاط منتج، طرفاً في علاقة طرفها الآخر هو الواقع، سواء أوصفنا هذه العلاقة بصفة الجدلية أم بغير ذلك من الصفات، وسواء أقلنا بنقصان في الطرف أم قلنا باكتماله، بكونه موقتاً أم نهائياً، مستقلاً نسبياً أم معزولاً تماماً.
وبشكل أكثر دقة ووضوحاً نقول: لا يمكننا أن نضع التحولات الاجتماعية طرفاً في علاقة مع طرف آخر يقابله، سواء أكان هذا الطرف هو الكتابة أم كان الإبداع، أم كان الأدب، أي سواء أكانت لهذا الطرف صفة المنجز أم كانت له صفة الفاعلية. ليست التحولات الاجتماعية طرفاً في علاقة.
ونحن إذ نقول هذا نلاحظ أن وضع الكتابة في طرف يقابله طرف آخر هو التحولات الاجتماعية، هو وضع له منزلقاته الكاشفة عن نزعتين فكريتين رئيسيتين: الأولى هي نزعة غيبية. والثانية هي نزعة مادية ميكانيكية لا ينقذها من ميكانيكيتها وصف العلاقة، أحياناً بالجدلية.