صفحة 1
ما يركز عليه الكتاب
يمكننا تلخيص توجهنا في هذا الكتاب كما يلي: لقد انبثقت عبر القرون الخمس أو الست الماضية ثقافة مميزة، أو طريقة في الحياة، يهيمن عليها إيمان بالتجارة والبضائع الاستهلاكية كونها مصدراً للرزق والعيش الكريم. وقد ازدهرت هذه الثقافة في أوروبا الغربية ووصلت مرحلة نضجها في الولايات المتحدة ثم انتشرت إلى معظم ما تبقى من أصقاع الأرض، موجدة في طريقها ما يطلق عليه علماء علم الإنسان وعلم الاجتماع والمؤرخون النظام العالمي. ويختلف الناس حول العوامل الجوهرية التي أثرت في تطور مثل هذا النظام وحول ما إذا كان ينبغي اعتباره نظاماً فريداً في التاريخ، رغم أن معظمهم يتفقون على بعض الأفكار الأساسية. ومن بين أهم هذه الأفكار تلك الفرضيات القائلة بأن القوة الدافعة وراء انتشار النظام العالمي المعاصر كانت الرأسمالية الصناعية ورأسمالية الشركات، وأن هذا الانتشار يرتبط بطريقة ما بالنتيجة التي وصل إليها العالم؛ وهي الانقسام إلى أمم غنية وأمم فقيرة أو إلى مناطق ثرية ومتطورة وصناعية ومناطق هامشية متخلفة وغير صناعية تعتمد في رزقها على الغير.وقد رافق انتشار النظام الرأسمالي العالمي إيجاد أنماط مميزة من العلاقات الاجتماعية، وطرق للنظر إلى العالم ووسائل لإنتاج الغذاء وأنظمة غذائية للحمية ونماذج صحية ومرضية وعلاقات مع البيئة وغيرها. ولكن انتشار هذه الثقافة لم يمضِ بدون تحدٍّ. فقد ظهرت هناك مقاومة على شكل تحركات، مباشرة وغير مباشرة، بدءاً بالتحركات السياسية والدينية ومروراً بالاحتجاجات الاجتماعية إلى التمرد والثورة. من بين الأسئلة التي يعرضها هذا الكتاب أسئلة تتعلق بكيف ولماذا تطورت هذه الحضارة الرأسمالية، وما هي الأسباب التي أدّت ببعض الجماعات إلى مقاومتها والاستمرار في مقاومة امتدادها وتطورها ؟
إن الأجوبة على تلك الأسئلة مبنية على فرضيات معينة. أولاً إن المبدأ الأساسي في علم الإنسان هو أن العوامل الشخصية والاجتماعية والثقافية والتاريخية هي التي تحدد وجهة نظر أي إنسان تجاه ظاهرة معينة. وهذا الأمر يصح أيضاً بالنسبة لهؤلاء الذين يشاركون في حضارة الرأسمالية، والذين وضعوا رؤية لهذه الأحداث العالمية التي نشارك فيها. بالنتيجة، تنزع هذه الآراء والأفكار من جانب إلى آخر لأن تكون مرتكزة حول النظرة العرقية، أي أن الناس يصفون الأحداث ويقيمونها ويحكمون عليها فقط من خلال منظور ثقافي محدد. ولعل من بين أهم الأهداف التي يسعى علم الإنسان لتحقيقها هي تعليم طرق تجنب التمحور حول المبدأ العرقي وتقدير أهمية تفهم معتقدات وسلوكيات الآخرين من منظورهم هم وليس فقط من منظورنا، وهذا المفهوم يطلق عليه علماء علم الإنسان النسبية الحضارية. إلى حدٍّ ما تبقى مسالة التمحور حول العرقية مسألة لا يمكن تجنبها، وعلى الشخص الذي يقوم بتفسير الأحداث الدولية، أكان صحفياً، أم اقتصادياً أم عالِم اجتماع أم باحث في علم الإنسان، أن يجعل هذه الأحداث قابلة للاستيعاب من قِبَل الأشخاص الذين يستهدفهم هذا الشخص في كتاباته. وفرضيتنا هنا هي أنه من أجل تخفيف التعصب الحضاري، علينا أن ندرك أن نظرتنا للأحداث تتأثر جزئياً بثقافتنا، وأنه لهذا السبب علينا أن نضع ثقافتنا موضع التحليل.
ثانياً: نحن نفترض أن فهم الأحداث الدولية يتطلب منا إدراك أنه لا يوجد ثقافات أو مجتمعات معاصرة مستقلة عما يطلق عليه علماء الإنسان «النظام العالمي» . وأن كل من هذه المجتمعات والثقافات تقع في مركز هذا النظام أو على أطرافه. ولعل استخدام مثل هذا المصطلح، الذي يشير إلى أجزاء مختلفة من العالم، يتيح لنا المجال لتجنب الفروقات المفعمة بالقيم والمتضمنة في استخدام مصطلحات أخرى مثل نامية أو غير نامية، حديثة أو تقليدية، عالم أول ثاني وثالث... وغيرها.
وغالباً ما يقوم منظور الأنظمة العالمية بإدخال تصنيف ثالث نصف هامشي للإشارة إلى تلك الدول أو الأمم أو المناطق التي تتحرك نحو المركز أو التي تتحرك إلى خارج المركز. إلا أن هذه الفروقات تساعد الناس على إدراك أن بإمكان الدول التحرك من تصنيف إلى آخر. على سبيل المثال: هيمن منظرو النظام العالمي التابعون للدول الثلاث هولندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة طوال الأربعة قرون الماضية، وهي دول بدأت شبه هامشية بالنسبة للنظام العالمي.
ثالثاً: نحن نفترض أن الأحداث والتحركات العالمية لا يمكن فهمها بشكل كاف دون أخذ الأحداث التي سبقتها بعين الاعتبار، إذ أن علينا تطوير منظور تاريخي، فنحن على سبيل المثال نعيش في حقبة من التاريخ الإنساني تحددها سلسلة من الأحداث التي بدأت منذ أربعمئة إلى خمسمئة عام، أطلق عليها في ذلك الحين اسماً فضفاضاً هو الثورة الصناعية. ولأن كل واحد منا عاش مرحلة معينة من ذلك التاريخ، فإننا نميل إلى التسليم جدلاً بأن العالم كان كما هو عليه اليوم. إلا أن النظام العالمي الصناعي الحديث، يعتبر ضمن المصطلحات التاريخية، حدثاً جديداً. كما أننا وبسبب تركيبتنا الحياتية ومحدودية أعمارنا نجد أنفسنا مخدوعين بفكرة اعتبار الستين أو السبعين أو الثمانين عاماً فترة زمنية طويلة، رغم أنها تعتبر في منظور التاريخ الإنساني لحظة عابرة. فقد عاش البشر لمعظم فترة وجودهم على وجه الأرض ضمن مجموعات من الصيادين وجامعي الغذاء، وعاشوا لمدة أقصر كمزارعين وحديثاً فقط أخذوا يعيشون كصناعيين وعُمّال يعملون برواتب. ولكن هذه الثورة الصناعية غيرت العالم والمجتمعات البشرية بطريقة لم تغيرها أي أحداث من قبل، ولا يمكننا فهم الأحداث والقضايا والمشاكل التي تعصف بنا اليوم دون أن نفهم كيف ولماذا حدثت الثورة الصناعية.
سوف يكون واضحاً أن انبثاق الرأسمالية يمثل حضارة من أنجح الحضارات التي تم تطويرها من حيث توفير الراحة والرفاه لأعداد كبيرة من البشر، إلا أنها لم تكن ناجحة إلى هذا الحد في دمج الجميع ضمن معيار واحد. ولعل فشلها هذا يعتبر أحد أهم معضلاتها. لقد حلت الرأسمالية مشاكل إيجاد الغذاء لأعداد هائلة من البشر، وليس لجميعهم بالتأكيد، كما أنها عملت على تطوير أدوات تقنية مدهشة ومعقدة وأوجدت مستوى غير مسبوق للاتصالات العالمية، ووحدت الناس ضمن مساعٍ ومسارات مشتركة لم تسبقها في ذلك أية حضارة، ومع ذلك فسيبقى علينا أن نرى عندما يوضع حساب الموازين إذا كانت هذه الرأسمالية تمثل خلاصة التطور كما يزعمون.
صفحة 2
الجزء I
المستهلك ، العامل ، الرأسمالي والدولة القومية في مجتمعات النمو المضطرد
مقدمة
«ما هو الفرق في التأثير على فهمنا للعالم لو نظرنا إليه كنظام كلي جامع بدلاً من كونه مجموعة من الثقافات والمجتمعات المستقلة. وماذا لو فهمنا بشكل أفضل كيف تطورت هذه الكلية مع الزمن، ولو ذكَّرنا أنفسنا بجدية واجبنا بأن ننظر إلى التجمعات الإنسانية على أساس أنها تجمعات مرتبطة ببعضها البعض في علاقات متشابكة لا سبيل لقصمها أو الخلاص منها، سواء كانت تلك التجمعات قريبة أم بعيدة» .- إيريك وولف، أوروبا والشعوب التي ليس لها تاريخ
في ديسمبر/كانون الأول 1910، أو قريب منه، كتبت الروائية فرجينيا وولف أن الشخصية الإنسانية قد تغيرت(1). كما ذكر الفرنسي إندريه غيغفريد خلال زياراته المتكررة إلى الولايات المتحدة، مشيراً إلى الشيء نفسه «لقد ظهر مجتمع جديد في أميركا، وليس واضحاً إن كان الأمر قد حدث في 1901 أو 1904، إلا أنه أصبح ملاحظاً 1914 وواضحاً جداً في عامي 1919 و 1925. كذلك اقترح صامويل شتراوس، وهو صحفي وفيلسوف كان يكتب في أعوام العشرينات من القرن العشرين، استخدام مصطلح «الاستهلاكية» لوصف هذه الطريقة الجديدة في الحياة التي ذكر أنها أوجدت إنساناً يحمل «فلسفة في الحياة تلزم البشر بإنتاج أشياء أكثر وأكثر – أي هذه السنة أكثر من السنة التي سبقتها وأكثر في السنة التي تليها وهكذا. كما أنها فلسفة تشدد على قيمة مستوى الحياة أكثر من القيم الأخرى» .
وتابع شتراوس يقول: من الناحية الأخلاقية، يبدو واضحاً أن الأميركيون أصبحوا ينظرون إلى مستوى معيشتهم على أنه شيء مكتسب ومقدس، سيقومون بالدفاع عنه مهما كلف الثمن. وهذا يعني أنهم جاهزون لتقديم تنازلات عقلانية أو حتى أخلاقية كثيرة من أجل الحفاظ على هذا المستوى.
لا يوجد شك في أن أميركا قد شهدت خلال نصف القرن الممتد من 1880 وحتى 1930، نقلة رئيسة في درجة ومستوى استهلاك البضائع، ويعني هذا شراء واستخدام وطرح ما أطلق عليه الكوميدي جورج كارلين اسم «البضاعة» . فقد نمى الإنتاج الغذائي بنسبة تقارب 40% بين عامي 1809 و 1905، وكذلك تضاعف إنتاج الألبسة الجاهزة للنساء وللرجال، بالإضافة إلى إنتاج المجوهرات ما بين عامي 1890 و 1900 وارتفع إنتاج المصابيح الكهربائية والأواني الزجاجية من 84٫000 طن في 1890 إلى 250٫563 في 1914. وفي 1890 تم بيع 32٫000 بيانو موسيقي في الولايات المتحدة وارتفع هذا الرقم إلى 374٫000 مع حلول 1904 (ليش 16:1993).
وخلال هذه الفترة، احتلت صناعة العطور المرتبة 10 من بين الصناعات الكبرى في البلاد، فقد ارتفعت مبيعات المخازن الكبرى لبيع العطور من 84٫000 ألف دولار إلى 522٫000 ألف دولار ما بين عامي 1914 و 1926. كما ارتفعت صناعة الساعات من 34 مليون إلى 82 مليون خلال عشر سنوات، ومع حلول أواخر عقد العشرينات من القرن العشرين كان واحد من كل ستة أميركيين يملك سيارة.
بالطبع، إن هذه الأرقام تعتبر مقزَّمة أمام ما يستهلكه الأميركيون وغيرهم اليوم، فقد توسع الاستهلاك الوطني والعالمي بتسارع غير مسبوق خلال القرن العشرين ووصلت النفقات الخاصة والعامة إلى 24 تريلليون دولار في 1998 وهو رقم يعادل ضعف المستوى الذي كان عليه في 1974 وستة أضعاف الاستهلاك في 1950. في 1900، لم تكن النفقات الاستهلاكية تتعدى 1.5 تريلليون دولار (المصدر: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 1998). أما اليوم فتوجد في الولايات المتحدة أعداد من السيارات بالقدر الذي يوجد فيها أشخاص يحملون رخص قيادة سيارات، فيما يكد باقي العالم من أجل اللحاق بها بكل الطرق.
ولكن، على الرغم من أن معدلات الاستهلاك لم تكن في المستوى الذي وصلت إليه اليوم، إلا أن مطلع القرن العشرين يتميز بكونه شكَّل المرحلة الأولى فيما أطلق عليه آرنست جيلز اسم «مجتمع النمو المضطرد»، كما أوجد نوعاً جديداً من الثقافة التي نسميها اليوم ثقافة الاستهلاك الرأسمالي.
صفحة 3
قد شكل ظهور مجتمع النمو المضطرد والثقافة الرأسمالية، مرحلة جديدة ضمن العملية التاريخية الجارية التي كانت قد انطلقت منذ القرن الخامس عشر وحتى أوائل القرن التاسع عشر. ولعل خلق هذا النوع من البشر الذي يسمى المستهلك هو ما ميز هذه المرحلة التي جاءت بعد ظهور فئتين فريدتين من البشر عبر التاريخ هما: الرأسماليون والعُمّال. بالطبع، كان التجار موجودين منذ آلاف السنين كما أن الناس كانوا يعملون لإنتاج البضائع واستهلاك ما ينتجوه منها، ولكن لم يحدث أبداً عبر التاريخ أن وجد مجتمع مؤسس على هذه الفئات من الناس: الرأسمالي الذي يعمل لهدف وحيد هو استثمار المال وجمع الأرباح، والعامل الذي لا يملك وسيلة للعيش إلا جهده وتعبه، والمستهلك الذي جعل هدفه الوحيد شراء الخدمات والبضائع واستهلاكها بكميات متزايدة.
في واقع الأمر، يلعب جميع الأميركيين في بعض مراحل حياتهم أدوار المستهلكين، أو العمال أو الرأسماليين. وهم كمستهلكين يقومون بشراء الأشياء، وكعمال يعملون من أجل تحصيل الرواتب، وكرأسماليين يستثمرون أموالهم في البنوك، وفي سندات التأمين وخطط التقاعد والأسهم التي يشارك فيها عدد يصل إلى أكثر بقليل من نصف العائلات الأميركية، أكان مباشرة أو من خلال حسابات الاستثمار، وكذلك في التعليم وغيرها من المشاريع التي يتوخّون منها تحقيق الربح. ولعل ما يربط بين جميع هذه الأدوار، وبالتأكيد ما يربط هذه الحضارة بأكملها، هو المال أو النقود.
لكل حضارة أسلوبها المميز وعناصرها وطقوسها وأدواتها التي تحدد لأعضائها ما هو مهم في هذه الحياة. فقبائل الدوجون في غرب إفريقيا تشرح وجودها من خلال فنونها، وكذلك يصف سكان جزيرة بالي في إندونيسيا وجودهم عبر المسرح والموسيقى. وينشغل أهالي جزر تروبرياند في تجميع البطاطا الحلوة وتبادل العقود والأساور المصنوعة من الصدف كجزء من طقوسهم. أما قبائل الإزتك في المكسيك فقد اشتهرت بالقرابين البشرية التي كانت تقدمها. وكان الجاموس يشكل العنصر الأساسي في حضارة سكان السهول الأصليين في أميركا. وهكذا فإن العنصر الأساسي في الحضارة الرأسمالية هو المال، حيث يرغب المستهلكون في إنفاق ما استطاعوا منه، ويجهد العمال للحصول على ما يستطيعون منه، ويعمل الرأسماليون على استثمار الأموال من أجل الحصول على مردود أعلى. وفي هذا الصدد يصف جاك وذرفورد (1997: ص11) العلاقات، ليس فقط بين البائعين والشارين في الأسواق أو بين الموظفين والعمال في أماكن العمال، بل يتعدى ذلك إلى وصف العلاقات بين الأهل وأطفالهم وبين الأصدقاء بعضهم البعض، وبين السياسيين والناخبين والجيران وبين الكنيسة وأتباعها. تشكل النقود المؤسسات المركزية للاقتصاد الحديث وللأسواق الحديثة، وتتجمع حولها المؤسسات اللاحقة الأخرى كالقرابة والدين والسياسة، كما أنها تعتبر لغة التجارة في العصر الحديث.
ويكتب الاقتصادي روبرت غوتمان (1994:ص17) أنه من بعد الحب والخوف، لا توجد أية قوة دافعة أخرى في حياتنا أكثر من النقود. فهي الطريقة الوحيدة التي يمكنك بواسطتها قانونياً الحصول على البضائع والخدمات والأشياء الثمينة، كما أنها، وإلى الحد الذي نقوم بإنفاقها، تحتم علينا التنافس مع بعضنا البعض من أجل الحصول عليها مرة أخرى.
يمكن تفهم طريقة عمل الحضارة الرأسمالية على أنها مجموعات من العلاقات التي تربط بين الرأسماليين والعمال والمستهلكين، عبر السعي وراء النقود، كل يعتمد في ذلك على الآخر، وكل يضع مطالبه أمام الآخر، في نفس الوقت وربما يدخل في نزاع معه. ضمن هذه البيئة الحضارية، تلعب الدولة القومية، من بين مهماتها الأخرى، دور الوسيط الذي يضبط إيجاد الأموال وتدفقها ويضع ويطبق القوانين التي تتحكم في تفاعلاتها. (ويعتبر الشكل 1.1 نموذجاً مبسطاً لذلك، ولكنه يحدد الملامح الأساسية والأسلوب الفريد للحضارة الرأسمالية).
إلا أن النقود تشكل بوضوح المفتاح لفهم هذه الحضارة، ويذكر جاكوب نيدلمان (1991: ص ص40-41) في زمان ومكان آخر ما يلي:
لا يرغب كل إنسان في المال قبل كل شيء، فبعض الناس يرغبون بالخلاص أو يسعون وراء الخلاص والجمال والنفوذ والقوة والمتعة والازدهار والتفسيرات والطعام والمغامرات والغزو والراحة. ولكن ما بين هنا وهناك، تبقى النقود بحد ذاتها وليس ما يمكن أن تشتريه، مطلباً لكل إنسان. فالنفقات المادية لطاقة الإنسان لا تمر إلا عبر النقود... لذلك إذا أراد المرء أن يفهم الحياة، فإن عليه أن يفهم المال في المرحلة الحالية من التاريخ والحضارة.
والمرء بحاجة إلى النقود باعتبارها وسيلة للتبادل. ولكي يؤدي أي نظام وظيفته، فإنه يحتاج إلى تزويد متواصل بالمال وذلك من أجل استمرار نموه. لماذا الأمر على هذا الشكل؟ لا يبدو الجواب ظاهراً لدى العديد من الاقتصاديين ولكن هؤلاء يعلمون تمام العلم أنه إذا توقف سيل النقود فإن النظام بأكمله ينهار ويدخل في فوضى اقتصادية وسياسية واجتماعية عارمة. وفي حقيقة الأمر، إن جميع المواضيع التي يبحثها هذا الكتاب، ترتبط بطريقة أو بأخرى بالنقود وبسعي الناس للحصول عليها.
ويكرس الجزء الأول من الكتاب لتحديد التفاعل بين المستهلك والعامل والرأسمالي والدولة القومية، وكيف يتوجب على كل من هؤلاء أن يعمل من أجل ضمان عمل المجتمع. أما في الجزء الثاني فنقوم بتفحص ما يطلق عليه الاقتصاديون المظاهر الخارجية للسوق: أي بعض النتائج غير المتعمدة التي تتسبب في حدوث التفاعل بين المستهلك والعامل والرأسمالي والدولة القومية. وأخيراً نقوم في الجزء الثالث من الكتاب باستكشاف مدى المعارضة التي تقف ضد هذه المظاهر الخارجية.
ولكن أولاً، وأمام الدور المركزي الذي تلعبه النقود في عمل المجتمع بكامله، دعونا نبدأ بعرض مقدمة موجزة حول طبيعة النقود، ونستكشف كيف تبوأت النقود مكانتها من الأهمية، بحيث وصلت إلى تحديد كيفية الحياة التي نعيشها.
في واقع الأمر، يلعب جميع الأميركيين في بعض مراحل حياتهم أدوار المستهلكين، أو العمال أو الرأسماليين. وهم كمستهلكين يقومون بشراء الأشياء، وكعمال يعملون من أجل تحصيل الرواتب، وكرأسماليين يستثمرون أموالهم في البنوك، وفي سندات التأمين وخطط التقاعد والأسهم التي يشارك فيها عدد يصل إلى أكثر بقليل من نصف العائلات الأميركية، أكان مباشرة أو من خلال حسابات الاستثمار، وكذلك في التعليم وغيرها من المشاريع التي يتوخّون منها تحقيق الربح. ولعل ما يربط بين جميع هذه الأدوار، وبالتأكيد ما يربط هذه الحضارة بأكملها، هو المال أو النقود.
لكل حضارة أسلوبها المميز وعناصرها وطقوسها وأدواتها التي تحدد لأعضائها ما هو مهم في هذه الحياة. فقبائل الدوجون في غرب إفريقيا تشرح وجودها من خلال فنونها، وكذلك يصف سكان جزيرة بالي في إندونيسيا وجودهم عبر المسرح والموسيقى. وينشغل أهالي جزر تروبرياند في تجميع البطاطا الحلوة وتبادل العقود والأساور المصنوعة من الصدف كجزء من طقوسهم. أما قبائل الإزتك في المكسيك فقد اشتهرت بالقرابين البشرية التي كانت تقدمها. وكان الجاموس يشكل العنصر الأساسي في حضارة سكان السهول الأصليين في أميركا. وهكذا فإن العنصر الأساسي في الحضارة الرأسمالية هو المال، حيث يرغب المستهلكون في إنفاق ما استطاعوا منه، ويجهد العمال للحصول على ما يستطيعون منه، ويعمل الرأسماليون على استثمار الأموال من أجل الحصول على مردود أعلى. وفي هذا الصدد يصف جاك وذرفورد (1997: ص11) العلاقات، ليس فقط بين البائعين والشارين في الأسواق أو بين الموظفين والعمال في أماكن العمال، بل يتعدى ذلك إلى وصف العلاقات بين الأهل وأطفالهم وبين الأصدقاء بعضهم البعض، وبين السياسيين والناخبين والجيران وبين الكنيسة وأتباعها. تشكل النقود المؤسسات المركزية للاقتصاد الحديث وللأسواق الحديثة، وتتجمع حولها المؤسسات اللاحقة الأخرى كالقرابة والدين والسياسة، كما أنها تعتبر لغة التجارة في العصر الحديث.
ويكتب الاقتصادي روبرت غوتمان (1994:ص17) أنه من بعد الحب والخوف، لا توجد أية قوة دافعة أخرى في حياتنا أكثر من النقود. فهي الطريقة الوحيدة التي يمكنك بواسطتها قانونياً الحصول على البضائع والخدمات والأشياء الثمينة، كما أنها، وإلى الحد الذي نقوم بإنفاقها، تحتم علينا التنافس مع بعضنا البعض من أجل الحصول عليها مرة أخرى.
يمكن تفهم طريقة عمل الحضارة الرأسمالية على أنها مجموعات من العلاقات التي تربط بين الرأسماليين والعمال والمستهلكين، عبر السعي وراء النقود، كل يعتمد في ذلك على الآخر، وكل يضع مطالبه أمام الآخر، في نفس الوقت وربما يدخل في نزاع معه. ضمن هذه البيئة الحضارية، تلعب الدولة القومية، من بين مهماتها الأخرى، دور الوسيط الذي يضبط إيجاد الأموال وتدفقها ويضع ويطبق القوانين التي تتحكم في تفاعلاتها. (ويعتبر الشكل 1.1 نموذجاً مبسطاً لذلك، ولكنه يحدد الملامح الأساسية والأسلوب الفريد للحضارة الرأسمالية).
إلا أن النقود تشكل بوضوح المفتاح لفهم هذه الحضارة، ويذكر جاكوب نيدلمان (1991: ص ص40-41) في زمان ومكان آخر ما يلي:
لا يرغب كل إنسان في المال قبل كل شيء، فبعض الناس يرغبون بالخلاص أو يسعون وراء الخلاص والجمال والنفوذ والقوة والمتعة والازدهار والتفسيرات والطعام والمغامرات والغزو والراحة. ولكن ما بين هنا وهناك، تبقى النقود بحد ذاتها وليس ما يمكن أن تشتريه، مطلباً لكل إنسان. فالنفقات المادية لطاقة الإنسان لا تمر إلا عبر النقود... لذلك إذا أراد المرء أن يفهم الحياة، فإن عليه أن يفهم المال في المرحلة الحالية من التاريخ والحضارة.
والمرء بحاجة إلى النقود باعتبارها وسيلة للتبادل. ولكي يؤدي أي نظام وظيفته، فإنه يحتاج إلى تزويد متواصل بالمال وذلك من أجل استمرار نموه. لماذا الأمر على هذا الشكل؟ لا يبدو الجواب ظاهراً لدى العديد من الاقتصاديين ولكن هؤلاء يعلمون تمام العلم أنه إذا توقف سيل النقود فإن النظام بأكمله ينهار ويدخل في فوضى اقتصادية وسياسية واجتماعية عارمة. وفي حقيقة الأمر، إن جميع المواضيع التي يبحثها هذا الكتاب، ترتبط بطريقة أو بأخرى بالنقود وبسعي الناس للحصول عليها.
ويكرس الجزء الأول من الكتاب لتحديد التفاعل بين المستهلك والعامل والرأسمالي والدولة القومية، وكيف يتوجب على كل من هؤلاء أن يعمل من أجل ضمان عمل المجتمع. أما في الجزء الثاني فنقوم بتفحص ما يطلق عليه الاقتصاديون المظاهر الخارجية للسوق: أي بعض النتائج غير المتعمدة التي تتسبب في حدوث التفاعل بين المستهلك والعامل والرأسمالي والدولة القومية. وأخيراً نقوم في الجزء الثالث من الكتاب باستكشاف مدى المعارضة التي تقف ضد هذه المظاهر الخارجية.
ولكن أولاً، وأمام الدور المركزي الذي تلعبه النقود في عمل المجتمع بكامله، دعونا نبدأ بعرض مقدمة موجزة حول طبيعة النقود، ونستكشف كيف تبوأت النقود مكانتها من الأهمية، بحيث وصلت إلى تحديد كيفية الحياة التي نعيشها.
صفحة 4
مقدمة عن النقود
من الشائع أن ننظر إلى النقود على أنها وسائل معيارية للتبادل، بمعنى أنها مادة أو أداة يتم من خلالها المقارنة والمتاجرة بالبضائع والخدمات. ولكن أن ننظر إلى النقود فقط من خلال هذا المعيار، يعني أن نقلص من أهميتها الحقيقية. ولعل من الأفضل أن نعتبر النقود حجر الفلاسفة الحديث، وهو الحجر الذي كان السحرة والكيميائيون في الزمن القديم يسعون إليه لأنه يمتلك القدرة على تحويل المعادن الأساسية إلى ذهب، أو تحويل أي شيء يعتبر عديم القيمة إلى شيء ثمين.ولكي نستطيع تقدير سحر النقود، علينا أن نعير أكثر اهتمامنا إلى أن التوجه الأساسي في حضارة الرأسمالية هو أن ضرورة حفاظها على نموها الاقتصادي، أي أن على الناس أن تبيع وتنتج وتستثمر وتربح في السنة الحالية أكثر من السنة السابقة، وفي السنة القادمة أكثر من السنة الحالية.. فالفشل في الحفاظ على النمو يمكن أن يهدد أسس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للمجتمع بأكمله، إذ لا يعود بمقدور الناس تسديد ديونهم، وتنهار البنوك ويفقد الملايين وظائفهم، وتتعرض ملايين الأعمال للإفلاس إضافة إلى العديد من العواقب الأخرى. وبعيداً عن بعض الفترات القليلة الملحوظة من الانكماش الاقتصادي، مثل الفتور الاقتصادي الكبير الذي شهدته أعوام الثلاثينات من القرن العشرين عبر أنحاء العالم، والركود الذي وقع في أوائل الثمانينات من القرن نفسه، والانهيار المالي الذي شهدته بعض دول آسيا في 1996، استطاع العالم، بشكل عام، أن يقدم أداءً معقولاً في الحفاظ على النمو الاقتصادي رغم التفاوت في النجاح بين منطقة وأخرى.
كان الكيميائيون يعتقدون أن حجر الفلاسفة، الذي شهرته حديثاً قصص هاري بوتر، يمكنه أن يحول معدناً لا قيمة له إلى ذهب، ويجعل من شيء لا قيمة له شيئاً ثميناً. ومن خلال تبني العملة الورقية كوسيلة للتبادل، استطاعت حضارة الرأسمالية أن تخترع حجر فلاسفة جديد، يمتلك كل عناصر القوة التي سعى إليها السحرة في الزمن القديم.
التقليد المتبع في قياس النمو الاقتصادي هو قياس الناتج المحلي الإجمالي، وهذا الأخير هو قياس للقيمة المالية لجميع البضائع والخدمات التي يتم إنتاجها وبيعها في فترة زمنية محددة. ويظهر الجدول 1.1 والشكل البياني 1.2 النمو السنوي للناتج المحلي العالمي خلال الألفيتين الزمنيتين السابقتين.
مأخوذة عن كتاب آنجوس ماديسون (Angus Maddison): الاقتصاد العالمي: منظور ألفي المركز التنموي لتنظيم التعاون الاقتصادي والتنمية باريس 2003:ص38.
وعبر مدة زمنية طويلة، وتحديداً خلال القرنين الماضيين، أظهر الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصاد العالمي، وخاصة بين الدول التي انبثقت عن أوروبا مثل (الولايات المتحدة وأستراليا). ودول أخرى مثل اليابان، تميزاً كبيراً بلغت فيه زيادة البضائع المستهلكة والمنتجة والثروات المكتسبة ثلاثمئة ضعف، مما جعل المواطن الدولي اليوم أغنى بتسعة أضعاف عن نظيره الذي عاش قبل مئتي سنة، حتى أن هذه الزيادة تضاعفت في معدلها خمسة وعشرين مرة خلال الفترة نفسها لدى بعض الأشخاص.
لم يتسنى لمثل هذه الزيادة أن تحصل لولا وجود زيادة منتظمة في المخزون المالي، إذ لولا هذه الزيادة لما استطاع الناس إيجاد وسائل للشراء بشكل أكثر، ولما استطاع الموظفون أن يدفعوا مبالغ أكبر، واستطاع الرأسماليون كذلك تحقيق أرباح أكبر. ولكن كيف يمكن زيادة المخزون المالي؟ من أين تأتي النقود ومن الذي يوفر لها قدرتها السحرية؟ هناك ثلاثة خطوات واكبت ظهور النقود كحجر فلاسفة حديث.
صفحة 5
الخطوة الأولى: تطور نقود السلع
لعل استخدام الأشياء كوسيلة للتبادل، يعتبر قديماً قدم التجارة فقد عرف عن المجتمعات الصغيرة عبر العالم استخدامها للأصداف والفراء والأشياء الثمينة الأخرى على شكل نقود. كما يمكن تتبع تاريخ استخدام المعادن الثمينة كواسطة للتبادل إلى 5000 سنة من التاريخ في آسيا الوسطى، وكذلك تتبع استخدام العملة المعدنية إلى القرن السابع قبل الميلاد. وهذه الأشياء ليست إلا أمثلة عن «نقود السلع» التي تعرّف بأنها نقود تحمل قيمة بحد ذاتها تتجاوز قيمتها التبادلية. وهكذا يمكن للمعادن الثمينة المستخدمة في سبك العملات المعدنية أن تستخدم في صناعة المجوهرات وغيرها من الأشياء الفنية الجميلة.وبشكل عام، تتساوى قيمة العملات المعدنية مع قيمة المعادن المستخدمة في تصنيعها. وبهذا فإن استخدام العملات المعدنية في التجارة تتضمن تبادل شيء ذي قيمة (مثل قميص) بشيء يحمل قيمة موازية (مثل ما يقابله من الذهب).
إلا أن العملات المعدنية حملت معها سلبية كبيرة. فقد كان من الصعب تخزينها ونقلها. كذلك، لم يكن من غير الشائع أن تجد أشخاصاً يذيبونها ويستخدمونها لأغراض أخرى، وبذلك يخرجونها من التداول. هنا تظهر أول لمسة من السحر حيث بدأ الناس باستبدال العملة المعدنية بالعملة الورقية التي ظهرت على شكل شهادات ورقية يمكن تبادلها مقابل سلع ذات قيمة، عادةً ما كانت ذهباً أو فضة. وأول ما استخدمت هذه الأوراق كان في القرن الثاني عشر في الصين، قبل أن تنتشر في أوروبا في القرنين الرابع والخامس عشر. (وليامز 1997). وهكذا، استطاع تاجر في ميلانو أن يشتري أقمشة من شخص يعيش في بروغز وأن يدفع له عملة ورقية مدعومة بالذهب الذي يستطيع البائع أن يسترجعه عبر طرف ثالث. وعادة ما كانت البنوك أو الحكومات تصدر هذه الأوراق النقدية التبادلية أو العملات الورقية. ولكن في واقع الأمر يستطيع أي شخص أن يفعل ذلك. نظرياً كان الأمر الأساسي هنا هو أن هذه الأوراق تمثل كمية محددة من عملة ذات قيمة، عادة ما تكون ذهباً أو فضة ويمكن استرجاعها عند الطلب من قِبَل حاملها.
شكل إصدار العملة الورقية خطوة هائلة ساعدت على تسريع النمو الاقتصادي لأنه لم يكن يحمل في طياته أي حدود لكمية الأموال التي يمكن إصدارها. كان الورق هو الخطوة الأولى في مسألة سحر النقود. فمن بعد أن كان الورق لا يحمل أية قيمة، أصبح اليوم يوازي الذهب والفضة وغيرهما من المعادن النفيسة. ويورد الاقتصادي هانز بتسوانغر في أحد كتبه الرائعة بعنوان «السحر والمال نقداً للاقتصاد العالمي على ضوء قصة فاوست للفنان غوتة»: كيف استطاع يوهان ولغانغ غوتة الذي عمل كوزير للمالية في بلاط ويمار، أن يستخدم كتابه الكلاسيكي «فاوست» الذي نشر في جزئين في 1808 و1832 كتعليق على الاقتصاد الصناعي، وأكثر تحديداً على طبيعة المال. كان فاوست الأصلي الذي بنيت عليه القصة، ساحراً وكيميائياً، يقوم بعقد صفقة مع مفيستوفيليس «الشيطان» الذي يشاركه في بناء مجتمع جديد قائم على النقود الورقية. ويبين بنسوانغر أن محاولات الكيميائي لتحويل الرصاص إلى ذهب قد توقفت ليس لأنها كانت عقيمة ولكن لأن الكيمياء قد أثبتت نجاعة كبيرة في أشكال أخرى، مما جعل من تلك الجهود الحثيثة المبذولة لإنتاج الذهب في المختبر أمراً لا ضرورة له. إذ لم يكن من بين أهداف الكيميائي الأساسية من أجل زيادة الثروة تحويل الرصاص بشكل فعلي إلى ذهب، بل كان يكفيه أن تتحول مادة لا قيمة لها إلى مادة ذات قيمة، مثلاً أن يتحول الورق إلى نقود (بنزوانغر 1994:ص9).
إلا أن مسألة نقود البضائع واجهت بعض المشاكل. أولاً، لم يكن هناك أي ضمان بأن تكون البضائع المستخدمة متساوية في قيمتها في مناطق مختلفة، إذ أن الذهب الذي يساوي قيمة معينة في مكان ما، قد لا يساوي القيمة نفسها في مكان آخر. ثانياً، أن أي شخص يمكنه نظرياً أن يصدر العملات؛ ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، وفي القرن التاسع عشر، كانت هناك 30٫000 عملة مختلفة قيد التداول، وكانت تصدرها عدة مؤسسات بدءاً من البنوك إلى مخازن الأدوية. كانت المشكلة تكمن في أن قيمة هذه العملات واعتمادها يظلان غير مضمونين، وقد أثبتت هذه العملات في معظم الأحيان بطلان قيمتها مما أدى إلى تقويض ثقة الناس وإيمانهم بالنقود الورقية.
ثالثاً، وعلى الرغم من أن البنوك والمؤسسات، التي كانت تصدر مثل هذه العملات الورقية، كانت ملزمة بامتلاك ما يعادل قيمة إصداراتها الورقية من الذهب أو الفضة إلا أنها نادراً ما كانت تفعل. وفي الحقيقة، عملت البنوك من أجل تحقيق الأرباح على إصدار عملات على شكل قروض لم يكن يقابلها ما يساوي قيمتها من إيداعات الذهب أو الفضة في الوقت نفسه. فقد كانت البنوك تحقق الأرباح عبر الفوائد التي تفرضها على القروض، بينما كان الناس يملكون أموالاً أكثر للإنفاق. ولكن المشكلة وقعت إثر أفول الازدهار الاقتصادي، حيث بدأ الاقتصاد يتباطأ وبدأ المودعون يطالبون بذهبهم. ولما لم تستطع البنوك تلبية مطالب المودعين نتيجة إصدار عملات ورقية زائدة عما كان بين أيديها، فقد انهارت تلك البنوك والمؤسسات وفقد الناس ودائعهم.
لهذا، كان لربط النقود الورقية بسلعة معينة سلبياته أيضاً، فقد كانت هناك الآلاف من العملات المتضاربة، وقد انهارت البنوك عندما هرع الناس لتحويل عملاتهم الورقية إلى ذهب، وعندما ظهرت تذبذبات غير مقبولة في طرح النقود. إضافة إلى ذلك، إذا ارتبطت النقود بشكل صارم مع سلعة معينة فإن مخزون هذه النقود وبالتالي قوتها الاقتصادية لن تنمو إلا إذا تنامى مخزون السلعة نفسها.(1) وأمام وجود توجه أساسي نحو نمو اقتصادي مستمر تتحول النقود المرتبطة بالسلع لتصبح مشكلة حقيقية.
لقد حاولت الحكومة الأميركية معالجة بعض هذه المشاكل عبر إنشاء البنك الاحتياطي الفيدرالي في 1913. وكان الهدف من وراء إنشاء هذا البنك ضبط مسألة عرض النقود والعمل على استقرارها وتوازنها. وكانت النقود الورقية ما تزال مرتبطة بالذهب وكان باستطاعة أي شخص استرجاع ذهبه بتلك الأوراق، ولكن كان باستطاعة البنك الاحتياطي الفيدرالي أن يضمن وجود ما يكفي من الذهب لدى البنوك، أو يضمن حصولها عليه بسرعة من أجل تغطية السحوبات. وكان القانون يقضي بأن يكون لدى تلك البنوك كمية من الذهب مساوية لعشرة في المئة من ديونها الحقيقية، مما يتيح لها الوفاء بما يُطلب منها من الذهب وإيجاد نقود جديدة من خلال الإقراض، إذا أصبح بمقدور تلك البنوك وغيرها من المؤسسات المالية أن تؤمن تسعة دولارات جديدة مقابل كل دولار يودع لديها. ولكن بنك الاحتياط الفيدرالي ظل عاجزاً عن معالجة القيود المفروضة على النمو الاقتصادي من خلال ربط النقود بسلعة ثابتة. وقد تطلب حل تلك المشكلة ضرباً آخر من ضروب السحر إضافة إلى إصدار قانون حكومي آخر.
صفحة 6
الخطوة الثانية: الانتقال من السلعة إلى تسليف النقود
بدأت المرحلة التالية من تطور النقود في 1931 عندما توقفت الولايات المتحدة عن السماح لمواطنيها بتحويل النقود الورقية إلى ذهب، ومع ذلك فقد ظلت قيمة النقود مرتبطة بقيمة الذهب وكانت التبادلات ما تزال تُجرى بين الحكومات من خلال الذهب. ولكن الحكومة أوقفت العمل بهذا الأمر في 1971 عندما لم يعد الدولار الأميركي مدعوماً بالذهب على الإطلاق. وكان هذا إيذاناً بالتحول الأخير من السلعة إلى نقود التسليف (الائتمان)، حيث كانت عبارة عن أوراق استخدمت كدليل على استحقاق ذو قيمة اقتصادية، ولكن قانونياً لم يكن مسترد مقابلها أي شيء.وكما هو متوقع من وجود دولارات غير مدعومة بشيء، إذ ينمو المخزون النقدي بسرعة حتى يتساوى مع أو يتجاوز من الناحية النظرية النمو الاقتصادي أو حتى احتمالات نموه. والأهم من ذلك أن الاحتياط الفيدرالي في الولايات المتحدة والبنوك المركزية في الدول الأخرى يمكن أن تحاول إيجاد وسائل لضبط المخزون النقدي، بحيث ينمو بسرعة تواكب النمو الاقتصادي دون أن يتجاوزه حتى لا تتسبب بحدوث تضخم. فالتضخم يمكن أن يحدث عندما تتجاوز كميات النقد المتوفرة في الأسواق قيمة السلع والخدمات المطلوبة، بحيث ينتج عنها ارتفاع في الأسعار فيما المشترون يتنافسون على موارد شحيحة. ولكن إذا حصل وتجاوز العرض على البضائع والخدمات كميات النقد المطروحة فإن الأسعار قد تتراجع فيما يتنافس البائعون على دولارات محدودة الكمية، مما يؤدي بالتالي إلى حدوث انكماش اقتصادي. لهذا يعتبر التوازن بين كميات النقد المتداولة وبين البضائع والخدمات التي يمكن أن يتم شرائها بهذه الكميات تحدياً رئيسياً أمام البنوك المركزية، وخاصة الاحتياط الفيدرالي الأميركي (المصرف المركزي الأميركي).
عندما نفكر في النقود، تخطر على بالنا النقود المعدنية والورقية، ولكن هذه لا تشكل إلا نسبة ضئيلة من المخزون النقدي لا تتعدى الخمسة إلى عشرة في المئة. أما النسبة الباقية فتظهر فقط كأرقام على الورق أو على الحواسيب في البنوك وفي السجلات وغيرها من المؤسسات المالية. فأموال القروض، على سبيل المثال، تمثل وعداً من قِبَل الدائن بدفع ما يستحق عليه من دَيْن في موعد محدد في المستقبل. ويظهر الجدول 1.2 أنواع النقود، والأسهم النقدية المتداولة بالإضافة إلى نموها منذ 1959.
وكما يظهر لنا في الجدول 1.2 فإن المخزون المالي في 2004 بلغ ثلاثين ضعف حجمه في 1959. وربما يمكننا أن نبدأ بسؤال لماذا تمثل النقود عملية سحرية. والجواب هو لأن أموال القروض أو الذمم غير مدعومة بشيء سوى القوة القانونية للدولة القومية، ولكن يمكن تحويلها إلى كافة أنواع البضائع والخدمات. فقد نجحنا إلى حد بعيد في هدفنا الكيميائي المتمثل بتحويل شيء لا قيمة له في الأساس وهو الورق إلى شيء ذي قيمة وهو كل ما يمكن شراءه بهذا الورق.
ولكن، وكما تعلَّم فاوست من الصفقة التي عقدها مع الشيطان، هناك دائماً ثمناً علينا أن ندفعه للوصول إلى حجر الفلاسفة. ولعل هذا الحديث يأخذنا إلى الخطوة الثالثة في هذا التمرين الكيميائي.
صفحة 7
الخطوة الثالثة: التحول الضروري لرأس المال غير النقدي إلى رأس المال النقدي
بعد أن انتزعنا النقود من أي شيء ذي قيمة، تبقى مشكلة واحدة أخرى هي: ما هو الحد الطبيعي للأشياء التي يمكن تحويل النقود إليها؟ إذ أنه بالرغم من أن مخزون النقود قد يكون بلا حدود، إلا أن البضائع والخدمات التي يمكن للناس أن تشتريها بالنقود ليست بلا حدود، ولكن إذا كان من الملزم للنمو الاقتصادي والمخزون النقدي أن يتزايدا كل سنة بمعدل 3% بالضرورة، على الأقل للحفاظ على اقتصاد سليم، فإن الأشياء التي يمكن ابتياعها بهذه النقود يجب أن تتزايد أيضاً. فعندما كانت النقود مربوطة ومحدودة بسلعة مثل الذهب، كان المخزون النقدي يحاول باستمرار مواكبة السلع والخدمات المتوفرة. إلا أنه عندما تم فك ارتباط النقود من أي شيء ذي قيمة، وتركها تنمو وتتزايد إلى ما لا نهاية، أصبح الأمر معكوساً وأصبحت السلع والخدمات تسعى وراء المخزون النقدي. وهكذا وبدلاً من أن نكون في وضع نحتاج فيه أن ينمو الذهب ويتزايد باستمرار، أصبحنا بكل بساطة في وضع نحتاج فيه إلى المزيد والمزيد من البضائع. بكلمات أخرى، أصبح لزاماً على المخزون النقدي أن ينمو إذا أردنا أن نحافظ على سلامة الاقتصاد، ولكي ينمو هذا المخزون النقدي، علينا أن نحافظ على نمو وتزايد مستمر في البضائع والسلع التي يمكن لهذا المخزون النقدي شرائها. من هذه الحقيقة المبسطة، يستمد هذا الكتاب كل القضايا والمشاكل التي سيقوم بمناقشتها.على سبيل المثال، من أجل أن يستمر النمو الاقتصادي بما فيه زيادة النقود وزيادة السلع، ينبغي استمرار تحول الأشياء التي لا تحمل قيمة نقدية، وبشكل منتظم، إلى أشياء تحمل قيمة نقدية؛ أي تحوُّل السلع والقيم غير النقدية إلى سلع وقيم ذات قيمة نقدية (انظر بورديو 1986:ص243). إن في هذا التحول تكمن عبقرية الرأسمالية، ويكمن السر في صفقة فاوست. فعبر تفعيل آلاف القوانين والتشريعات والقيم والأحكام تعمل الحضارة الرأسمالية على تشجيع تحول المواد والنشاطات، التي لا تحمل في جوهرها أية قيمة نقدية رغم كونها ثمينة وضرورية في نواحٍ أخرى، إلى مواد ونشاطات يمكن بيعها وشرائها في الأسواق. لهذا يصبح لزاماً تحويل الأشجار والبحيرات والجبال إلى أشياء يمكنك بيعها في السوق، كذلك الأمر بالنسبة للنشاطات المرتبطة بالحياة العائلية والتي تمنح مجاناً، مثل رعاية الأطفال وتجهيز الطعام والتعليم وحتى الحرية نفسها يمكن تبادلها بالنقود (انظر الشكل 1.3).
سنناقش عملية تحويل رأس المال هذه بتفصيل أكبر في الفصل 13، أما الآن فسنكتفي بفهم لماذا يعتبر هذا التحويل ضرورياً من أجل تلبية الهدف الرئيسي المتعلق بالتنمية الاقتصادية المستدامة.
خلاصة الأمر إذن هي أن ثقافتنا تعمل بشكل عام وفق مبدأ سحري، يقوم على استمرارية زيادة كمية النقود التي لا تحمل قيمة في حد ذاتها بينما نعمل في الوقت نفسه أكثر وأكثر على تحويل رؤوس الأموال غير النقدية إلى أشياء يمكن ابتياعها بالنقود. بالطبع إن هذا التفسير يعتبر تسهيلاً لكل شيء ينبغي عمله لكي يبقى النظام سائراً. وسنقوم في الفصول الأربعة القادمة بوصف كيف يعمل المستهلك والعامل والرأسمالي، وكيف تعمل الدولة القومية للحفاظ على هذا السحر.
لم يترك ظهور هذه الثقافة الرأسمالية في حياتنا إلا القليل مما لم يلمسه. فقد أثرت الحضارة الرأسمالية على حياتنا المادية والروحية والثقافية وأعادت تشكيل قيمنا. وكما سنرى لاحقاً، قامت بتحديد الاتجاه الذي اتخذته كل مؤسسة في مجتمعنا، وجاءت لنا بموجة إثر موجة من البضائع الاستهلاكية والإنتاج الغذائي المعدل والمطور، وأطلقت تطورات في مجالات التقنية والاتصالات والطب لم يكن أحد ليتصورها في السابق. ولعل الأمر الأكثر جذرية، على الأقل من وجهة نظر علم الإنسان، أن عملية تغذية المستهلك تطلبت مستوى من الاندماج والتكامل العالمي لم يسبق أن شهد التاريخ الإنساني مثله. فالثياب التي نرتديها غالباً ما تكون منتجة بأكملها أو بجزء منها من قِبَل أناس يعملون في ماليزيا أو هونغ كونغ أو السلفادور. وقد نجد أن العمال في البرازيل يحصدون قصب السكر الذي يصبح فيما بعد سكراً نستخدمه لتحلية مشروباتنا الخفيفة. كما نجد أن قهوتنا الصباحية قد انطلقت بداية على شكل حبوب قهوة من أعالي جبال كولومبيا. وأن البرتقال الذي نأكله قد يكون قادماً من إسبانيا، ومغلفاً في عبوات كرتونية مصنوعة من لب الأخشاب الكندية، وملفوفاً ببلاستيك منتج في نيوجرسي بالولايات المتحدة، ومنقولاً في شاحنات صُنعت في فرنسا وتحتوي على قطع غيار إيطالية ويابانية وأميركية. وكذلك أجهزة الراديو والتلفزيون والفيديو التي نمتلكها ربما تكون قد تم تجميعها على يد عمال من المكسيك أو هاييتي أو إندونيسيا. وحتى سياراتنا بالطبع قد تكون أُنتجت في أجزاء منها على الأقل ببلدان مثل اليابان وتايوان وكوريا.
إضافة إلى ذلك، فقد تم تصدير حضارة الرأسمالية إلى جميع أجزاء الكرة الأرضية. إلا أن القليل من الناس يعون كيفية عمل هذه الحضارة وكيف تؤثر على حيانا وحياة الناس عبر العالم – كيف ترتبط أنماط الاستهلاك والعمل والاستثمار الأميركية بالرواتب التي تُدفع للنساء العاملات في إندونيسيا، وبتدمير الغابات المطرية في باراغواي، أو استخدامات المياه في السهول الأميركية. إن هذا الأمر ليس بالضرورة خطأ يتحمل الفرد مسؤوليته، لأنه، وكما سنرى لاحقاً، تتعمد الحضارة الرأسمالية إخفاء حقيقة المشاكل التي تنتج عن انتشارها وعملية المحافظة عليها، عن أعضاءها.
صفحة 8
الفصل الأول
بناء المستهلك
تعتبر ثورة المستهلك فصلاً غريباً في وصف التاريخ الاثني للجنس البشري لأنه، ولأول مرة في التاريخ، عمد تجمع بشري إلى تبني عنصر غير ديني في التغيير الاجتماعي، وسمح لهذا العنصر بتغيير كل ناحية من نواحي الحياة الاجتماعية على أسس منهجية تحمل في حقيقتها استمرارية دائمة.- غرانت ماكراكن، الحضارة والاستهلاك
رسالة التغيير في زماننا هي أن شكل السلعة يعتبر أمراً طبيعياً ولا مفر منه. وأنه يمكننا أن نعيش حياتنا بشكل جيد فقط (أو حتى أن نعيشها على الإطلاق) عبر شراءنا لسلع معينة. وهكذا تتشكل مصلحتنا الرئيسة في الوجود من قدرتنا على المناورة في التأهل لشراء مثل تلك السلع من السوق. كذلك، لقد تم تلقيننا بأن من الحق والعدل، كما هو مرسوم في الطبيعة الإنسانية وفي تعاليم الدين أن وسائل الحياة بكل أشكالها تتوفر لنا فقط على شكل سلع.. والأميركيون يعيشون في عالم تغلب عليه السلع، وتتولد فيه الحاجات وفقاً لمصالح السوق كما أنها لا يمكن تلبيتها إلا من خلال السوق.
- ستيفن فجيلمان، أوراق العنب
تعتبر حضارة الرأسمالية ثقافة مكرّسة لتشجيع إنتاج وبيع البضائع والسلع. بالنسبة للرأسماليين، تقوم هذه الثقافة بتشجيع تراكم الأرباح، أما بالنسبة للعمال فهي تشجع تراكم الرواتب، وبالنسبة للمستهلك هي تشجع تراكم السلع. بكلمات أخرى، تعمل الرأسمالية على تحديد تصرف فئات الناس وفقاً لمجموعة من القواعد التي تعلموها والتي تدفعهم إلى التصرف بالطريقة التي يتصرفون بها.
لا يوجد شيء طبيعي في هذا التصرف. فالناس ليسوا مدفوعين بطبيعتهم لمراكمة الثروة، وهناك مجتمعات لا تشجع أبداً مثل هذا التراكم للثروة. كما أن البشر لا يحملون بداخلهم دوافع فطرية لمراكمة السلع، وهناك أيضاً العديد من المجتمعات التي ترفض هذه التصرفات ولا تشجعها. كذلك لا يوجد دافع لدى الناس للعمل. وعلى عكس الأفكار السائدة، فإن أبناء الحضارة الرأسمالية يعملون أكثر بكثير من الناس العاملين في تجميع الغذاء أو في الصيد (انظر على سبيل المثال شور 1993). كيف يمكن للحضارة، ضمن الحد الذي يستخدمه علماء علم الإنسان في تصريف هذا المصطلح، أن تشجع الناس على التصرف بطرق وعلى عدم التصرف بطرق أخرى؟ وبالتحديد كيف تعمل حضارة الرأسمالية على تشجيع تراكم الثروة والرواتب والسلع؟ وكيف تعمل في الواقع على تشجيع استمرارية النمو وما يتعلق باستمرارية التغيير؟
ليس من السهل وصف تأثيرات هذه الحضارة على حياة الناس. فقد لاحظ علماء علم الإنسان أن الثقافة تتشكل من جميع الأفكار والتصرفات التي نتعلمها، ومن القواعد والقوانين التي نضعها لتنظيم حياتنا، ومن المعاني التي يبنيها الإنسان لتفسير العالم حوله وموضعه في هذا العالم. ومع ذلك، فإن استخدام مثل هذه الأوصاف المجردة يجعل من الصعب تفهم مدى القدرة التي تمكن انتشار هذه الحضارة من تحديد رؤيتنا للعالم. لذلك، فقد يساعد تزويدنا باستعارة لهذه الحضارة على شكل أفكار وممارسات من حضارة أخرى، وهي هنا حضارة الرسوم الرملية لشعب الناجافو الذي يعيش في جنوب غرب أميركا.
تنتشر لدى شعب الناجافو ممارسة علاجية يعتمد فيها المعالِج على رسم صورة تمثيلية مصغرة للعالم على الأرض، باستخدام الرمل الملون أو دقيق الذرة أو قطع أخرى صغيرة. ورغم وجود نسخ من هذه الرسومات تعد بالآلاف، فإن كل رسمة منها تتضمن عناصر حيوية يصفها الناجافو بأنها شروط عامة للوجود. ويشير الناجافو إلى أفكارهم حول الفضاء عبر رموز تتعلق بالاتجاهات العالمية. كما يشيرون إلى أفكارهم المتعلقة بالحياة الاجتماعية عبر توزيع منازلهم وشخصياتهم الأسطورية. وترتبط القيم في قصصهم وأغانيهم بكل رسم رملي، وتبيِّن هذه الرسوم مكونات تعتبر أساسية في وجود الناجافو مثل الخيول وأدوات الطقوس. وعندما يتم إنجاز العمل أو الرسم يجلس المريض على الرسم أو في وسطه وتبدأ عملية المعالجة المصحوبة بالأناشيد والصلوات. ويدعي الناجافو أن المرض يأتي نتيجة خسارة الأشخاص لمواقعهم الملائمة في العالم. وتهدف طقوس المعالجة إلى إعادة المريض لموقعه، وحالما تنتهي مراسم العلاج ويستعيد المريض عافيته يقوم الرسام بمسح ما رسمه.
والرسوم الرملية عند الناجافو تحتوي على جميع العناصر التي يطلق عليها علماء الإنسان مصطلح الثقافة أو الحضارة. فالثقافة مثلها مثل الرسم الرملي تعمل على تعريف العالم كما يفترض أن يكون موجوداً لساكنيه. فالرسم الرملي يحتوي على عناصر ورموز رئيسية يستخدمها الناس لكي يحددوا مكانهم في المجالين المادي والاجتماعي، وتعمل هذه الرموز والعناصر على تأكيد موقع الإنسان في هذا العالم المخلوق بالإضافة إلى القيم التي تحكم حياته. ومثلها مثل الرسومات الرملية، تعمل الصور الثقافية المحددة كأطر علاجية تنقل لنا الإجابة على أسئلة مثل من نحن؟ وماذا نحن؟ وما هو موقعنا في النظام الأعم للأشياء؟ وتعتبر هذه الصور أو العروض الثقافية علاجية لأنها تساعد الناس على حل التناقضات والالتباسات المتضمنة في كل تعريف حضاري للحقيقة والذات.
إضافة إلى ذلك، يوجد في كل مجتمع رسامو رمل يتحملون أو يعطون مسؤولية تصوير هذا العالم للآخرين، ويمتلكون القدرة على تعريف وتحديد العناصر الضرورية بالنسبة للآخرين من أجل تحديد هوياتهم ومواقعهم. وفي بعض المجتمعات مثل الناجافو يكون هؤلاء الأشخاص أفراد مثل المعالج أو الساحر أو راوي الأساطير والقصص، وفي مجتمعات أخرى نجد أفراداً مثل رجل الدين والشاعر والكاتب والفنان والمغني أو الراقص. أما في الرأسمالية فرسامو الرمل يعملون في الكنائس أو المساجد أو الكنس، وفي المسارح أو أمام أجهزة التلفزيون والألعاب الرياضية أو في مراكز التسوق التي تعيد تأكيد رؤية الوفرة وهي الرؤيا المركزية لدى المستهلكين في جميع أنحاء العالم. وقد عمل رسامو الرمل المعاصرون مثل خبراء الأسواق والإعلام ووكلاء الحكومات وأخصائيي العلاقات العامة في الشركات الكبرى والصحفيين وفناني الترفيه وآخرين على نسج رؤيا للعالم تم تصميمها خصيصاً للوصول إلى أقصى حد في إنتاج واستهلاك البضائع. وقد ساعد هؤلاء على إيجاد ثقافة تشكل السلع عناصرها الأساسية وتجعل الشراء من أول واجبات المستهلك أو كما يقول الملصق الإعلاني الشهير «تسوق حتى تسقط من الإعياء» . إنها الثقافة التي تجري فيها جميع النشاطات اليومية مثل العمل واللهو والمسؤوليات الاجتماعية وغيرها، في سياق السلع الاستهلاكية، والتي يعتبر فيها التسوق، مثله مثل العلاج برسومات الرمل، نشاطاً علاجياً. مثل هذه الرسومات الرملية المعاصرة تعمل على بناء ثقافة يقوم فيها كل فرد في وقت من الأوقات بتمثيل دور المستهلك. ولعل السؤال الذي نحتاج إلى طرحه أولاً هو كيف تم خلق عالم المستهلك وكيف تم خلق المستهلك بحد ذاته؟
صفحة 9
إعادة صنع الاستهلاك
بالطبع، لم يكن المستهلك يظهر بكامل امتداده في الولايات المتحدة في أوائل القرن العشرين. وحتى في القرن الثامن عشر، كان التجار في كل من بريطانيا العظمى وفرنسا وغيرها يبدون قلقهم من إنتاج بضائع أكثر مما يمكن بيعه. ولكن التجار عموماً كانوا يهتمون بكيفية تسويق أو عرض البضائع على افتراض أن الناس يشترون بضائعهم عندما يحتاجون إليها. وقد كان هذا الموقف بالذات هو الذي يتعرض للتغيير العميق في الولايات المتحدة قبل قرن من الزمان.إلا أن هذا التغيير لم يحدث بشكل طبيعي، وفي الحقيقة ركزت ثقافة الولايات المتحدة، في القرن التاسع عشر، ليس على الاستهلاك غير المحدود بل على الاعتدال ونكران الذات. وكان المتوقع من الناس، والعاملين منهم على وجه الخصوص، أن يكونوا مقتصدين وأن يوفروا أموالهم فقد كان يُنظر إلى الإنفاق على أمور الترف والرفاهية كشيء عديم الفائدة. وكانت الناس لا تشتري إلا الضروريات كالأطعمة الأساسية والملابس والأدوات والأجهزة المنزلية، وكانوا يتشاركون في المواد الأساسية ما استطاعوا. وإذا ما نظرنا إلى جردة نموذجية لممتلكات أي عائلة أميركية بين عامي 1880 و1870 فسنجد نمطاً يختلف تماماً عن النمط المتبع اليوم. ففي 1870، كانت نسبة 53% من السكان تعيش في المزارع أو تعمل فيها وتنتج معظم ما كانت تستهلكه. وقد سجل على إحدى سيدات مدينة فيرمونت صنعها 421 فطيرة و152 قالب حلوى و2140 حبة حلوى «دونتس» و1038 رغيف من الخبز في عام واحد (سوذرلاند 1989:ص71). كذلك كانت قطع الأثاث الموجودة في المنازل بسيطة نسبياً: مائدة طعام، كراسي خشبية، أسرّة وربما سجادة أو قطعة قماش أرضية. ولم تكن هناك سوى أجهزة منزلية قليلة تساعد ربّة المنزل في عملها مثل أفران الطبخ، وخفاقات البيض، وكاشطات قشر التفاح وطحانات القهوة وقشارات البازيلاء، بينما كانت معظم الأدوات المنزلية الأخرى تحتاج إلى جهد عضلي فحتى الغسالات اليدوية ظلت غير متوفرة في ذلك الزمان حتى أواخر أعوام السبعينات من القرن التاسع عشر. ورغم أن فقط أفقر العائلات وأكثرها عزلة لم تكن تبتاع أياً من الألبسة الجاهزة إلا أن بقية الناس كانت تحيك معظم ثيابها في منازلها وكانت هذه الثياب تؤدي وظيفتها بشكل جيد. إضافة إلى ذلك، ولأن الأغلبية العظمى من العائلات الأميركية كانت تعيش في المزارع، فقد بقي معظم رأس المال العائلي يستثمر في الأدوات والمعدات الزراعية. بالطبع كانت هناك استثناءات، فقد بقي أغنياء المجتمع يتنافسون مع بعضهم البعض ويتفاخرون بثرواتهم ومستوى رفاههم كما هي العادة منذ قرون. ولكن هؤلاء كانوا يشكلون نسبة ضئيلة من المجتمع.
بالطبع، لم يكن لدى الأميركيين كهرباء في ذلك الوقت ولم تكن السيارة قد اختُرعت بعد، وكان المخزون النقدي أكثر محدودية مما هو عليه اليوم. ولكن مع ذلك كان تغيير عادات التسوق والشراء يتطلب تحويل الكماليات إلى أساسيات، وقد تمت هذه العملية في أميركا بأربعة طرق: ثورة التسويق والإعلان، وإعادة بناء المؤسسات الاجتماعية الرئيسية، وثورة في القيم الثقافية والروحية، وإعادة تصور لموقع الفرد والطبقة التي ينتمي إليها.
صفحة 10
التسويق والإعلان
أولاً، كان هناك تغيير رئيسي في معنى البضائع وكيفية عرضها وتقديمها، فخلال معظم فترات القرنين الثامن والتاسع عشر كان بائعو التجزئة يولون أهمية قليلة إلى الطريقة التي يتم فيها عرض البضائع. وكان المركز التسوقي الأول «بون مارشيه»، الذي افتتح في باريس في 1852، يسمح للناس بالتجول داخله دون أن يتوقع منهم الشراء؛ فقد كانت مشاريع مثل بون مارشيه مكرَّسة لإثارة الرغبة في التجول الحر في أماكن التسوق كما وصفت السيدة روزاليند وليامس الأمر (مأخوذة عن ماكراكن 1988:ص25). وقد ساعدت هذه العروض للبضائع على رسم ملامح ثقافة البورجوازية، وحوّلت ثقافة البورجوازيين وقيمهم ومواقفهم وطموحاتهم إلى بضائع، ودفعت إلى تشكيلهم وتغييرهم (ميلر 1994).ولكن بون مارشيه كان استثناءً. ففي مخازن الولايات المتحدة كانت البضائع تُعرض مكدسة دون أي اهتمام بترتيبها، ولم تكن هناك بضائع مغلفة مسبقاً أو تحمل علامة الشركة التي أنتجتها حتى حلول السبعينات من القرن التاسع عشر عندما ظهر صابون أيفوري (Ivory) وأغذية شوفان الكويكر (Quaker oats) (كاريير 1995:ص102). وكانت واجهات العرض الزجاجية، إذا وجدت، تعبئ بالمواد التي مضت عليها سنوات طويلة مخزنة في الغرف الخلفية والمستودعات. وحتى مخازن التسوق الكبرى التي ظهرت في منتصف القرن التاسع عشر مثل مخازن أليكساندر تورني ستيوارد (Alexander Turney Stewart) أو قصر الرخام في نيويورك، فقد أولت اهتماماً ضئيلاً بطرق العرض. وبقي الأمر كذلك حتى التسعينات من القرن التاسع عشر، عندما بدأت مخازن التسوق في الولايات المتحدة تفرض نفسها كمنشآت كبرى للبيع بالتجزئة، وبدأ بائعو التجزئة يولون أهمية لكيفية عرض المنتجات على الجمهور.
وانبثق المركز التسوقي كمكان لعرض السلع باعتبارها أشياء بحد ذاتها. فعندما فتح مخزن مارشال فيلدز أبوابه في شيكاغو في 1902، كانت طوابقه المختلفة تعبق بموسيقى ست فرق أوركسترا، وبالورود الأميركية الجميلة وأزهار الزينة وكانت نباتات النخيل الموضوعة في قوارير تزين جميع مناضد العرض بداخله. لم يكن البيع مسموحاً في اليوم الأول وقد أغلق جميع تجار الناحية محلاتهم لكي يتيحوا لموظفيهم زيارة المخزن. وفيما بعد أخذت المسرحيات المتقنة تعرض في المخازن إضافة إلى الأعمال الفنية، وعملت الأدمغة الأميركية الخلاقة على تصميم طرق للعرض تقدم البضائع بطرق تلهم الناس بشرائها، وأصبحت هذه المخازن التسويقية فيما بعد شعلة حضارية تدل الناس على طريقة لباسهم وتأثيث منازلهم وتمضية أوقات فراغهم (ليش 1993).
وجاء الإعلان ليشكل تطوراً ثورياً آخر، أثر في تكوين المستهلك. كان هدف المعلنين تشكيل رغبات المستهلك بطريقة هجومية، وإيجاد قيمة للبضائع من خلال تشريبها بالقدرة على تمويل المستهلك إلى شخص مرغوب به. وقبل أواخر الثمانينات من القرن التاسع عشر كان ينظر إلى الإعلان بازدراء، وغالباً ما كان يتم الربط بينه وبين عمليات التهريج الشبيهة بأسلوب ب. تي. بارنوم. ولم تصل الاستثمارات في الإعلان داخل الولايات المتحدة في 1880 إلى أكثر من 30 مليون دولار. ولكن مع حلول 1910، أخذت الشركات الجديدة مثل شركات النفط والأغذية والكهرباء والمطاط تنفق 600 مليون دولار على الإعلانات، أي ما يقارب 4% من الدخل القومي. ومع حلول 1990، وصلت النفقات الدولية على الإعلانات إلى ما يقارب 437 بليون دولار، وهو رقم ينافس إنفاق الـ 778 بليون دولار على التسلح.
ومع بواكير القرن العشرين، كانت الحملات الإعلانية الوطنية تنطلق في كل مكان، وكان يتم استئجار المشاهير ليشهدوا على بضائعهم المفضلة. وأصبحت بطاقات الإعلان والكاتالوجات وإعلانات الصحف مظهراً منتظماً في الحياة الأميركية. كذلك بدأت الإعلانات الخارجية مثل لوحات الإعلان والملصقات واللافتات تظهر في كل مكان، وتم تسويق الإعلانات الكهربائية مثل الإعلانات البراقة المتقطعة الإضاءة وأضواء النيون، وأخذت شهرة برودواي توازي شهرة الطريق البيضاء العظمى (Great White Way)، ولعب الإعلان دوراً كلي الوجود في حياتنا دون أن نلاحظ ذلك حتى ولو كان منقوشاً أو مزركشاً على ثيابنا.
كانت هناك نعمة أخرى لتسويق البضائع هي فكرة الموضة: وتعني تحريك القلق والضجر من تملك أشياء لم تعد حديثة أو عصرية. وقد عملت الموضة على ممارسة الضغط على الناس للشراء ليس بدافع الحاجة بل بدافع الأناقة – وهو دافع نابع من الرغبة بالتجانس مع ما يسميه الآخرون عصري أو على الموضة.
من هنا لم يكن مفاجئاً أن تقود صناعة الملابس في أميركا الطريق نحو خلق الموضة، فقد بلغ نموها في أوائل القرن العشرين ضعفي أو ثلاثة أضعاف الصناعات الأخرى. ومع حلول 1915 أصبحت تصنف بعد صناعات الفولاذ والنفط في أميركا، وبلغ فائض إنتاجها في 1915 أكثر من بليون دولار، وكانت نيويورك وحدها تضم 15000 مشغلاً لصناعة الألبسة النسائية. وظهرت مجلات الموضة الجديدة مثل فوغ (Vogue) وكوزمو بوليتي (Cosmopolitan) وديلنيتور (Delineator) لتضع معايير للموضة وتحدد ما يتوجب على المرأة الواعية اجتماعياً أن ترتدي. واستخدمت هذه المجلات الشخصيات الملكية وكبار الأثرياء والمشاهير كموديلات لها. وأُدخلت عروض الأزياء في الولايات المتحدة على يد الإخوة (Ehrich) في مدينة نيويورك في 1903. ومع حلول 1915، أصبحت عروض الأزياء تشكل حدثاً في كل مدينة وبلدة في أميركا. وبناءً على هذه الشعبية، تم تأسيس أول وكالة لعرض الأزياء على يد جون باورز في 1923 في نيويورك (ليش 1993:ص309) وقد أسهمت صناعة الترفيه في هذا المجال عبر صياغة تصريحاتها الرئيسة حول الأزياء فيما كانت النساء في أميركا يسعين إلى تقليد نجوم مثل كلارا باو.
وقد شكلت الخدمات إضافة أخرى إلى استراتيجية التسويق، لم تشمل ذمم المستهلكين فحسب (حسابات الائتمان ومشتريات التقسيط)، ولكنها امتدت لتصبح عمالة تتودد إلى الزبائن بحيث جعلت من هؤلاء الزبائن ضيوفاً.
وقد بيّن وليام ليش أن الخدمات ربما كانت واحدة من أكثر النواحي أهمية في المجتمع الاستهلاكي الجديد. فقد ساعدت، على حد قوله، بالتغطية على عدم المساواة والفقر والنزاعات العمالية التي شغلت في ذلك الوقت جزءاً كبيراً من التاريخ الأميركي. وقال ليش أنه إذا رغب أحد في فهم كيفية تطور المجتمع الاستهلاكي فإن عليه أن ينظر في نهوض الخدمات. فمع بروز عدم المساواة في أميركا ومع تفاقم النزاعات العمالية، أخذ الأميركيون يربطون بين الخدمات و«الوعد الأميركي»، إذ استطاعت الخدمات أن تنقل إلى الشعب الأميركي فكرة أن كل شيء يسير على ما يرام وأن ليس عليهم أن يشعروا بالقلق من أي شيء فالأمان والخدمات في انتظارهم. وقد عبرت الخدمات عما ظل الاقتصاديون يشيرون إليه في ذلك الحين وحتى الآن:
بالناحية الحسنة للرأسمالية؛ أي الناحية التي أعطت الناس شيئاً مقابلاً لتدفق يعتمدون عليه من الأرباح – أي طريقة للحياة فيها مستوى أكبر من الراحة. ضمن هذه النظرة فإن الرأسمالية لم تكافح فقط لمجرد الربح ولكنها سعت لإرضاء الآخرين وتلبية احتياجاتهم من خلال تقديم خدمات فعالة. «إن رأس المال» كما قال أحد الاقتصاديين الذين عاصروا بداية القرن «يحكم لأنه يخدم» . (ليش 1993:ص ص146-147).