ولدت سمو الأميرة بسمة في الرياض، والدها المرحوم الملك سعود وجدها الملك عبد العزيز مؤسس المملكة العربية السعودية الحديثة عام 1932.
صاحبة السمو الملكي الأميرة بسمة كاتبة ملهمة وموهوبة، اشتهرت بكتابة أعمدة ومقالات في مجالات عدة. وهي داعية وناشطة في مجال حقوق الإنسان، ولها رؤية خاصة بالشأن العربي وتفاعلاته مع الشأن الدولي من النواحي السياسية والاجتماعية والدينية. لقد ركزت جُلَّ وقتها وطاقاتها لتسليط الضوء على الأمور الاجتماعية وخلق فهم للتحديات الاجتماعية في المملكة العربية السعودية وسائر أنحاء البلاد العربية والعالم.
2006- 2011
بدأت صاحبة السمو الملكي الأميرة بسمة بنت سعود مسيرتها الصحفية الجريئة بكاتاباتها في صحف واسعة الانتشار في المملكة العربية السعودية والشرق الأوسط كصحيفة المدينة والحياة والأهرام المصرية ومجلة سيدتي.
تعد سمو الأميرة بسمة من الداعين للاصلاحات برصانة وعقلانية؛ ولكن بجرأة وبلُغة مميزة وقلمٍ حادٍ لا يخشى توجيه الانتقاد المباشر، ولكن برؤية متوازنة داعية إلى حرية الفرد ومطالبة بالعدالة وحقوق الإنسان في العالم العربي والعالم على حدٍّ سواء. هذه الرؤية والوقفة الجريئة منحتها خصوصية ليس فقط كامرأة نشأت في مجتمع محافظ؛ ولكن كونها إحدى أفراد الأسرة الملكية الحاكمة في المملكة العربية السعودية. ذلك منحها هوية خاصة كونها داعية لحقوق المرأة في مجتمع محافظ تسود فيه تقاليد موروثة تحد من نشاط النساء في الحياة العامة.
في مطلع هذه المرحلة أسَّست سمو الأميرة بسمة شركة انسيد القابضة في المملكة العربية السعودية، التي من خلالها أدارت مختلف أعمالها من ضمنها مؤسسة الأميرة بسمة بنت سعود للاستشارات الحكومية والخاصة في السياسة وقياس المخاطر، التي تستخدم التواصل الاجتماعي في تحفيز وزيادة دور المواطن. وكذلك أنشأت سلسلة مطاعم في المملكة تميزت باتباعها أساليب إدارة فريدة من نوعها مستخدمة مهارات تجمع بين الذوق الرفيع وأسلوب الإدارة الحديثة.
تترأس الأميرة بسمة مجلس إدارة شركة انفايرو للحلول البيئية والمركز العالمي السعودي لصدى الحياة . وسموها الرئيس التنفيذي والمؤسس لمركز بسمة الشامل للتدريب الأمني للنساء. كما تشغل سموها منصب عضوية المجلس الاستشاري العالمي الذي يدعو الى إعداد وتطوير الدور الريادي للنساء ودعم الاقتصاد المتلائم مع البيئة. هذه المؤسسة ولِدت أساسًا نتيجة سيادة واقع ضعف تمثيل المراة في المؤسسات التي تدير وتشكِّل اقتصادات العالم وبالأخص التي تعطي حلولا للتحولات المناخية.
إضافة إلى ما سبق، فإنَّ سمو الأميرة بسمة عزَّزت مكانتها ليس فقط كمحللة سياسية واحتماعية وناشطة في قضايا حقوق الإنسان ولكن تميزت بدورها الفاعل والريادي محليًا وعربيًا في تطوير النشاط الرياضي والفني، وسموها من أهم رواد تنشيط ودعم الحركة الفنية والفنانين في السعودية، كما كرَّست جهدًا كبيرًا لدعم الفن الإسلامي النسوي في السعودية.
2011- 2014
في عام 2011 انتقلت صاحبة السمو الملكي الأميرة بسمة للعيش في لندن، وتمكنت من تأسيس شركة أنسيد الراعية لمختلف نشاطاتها وأعمالها والتي من المزمع ان تتحول الى شركة رائدة في مجالها في أوروبا؛ بل في العالم أجمع.
تحت مظلة أنسيد أنشأت سموها غلوبال يونايتد لانترنس، مؤسستها الإنسانية التي ركزت أعمالها على مواجهة المشاكل الإنسانية العالقة، إضافة الى مركز الأبحاث يونايتد ريسيرج سنتر (غورا) الفرع المتخصص بالأبحاث يو جي ال.
استمرت سموها بالتوسع والانطلاق والتميز في أعمالها في لندن حيث افتتحت بنجاح فرع لمطعم ليه ارتيستيه في حي نوتينغ هيل الشهير.
قامت سموها في هذه الفترة بإطلاق مسار القانون الرابع كدستور بديل للخروج من حالة الفوضى وانعدام الاستقرار التي تسود العالم. الهدف من إطلاق هذا القانون هو محاربة أسباب وجذور التوتر والانقسام وذلك بتفعيل الدور الريادي لقيادة حركة التغيير وخلق الظروف الملائمة لتحسين الفرص وتوزيعها العادل للخروج من الأزمة التي تعصف بالعالم في السنين الأخيرة.
بالإضافة إلى كل ذلك وأثناء إقامتها في لندن ركزَّت سمو الأميرة بسمة جهودها على النشاط الإنساني. في حزيران/ يونيو من عام 2013 قامت سمو الأميرة بسمة بجولة إنسانية في الشرق الأوسط، زارت خلالها مخيمات اللاجئين السوريين في الأردن ولبنان، مسلطة الضوء على ظروف معيشة اللاجئين السوريين ووسائل حل أزماتهم.
تمكنت سمو الأميرة بسمة خلال سنوات إقامتها في لندن من ترسيخ دورها كمتحدثة ومشاركة فعالة في مؤتمرات دولية. خلال السنوات الثلاث الماضية؛ شاركت سموها كمتحدثة في ندوات ومؤتمرات عديدة منها منتدى النساء في الزعامة, نادي يال في نيويورك, الملتقى العالمي لحقوق الانسان في السعودية, مبادرة السلام العربية- الإسرائيلية في الدوحة. مركز السياسة الاوروبية, جامعة كامبريدج, مؤسسة مادلين اولبرايت, اتحاد جامعة اوكسفورد, جامعة سانت اندرو, النادي الوطني الجمهوري للنساء¸ يو سي ال اي, تشاتنهام هاوس, جامعة الميدل ايست عمان. المركز العربي بريدج لحقوق الإنسان, اغناء المستقبل الاقتصادي العربي الثامن, المؤتمر الرابع للتعليم في الخليج 2014, إضافة الى معرض المرأة المدنية المسلمة.
كما شاركت سموها في مؤتمرات عديدة منها مؤتمر ميونيخ للأمن, منتدى برلين الثالث للسياسة الخارجية وكذلك مؤتمر الاتحاد للنساء. هذا عدا مشاركة سموها كضيفة شرف في جوائز الشمال-الجنوب, الجمعية العمومية للأمم المتحدة, مبادرة بيري, منتدى النساء في القيادة للامم المتحدة, أسبوع الأزياء في نيويورك, جوائز الإعلام الدولي, مؤتمر قمة العنف في الجنس, وكذلك المنتدى السعودي البريطاني للاستثمارات.
إضافة الى كل ما تقدم تمكنت صاحبة السمو الملكي من الاستمرار في دورها الإعلامي المؤثر كونها صحفية بارعة من الظهور في قنوات إعلامية عالمية كالبي بي سي وسكاي نيوز وال سي ان ان وتلفزيون اي ان بي اللبناني, بلومبيرغ, فرانس 24, قناة الحرة, فوكس تي في, راديو الاردن, ذا فويس اوف بيبل, شفيلد لايف. إضافة الى مقالاتها العديدة في الصحف التالية: الانديبندنت, بيرفابل, ارجينينين , مجلة يو دونا, فانيتي فير, هافينتينغ بوست.
2014- إلى اليوم
عادت سمو الأميرة بسمة بنت سعود مؤخرًا الى المملكة العربية السعودية لكي تستقر مع أبنائها ولكي تدير أعمالها من قلب الشرق الأوسط الذي هو الأكثر حاجة الى دورها.
سمو الأميرة بسمة مستمرة في إدارة شركتها انسيد القابضة كسيدة أعمال ناجحة، إضافة إلى إدارة أعمالها في لندن. كون سموها مدركة لأهمية الأبحاث الموضوعية فهي ستستمر في إدارة مركز غورا من مقرها في السعودية، كما تنوي سموها انشاء جي لونج كمركز أبحاث نوعي في المنطقة.
وكون سموها بارعة في فن الطبخ، فسموها مستمرة في إدارة سلسلة مطاعمها تحت اسم ليه ارتيستيه وديباج وتنوي التوسع في هذا المجال على مستوى الشرق الأوسط. وتعد سمو الأميرة من أصحاب الذوق المميز في الأزياء، لذا فهي تواصل تسويق اسمها في عالم الأزياء ار بي والذي يتضمن منتجاتها الخاصة من الشاي والعطور.
مهارات أساسية
سموها ضالعة في الأداء الإداري، فهي تتمكن من شحن الطاقات ودعم الأفراد عن طريق اتباع مختلف أساليب التواصل والحوار، وذلك بالاجتماعات واللقاء وجهًا لوجه، والتواصل المشترك، التدريب والدورات التطويرية والتواصل عن طريق الإنترنت، وغيرها.
سموها تمتلك خبرة في متابعة تكوين الرأي وتمحيص المعلومات وترتيب السياسات في عالم الشركات والإلمام بما يطرأ من تغيير في عالم الإدارة وبنية المؤسسات. سموها تتاكد من مسار التواصل مع الأفراد وكيفية تنظيم عمل الفريق عن طريق رسم أهداف عمل الفرد والفريق على حدٍّ متوازي. من هذا المنطلق سموها تحرص على وضع برامج تحفيزية من أجل تطوير المهارات ورعايتها وتقدير الأداء الجيد ومكافأته، وذلك لدفع العناصر المبدعة إلى الأمام.
المهارات القيادية
سمو الأميرة بسمة بطبيعة شخصيتها تمتلك عناصر قيادية تنبع من مفاهيم ومنهج للتواصل والاندماج والتعاون وخلق الحلول بحماسة عالية. سموها تدرك وتقدِّر عاليًا أهمية كسب الاحترام وبناء الثقة وادراكها من خلال استمرار العمل والتفاهم المتبادل. هي تسعى وتجتهد إلى ابقاء الاتصال مع الآخرين في محيط عملها. سموها تدعو إلى التفكير المبدع في إطار سلمي؛ بالأخص في مجال العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
الإبــداع
سمو الأميرة بسمة تشجع وترعى الإبداع وقد عملت جاهدة على جلب منتجات جديدة إلى الأسواق البريطانية من مصادر انتاجها العربية، وأسَّست على هذا المنهج أسلوبًا تنافسيًا غير مسبوق.
سموها تعمل دائمًا على اختبار امكانات المتعاملين معها وتعمل على تقديم حلول ثابتة لأجل الوصول إلى الهدف الموضوع في إطار العمل المؤسساتي المنشود. في ذلك الإطار سموها تمتلك قدرة على توصيل أفكارها بقناعة صلبة للحصول على القبول لأفكارها، وهي توصل أفكارها وفق خطط مدروسة تعكس الكثير من قدراتها القيادية وذلك بنيل القبول وكسب الثقة عن طريق التطبيق الفاعل لتلك الأفكار بعد دراسة دقيقة.
أهـم الانجـازت
- رئيس مجموعة انسيد القابضة المتخصصة في التسويق والترفيه والمطاعم
- رئيس مجلس إدارة انفايرو للبيئة
- رئيس مجلس إدارة مركز صدى الحياة السعودي
- مؤسسة مركز بسمة للتدريب الأمني الشامل للنساء في السعودية
- في طور تصميم وانشاء مشروع "المدرسة الدولية للأطفال" تتبع النظام الكندي للتعليم
- صاحبة فكرة "مسار القانون الرابع" الذي يرسم منهجًا جديدًا ومسارًا بديلاً لحل الاشكاليات السياسية التي تعصف بالمجتمعات النامية والطامحة في اللحاق بالعالم المتقدم، من منظور نبذ العنف وتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية واتاحة الفرص لكل فئات المجتمع بالتساوي.
- سمو الأميرة بسمة ناشطة ومراقبة لقضايا حقوق الإنسان والقضاء في المملكة العربية السعودية والمحافل الدولية.
- سمو الأميرة بسمة حرصت على تشجيع الحركة الفنية المعاصرة في المملكة العربية السعودية والترويج لها في الغرب.
- سمو الأميرة بسمة تحرص على الدفع بموسسات المجتمع المدني الى التقدم وتعزيز أسس البنية التحتية للمجتمع المدني في المملكة العربية السعودية.
- كما تعمل سمو الأميرة جاهدة لتشجيع المراة السعودية على المشاركة الفاعلة في المؤسسات الاقتصادية ومشاركتها في الحياة السياسية وتبوء مناصب قيادية وتنفيذية على مستوى الحكومة والقطاع الخاص.
- تنشط سمو الأميرة بشكل يومي على مواقع التواصل الاجتماعي ويحرص على متابعة أنشطتها الالاف على موقعها في تويتر والفيسبوك وكذلك قناتها الخاصة بها على اليوتيوب التي تنشر أخر مايستجد من مساهمتها في المحافل الدولية والعربية والمحلية.
التعليم والمؤهلات العلمية
تلقت سموها تعليمها الابتدائي والمتوسط في مدرسة الراهبات في بيروت- لبنان.
تخرجت من كلية "اكسفورد" في بريطانيا حيث أتمت تعليمها الثانوي والعالي عنما كانت في السادسة عشر من عمرها.
درست علم الاجتماع لمدة عام في كلية "ريتشموند" في بريطانيا، ومن ثم انتقلت للدراسة في الجامعة الأمريكية في لوزان - سويسرا.
درست لمدة سنتين في قسم السيكولوجي في جامعة بيروت العربية، ثم التحقت بوالدتها في مسقط رأسها في مدينة اللاذقية في سوريا، حيث درست لمدة سنة في كلية الطب، ومن ثم انتقلت لدراسة الأدب الإنكليزي في جامعة تشرين في سوريا.
سمو الأميرة بسمة تتحدث بلغات أخرى إضافة الى اللغة العربية الأم وهي : الإنكليزية والفرنسية.
العضوية في المؤسسات والمنظمات المحلية والدولية
تشاتنام هاوس – بريطانيا : عضو في مجلس الإدارة
مجلس الأعمال السعودي الكندي
مجلس الأعمال السعودي الفليبيني
مجلس الأعمال السعودي الصيني
مجلس الأعمال السعودي السوري
مجلس الأعمال السعودي اللبناني
مجلس الأعمال السعودي التونسي
مجلس الأعمال السعودي السنغافوري
مجلس الأعمال السعودي البريطاني
مجلس الأعمال السعودي السويسري
مجلس الأعمال السعودي الياباني
مجلس الأعمال السعودي الهندي
مجلس الأعمال السعودي المصري
رحلة إلى أرض العم سام (1)
الاثنين 24 نوفمبر 2008
لم تكن هذه رحلتي الأولى إلى أمريكا، فقد زرتُ بلاد العم سام لأول مرةٍ عام 1982م عندما كنتُ طالبة في الجامعة برفقة شقيقتي التي فَضَّلت الدراسة في إحدى الجامعات الأمريكية، بينما لم تَرُق لي الحياة هناك، وكانت وجهتي الأولى مدينة لوس أنجلوس الساحلية وتحديدًا (بيفرلي هيلز) الشهيرة، وكان برفقتي رجلٌ إنجليزي "حارس شخصي" تجاوز الخمسين من عمره، وبمجرد دخولنا ذلك الحي الكبير والفخم شاهدنا جريمة قتل حدثت وقائعها في وضح النهار، وكانت ضحيتها امرأة مع ولديها، فكانت هذه الصدمة الأولى، ليقرِّر بعدها مرافقي أن نعود إلى انجلترا في نفس اليوم.!
فبالرغم من صدمتي وعدم تصديقي لِمَا حدث أمام عيني حاولتُ التأقلم، وحاولتُ أن أرى شيئًا مختلفًا في هذه المدينة التي تُعتَبر من أكبر المدن الأمريكية، فقد مكثتُ شهرًا أبحث عمَّا يمكن أن يغريني للبقاء في أرض الأحلام؛ ولكني لم أجد، فقرَّرتُ حزم حقائبي ومغادرة أمريكا نهائيًّا.
وبمرور سنواتٍ عديدة، وبعد أن كبر أولادي؛ وجدتُ نفسي مرةً أخرى في محاولةٍ جديدةٍ لتَقبُّل الثقافة الأمريكية، تلك الثقافة الطاغية على فِكْر الشباب وحالة الانبهار غير العادية واتخاذهم الأسلوب الأمريكي من مأكل وملبس وسلوكيات حياتية نمطًا مُفضَّلاً للحياة، حتى أصبحتْ بصمة الحياة الأمريكية واضحة دون وعي أو تقنين على كلِّ مَن حولي من الشباب، وللأسف إن ما يقلده شبابنا هو مظاهر الحياة الزنجية الأمريكية أو ما يُعرَف في أمريكا بـ"المجرمين" من ثَقبٍ للجسم والبنطلونات الممزَّقة و"الوسط النازل" والأكل بكميات كبيرة، والغريب أنها أصبحت نمط حياة لكثيرٍ من الشباب خاصة في دولنا الخليجية، رغم أن الأمريكان من أصولٍ أفريقيةٍ ما زالوا يعانون من التمييز العنصري وأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وحتى الخدعة الإعلامية التي تلعبها أمريكا الآن بإظهار رئيسها "أوباما" وهو من الأمريكان السود، ما هي إلَّا لتجميل صورة أمريكا أمام الرأي العام العالمي خاصةً دول العالم المتقدم!.
وبعد تفكيرٍ طويلٍ، حملتُ كلَّ الحقائق التي أعرفها عن المجتمع الأمريكي وأعايشها يوميًّا في مجتمعي الصغير بالسعودية، ومعها تلك الذكرى المؤلمة أو الانطباع الأَوَّلِي عن مجتمع الجريمة التي رأيتها في العام 1982، وقرَّرتُ أنا وأبنائي أن يكون جزء من برنامج رحلتنا لصيف 2008 زيارة أمريكا حتى يقف أبنائي على الواقع الأمريكي بأعينهم ويكوِّنوا آراءهم وانطباعاتهم الذاتية، وبما يساعد مناقشاتنا بعد ذلك على أساسٍ من الواقع.
وقبل أن ننطلق إلى أمريكا كانت لنا جولة قصيرة في أوربا بمتاحفها وثقافتها ونظافة مُدُنها وشوارعها وهدوئها، ورُقي تعامل شعوبها وتمسكهم بالقِيَم الأخلاقية والإنسانية من صدقٍ وأمانةٍ ولطفٍ، وكنا سعداء بهذا التمازج بين الواقع البريطاني والإعلام المرئي، فلم يكن هناك أي تناقض بين ما نعايش وما نرى، ناهيك عن حرية التعبير بمعناها الحقيقي والشامل لحرية العقيدة والسياسة والفكر وكذلك للخطوط الفاصلة والواضحة بين الممنوع والمسموح، فاحترام الفرد كقيمةٍ هي سِمَّة المجتمع الأوربي وخاصة البريطاني.
انتهت الفترة الزمنية المُحدَّدة لزيارة بريطانيا وِفْقَ البرنامج، صليتُ ليلة السفر وشعرتُ برهبةٍ شديدةٍ، ودعوتُ الله أن يجعل لنا ما فيه الخير من أمر هذه الرحلة، ولكن ظلَّ حال "القبض" ملازمًا لي..
وللحديث بقية ...
رحلة إلى أرض العم سام (2) :معاناةٌ من نوعٍ آخرٍ
الاثنين 1 ديسمبر 2008
بعد انتهاء البرنامج المخصص لزيارة بريطانيا، كانت وجهتنا إلى أمريكا، حيث لا يوجد VIP في صالة المطار بحسب ما هو متعارف عليه في كلِّ مطارات العالم تقريبًا، فبالرغم أن في بريطانيا الكلُّ سواسية في الحياة اليومية ولكن في المطارات البريطانية هناك صالة VIP للمعاملات الرسمية؛ عكس أمريكا تمامًا حيث الدولار هو سيد الموقف ولغته هي اللغة الوحيدة التي تجعل من الشخص VIP أم لا !.
في مطار أورلاندو كانت بداية المعاناة وتفسير حال "القبض" الذي لازمني منذ بدأت الرحلة إلى أمريكا، معاملة العرب أكثر من سيئة؛ وإذا كنتَ خليجيًّا فالمعاملة أشدُّ غلظة، تتكرَّر الأسئلة والاستجوابات والتحقير، فإذا أدركوا عدم إتقانك للغة الإنجليزية كالوا ما شاءوا من السبِّ والشتائم، والحمد لله الذي علَّمنا لغة قوم فأَمِنا مكرهم.. فبعد انتظار سبعة ساعات في صالة المطار وبعد تدخُّل طاقم الطائرة البريطانية خرجنا من المطار شاكرين الله على السلامة، رغم الإنهاك والإعياء الذي كنا نعانيه نتيجة لساعات سفرٍ طويلة تجاوزت في مجملها نحو 13 ساعة.
انتهى الفصل الأول من الرحلة، لنبدأ رحلةً من نوعٍ جديدٍ، فكلُّ مَن يعرف أو حتى يخمِّن أنك خليجي يحاول استنزاف أكبر قدرٍ ممكنٍ من نقودك، وبما أنني أردتُها رحلة سياحية عادية وأن أعيش الواقع بكلِّ تفاصيله، وليست رحلة استنزاف وزيارة للمحلات ذات الواجهات البرَّاقة ، كان عليَّ أن أتحمل كلَّ ما في هذا الواقع وأتحمَّل مفاجآته؛ أو بالأحرى صدماته.
بدأت رحلة العذاب مع شعبٍ جاهلٍ لا يعرف ما يدور حوله، لا يعرف الخليج إلَّا إذا ذُكِرَت العراق، ثقافته الوحيدة هي "التسلية" أو كما يُعرَف بثقافة البلاستيك، فكلُّ ما يحيط بك غير حقيقي؛ بلاستيك يتحرك هنا وهناك، لا يعرفون معنىً للسياحة وصناعة السياحة أو معاملة السُّياح بأي شكلٍ من الأشكال، أو حتى المعاملات الآدمية البسيطة، القبحُ يسيطر على كلِّ شيءٍ حولك، مناظر مقززة، أجسام عارية، أرتال من اللحم تتحرك دون ورعٍ، إباحية وفجور بشكلٍ اعتيادي، من المألوف أن ترى في الشارع الشباب والشابات النساء والرجال الكل يرتدي الشورت الضيق والتي شيرت الواسعة بغض النظر عن الأفخاذ المتدلية هنا والأذرع المتساقطة هناك، ومن خلال هذه المناظر بدأتُ أفسِّر ما عليه حال أولادنا وبناتنا في السعودية والخليج عامةً من بدانةٍ وتدهورٍ صحيٍّ، فإذا كانت ثقافتهم وأُسوتهم مُستَقاة من شخصيات لا تعرف إلَّا الحياة البوهيمية والسَّفه الترفيهي بالتأكيد أن هذا سيكون حالهم ولا ريب.
الحياة في شوارع "نيو أورلاندو" أشبه بالسوق المفتوح كلُّ شيءٍ فيه مباحٌ ومتاحٌ، ثقافة الوجبات السريعة والكميات والأحجام الكبيرة هي المسيطرة، هذه المطاعم التي تستحق بكلِّ جدارةٍ لقب "مستنقع المخلفات" فالقاسم المشترك الأعظم هو الدهون ومُكسِّبات الطعم والكميات الكبيرة، وكفى بهذه الخلطة تدميرًا لأصلب معدة!.
رحلة إلى أرض العم سام (3)إعـلام مـوجـه
الاثنين 8 ديسمبر 2008
تناولنا في المقال السابق النمط الغذائي السيئ للشعب الأمريكي، وأعتقد أن هذه النوعية من الطعام والتي يلتهمون منها كميات خرافية؛ غيَّرت جيناتهم الطبيعية وعملت فيهم عمل شرائح التحوُّل التي نراها في الأفلام الأمريكية، هيئات وحشية في أجسامٍ بشريةٍ تمامًا كما في أفلام الخيال العلمي...
والحديث عن الإعلام يصل بنا إلى مربط الفرس، ففي أمريكا المواطن يتعامل مع إعلامٍ لا يرهقه بمشاكل العالم الخارجي ولا الحروب، أو يؤذيه بمناظر الجياع في الأرض أو بحالات الأوبئة والفيضانات، فهو مُغيَّب تمامًا عن العالم الخارجي باستثناء تلك الأخبار اليسيرة التي يكون لأمريكا مساهمة في صنعها وبأسلوب هامشي جدًّا.
ومن جهةٍ أخرى يُكمل الإعلام لعبته في صناعة فكر وثقافة المواطن الأمريكي فيقدِّم له كلَّ ما يثير شهواته في أي وقتٍ من الليل أو النهار - عكس أوروبا التي يحرص إعلامها على الرقابة الأسرية في المشاهدة وبث البرامج أو الأفلام -، ولا غرابة بعد ذلك إن وجدتَ التحرش يحيط بك في كلِّ مكانٍ وبمختلف الصور، وأعلى معدلات الانتهاك والاغتصاب هي في أمريكا.
ويستكمل الإعلام مثلث الثقافة الأمريكية بالمال، الذي به يكتمل مثلث التحوُّل اللاإنساني "الجنس والمال والنفوذ" فهم أناس يعيشون بالمال ومن أجل المال وللمال. الدولار هو محور الدائرة الكونية لديهم، ومهما كان مستوى الدخل فلابد أن تعيش برفاهيةٍ وتلبِّي كلَّ الاحتياجات من شهوات وترفيه يوفرها نظام البنوك التي تُقرِض بالربا، فالطفل الفقير لديه هناك كلَّ شيءٍ؛ ببساطة لأنه يملك بطاقات ائتمانية وأهله غائبين عنه طيلة 24 ساعة.
الثلاجات مليئة بالطعام الفائض عن الحاجة وفي المقابل مزيدٌ من المرضى النفسيين والجسديين، وهو النهج الذي اعتقد أننا بدأنا نسير على الخطوات نفسها.
وللحديث بقية...
رحلة إلى أرض العم سام (4) :حـُرِّيـة مُقنَّنـة
الاثنين 15 ديسمبر 2008
الحُرِّية الأمريكية ليست هي تلك الحُرِّية المُطلقة المُتخيَّلَة لدى البعض، فأنت في أمريكا مُراقَب من كلِّ مَن حولك، في بيتك وهاتفك وسيارتك وتحرُّكاتك وسكناتك وإيميلاتك، لا خصوصية فردية، فالمعلومات لابد أن تتوفر للأجهزة المعنية مهما صغُرت أو كبُرت فهي مشاع.
أعتبر أن المواطن الأمريكي إنسان على هامش الحياة، يجسِّد حالته الفيلم الكرتوني "Wally" الذي يمثِّل حياة أناس هربوا من قنبلةٍ ذريةٍ فأخذتهم غواصةٌ إلى عالمٍ آخرٍ في مكانٍ ما من الكون وظلَّ الترابط بينهم عن طريق أجهزة الكمبيوتر ولكن كلُّ واحدٍ منهم يعيش في معزلٍ عن الآخرين، فالشعب الأمريكي مُبرمَج جسديًّا وعقليًّا وليس لديهم أدنى اعتراض، منشغلين في حياتهم، كلُّ همهم في هذه الحياة الدنيا الحصول على المال فيعملون ويعملون لينصرف هذا المال بعد ذلك في الترفيه والتسلية، وأصبح كثيرٌ مِنَّا ينزلق إلى الهُوَّة نفسها، فهو الإعلام ولا شيء إلَّا الإعلام، خصوصًا بعد أن أصبحتْ أجهزة استقبالنا الفكرية والوجدانية مُوجَّهة لكلِّ ترددٍ أمريكيٍّ تستقبله بوضوحٍ لا مثيل له، والكارثة أن أجهزتنا أصابها العطب فلم تعد تستقبل أو تقلب بحثًا عن أية قنوات أخرى تحمل فكرًا مغايرًا، يُصدِّرون لنا البرامج الحوارية التي تصحبها دعاية وعناوين برَّاقة لمناقشة المشكلات والفضفضة التي تحوَّلت إلى كشف الستر حتى ما بين العبد وربه، ويقدمونها لنا على أنها أيقونات إعلامية مقدسة، في حين أن هؤلاء الذين تنقل لنا تلفزيوناتنا العربية برامجهم على أنهم مُصلحي هذا العصر هم مُلاحَقون قانونيًّا وقضائيًّا في أمريكا وتُعلِّق فضائحهم الجرائد الشعبية يوميًّا.
لا ألوم بعد ذلك شابًّا من شبابنا أو أيًّا من فتياتنا وهي تقلِّد النموذج الأمريكي طالما أن قنواتنا العربية تدفع الملايين لتروِّج لهذه البرامج وتنقل لنا الإعلام الأمريكي ليبث سمومه اللاواقعية في بلادنا على طبقٍ من فضةٍ، في خارطةٍ إعلاميةٍ أمريكيةٍ مُحكَمة الصُّنع إلَّا مَن رحم ربي ووعى لما يحثه عليه دينه، ونحن في تقليدنا لا نقلِّد سوى ما ينقله لنا الإعلام من إبهارٍ لتلك الحياة الزائفة، إعلام لا ينقل همجية وقذارة الشعب الأمريكي ولكنه إعلام التغييب، يغيِّبَنا عن الحقيقة بوهم الممثل الأمريكي وحياة الترف الأمريكي، يريدون أن يبيعونا ما ليس لديهم من ثقافةٍ وحريةٍ وديمقراطيةٍ وخدمات وبنية تحتية، في حين أن الإنسان هناك لا قيمة له إلَّا إذا كانت محفظته مُتخَمة بالدولارات والبطاقات الائتمانية.
وللحديث بقية...
رحلة إلى أرض العم سام (5) :لا أثر لعرب أمريكا
الاثنين 22 ديسمبر 2008
بدأ تأثير المُنغِّصات السابقة على أفراد رحلتنا جميعًا، لدرجة أن ابني الصغير طالبني بالعودة إلى بريطانيا أو أي مكانٍ آخرٍ في العالم غير أمريكا، طفح بنا الكيل من التقزُّز الذي تعجُّ به الحياة الأمريكية، وزاد الحنين لأي شيءٍ يحمل الرائحة العربية، فوصلنا إلى قريةٍ عالميةٍ مُصغَّرة داخل مدينة ديزني تمثِّل هذه القرية دول العالم كلَّه بما يميزه من مباني أو أطعمة أو تراث، وفي القرية لا يتم تعريف العرب إلَّا من خلال "المغرب" وحتى هذه لا يوجد داخلها أي شيءٍ من المغرب، حيث يوجد ركنٌ صغيرٌ وليس مبنى كسائر المباني الأخرى، وداخل هذا الركن تجد مُجسَّمات للجِمال باعتبار أن الجمل الرمز الأوحد للعرب، ويتبعه الرقص الشرقي والصاجات والعود!! هذه الرموز هي التي تعبِّر عن الثقافة والحضارة العربية الإسلامية في أورلاندو.
حاولنا أن نجد أي ملمحٍ عربيٍّ أو إسلاميٍّ فلم نجد سوى أناس ضاعت هويتهم، فلا هم أمريكان ولا هم عرب.
واختتمتُ رحلتي إلى أورلاندو بحالةٍ من الاشمئزاز والتفكُّر في ذات الوقت فيما رأيته في رحلتي التي كشفت عورات أمريكا، بلد لا يوجد فيها شيءٌ من المحلية ولا سِمة تصبغها وتميِّزها عن أي مكانٍ آخرٍ، وجوه مسطحة لا تكاد تتعرف إليها حتى تنساها، فأورلاندو بلد سياحي؛ أو بمعنى آخر محطة عبور، ولكن أهلها لا يعرفون عن السياحة شيئًا ولا يجيدون فنون التعامل السياحي، كلُّ مَن فيه يعيش بشكلٍ مؤقتٍ، ولا يعرفون بعضهم البعض وليست لديهم حتى نية التعارف، خليطٌ من شعوب وقبائل فقيرة تشكِّل موجةً جديدةً لعبيدٍ من نوعٍ آخرٍ، وبأسلوبٍ جديدٍ، حيث المعاشات قليلة جدًّا وعمل شاق مقابل التصريح لهم بدخول "أمريكا".
كيف لي بعد ذلك أن أحترم وأقدِّس ثقافةً تتعارض في جوهرها وكلِّ صورها ومظاهرها مع ديننا الحنيف بكلِّ جوانبه، شعبٌ بلا تراث أو حضارة أو دين.. وأنا لا أنتقد الشعب الأمريكي فهو حُرٌّ فيما يرتضيه لنفسه من حياةٍ، ولكن كلمتي إلى المجتمع السعودي بشبابه وشاباته ورجاله ونسائه، فالدِّين حياة والدِّين المعاملة، وليس شعارات، ممارستنا الحقيقية للدين هي المناعة التي نواجه بها العالم ونُعلّم باقي الأمم كيف يكون الإنسان إنسانًا مُكرَّمًا كما أراد له الله سبحانه وتعالى }وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ {( {[1]). فالكرامة الإنسانية ليست بقيادة المرأة للسيارة، ولا بممارسة الحريات الشخصية بدون حدودٍ أو ضوابطٍ، حريتي التي تنتهي عند بداية حرية الآخر، ففي مفهوم الثقافة الأمريكية لا توجد الرحمة أو الاحترام، وكلمة "الأنا" طاغية عندهم بشدةٍ حتى المؤسسات الخيرية يذهب ثلاثة أرباع ريعها للمستثمرين والمؤسسين؛ لذلك فإن الجشع يطال حتى الأعمال الخيرية هناك.
وللأسف إن مثل هذه المفاهيم والانبهار بأمريكا تتغلغل في مجتمعنا كالسرطان خاصة في أبناء الطبقات الميسورة الذين هم عُرضة للغرق في بحر عولمتها بشكلٍ أسرع من غيرهم.
ولأن لكلِّ شيءٍ صدى، فصدى التأثير الإعلامي أصبح واضحًا ثقافيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، ففي الوقت الذي لا يمكن فيه إنكار التقدُّم العلمي والطبي والبحثي والتكنولوجي المذهل، والذي لا نجد له أي تصديرٍ لدول العالم الآخر، نجدها دولة مُصدِّرة للآفات الاجتماعية، وكما هو معلوم قدسيتهم للعمل ولكن ليس كقيمةٍ وإعمارٍ للأرض ولكن العمل كمَصدر للمال وتكريس للحياة المادية، أطفالهم مُرفَّهين لا يعرفون إلَّا الأخذ، مراهقيهم متمردين على كلِّ شيءٍ في الحياة.
كيف نحن كشعبٍ عربيٍّ مسلمٍ تَشرَّف بهبوط الوحي الإلهي بأرضه ننزلق إلى هذا التقليد الأعمى لمجتمعٍ لا يُمثِّل أي صنفٍ من الديمقراطية أو الحرية الإنسانية واحترام الإنسان كقيمةٍ؟
وللحديث بقية..........