eKtab
EN ع
الربيع الأسود
اقرأ عينة مجانية

الربيع الأسود

بقلم عبد العزيز خليل المطوع

صفحة 1
استهلالة
 
{وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (2)
 
العصر هو الزمن بوعائه الشمولي الكامل، ما مضى منه وما هو آتٍ، والعصر أيضًا هو الجزء المشهود من الزمن أو الجزء الحاضر المعاصر منه؛ أما الإنسان فهو الجنس البشري، سواء أكان فردًا له استقلاليته ودوافعه وميوله وقناعاته الخاصة، أم كان مجتمعًا بشريّاً له خصوصيته وقيمه وتوجهاته التي تنظم حركته الحضارية والثقافية والفكرية؛ وبهذا التمادي في مدلول اللفظ باجتماع الكل الشامل والجزء المحدود في كلمةٍ مقتضبةٍ واحدةٍ تكتمل روعة البيان ويكتمل مشهد المعنى؛ ففي هذا الزمن أو في هذا الأمد المتقاصر والمتطاول، يختار الإنسان وهو بكامل إرادته وإدراكه، فردًا كان أم مجتمعًا، أن يمارس الحركة في دائرة الحياة بطريقةٍ مؤديةٍ إلى الخسارة، أو إلى عدم الخسارة؛ أي أن الإنسان هو الذي يقرر أثناء فترة اجتيازه هذا الممر الزمني، إن كان يريد أن تأتي النتيجة أو الحصيلة النهائية لحركته الحياتية، حركةً سلبيةً وحصادًا فاشلاً بلا مكتسباتٍ وبلا نتاجاتٍ وبلا إيجابياتٍ بنائيةٍ·
 
وكما أن الكُلّي والجزئي مستوعبٌ لحالات الزمان والإنسان، فإنه يبدو كذلك مستوعبًا لحالات الخسارة، لأن تكامل متلازمة الكلّي والجزئي يعني شمولية مكونات المشهد الحياتي المتحرك؛ وهكذا، فإن حضور الكُلّي والجزئي في هذه السورة الفذّة يكاد أن يكون صفةً لازمةً لها؛ فالفرد الجزء تكون خسارته في افتقاده لمعرفة حقيقة الوجود ولطمأنينة النفس، والمجتمع الكُلّ تكون خسارته في وقوعه في المآزق والأزمات والانهيارات والكوارث أثناء رحلة بحثه عن المنهج النموذج؛ وكما أن الخسارة الدنيوية الجزئية تكون باجتناء الأمراض النفسية والأخلاقية، فإن الخسارة الأخروية الكُلّية تكون بالخلود في الجحيم، وفقدان فرصة الخلود الأبدي في النعيم·
 
{إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}
 
ولكن هذا الإنسان الخسور، ما تزال عنده فرصةٌ أو منحةٌ استثنائيةٌ لتفادي تلك النتيجة السلبية البائسة، إذا استطاع أن يمارس حركته في دائرة الحياة وضمن الوعاء الزمني نفسه بطريقةٍ مختلفةٍ، طريقةٍ مؤديةٍ إلى الفوز أو الربح؛ إنها فرصةٌ مشروطةٌ بالالتزام بمسارٍ عقيديٍّ ومنهجيٍّ وحركيٍّ موصلٍ إلى اكتساب الإيمان الحقيقي، وموصلٍ إلى إتيان العمل المنتج المثمر الذي به تتحقق مكتسبات ونتاجات وإيجابيات الحصاد الناجح؛ كأن العناية الإلهية باستخدام أدوات القَسَم والتوكيد والاستثناء، ترشد الإنسان الفرد والإنسان المجتمع إلى محدودية الاختيارات الصحيحة المفتوحة أمامه، وتدلّه إلى المنفذ التغييري الصائب الوحيد للخروج من الحلقة الخسائرية، إذا استطاع أن يستخدم مفاتيح الإيمان وعمل الصالحات، وإذا استطاع أن يتواصل مع بني جنسه بعلاقة التواصي من أجل فتح مغاليق تلك الحلقة المُحكَمة الإغلاق·
صفحة 2
{وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ، وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} (سورة العصر)
 
لأن الزمن أو العصر الذي يتفاعل معه الإنسان واحدٌ لا يتعدد ولا يتنوّع، فإن نوعية وطبيعة الجهود الإنسانية التي تتفاعل في داخله هي التي تصنع الفرق في النتائج، فالجهود الصانعة للمكتسبات والنتاجات والإيجابيات البنائية، هي تلك التي تتميز بكونها جهودًا قائمةً على علاقة التواصل والتواصي، وهي عملية تقويمٍ منهجيةٍ وموضوعيةٍ دقيقةٍ، ومشروطة بالالتزام بالحق الذي يمثله المنهج الرباني، بشرائعه وتكاليفه ومفاهيمه وتصوراته المؤطرة بالعلم والخير والرحمة والمصداقية من أجل إحداث التغيير في المسار من خاسرٍ إلى رابحٍ؛ كما تتميز تلك الجهود بكونها مشروطةً بالصبر، وهي عملية شَحنٍ ذهنيٍّ ونفسيٍّ وإيمانيٍّ لاستدعاء المقدرة على الثبات على المبدأ، والتشبث بالإرادة، والإصرار على الوصول إلى الهدف؛ وبهذا يصبح الصبر عملية انتظارٍ تفاعليٍّ وحركيٍّ وإيمانيٍّ لذلك الإنسان أو المجتمع الملتزم بتلك الجهود المشروطة، إلى أن يكتمل المفعول الزمني أو جرعة الزمن الضرورية لصناعة النقلة التغييرية واستحقاق النتائج الإيجابية، أو يحين أوان العصر الذي تتهيأ فيه الظروف المناسبة، لتأتي المساندة الإلهية بتحقيق الحالة التغييرية·
 
من هذه الأرضية تنطلق عملية التواصي بشقّها الأمرِيّ المحفز على التوجه الخيري والعمل الموجَب، وبشقّها النَّهَوي المحذر من التوجه الشرّيّ والفعل السالب، إنها عمليةٌ بنائيةٌ لا بُدّ أن تتضافر وتتكاتف فيها مهمة العالِم ومهمة الداعية ومهمة المربي ومهمة المفكر ومهمة الأب ومهمة الكاتب ومهمة الإعلامي ومهمة القائد في رسالةٍ واحدةٍ، عمليةٌ يجب أن تتوحَّد فيها الطاقات والمجهودات لنبذ اليأس وبذل المحاولة التي تجعل الإنسان يتفوق على نفسه، والتي تنقل حركته الحياتية من مساراتها الخُسرانية إلى مسارها الرابح، والتي تحُول دون ارتكاسه إلى النتيجة الصفرية التي تترصده؛ إنها عمليةٌ مليئةٌ بالأمل وبالثقة وبالإرادة وبالرغبة المخلصة في التغيير، ومليئة بالمحاولات وبالزخم وبالجهود وبالعمل الإنتاجي وبالمبادرات الدؤوبة، لا بالخمول المتكئ على التبريرات والمسوغات والأعذار؛ وبهذا يكتمل رأسمال العملية التغييرية: الإنسان والعلم والإيمان والإرادة والزمن والعمل، وهكذا يحدث التغيير: حركة الإنسان المؤمن في ممر الزمن، ودروس الماضي وذاكرته، وجهود الحاضر الإيجابية ومواجهة تحدياته، ورؤية المستقبل واستشراف طموحاته·
 
ولأن خسارة الإنسان مرتبطةٌ بتقاعسه وتهاونه في دائرة الزمن المهدور، ولأن محاولة تغيير النتيجة الخاسرة داخلةٌ في الإطار الزمني نفسه الذي تراكمت فيه الخسارة، فإن استعادة الثقة والتفوق على عوامل الإحباط والتردد المستمَدَّين من الإيمان ومن إرادة التغيير لإحالة الفعل الطائش أو الفوضوي أو العبثي إلى عملٍ صالحٍ ومنتجٍ وإبداعيٍّ وناجحٍ، جميعها مرتبطةٌ بالإنسان نفسه وبالزمن نفسه، وتلك هي أرضية الصراع الأزلية بين الحق والباطل، أو بين الخير والشر، أو بين الفوز والخسارة·
 
بين الاستهلال بالعصر أو الزمن، وبين الاختتام بالصبر أو انتظار انقضاء الزمن، توافق مذهلٌ لتثبيت العلاقة الوثيقة بينهما في ذهن الإنسان الصانع للتغيير؛ إنها استضاءةٌ رائعةٌ وضروريةٌ، لإدراك أن الصبر ليس انتظارًا سلبيّاً وتوقُّفًا يائسًا عن الحركة بانتظار صنائع الأقدار ليذهب ذلك الزمن الثمين بعد ذلك هدرًا، بل هو إمهالٌ للتأثير الزمني لكي يأخذ مداه اللازم، بعد أن تكون الجهود المُحدِثة لذلك التغيير قد أخذت موقعها الفعلي على برنامج المحاولة·
صفحة 3
الإهداء
 
إلى أمي··
 
التي كنت أفر من عالمي المضطرب إلى جبينها الوادع، لأجمع قواقع طفولتي من على هذا الشاطئ الملائكي، فهناك كانت ترسو قوارب صباي ونزقي، وهناك كنت ألوّن صورة غدي، وهناك كانت تراتيلها وصلواتها ومناجاتها تعلّمني أن إنسانية الإنسان تكمن في إيمانه بالله، وفي إيمانه بقيمة الآخرين واحترامه لإنسانيتهم، وأن ذخيرة الإنسان من العلم والأخلاق والعمل هي رأسماله الوحيد في مشروع استثمار الحياة، وأن المبادئ والقيم هي التي تجعله يواجه تحديات الحياة بأنَفة الرجال وكبرياء الشرفاء وتضحيات الأبطال ودموع المصلحين·
 
إلى أمي··
 
التي كان وجهها طفلاً كابتهاجة الزهر، وقورًا كموج البحر، خجولاً كالنجم وهو يختبئ في عباءة السحاب، كنت أرى في وجهها المسكون بالزمن حكمة الخريف وصبر الشتاء وذكاء الربيع وكرم الصيف؛ وكنت أرى في وجهها المسكون بالإيمان، إباء الإنسان الذي لا تغيره تقلبات الحياة، وثقة الإنسان الذي لا يتنازل عن المبدأ، وعزة الإنسان الذي لا يقبل بأقل من الحق·
 
إلى أمي··
 
التي كان قلبها بيتنا، قبل أن يكون لنا بيتٌ من الجدران والسقوف، وكان سماءنا وأرضنا وفضاءنا وعالمنا، قبل أن ندرك بأن هناك عالمٌ آخر فيه سماءٌ وأرضٌ وفضاءٌ؛ حتى إذا ضاعت خُطانا في دوامة ذلك العالم الكئيب، وتباعدت بنا المسافات، وجدنا قلبها الكبير بوصلةً لحيرتنا، وبلسمًا لجراح قلوبنا، ووجدنا وجهها الوقور قنديلاً يضيء كل زوايانا بالفرح والأمل، ووجدنا أمومتها حضنًا يضم كل مساحات مشاعرنا المهشمة، ويلملم كل شظايا ذاكرتنا المتناثرة، ووجدنا شوقها حديقةً تمسح عن أحداقنا نغص الحياة المتوحشة، وتزيل عن أكتافنا غبار الدروب·
 
إلى أمي··
 
التي طرّز الزمن أجمل ذكرياته على يديها وعلى أناملها، فقد كانت يداها الكريمتان واحتين لم تمنعهما قسوة الصحراء من حولهما من أن تكونا معطاءتين كينابيع الواحات، وأن تكونا وارفتين بالحنان كظلال الواحات·
صفحة 4
السطور الأولى
 
مع بداية انقشاع سُحيباتٍ من دخان الحرب الأمريكية على العراق، وعلى طبقةٍ شديدة الرقة من الرماد الذي كان يكسو جمر البركان أو البيت السياسي العراقي المتوقد بالأحقاد والثارات القديمة والحسابات التي لم تنتهِ عمليات تصفيتها إلى اليوم، بدأت بعض الآليات العسكرية الأمريكية تشق طريق عودتها، في مشهدٍ تمثيليٍّ لا يخلو من الكذب السياسي والتكتيكي والإعلامي، وبدأت معها أنظار العالم تتجه إلى المحطة أو الضحية التالية للمجنزرة العسكرية الأمريكية وحلفائها؛ في هذا التوقيت المتوتر، أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية سراح أجندتها الشرق أوسطيةٍ الجديدة تحت مسمى: الفوضى الخلاقة أو الفوضى المنظمة، وواكب هذا الإطلاق الجريء تسريباتٌ معلوماتيةٌ من مصادر غير رسميةٍ أو مقربةٍ من الرسمية، وكلها كانت تتحدث عن خارطةٍ جديدةٍ ودراماتيكيةٍ للشرق الأوسط المعذب، منذ خريطته الكاريكاتيرية المحنطة طبقًا للوصفة البريطانية الفرنسية التي بدأ مفعولها بسقوط دولة الخلافة العثمانية عُقيب انتهاء الحرب العالمية الأولى؛ ومع ذلك الإطلاق المثير والمزعج والوقح، إلا أن الشعوب العربية وأنظمتها السياسية لم تضع يديها على قلبها رعبًا من هول الزلزال القادم، بل إن القليلين جدّاً من المراقبين السياسيين هم الذين حاولوا استباق الأحداث بمحاولة رسم تصورٍ أو وضع توقُّعٍ منطقيٍّ أو تصميم سيناريوهاتٍ لشكل هذا التغيير الرهيب الذي سيكتسح أرض الواقع العربي الرخو والمتبلد، أو حاولوا التفكير في كيفية وقوعه؛ وفي ظروف ندرة المعلومات المتاحة، وغموض المصطلحات المستخدمة في عَنوَنة الأجندة السياسية المصاغة بطريقة شعارات العمليات العسكرية والبوليسية والاستخباراتية، كانت الأسئلة الحائرة أكثر من الإجابات المقنعة؛
 
فكان من أبرز الأسئلة المطروحة: من الذي يجرؤ على إحداث فوضىً ولو كانت منظمةً أو خلاقةً في منطقة الأسد الأمريكي الشرس، والمزروعة بعشرات القواعد العسكرية، وبعشرات الأنظمة السياسية الحارسة لمصالح القطب الأوحد؟؛
 
وكان من أهم الأسئلة المطروحة: وإذا حدثت تلك الفوضى، فكيف ستنجح أمريكا في إعادة النظام إليها، أو كيف ستنجح في إعادة صياغة (خلق) نظامٍ جديدٍ؟ (هذا بدون الدخول في التفاصيل الإيديولوجية والفكرية والاستراتيجية للنظام البديل القادم)·
 
وكان جميع المراقبين تقريبًا يراهنون على صعوبة، بل استحالة، حدوث مثل هذا التغيير الأشبه باللغز أو بالكوميديا التاريخية، ولو كانت أمريكا بِهيْلها وهيلمانها هي التي تريده وتخطط من أجله وتنتظر حصاد نتائجه، وذلك لأن مشاعر الكراهية التي عملت أمريكا عقودًا من الزمن على زرعها واستنباتها وتغذيتها وتأجيجها في تربة الوجدان الشعبي العربي، من خلال مواقفها المؤيدة لإسرائيل، ومن خلال حمايتها ومساندتها وتوجيهها للأنظمة السياسية المستبدة التي غرستها في الأرض العربية لتحكم شعوبها بالحديد والنار، وبالكبت السياسي والتخلف الحضاري؛ كل تلك الاعتبارات لا تساعد أمريكا على الحصول على التأييد والقبول الشعبي لمخططاتها التغييرية التي تعتمد في الأساس على مثل هذا التأييد والتقبل، ولو كانت مرتهنةً بإزالة عروش الأنظمة القمعية والاستبدادية وبإسقاط الآلهة والطغاة المتربعين عليها·
صفحة 5
القليلون الذين توقعوا وقوع الصاعقة التغييرية(1)، جميعهم كانوا ينتظرون طبول الحرب، وينتظرون أزيز رصاص الحلول العسكرية الأمريكية، ولكن أمريكا المختلفة في كل شيءٍ، لا تتوقف عن مفاجأة الجميع، فكانت شرارة البداية محمولةً على عربة خضراواتٍ يجرها ويرتزق منها شابٌّ جامعيٌّ تونسيٌّ مغمورٌ وعاطلٌ عن العمل، فكان أن تلقى هذا الشاب البائس الهارب إلى رصيف واقعه المرير صفعةً مؤلمةً من شُرطيةٍ، أي من امرأةٍ، مع أن العالم العربي والإسلامي بأكمله متهمٌ بحرمان المرأة من حقوقها ومن عدم مساواتها مع الرجل، ولكن الأنظمة العلمانية ونشطاء المجتمع المدني والتنويريين والحداثيين وجهود منظمات الأمم المتحدة الأنثوية لإعادة الحقوق إلى المرأة ومساواتها بالرجل، كل أولئك جعلوا امرأةً تصفع رجلاً فحلاً، فكانت الحرارة المتولدة من تلك الصفعة الإذلالية كافيةً، لا لإشعال نارٍ في جسد الشاب المقهور ليموت منتحرًا حرقًا، بل لإشعال ثورةٍ شعبيةٍ عارمةٍ، وللإطاحة بطاغيةٍ عنيدٍ من أعتى طغاة العصر الحديث، ولإسقاط واحدٍ من أضخم أصنام الهيكل الوثني الذي يقوم عليه النظام السياسي الحاكم في الوطن العربي·
 
هكذا سقط رمزٌ من رموز الطغيان والتخلف والفساد، ولكن هذا السقوط المفاجئ لم تصنعه الإرادة الشعبية الباهتة والهيجان الشعبي الخجول وغير المنظم وغير المقنِع وحدهما، بل كان الموقف والقرار السياسي الأمريكي والأوروبي المؤازرين للجماهير التي أقامت طقوس تلك المظاهر التظاهرية عاملين شديدي المساعدة في إعطاء إشارة الإجازة للتغيير، فانتقل حراس النظام الأمناء الأخلاء بطريقةٍ أوتوماتيكيةٍ إلى الجهة المقابلة، وقام الجيش التونسي بتهريب الإله المترنح بطريقةٍ لا تُفسَّر ضمنيّاً إلا أنها إنهاءٌ لعهدٍ سياسيٍّ بائدٍ، وابتداءٌ لعهدٍ سياسيٍّ جديدٍ غامضٍ؛ وهكذا، وبين عشيةٍ وضحاها، وكما خططت أمريكا وتوقعَت، تناست الجماهير العربية ملامح الوحش الأمريكي المتعجرف الدموي البغيض الذي كان وما يزال واقفًا في الخندق الإسرائيلي بدعمه اللامحدود سياسيّاً وعسكريّاً واقتصاديّاً وفيتويّاً، وتناست ملامح الوحش الأمريكي الذي أباد مئات الآلاف من العراقيين والأفغان والصوماليين، وتناست ملامح الوحش الأمريكي الذي دبَّر للعالمين العربي والإسلامي مئات المؤامرات والمخططات لإبقاء المنطقة العربية والإسلامية مجرد محطة استراحةٍ لقواعده العسكرية ولمصالح شركاته العابرة للقارات؛ وهكذا أصبحت أمريكا، بقليلٍ من البهلوانيات السياسية والإعلامية، بالنسبة للجماهير المغيبة عن الوعي والمثقوبة الذاكرة والمستجدة في حضانة الحرية، هي المنقذة وهي نصيرة الشعوب المغلوبة على أمرها، بل وتحوّل غول الفوضى المنتظرة الذي بشّرت به أمريكا إلى حيوانٍ داجنٍ يرحب به الجميع، والجميع يحاول أن يقتنيه، وأن يعمل على إيوائه؛ وبذلك تكون أمريكا، وبضربةٍ واحدةٍ فقط، قد تمكنت من وضع إجابةٍ مدهشةٍ ومنطقيةٍ ومقبولةٍ ومقنعةٍ لأكثر الأسئلة والألغاز صعوبةً، وهكذا وضع مسلسل الفوضى الخلاقة أو مسلسل الربيع العربي وهما اسمان لشيءٍ واحدٍ حبل الثورة على الجرّار، وبدأت السقوطات المدوية تتوالى·
صفحة 6
ولكن، كيف؟ ولماذا حدث ذلك؟ فهذا ما يحاول هذا الكتاب أن يتوصل إليه للخروج بإجاباتٍ واقعيةٍ وموضوعيةٍ، قدر ما أسعفت به الإمكانية كاتبًا غير سياسيٍّ، وهي إجاباتٌ أو استقراءاتٌ ناجمةٌ من تفحُّص ما بين سطور المشهد السياسي العربي، وهو في معمعة حالة الفوضى التي ما تزال جرافتها الأمريكية الصنع تمضي في إحداثها باقتلاع الأرضية القديمة للنظام السياسي والاجتماعي، تمهيدًا للبدء في افتعال الشق الثاني من حالة النظام أو إعادة التنظيم بطريقةٍ إبداعيةٍ أو خلاقةٍ(2)؛ إلا أنه يجب الاعتراف للقارئ، بأن الآراء والتنبؤات والتوقعات الواردة في هذا الكتاب لا تستند إلى معطياتٍ معلوماتيةٍ مؤكدةٍ، لأن مثل هذه المعلومات العالية السرية لن ترى النور قبل بضع عقودٍ من الزمن، ولكنها تستند إلى استحضار المعطيات العامة التي تحكم منطق التاريخ وحركته، وتستند إلى ذاكرة التاريخ التي لم تتعرض إلى الآن لعملية الفوضى والهدم والإزالة وبعثرة الأوراق وطمس الحقيقة، وتستند إلى استقراء الأحداث ومحاكمتها محاكمةً منطقيةً بمعطيات الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه المجتمعات العربية منذ عقودٍ·
 
عندما كتبت مقالي- المعاد نشره في هذا الكتاب- بعنوان: الحركات التحررية الثانية، وكان ذلك في 22 تشرين الأول (أكتوبر) 2007، أي قبل اندلاع الثورة التونسية بنحو أربع سنوات، لم أكن حينها أملك من المعلومات الاستخباراتية والبحثية ما يمكن أن يوحي لكاتبٍ مثلي بمثل هذا التنبؤ المندفع بطيشٍ شديدٍ في عكس اتجاه التيار السياسي السائد، فقد كانت بحيرة الأوضاع السياسية في الوطن العربي شديدة الاستنقاع والركود، ولم يكن الداخل العربي يزداد إلا سوءًا وقمعًا واستبدادًا وتهميشًا للشعوب، كما لم يكن الخارج الدولي يزداد إلا إهمالاً وازدراءًا للقضايا العربية، لاسيما وأن هستيريا الحرب على الإرهاب قد أعطت الحكومات ضوءًا شديد الاخضرار لاجتثاث أي صوتٍ وإخماد أي ضميرٍ ولو كان ينادي بإصلاح أساليب جمع القمامة؛ ولكنني كتبت المقال من خلال استقراء الآليّة التي يتم بها افتعال الأحداث في الشرق العربي الذي ظل مُسيرًا وظل مسلوب الإرادة برغم احتفاليات الأعياد الوطنية البهلوانية الجوفاء؛ وأيضًا من خلال إسقاط حركة التاريخ على الواقع الذي تُمسك الأجندة الأمريكية بخناقه؛ الأمر المحزن الآخر، أنه على الرغم من شطوحي في الرأي بمعطيات ذلك الوقت، إلا أنني لم أتلقَّ أي تعليقٍ من أي قارئٍ يخالفني في الرأي، وهذا المرور الكِرامي على المقال، ليس لأنني لست بكاتبٍ سياسيٍّ كبيرٍ أو شهيرٍ، بل لأن الجماهير العربية كانت تعيش حالة مواتٍ كامل في الوعي، وتعيش حالة انعدامٍ كاملٍ في الاتزان الفكري، وكانت تعيش حالة فراغٍ كاملٍ في الذاكرة، وكانت تعيش حالة فقدانٍ أو تفريطٍ كاملٍ للهوية؛ وهذا مؤشرٌ صغيرٌ على أن ما وُصِف من الكرنفالات والتجمعات والتظاهرات الجماهيرية على أنه ثورةٌ، لا يصنف علميّاً تحت خانة الثورات؛ لأن الثورات الحقيقية والصادقة تتفاعل وتنضج وتتفجر في الشروخ الفاصلة بين جنون الاستبداد وعبثية الطغيان حيث تحتمي الأنظمة السياسية الفاسدة والمستبدة وراء رعونة البندقية وقهر القضبان، وبين شجاعة المحاولة وصمود الإرادة حيث يعرِّي الشعب صدره ليواجه رصاص القمع وأسوار الإلغاء بفكرة التغيير وبيقَظَة الضمير·
صفحة 7
خلال فصول الزلزال السياسي العربي الأكثر قوةً في التاريخ المعاصر، كانت الآلة الإعلامية هي نجم المشهد التغييري، بحكم تواجدها في قلب المشهد، لتُطل عليه- على حد زعمها- بنافذتها الواسعة جدّاً، ولكن إطلالتها المزعومة تلك، التي ظلت زمنًا ممزقةً ومترددةً بين تأييد النظام أو تأييد الجماهير، بين تأييد الاستبداد أو تأييد الثورة، لم تكن إلا جزءًا من عملية الخداع السياسي، لأنها لم تكن تعرض في الحقيقة سوى صورةٍ صغيرةٍ جدًا وضيقة الزاوية من ذلك المشهد؛ وسواء أكان هذا الإعلام عالميّاً أم عربيّاً، فإن الإضاءات التي عملت الآلة الإعلامية من خلالها على هضم الأحداث العسرة، وتقديمها إلى رجل الشارع في شكل وجبةٍ سريعةٍ تتيح له فهْم ما يجري، واستشراف ما سيحدث مستقبلاً، جميع تلك الإضاءات لم تَزِد المشهد إلا غموضًا وضبابيةً، ولم تكن سوى ضحكٍ على ذقون البسطاء وأصحاب التفكير العاطفي المسطح، وأولئك الذين لم يستفيقوا حتى الآن من صدمة الحادي عشر من سبتمبر 2001، ولا يريدون أن يُصدقوا إلا ما تعلكه آلة الإعلام من الكذب المكشوف والرخيص؛ هذا الكتاب أيضًا محاولةٌ متواضعةٌ أيضًا لمناقشة أو فهم طبيعة الدور أو المهمة الإعلامية القديمة والمتواصلة في برنامج تنظيف أو كنس الذاكرة العربية، وفي حشوها بما يتناسب من الألعاب السحرية الإعلامية، وبما يتناسب من التفاهات الفكرية والثقافية، وبما يتناسب من المستوى المهني الهابط، مع معطيات هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الأمة؛ بل إن الأدهى من ذلك ينتظر دوره وتوقيته على خط الإنتاج الإعلامي والسياسي، إذا لم تستيقظ الجماهير والمجتمعات العربية من غفوتها الحضارية، ومن تقاعسها الإصلاحي، ومن غفلتها الاستراتيجية·
 
سيلاحظ القارئ مدى الحضور الأمريكي في جميع المقالات والموضوعات التي تعرض لها الكتاب، وهكذا هو الواقع العربي، حيث يكاد الحضور الأمريكي أن يهيمن على جميع مفردات حياته اليومية، من السياسة إلى الاقتصاد إلى الثقافة إلى مستحضرات التجميل·
 
عبدالعزيز خليل المطوع
 
ذو الحجة 1433، تشرين الأول (أكتوبر) 2012
صفحة 8
طريق البارود
 
(المسار الجغرافي والسياسي والفكري الذي يتحرك عليه العتاد العسكري والتطور التقني والمساندة السياسية من الغرب إلى إسرائيل، ويتحرك عليه التخلف المعرفي والاغتصاب والغزو الثقافي من الغرب إلى العالم العربي)
 
في أوقات تأزّم المواقف بين العرب وأعدائهم التقليديين، كأوقات الانتهاكات والاعتداءات والاستباحات، عندما يتساقط المزيد من القنابل الإسرائيلية والأمريكية والأوروبية المحرمة وغير المحرمة على رؤوس العرب سواء أكانوا لبنانيين أم فلسطينيين أم عراقيين أم مصريين، لتحصد أرواحهم وتدك منازلهم وتحرّق أشجارهم وتأتي على أخضرهم ويابسهم؛ هنا، يزداد سوق الكلمة العربية رواجًا وتألقًا، وتزداد وتيرة المقدار الكمي والعاطفي والتجاري للمقالات المدبجة والخطب العصماء والمزايدات الشخصانية على صفحات الصحف والمجلات السياسية، وعلى شاشات التلفزة العربية، وأيضًا فوق منصات المؤتمرات والاجتماعات الأممية ذات التمثيليات الفاشلة التي تضع الولايات المتحدة جداول أعمالها وسيناريوهاتها الكوميدية، والتي تمسك بخطام حلولها الموعودة لتقودها إلى المزيد من التعقيد السياسي والتأزيم الإيديولوجي، وإلى المزيد من الوعورة الاستراتيجية، وإلى المزيد من القابلية للإبقاء على المصالح الإسرائيلية والأمريكية في أفضل حالاتها، وإبقاء المصالح العربية في أردأ حالاتها·
صفحة 9
1· الجبهة العربية في استرخاءة السلام
 
في هذه الأجواء المتوترة والساخنة، اعتادت النخبة العربية، وهي تحت تأثير عقدة جلد الذات وتأنيب الضمير أن تعتبر الأمة أصفارًا على الخريطة السياسية والحضارية العالمية، وأن تؤمن تمامًا بأن ما يحدث لها هو بالكامل استحقاقٌ قَدَريٌّ عليها، وثمنٌ بسيطٌ لأخطائها التاريخية والإيديولوجية الشنيعة التي لا تُغتفَر، وأن الدول العظمى، هي عظمى بمنجزاتها الحضارية وبمواقعها الجغرافية فقط، وليس بأحجامها الاستراتيجية التي بلغتها بابتلاع الآخرين جغرافيّاً واقتصاديّاً وثقافيّاً؛ أما الجماهير العربية فقد اعتادت وهي تحت تأثير عقدة كراهية الاعتراف بالنقص، وأسلوب التفكير السطحي والعاطفي، أن تتناسى إجراء المراجعات وتحليل الأخطاء ونقاط الضعف وجوانب القصور والخلل، وتكتفي بأن تصبّ لعناتها أو تشير بأصابع الاتهام إلى رموز الإرهاب العالمي الحقيقي أو الفعّال: الولايات المتحدة وإسرائيل وبريطانيا وأولمرت وكوندوليزا رايس وجورج بوش وبلير، ومعهم قائمةٌ طويلةٌ من الدول والأشخاص التي لم تنجح الأمة العربية إلى الآن، لا بتأنيب الضمير ولا باللعنات، في استدرار عطفها السياسي أو في إقناعها بتبني قضيتها أو في إغرائها بحل أزماتها التقنية والمعرفية والاقتصادية، أو حتى في لفت انتباهها إلى استشعار خطورة عدوها الحقيقي، ليس على سلام الأمة وأمانها فحسب، بل على السلام العالمي بكامله·
 
أما بين صولة الحرب والصولة التي تليها، عندما يسكت صوت الرصاص ويهدأ غضب المدافع، وتتوقف القنابل الانشطارية والعنقودية والمشبعة عن حصد الأرواح وتدمير المنشآت، فإن الصمت يعود ثانيةً إلى سوق الكلمة العربية، إلا من المزيد من الهذيان الفكري والابتذال الإعلامي والمزيد من الانطفاء الثقافي والمزيد من التخلف العلمي، وكأن العرب يلملمون بذلك عارهم، ويتجرعون مرارة هزيمتهم، ويلعقون جراحاتهم، ويحلمون بأمنيات السلام الموهوم، ويلوذون إلى الجناب الإلهي- الذي لا يعرفونه إلا عند الشدائد والهزائم والنكسات- متضرعين إليه بأن يجعل تلك الجولة الخاسرة هي آخر أحزانهم وآخر عاراتهم وآخر هزائمهم وآخر فشلهم، وأن يحصي في الحرب القادمة أعداءهم عددًا وأن يقتلهم بَددًا وأن لا يغادر منهم أحدًا، وأن يُيتّم أطفالهم وأن يرمّل نساءهم؛ ثم لا يزيدون على أن يبدأوا في إزالة آثار ذلهم ومهانتهم وانكسارهم، وأن يجرفوا أنقاض أبنيتهم وطُرُقهم وجسورهم المدمرة، ليعيدوا بناءها من جديد، وكأن الكونكريت والإسمنت والأسفلت هو كل ما يعنيهم، أما الإنسان المدمَّر، وأما الإنسان المهمَّش، وأما الإنسان المقهور، فلا أحد يفكر في إعادة ترميم ثقته النفسية، أو إعادة بناء تصدعاته الفكرية، أو إعادة تكوين هويته الثقافية؛ أما على جبهات القتال والمواجهة، فالجنود العرب- الذين تصعب تسميتهم بالمحاربين، لأن المحارب صاحب مبدأٍ وصاحب رسالةٍ يقاتل من أجلهما، وليس موظفًا يتقاضى أجرًا من أجل أن يؤدي مهامه المحددة على قائمة الوصف الوظيفي- ليس لديهم أساليب قتاليةٍ جديدةٍ يتدربون عليها، ولأنه ليس لديهم معداتٌ عسكرية جديدةٌ ومتطورةٌ، فإن معداتهم العسكرية القديمة وغير المتطورة سيعاد حشوها بالذخائر المتخلفة والعديمة الفاعلية نفسها؛ وأما المسؤولون الرسميون والسياسيون العرب، الذين تصعب تسميتهم بالعسكريين والمخططين الاستراتيجيين، لأنهم لا يتمتعون بالمؤهلات العقيدية والأخلاقية ولا بالجرأة النفسية ولا بالإمكانات العلمية والتقنية الضرورية لذلك، ولأنهم أجبن وأعجز من أن يقترحوا خططًا مستقبليةً أو برامج أو مبادراتٍ أو أفعالاً هجوميةً، فإنهم يتفرغون للصراع على المناصب، وعلى تقاسم النفوذ والثروة، وعلى تصفية الحسابات وعلى حماية المصالح الشخصية؛ وعلى هذا المنوال السُّدائي، تذهب السنون والقرون من أزمنة الأمة العربية هباءًا منثورًا، كما تذهب جهودها وثرواتها وأجيالها هدرًا في إعادة بناء الكونكريت والأسفلت الذي ستأتي إسرائيل أو أمريكا أو ربما أثيوبيا بعد بضع سنين لكي تُحيله قاعًا صفصفًا·
صفحة 10
2· أغنيات الحرب في أوقات السلام
 
أما العسكريون والسياسيون والاستراتيجيون الصهاينة الذين دائمًا ما تضع الحرب أوزارها المحسومة النتيجة لصالحهم، فإن مهماتهم لا تنتهي عند هذا المفصل الزمني، بل تبدأ على الفور جولةٌ جديدةٌ يستغلون فيها الوقت الثمين في إعادة تنظيم جبهتهم الداخلية وتهيئتها تقنيّاً وعسكريّاً ونفسيّاً وفكريّاً لصولةٍ قادمةٍ من حرب إبادةٍ جديدةٍ ضد أعدائهم التاريخيين من العرب والمسلمين، وتبدأ مخططاتٌ جديدةٌ من أساليب إضعاف الخصم بتكثير نقاط ضعفه وتقليل نقاط قوته، ولو بالدسائس والمكائد؛ وأما الهدف القادم والأسلوب القادم والكمين القادم فلا أحد يمكنه تخمينه، لأن الأجهزة المعلوماتية العربية أضعف من أن تتوصل إليه، ولأن الإجرام والإرهاب الحقيقي لا حدود لآثامه ولا حدود لأطماعه، وهكذا تظل النتيجة المطلوبة صالحة الفاعلية ببقاء العرب الأعداء مهزومين نفسيّاً قبل أن ينهزموا عسكريّاً·
 
هنا أيضًا يعود الجنود والمحاربون الإسرائيليون- بمن فيهم جنود الاحتياط- إلى التدرب على أساليب ووسائل قتاليةٍ جديدةٍ، وإلى الانشغال بتهيئة معداتهم العسكرية وتنظيف مدافعهم وصيانة دباباتهم وتحسين قدرات طائراتهم، التي أنهت جولةً جديدةً من صولاتها الناجحة، وتخلصت من حمولتها من القنابل والصواريخ والذخائر التدميرية القديمة، ليبدأ تحميلها بقنابل وصواريخ وذخائر جديدةٍ هي أكثر فتكًا وأشد تدميرًا، مما زودتها به النخوة الصليبية الأمريكية، عن طريق المطارات والموانئ البريطانية والأوروبية، عبر طريقٍ لا تُقفِر أبدًا من القوافل وخطوط الإمداد البحرية والجوية التي تحمل كل مواد ومعدات وأسلحة القتل والإبادة؛ وهي طريقٌ ملعونةٌ يصح للعرب أن يطلقوا عليها اسم طريق البارود أو طريق الأحقاد، لأنها طريقٌ تحمل في كل يومٍ، بل في كل دقيقةٍ، مؤامراتٍ ومخططاتٍ تستبقي فوارق ميزان القوة وميزان المعرفة وميزان الفاعلية الحضارية، وتحمل موتًا وهلاكًا لا يجد طريقه إلا نحو النحور العربية والمسلمة؛ إنها طريقٌ ممهدة بالإيديولوجية القائمة على العنصرية الغربية، وعلى العداء التاريخي لكل ما هو إسلاميٌّ وعربيٌّ، وعلى استراتيجية حماية التواجد الطفيلي للكيان الإسرائيلي واستبقائه مغروسًا ومتوحشًا في خاصرة المنطقة، وهذا ما يستدعي إبقاء المحيط العربي العملاق حجمًا ضعيفًا ومفككًا وفاقد الوعي، وإبقاء البؤرة الضئيلة للكيان الإسرائيلي قويةً ومتماسكةً وفي قمة التيقظ·