صفحة 1
مقدِّمةٌ
منذُ ولادتِيَ وأوائلِ سنينِ طفولتِيَ كانَ أكثرُ الأسئلةِ تَحييراً وإحراجاً لِيَ هو ما اسْمِيَ وأصْلِيَ، أيْ اسْمُ قبيلتِيَ. في تلكَ الأيّامِ علمْتُ من إمامِ مسجدِ القريةِ القديمِ أنَّ أصْلِيَ وأصولَ أجدادِيَ، وكما بقيّةُ الأحياءِ الأخرى، تعودُ كلُّها إلى الماءِ!؟. لذلكَ حاولْتُ اقتفاءَ آثارِ آبائِيَ وأجدادِيَ كيْ أحدِّدَ شجرةَ عائلتِيَ، لكيْ أتَمكّنَ من مواكبةِ متطلباتِ الحياةِ والمُجتمعِ البشريِّ من حولِيَ. تَطَلَّبَ منّيَ الأمرُ أنْ أذهبَ بفكرِيَ وذهنِيَ إلى قيعانِ البحارِ والمُحيطاتِ وأنْ أفتّشَ في الواحاتِ والسّبخاتِ وأُسائلَ جداولَ الماءِ والمستنقعاتِ، وأنْ أناجِيَ حتى الأقداحَ التي كنتُ أحاولُ دائماً الارتواءَ من مائِها. وما أنْ تقدّمَ بِيَ العمْرُ قليلاً واتّسعتْ عندِيَ دائرةُ العلْمِ والتّفكيرِ والصّحوةِ والفلسفةِ حتى اكتشفْتُ أنّني وأجدادِيَ تَمتدُّ جذورُنا جَميعاً إلى ما هو أعمقُ من ذلكَ وبكثيرٍ، وبشكلٍ يفوقُ قدرةَ الوصفِ والخيالِ البشريِّ. تعودُ جذورِيَ إلى حتى ما قبْلَ عصورِ "البارْيوناتِ والكوارْكاتِ"! الذي سادَ عقِبَ اللحظةِ التي تَلَتْ الانفجارَ الكونِيَّ الكبيرَ، باللغةِ الألْمانيّةِ "الأورْكْنال" (der Urknall)، الذي أدّى إلى نشوءِ الكونِ كلِّهِ. حدَثَ ذلكَ التكوينُ والتطوُّرُ في أتونِ "تَنّورٍ" وعلى حرارةٍ كافيةٍ لصهْرِ وإذابةِ وتبخيرِ كافّةِ أشكالِ التعصُّبِ الأنانِيِّ والقَبَليِّ والفاشِيِّ والعنصريِّ العِرْقيِّ والشوفينِيِّ. بعدَها عُدتُ ثانيةً لأسألَ إماماً جديداً للمسجدِ الصغيرِ، والذي خَلَفَ الإمامَ القديمَ الراحلَ، إنْ كانَ لديهِ أيُّ علمٍ أو معرفةٍ بذلكَ "الاكتشافِ"!؟. أجابَ مبتسماً وقائلاً أنَّ الأمرَ أكبرُ عمقاً وأكثرُ بساطةً وأعظمُ جديّةً من ذلكَ وبكثيرٍ؛ ذلكَ ما جعلني أعودُ بعمقٍ وبساطةٍ وجدّيةٍ أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى للاعتقادِ بأنّني كنتُ موجوداً قبلَ ذلكَ العصرِ الكونيِّ، في ذاكرة اللهِ أو في "اللوحِ المَحفوظِ". الآنَ أيقنتُ أنّني كنتُ على حقٍّ منذُ بدْءِ حياتِيَ عندَما رفضتُ أنْ أقبلَ أنْ يكونَ أصْلِيَ أقلَّ عراقةً من ذلكَ. أنا، وبكلِّ تواضُعٍ وفخرٍ، وُلدْتُ ورُبِّيْتُ على أنْ أكونَ صاحبَ مَجْدٍ وكبرياءٍ وعظمةٍ ..... حيّاً وبعدَ الفناءِ.
المؤلِّفُ
صفحة 2
ميلادُ وطفولةُ وصبا وبدايةُ شبابِ
"حَمَدْ ابن أبو جاسر"
في إحدى ليالي الصّيفِ القصيرةِ، وبعدَ منتصفِ الليلِ بقليلٍ، جاء المخاضُ السّيدةَ "أم جاسر" (جوريّة) لوضْعِ وليدِها الثامنِ والذي أَطلقَ عليه اسمُ "حَمَدْ" فيما بعدُ. ذهب أحدُ أولادِها البالغينَ لطلبِ المساعدةِ من قابلةِ القريةِ القانونيةِ، الحاجّةِ "محفوظة"، والتي لبَّت طلبَ هذه الفلاحةِ المثقلةِ بِهُمومِ الأولادِ وكسبِ الرزقِ ومساعدةِ معيلِ الأسرةِ الوحيدِ والمكونةِ من عشرةِ أفرادٍ الآنَ. ما بينَ السّاعةِ الثالثةَ والرابعةَ صباحاً تَمكّنتْ هذه الأمُّ الكادحةُ من وضعِ جنينِها والذي تَمَّ وضعُهُ في لُفافةِ قماشٍ (عامّياً تعرفُ بِ"اللِّفاعِ") بيضاءِ اللونِ مستعمَلةٍ من قبلُ لأطفالٍ ولدوا قبلَهُ في العائلةِ. عادةً ما يَتمَّ حزمُ اللفاعِ بوثاقٍ عريضٍ نسبياً من القماشِ الأبيضِ أيضاً لفترةٍ من الزمنِ من عمرِ الطّفلِ الرضيعِ. وبِما أنَّ الموسمَ موسمُ حصادٍ وجَمْعُ القشِّ من الحقولِ، حقولِ القمحِ والشعيرِ والنباتاتِ التي تنتجُ أعلافَ الحيواناتِ، كانت الأمُّ (أم جاسر) تُضطرُّ لتركِ وليدِها كلَّ يومٍ وفي الصّباحِ الباكرِ وتذهبُ إلى حقولِ قمحٍ وشعيرٍ تبعدُ أكثرَ من سبعةِ كيلومتراتٍ عن القريةِ مروراً بأراضٍ وطرقٍ جبليةٍ وعرةٍ. تَحْتَ رعايةٍ من بنتِها الصّغيرةِ "زولالة" كانت الأمُّ تتركُ لوليدِها قطعةً صغيرةً من حلوى "الراحةِ" ("حلوى الراحةِ" هي صناعةٌ تركيةُ الأصلِ وتَمتازُ بسهولةِ مضغِها وهضمِها ولسِنٍّ مبكّرةٍ جداً للمواليدِ الجددِ) موضوعةٍ في طرفِ قطعةِ منديلِ رأسٍ نسائيٍّ أبيضَ اللونِ؛ وُضعتْ في فمِ المولودِ للمَصِّ عند شعورهِ أو إحساسهِ بالجوعِ، وللتزوُّدِ بالسّكرِ اللازمِ لإبقائهِ على درجةٍ مقبولةٍ من الشبعِ.
مكانُ الولادةِ هو البلدةُ القديمةُ من القريةِ حيثُ يعيشُ ويَموتُ! الإنسانُ والحيوانُ جنباً إلى جنبٍ، وحيثُ يتوحَّدُ منامُ الأطفالِ مع مأوى الحيواناتِ التي تتألفُ من بقرٍ وماعزٍ ونعاجٍ وقططٍ وطيورٍ... ومن كلٍّ منها زوجانِ اثنانِ تقريباً!. لا يوجدُ حتى حائطٌ قصيرٌ يفصلُ هؤلاءِ عن بعضِهمْ البعضِ؛ هنالكَ كانت الحيواناتُ الكبيرةُ من مثلِ الأبقارِ والحميرِ توثقُ من رؤوسِها أو من أعناقِها أو حتى من أيديها وأرجلِها لِمنعِها من أنْ تطوفَ إلى المصطبةِ المخصّصةِ للبشرِ وأثاثِهمْ و"خوابيهِمْ". لا يوجدُ هنالكَ نظامُ تَهويةٍ في البيتِ ولو بشباكٍ صغيرٍ يسمحُ بتهويةٍ كافيةٍ. يَحرسُ البيتَ بابٌ كبيرٌ نسبياً مصنوعٌ من الخشبِ السّميكِ وبهِ سُكَّرَةٌ ومفتاحٌ من العيارِ الثقيلِ، ولا يقدرُ أنْ يفتحَ ذلكَ البابَ إلا ربُّ الأسرةِ والبيتِ أو شخصٌ آخرُ من نفسِ عيارِ القوّةِ تقريباً.
تشربُ كافةُ الحيواناتِ من إناءٍ على شكلِ حجرٍ كبيرٍ مكعّبِ الشكلِ كان قد حُفِرَ بهِ فراغٌ يَسْمحُ باحتواءِ الماءِ، تَمَّ وضعُهُ منذُ القِدَمِ خلفَ ذلكَ البابِ الخشبِيِّ الكبيرِ السّميكِ. ويشربُ أفرادُ العائلةِ من إناءٍ آخرَ، جرَّةٍ مصنوعةٍ من الفخارِ وقد رُبطَ بِها قَدَحٌ (كوبٌ أو ركوةٌ صغيرةٌ) من الألَمنيوم. كانت الأمُّ أو بناتُها اليانعاتُ يَجلبنَ الماءَ الصّالِحَ للشربِ من إحدى اثنتيْنِ من عيونِ ماءِ القريةِ، واحدةٍ تتوسطُ بيوتَ ومنازلَ القريةِ المتواضعةِ والأخرى في أقصى طرفِها الشرقيِّ. في أيامِ الصّيفِ تشحُّ المياهُ كثيراً، لذلكَ كانت النساءُ تَحصلُ على الماءِ بطريقةِ إدلاءِ دلوٍ مصنوعٍ من إطارِ السّيارةِ الداخليِّ بعدَ قطعهِ بشكلٍ عرْضيٍّ وخياطةِ (باستعمالِ مِسَلَّةٍ وخيطٍ سَميكٍ نسبياً) إحدى طرفيهِ بالمِسَلَّةِ والخيطِ ويُثَبَّتُ بالطرفِ الآخرِ طرفُ حبلٍ طويلٍ. كان الماءُ يُنتشلُ من عينِ الماءِ "لَحسةً" بِ"لَحسةٍ" (لغوياً كلمةُ "لَحسة" تعني كميةً صغيرةً من الماءِ كافيةٍ لإحداثِ "بللٍ" باللسانِ وذلكَ دليلٌ على شحِّ الماءِ في عينِ الماءِ) في عمليةٍ طويلةٍ ومضنيةٍ قد تستغرقُ بضعَ ساعاتٍ في غالبِ الأحيانِ لِمَلءِ وعاءٍ صغيرٍ خاصةً عندَ اشتدادِ الحرِّ في فصلِ الصّيفِ.
صفحة 3
كان لِلطفلِ "حَمَد" من العمرِ الثلاثةُ أو الأربعةُ سنينَ تقريباً عندَما حدثتْ أمامَهُ أوّلُ أخطرِ مواجهةٍ عنيفةٍ في عمرهِ آنذاكَ. ثعبانٌ، أحْمرٌ سَميكٌ وقصيرُ الطولِ رشيقٌ، "يُدَحْرِجُ" نفسَهُ أوّلاً في فناءِ البيتِ الخلفيِّ قبلَ أنْ ترصدَهُ الوالدةُ "أم جاسر" وتستنفرَ كلَّ قواها الجسميةِ والعصبيةِ والصّوتيةِ. ربَّما أغرى الثعبانَ للقدومِ هناكَ شكلُ ورائحةُ الكتاكيتِ والفراخِ اليانعةِ أو حتى الفئرانِ التي تكونُ قد أضناها الانتظارُ في جحورِها وجاءتْ تبحثُ عن حبوبِ السّمسمِ واللوزِ والجوزِ المقشورةِ. أجبرتهُ "أم جاسر" على الانكفاءِ داخلَ أحدِ الشقوقِ العريضةِ الموحشةِ في ذلكَ الجدارِ القديمِ الذي يفصلُ البيتَ عن الجيرانِ والمعمولِ من الطينِ وحجارةٍ من الجبلِ. سَمِعَ أحدُ الجيرانِ، السّيدُ "أبو هَبْهَبْ"، صوتَ الصّراخِ والعويلِ و"الغثبرةِ" من صوتِ نساءٍ وصراخِ أطفالٍ، ومن الجيرانِ فيما بعدُ، وأتى ومعهُ "عَتَلَةٌ" حديديةٌ طويلةٌ ومعقوفةٌ عندَ طرفِها. قام السّيدُ "أبو هَبْهَبْ" بإغمادِ طرفِ العتلةِ في جُحرِ ذلكَ الثعبانِ الرهيبِ المتوحشِ وقتلَ ذلكَ الثعبانَ وجعلهُ يتمرّغُ بدمهِ أمامَ حشدٍ من الجيرانِ الذين تنفسوا الصّعداءَ لِخلاصِهمْ من أحدِ "الشياطينِ" المستوطنةِ في الجوارِ الآمنِ لكلٍّ منهُمْ. حقّاً كان ذلكَ البيتُ المتواضعُ مثلَ يَختِ سيِّدِنا نوحِ (عليهِ السّلامُ) يَجمعُ بينَ الكثيرِ من الحيواناتِ والقوارضِ في توليفةٍ غريبةٍ فيها من السّرورِ الكثيرُ ولا تَخلو دائماً من المفاجآتِ، من مثلِ قصةِ ذلكَ الثعبانِ المؤثّرةِ!.
في سنٍّ مبكرةٍ جداً من العمرِ عاصرَ الطفلُ "حمد" أوّلَ حربٍ كبيرةٍ في حياتهِ. قامتْ "ثلاثُ دولٍ" قويةٍ على المستوى الإقليميِّ والدوليِّ بِمهاجَمةِ دولةٍ واحدةٍ ضعيفةٍ شقيقةٍ، بل شديدةُ الضَّعفِ على المستوياتِ الإقليميةِ والدوليةِ والداخليةِ، وعلى حدٍّ سواءَ. هوجِمتْ هذه الدولةُ بقوّةٍ عاتيةٍ من البرِّ والبحرِ والجوِّ في الوقتِ الذي لَمْ يكن لديها من تلكَ الأسلحةِ الثلاثةِ من الحدِّ الأدنى اللازمِ للدفاعِ عن النفسِ. اضطُرَّ "الكفُّ للتصدي للسكينِ الحادِّ" و"كرةُ العينِ لتواجهَ الرصاصةَ" في مُحاولةٍ يائسةٍ للحفاظِ على الحياةِ والكرامةِ، في آنٍ معاً؛ وحصلتْ فيما بعدُ معجزةُ الانتصارِ، انتصارُ إرادةِ الشعبِ المدوّي. يتذكَّرُ "حمد" الطفلُ رؤيةَ الطائراتِ تعبرُ أجواءَ المنطقةِ، معظمُها قادمٌ من الشرقِ ومتجهٌ إلى الغربِ. كان مع أصحابهِ وإخوانهِ في الحقولِ والسّاحاتِ يُمارسونَ تَمارينَ "تعبويةً" حيةً عن كيفيةِ الاختباءِ والهربِ من الطائراتِ التي تدخلُ الأجواءَ؛ طائراتٌ من النوعِ القديمِ والبطيئةِ السّرعةِ نسبياً. لَمْ يكونوا في ذلكَ الوقتِ يعرفونَ أنَّ تلكَ الطائراتِ تستخدمُ لنقلِ شخصياتٍ دوليةٍ، ربَّما تابعينَ للأممِ المتحدةِ، جاءوا لِمحاولةِ احتواءِ الأزمةِ وحصرِها وامتصاصِ نقمةِ أهلِ البلادِ أو ربَّما "لشرعنةِ" النتائجِ الوخيمةِ للحربِ. كان الأولادُ في كلِّ مرّةٍ يلمحونَ فيها طائرةً أو يسمعونَ صوتَها يُهرعونَ إلى مغاراتٍ أو شقوقٍ في الصّخرِ كبيرةٍ، أو حتى إلى ظلالِ شجرِ التينِ والزيتونِ الصّغيرِ المزروعِ في الحقلِ. وبسببِ كثرةِ الطائراتِ أو الطلعاتِ الجويةِ والتي لَمْ تُهاجِمهُمْ أيَّةٌ منها قرّروا أنَّ تلكَ الطائراتِ "صديقةٌ" لَهُمْ وألغوا فكرةَ الهربِ والاختباءِ منها من رؤوسِهمْ، إلى انتظارِها بفارغِ الصّبرِ والتمتعِ برؤيتِها تطيرُ من فوقِهمْ.
في ذلكَ الوقتِ ومنذُ باكورةِ نعومةِ الأظفارِ كانت العائلةُ كلُّها تعملُ في الحقولِ الصّغيرةِ المساحةِ والوعرةِ، يقومُ الصّغارُ مع الكبارِ بتنظيفِها مثلاً من الحجارةِ والنباتاتِ الضارّةِ والتي غالباً ما تكون شوكيةً مزعجةً مؤذيةً. يتلاهونَ بعد ذلكَ بِحرقِ النباتاتِ الضارّةِ من "القوصِ والشَّبرقِ والخُرفيشِ والنَّتْشِ والمَيْتَنانِ والقثِّ-حِمارِ والأَرْثِ ...." (أسْماءٌ مَحليةٌ لنباتاتٍ بريةٍ ضارةٍ بالمَحصولِ معظمُها شوكيٌّ) أو جرِّها ونقلِها إلى أماكنَ بعيدةٍ عن النباتاتِ الطيبةِ. وما أنْ يتقدّمَ عمرُ الطفولةِ بِهِمْ قليلاً حتى يصبحونَ يقومونَ بوظائفِ حراسةِ الحقولِ خاصةً الصّيفيةِ منها وأشجارِ الفاكهةِ من مثلِ التينِ والتفاحِ السُّكَّريِّ الصّغيرِ الحجمِ. يشاركُ الأطفالُ في حِمايةِ المَحاصيلِ من الطيورِ والحيواناتِ البريةِ من مثلِ الثعالبِ وأبي الحصينِ وحتى من الضباعِ الشديدةِ الفتكِ والرهبةِ خاصةً عندَما تكونُ تتضوّرُ جوعاً. كانت الحراسةُ تلكَ ضروريةً حتى لا يتمكّنَ ولو واحدٌ من الطيورِ من التسلّلِ إلى مزرعةِ الخيارِ (أو القثاءِ) مثلاً أو شجرةِ التينِ ويقومَ بِ"تنقيرِ" الثمارِ (بِمنقارهِ) تاركاً وراءَهُ مَحصولاً غيرَ صالِحٍ للتسويقِ. لن يقبلَ المستهلكُ بشرائِها، وأقلَّ نعْتٍ يُمكنُ أنْ يتلفَّظَ المستهلكُ بهِ في تلكَ الحالِ هو أنَّ ثعباناً سامّاً نالَ منها وسَمَّمَها!. الويلُ للأولادِ إنْ جاءَ "أبو جاسر" أو الأخُ الأكبرُ ووجدَ ثَمرةً "قثائيةً" واحدةً وقد نَقَرَها عصفورٌ أو اعتدتْ عليها إحدى الزواحفِ من سلاحفَ أو سحالي أو "حِرذانٍ" أو "حِرباواتٍ" وما إلى ذلكَ. كان ألدُّ أعداءِ ثِمارِ شجرةِ التينِ ومزرعةِ القثائياتِ، على حدٍّ سواءَ، طائراً يطلقُ عليهِ مَحلياً اسمُ "الزّاغِ" (اسمٌ مَحليٌّ وجَمْعٌ لكلمةِ "زاغَة") شبيهٌ لونهُ وشكلُهُ بالغرابِ الأسودِ صغيرِ الحجمِ إلا أنَّ لَحمَهُ مستساغُ الأكلِ وطريٌّ، بعدَ صيدهِ وذبْحهِ ونتفِ ريشهِ وطهيهِ طبعاً. كان ذلكَ الطائرُ يظهرُ على شكلِ أسرابٍ كبيرةٍ جداً قد يصلُ تعدادُها إلى الآلافِ؛ تُصدِرُ أصواتاً فيها شيءٌ من "النغمِ والإيقاعِ" الموسيقيينِ إلا أنَّ ذلكَ الصّوتَ كان نذيرَ شؤمٍ على مَحصولِ التينِ أو القثائياتِ أو البَنْدورةِ (الطماطم). ما أنْ يقومَ سربٌ منها، ومهما كانَ صغيراً حجمُهُ، بِمهاجِمةِ موقعٍ مثمرٍ حتى يَخلِفَ وراءَهُ أشبهَ ما يكونُ بِمجزرةٍ فاكهيةٍ أو "خضرواتيةٍ" مروعةٍ لا تُنسى بسهولةٍ من الذاكرةِ.
صفحة 4
ما أنْ أتى سنُّ السّابعةِ من العمرِ حتى كان موعدُ الطفلِ حمد مع أكثرِ الأماكنِ إجهاضاً للتفكيرِ والإبداعِ والحياةِ الحرةِ الكريمةِ السّلسةِ؛ المدرسةُ!. كان الدخولُ إلى المدرسةِ أشبهَ بالدخولِ إلى نفقٍ مظلمٍ يُحشرُ فيهِ ما هبَّ ودبَّ من الأولادِ تَحْتَ رعايةِ وإشرافِ ما هبَّ ودبَّ من المعلمينَ ومديري المدارسِ والفرّاشينَ والبوّابينَ أو "الأذَنةِ". في المقامِ الأوَّلِ كانت المدرسةُ، أو الانتظامُ فيها، تعني استخدامَ عقولِ الآخرينَ في التفكيرِ والعملِ؛ يوضعُ عقلُ الشخصِ وتفكيرُهُ على الرفِّ وحتى إشعارٍ آخرَ في أهونِ الأحوالِ، وربَّما نسيانُ عقلهِ وإهْمالهِ حيثُ تَجري لهُ عمليةُ تعطيلٍ بطيئةٍ وقسريةٍ من قِبلِ أناسٍ غيرِ متخصّصينَ في ذلكَ جيداً!. إلا أنّهُ مع ذلكَ السّيلِ الجارفِ والمنظّمِ من البشرِ مِمَّن يودّونَ أو يُجبرونَ على النَّهلِ من مستودعِ التعلُّمِ المفترضِ هذا، لا يَملكُ أحدٌ القدرةَ على الاعتراضِ أو حتى التفكيرِ بالاعتراضِ. أصبحَ الذهابُ إلى مثلِ تلكَ المدرسةِ أكثرَ قُدسيةً وأهَميةً من الذهابِ إلى أيِّ مكانٍ آخرَ. أوَّلُ وحشٍ بشريٍّ ضخمٍ كان يواجهُهُ التلميذُ البرعمُ في تلكَ الأيامِ هو مديرُ المدرسةِ، ثُمَّ يأتي من هو أقلَّ رهبةً وترهيباً منهُ بقليلٍ، المعلِّمُ!. وفوقَ هذا وربَّما أكثرَ رهبةً وترهيباً يأتي الفرّاشُ أو البوّابُ أو الآذنُ، ثلاثةُ أسْماءَ غريبةٍ لنفسِ الشخصِ. كان الفرّاشُ، بشكلٍ عامٍّ، شديدَ البطشِ والتشكّي على الأولادِ لِمديرِ المدرسةِ والمعلمينَ هناكَ. بدا للأولادِ في ذلكَ الوقتِ أنّهُ قد أعطيَ للفرّاشِ صلاحياتٌ تتَجاوزُ حدودَ المدرسةِ ليتعقّبَ التلاميذَ في الشارعِ والبيتِ والقريةِ والمدينةِ وفي أيامِ العطلِ المدرسيةِ النصفِ-سنويةِ والصّيفيةِ الطويلةِ؛ كان كابوساً دائماً أو هكذا يريدُ أنْ يكونَ. كان لدى الآذنِ صلاحياتُ ضبطٍ ومراقبةٍ إداريةٍ واسعةٍ ومن المُمكنِ أنْ يَشِيَ بتلميذٍ ويوصيَ بتأديبهِ وفصلهِ من المدرسةِ مؤقتاً، مع ما يرافقُ ذلكَ من مآسٍ وأحزانٍ لهُ ولعائلتهِ؛ أو يوصيَ بزحزحةِ التلميذِ عن مقعدِ الدراسةِ نِهائياً، إنْ استطاعَ ذلكَ الآذنُ إلى ذلكَ الأمرِ سبيلاً.
كان الطّقسُ ربيعياً وكانت الحصةُ تقاربُ الأخيرةَ في ذلكَ اليومِ عندما سَمِعَ أولادُ المدرسةِ صوتاً يثيرُ الذعرَ في النفوسِ وكان صادراً من أحدِ طلابِ الصّفوفِ العُليا المتقدمةِ. كان الصّوتُ قوياً ومستغيثاً بالأبِ والأمِّ والعمِّ والخالِ أو أيِّ شيءٍ آخرَ لإنقاذهِ من ربَّما أسوأِ عقابٍ لطالبٍ في تاريخِ مدرسةٍ حكوميةٍ؛ فقد كانتْ حياتُهُ معرّضةً، كما بدا، لِخطرٍ حقيقيٍّ. تكمنُ القصةُ في أنَّ مشرفَ "مستودعِ الصّيانةِ" في المدرسةِ، السّيدَ "ساعود"، تَمكّنَ من الوشايةِ وإقناعِ مديرِ المدرسةِ، السّيدِ "أبو غالبْ"، بأنَّ أحدَ الطلابِ، ويدعى "رُوَيصْ" الفنانُ (لُقِّبَ بالفنانِ لسببِ ولعهِ بفنِّ النحتِ والرسمِ وفي سنٍّ مبكّرةٍ)، لَمْ يُذعنْ لأمرٍ للسيدِ "ساعود" للقيامِ بأحدِ الأعمالِ اليدويةِ يَخصُّ المشرفَ في المستودعِ المذكورِ. ما كان من مديرِ المدرسةِ السّيدِ "أبو غالبْ" إلا أنْ انتزعَ عصاً غليظةً من فأسٍ أو مِعوَلٍ يستخدمُ لأعمالِ الزراعةِ والحقلِ، بعدَ نزْعِ الجزءِ المعدنِيِّ من نِهايتِها، وانْهالَ على ذلكَ المسكينِ وأوسعهُ ضرباً مبْرحاً. كان لا يتوانى في إنزالِ هراوتهِ الغليظةِ، ذاتِ الهدفِ الزراعيِّ في الأصلِ، على ذلكَ المسكينِ والضّربِ على أيِّ مكانٍ، سواءً أكانَ المكانُ عظماً أو لَحماً أو جزءاً يتحمّلُ الضربَ أو حسّاساً لا يتحمّلُ. علمَ الأولادُ فيما بعدُ أنَّ مديرَ المدرسةِ "أبو غالبْ" كان يُخرِجُ من فمهِ رغوةً، من مثلِ التي تَخرجُ من فمِ الجملِ المُجترِّ، مثلَ المصابِ بنوبةِ صرعٍ قويةٍ. لَمْ يتمكّنْ الأولادُ من معرفةِ ماذا كان يقصدُهُ، من ذلكَ العقابِ القاسي، ذلكَ الوحشُ الشرسُ لذلكَ النحّاتِ والرسامِ الصّغيرِ؛ اضطُرَّ الأخيرُ لتركِ المدرسةِ في سنٍّ مبكرةٍ واستمرَّ في أعمالِ الرسمِ والنحتِ، فيما بعدُ، ولكن بصورةٍ مضمحلّةٍ لَمْ تلقَ رواجاً كبيراً في السّوقِ.
حالةٌ أخرى واجهَها والدُ حمد، السّيدُ "أبو جاسر"، عندما اضطُرَّ لدفعِ مبلغٍ من النقودِ مقابلَ درءِ تُهمةٍ واجهتْ أحدَ أبنائهِ الكبارِ. اتّهمَ ناطورٌ لِحدائقِ أشجارِ المدرسةِ ذلكَ الابنَ بسرقةِ حقيبةِ يدٍ لأحدِ الموجّهينَ التعليميّينَ أثناءَ زيارتهِ شبهِ-السّنويةِ، وليومٍ واحدٍ فقط، للمدرسةِ للاطمئنانِ على حالِ المدرسةِ والتلاميذِ والمدرّسينَ على حدٍّ سواءَ!. وبالرغمِ من اعترافِ شابٍّ آخرَ بسرقةِ الحقيبةِ والعبثِ بِمحتوياتِها إلا أنَّ السّيدَ الناطورَ أصرَّ على أنَّ أخاً لِ"حمد" الكبيرَ هو الذي يَجبُ أنْ يدفعَ الغرامةَ (جُنيهاً واحداً)، وكانتْ كبيرةً على الفقراءِ في ذلكَ الوقتِ من مثلِ السّيدِ "أبو جاسر". ومع إلحاحِ السّيدِ الناطورِ وتَهديدهِ باستخدامِ نفوذهِ وبطشِ أقاربهِ النافذينَ في القريةِ، دَفَعَ الغرامةَ أحدُ الأصدقاءِ نيابةً عن السّيدِ "أبو جاسر" تلافياً لأيّةِ مضاعفاتٍ غيرِ لائقةٍ ومشقّاتٍ إضافيةٍ قد يتسبّبُ بِها السّيدُ الناطورُ للعائلةِ.
صفحة 5
أحداثٌ أخرى من ذاكرةِ مدرسةِ القريةِ
تعتبرُ مدرسةُ القريةِ من أكثرِ المرافقِ تواضعاً في الخدماتِ وعلى رأسِها الخدماتُ التعليميةُ. لا يتمتّعُ معظمُ المدرّسينَ بالحدِّ الأدنى الذي يؤهلُهُمْ للقيامِ بتدريسٍ ذا مستوىً مقبولٍ. كانَ يُؤتى بِهِمْ عادةً من معاهدَ عُليا تُسمى "تيمّناً بِها" بِ"دورِ إعدادِ كوادرِ المعلّمينَ". واجبُ تلكَ "الدّورِ التعليميةِ" القيامُ بإعدادِ الكوادرِ التعليميةِ وتأهيلِها؛ لكنَّ هنالكَ ضعفٌ واضحٌ في بنيةِ المعلوماتِ وأساليبِ تقديمِها وتطويرِها ولِمُختلفِ الموادِّ. كان يتركزُ اهتمامُ المدرّسِ وبالدرجةِ الأولى بِمظهرهِ وشكلهِ وهيبتهِ أمامَ نفسهِ والأولادِ، فهو شرطيٌّ أولاً.... وأكاديميٌّ أخيراً على أصدقِ تعبيرٍ وعلى أكثرِ الأحوالِ تفاؤلاً. كثيراً ما كان يقومُ المعلّمُ بأعمالٍ تأديبيةٍ ضدَّ الطلبةِ لا علاقةَ لَها بالأدبِ والحياءِ لا من قريبٍ أو من بعيدٍ، كانت تَحدثُ لسببٍ بسيطٍ وساذجٍ أحياناً أو في أغلبِ الأحيانِ دونَ سببٍ. إضافةً إلى ذلكَ فإنَّ الحافزَ والجهدَ التعليميينِ عندَ الكثيرِ من المعلّمينَ من الضحالةِ بِمكانٍ في ذلكَ الوقتِ. كانَ المعلّمُ الأستاذُ "عزّوز" مثلاً يُجبرُ أحدَ التلاميذِ مِمّنْ تقعُ عليهِ القرعةُ في الصّفِّ على الجلوسِ، خلالَ الدرسِ، على كرسيِّ المقعدِ الملاصقِ لطاولةِ المدرّسِ. يضعُ المعلِّمُ "عزّوز" عصاً خشبيةً تشكِّلُ مثلَ جسرٍ بينَ رأس ِالتلميذِ وسطحِ الطاولةِ؛ يطلبُ المعلمُ من التلميذِ أنْ يُحافظَ على ذلكَ الوضعِ طيلةَ الدرسِ بعدمِ تَحريكِ رأسهِ يَميناً أو يساراً ولو بقيدِ أنْملةٍ حتى لا يَختلَّ توازنُ العصا وتتدحرجَ من على رأسهِ وتسقطَ أرضاً. كان معلِّمٌ آخرُ يعاقبُ الأولادَ بالضربِ على قاعِ قدمَيْ الطالبِ (الفَلَقة) "المُذنِبِ" حالَ حدوثِ أيِّ خطأٍ من التلاميذِ. يزيدُ المعلِّمُ العقابَ شدَّةً على التلميذِ في حالِ تكرارِ الخطأِ بالضربِ بالعصا على مؤخّرةِ (قَفا) التلميذِ، بعدَ تقييدهِ وتثبيتهِ بالمقعدِ الأوّلِ من الصّفِّ بِمساعدةٍ من زملاءِ وأصدقاءِ الولدِ الطالبِ نفسهِ!، ربَّما حتى يشعرَ ذلكَ المسكينُ بالإحراجِ أمامَ نفسهِ وغيرهِ طيلةَ وجودهِ على مقاعدِ الدراسةِ وإلى ما بعدَ انتهائهِ من المدرسةِ والتعليمِ بزمنٍ طويلٍ. هنالكَ من المعلّمينَ الذين كانوا يُمارسونَ "الديموقراطيةَ!" على هواهُمْ بأنْ يطلبوا من طلابٍ معاقبةَ طلابٍ آخرينَ بضربِ الفَلَقَةِ أو على المؤخرةِ أو، في بعضِ الحالاتِ، بِ"اللّطْمِ" أو "التلاطمِ" على وجوهِ بعضِهمْ البعضِ. ثَمّةَ معلّمٌ آخرُ لا ينادي التلاميذَ أو يذكرُهُمْ بأسْمائِهمْ ولكنْ بألقابٍ اخترعَها لَهُمْ حسبَ لونِ أو وزنِ أو طولِ التلميذِ أو علاماتٍ فارقةٍ في شكلِ الرأسِ والعينينِ والأُذنيْنِ والأنفِ والشّفاهِ وغيرَ ذلكَ.
كان ذلكَ اليومُ شديدَ البرودةِ والجفافِ حيثُ جَمَّد الصّقيعُ كلَّ شيءٍ تقريباً. يكادُ الدّمُ يَجْمَدُ في العروقِ وهو فعلاً مُجمّدٌ عندَ الأطرافِ، حيثُ الدورةُ الدمويةُ ضعيفةٌ نسبياً هناكَ. كان الوقتُ صباحاً عندما وصلَ الولدُ حمد مع اثنيْنِ من الطلبةِ الآخرينَ متأخّرينَ بضعَ دقائقَ بعدَ بدءِ الدرسِ الأوَّلِ، وعلى غيرِ العادةِ، ربَّما طمعاً بدفءِ فراشِ النومِ في يومٍ شديدِ البردِ. كان مديرُ المدرسةِ، السّيدُ "البَلْطِيُّ"، واقفاً أمامَ غرفتهِ. رأى السّيدُ "البَلْطِيُّ" الأولادَ المتأخّرينَ يُهرعونَ للدخولِ إلى غرفِ الصّفوفِ حينَ صاحَ بِهمْ بأعلى صوتهِ الحادِّ طالباً منهُمْ أنْ يذهبوا لِملاقاتهِ أمامَ بابِ غرفتهِ القريبِ من مكانِ وقوفهِ. لسببٍ أو لآخرَ اختفى ولدانِ رفيقانِ كانا بصحبةِ حمد عن ناظرِ الأخيرِ وسارَ وحدَهُ للعقابِ، كالحمَلِ إلى بيتِ ذئبٍ بشريٍّ لا يرحمُ. لَمْ يكنْ هنالكَ أيُّ حيّزٍ للمناورةِ أو الهربِ أو الاسترحامِ. بالصّوتِ العالي والسّبابِ والشتائمِ بادرَ مديرُ المدرسةِ السّيدُ "البَلْطِيُّ" الولدَ التلميذَ حمد. كان السّيدُ "البَلْطِيُّ" قصيرَ القامةِ نسبياً ولكنّهُ ذو وزنٍ كبيرٍ، وربَّما يزيدُ عن المائةِ كيلوجرامٍ، وكان لهُ كرشانِ أماميٌّ و"خلفيُّ" بالإضافةِ إلى ضخامةِ رأسهِ ورقبتهِ وثِقَلِ ظلِّهِ!. ملوّحاً بعصاهُ المقطوعةِ من نباتِ الخيزرانِ أمَرَ السّيدُ "البَلْطِيُّ" الولدَ حمد بفتحِ يديهِ اللتينِ أصابتْهُما الزُّرْقةُ من شدةِ البردِ. ظنَّ الولدُ حمد في بادئِ الأمرِ أنَّ مديرَ المدرسةِ سيقومُ بعمليةِ "تدليكٍ" ليديْهِ لتسخينِها لهُ في ذلكَ الجوِّ الباردِ. إلا أنَّ السّيدَ "البَلْطِيُّ" انْهالَ بضربةِ عصاهُ على يدِ الولدِ حمد بِ"الخيزرانةِ"، وانتقلَ إلى الأخرى والتي مدَّها لهُ الولدُ حمد هي الأخرى. عاد بالضربِ إلى اليدِ الأولى ثُمَّ أتبعَها الثانيةَ.... ثُمَّ الأولى ثُمَّ الثانيةَ.... اعتقدَ الولدُ حمد أنَّ الأمرَ انتهى إلى ذلكَ الحدِّ وهَمَّ بالذهابِ إلى صفِّهِ. صاحَ بهِ السّيدُ "البَلْطِيُّ" من جديدٍ ليعودَ إليهِ حمد مرّةً أخرى، وبدونِ وعيٍ ظنَّ الولدُ حمد أنْ قد جاءتْ إلى رأسِ المديرِ "البَلْطِيُّ" رحْمةٌ من مكانٍ ما، ربَّما أرادَ أنْ يعتذرَ عمّا ارتكبهُ؛ خطأ ُتقديرٍ آخرَ!. ضربَ المديرُ "البَلْطِيُّ" الولدَ حمد هذه المرّةَ على ظهرِ يديهِ وأصابعهِ التي أوشكتْ أنْ يتشقَّقَ بِها الجلدُ ويَخرجَ منها الدّمُ. دخلَ الولدُ حمد بعدَ هذا العقابِ إلى غرفةِ الصّفِّ وقد بدأتْ مثلُ نبضاتٍ كهربيةٍ عاليةِ التردُّدِ والجهدِ تنفضُ في يديهِ ومثيرةٍ لعواصفَ دماغيةٍ وجسديةٍ عندهُ، تبدأُ ولا تنتهي. ومن السّاعةِ الثامنةِ صباحاً تقريباً حتى ما بعدَ الحاديةَ عشرةَ قبلَ الظهرِ، ظلَّتْ الدموعُ منهمرةً تطفحُ العيونَ والوجهَ والرقبةَ ولَمْ يبقَ في رأسِ الولدِ حمد من سائلٍ إلا وخرجَ من العينينِ والأنفِ والفمِ. أُجلِسَ الولدُ حمد خلالَ تلكَ المعاناةِ في آخرِ مقعدٍ في الصّفِّ، واستمرَّ المعلّمونَ الأفاضلُ بإعطاءِ الدروسِ؛ الحقُّ يقالُ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ أيٌّ منهُمْ أنْ يَهدرَ! ولو دقيقةً واحدةً ليسألَ ذلكَ التلميذَ المسكينَ عمّا حلَّ بهِ أو ليساعدَهُ أحدُهُمْ في إيقافِ بكائهِ أو "كفكفةِ" بعضٍ من دموعهِ التي نضبتْ كلُّها.
كان هنالكَ القليلُ من المعلمينَ الذين لا بدَّ من إعطائِهمْ شهادةِ إعجابٍ وتقديرٍ. كان الأستاذُ "حَميدون" من الروعةِ بِمكانٍ؛ مدرّسُ علومٍ عامةٍ ناجحٌ، أبٌ وأخٌ كبيرٌ، بشوشٌ مبتسمٌ وحازمٌ، حريصٌ على أنْ يقومَ بواجبهِ ويفيدَ الأولادَ وكان لديهِ الكثيرُ مِمّا يقدرُ أنْ يعطيَ منهُ. كانت أوّلَ تَجربةٍ علميةٍ رآها التلميذُ حمد في المُختبرِ على يديهِ وتلخصتْ في إظهارِ بعضِ الخصائصِ الطبيعيةِ لبعضِ العناصرِ الفلزَّيةِ؛ كان أكثرُها إثارةً للاهتمامِ عناصرَ الصّوديوم والبوتاسيوم عند تفاعلِهما مع موادَّ رطبةٍ بالماءِ. دائماً عندما يُذكرُ اسْمُ الأستاذِ "حَميدون" يقفُ الجميعُ، مِمَّن تتلمذوا عليهِ، يقفونَ لهُ إجلالاً واحتراماً وتقديراً....
صفحة 6
كان مدرّسُ التربيةِ الدينيةِ شديدَ التخلّفِ في شرحِ معنى المادّةِ الأكاديميةِ المقرّرةِ وتبعاً لذلكَ في عرضِ الصّورةِ الناصعةِ جدّاً للدينِ وتعاليمهِ لصغارِ التلاميذِ. لقد حفظَ القليلُ من الطلابِ الأولادِ من القرآنِ الكريمِ في السّنينِ الأولى من المدرسةِ مادةً قرآنيةً حتى نِهايةَ "جزءِ عمَّ"، ولكنْ لَمْ تكنْ بِمقدورِ أحدٍ منهُمْ معرفةُ تفسيرِ أكثرَ من حواليْ خَمسةٍ بالمائةِ من المادةِ المَحفوظةِ، لا تفسيرَ كلماتٍ ولا جُمَلٍ ولا مناسباتِ نزولٍ أو مدلولاتٍ. معظمُ الطلابِ الذينَ قضوْا (ماتوا) والذينَ لا يزالونَ ينتظرونَ أنْ يقضوا (يَموتوا) لَمْ يتمكّنوا من تفسيرِ آياتٍ قصيرةٍ من مثلِ "تبَّتْ يدا أبي لَهَبٍ وتبَّ"، "لإيلافِ قريشٍ إيلافِهِمُ"، "ومن شرِّ غاسقٍ إذا وقبَ"، "ويلٌ لكلِّ هُمزةٍ لُمَزةٍ" وغيرِها الكثيرِ بلْ ومعظمِ الآياتِ الكريمةِ. كانت الآياتُ الكريمةُ والأحاديثُ الشريفةُ تُلقى على عقولِ الأولادِ مثلَ حجارةٍ صلدةٍ صمّاءَ لا يُمكنُ هضمُها إلا بصعوبةٍ وببطءٍ مع مرورِ الزمنِ الطويلِ. في تلكَ الدروسِ غابتْ الصّورةُ الناصعةُ المشرقةُ للدينِ وراءَ العقولِ الجاهلةِ المغلقةِ بلْ المتحجّرةِ. وهنالك الحوادثُ الكثيرةُ التي تدلُّ على سذاجةِ تعاطي مدرسِ التربيةِ الدينيةِ مع التفسيرِ العمليِّ والأصيلِ والمشرقِ للدينِ الحنيفِ. لقد فسَّرَ أحدُ الأئمةِ العلماءِ ذلكَ فيما بعدُ بأنَّ كثيراً من الذينَ يذهبونَ للتخصُّصِ في علومِ الدينِ والفقهِ والشريعةِ، بشكلٍ عامٍّ، هُمْ من الطلبةِ ذوي المعدلاتِ العامةِ المتدنيةِ؛ ذلكَ أنَّ معظمَ من لَهُمْ معدّلاتٌ عاليةٌ يرغبونَ في دراسةِ فرعٍ من العلومِ يطمحونَ فيهِ إلى رفعِ مستواهُمْ الماديِّ، وبشكلٍ عامٍّ أيضاً!.
منذُ السّنةِ الدراسيةِ الأولى وحتى السّنةِ الرابعةِ كان مع الولدِ التلميذِ حمد زميلٌ لهُ يعاني من تَخلّفٍ في النطقِ وبطءٍ شديدٍ في الفهمِ والإدراكِ والمتابعةِ. أصدرَ معلمُ اللغةِ العربيةِ، والذي عانتْ اللغةُ العربيةُ الأمَرَّينِ على يديْهِ ولسانهِ (مثلاً يفسّرَ للأولادِ معنى مصطلحِ "خالِيَ الوِفاضِ" بأنّهُ "أمعهوش إشي"!)، أصدرَ أمراً للولدِ حمد بالاشتراكِ مع الزميلِ المتخلّفِ عقليّاً في نفسِ المقعدِ الدراسيِّ. طلبَ حمد من المعلّمِ عدةً مراتٍ فصلَهما عن بعضِهما في الصّفِّ، ولو بعمليةٍ جراحيةٍ!، إلا أنّهُ في كلِّ مرّةٍ كان حمد يواجَهُ برفضٍ شديدِ البؤسِ والفظاظةِ واتّهمهُ المعلِّمُ ذاتَ مرَّةٍ بأنّهُ يُحاولُ التكبُّرَ والتعالي عن ذلكَ الزميلِ؛ وذلكَ ما لا يسمحُ بهِ ذلكَ المعلِّمُ!. لَمْ يكتفِ ذلكَ المعلِّمُ بذلكَ بل أتى بطالبٍ ثالثٍ ليجلسَ الزميلُ الأوّلُ فيما بينَ ذلكَ الطالبِ وبينَ حمد؛ وليصبحَ وضعُ الكراسةِ على طرفِ المقعدِ هو ما تبقّى من مكانٍ للكتابةِ عليهِ. اضطُرَّ ذلكَ الزميلُ، المتخلّفُ عقلياً، إلى تركِ الحياةِ الأكاديميةِ كلِّها بعدَ فشلهِ المتكرِّرِ في المدرسةِ حيثُ لاقى نَجاحاً وازدهاراً غيرَ متوقَّعيْنِ في حياتهِ لَمْ يكنْ ليَحلمَ بِهما فيما لو ظلَّ مرتبطاً بِمقاعدِ الدراسةِ في المدرسةِ. لَمْ يقدرْ المعلّمُ أنْ يدركَ أنَّ الطالبَ المعاقَ يَحتاجُ إلى إيجادِ ظروفٍ ورعايةٍ خاصةٍ لهُ لتساعدَهُ على التغلُّبِ على تلكَ المشكلةِ التي ليست لهُ، كما ولا للطلابِ الآخرينَ من حولهِ، فيها أيَّةُ مسؤوليةٍ.
تَمَّ استبدالُ المديرِ القديمِ، السّيدِ "البَلْطِيُّ"، بآخرَ ويدعى السّيدُ "قُريْص". من أهمِّ المفارقاتِ بينَ المديرينِ هو أنَّ الجديدَ منهُمْ كان لا يكادُ يتَجاوزُ وزنُهُ نصفَ وزنِ الأوَّلِ، ولكنهُ أشدُّ جِلفةً وقسوةً؛ كان بتصرّفاتهِ وكأنَّهُ مستخلصٌ من لبِّ العلقمِ وفيهِ الكثيرُ من طبائعِ الاستبدادِ!. غيرُ معروفٍ السّببَ الذي يَجعلُ مديريةَ التربيةِ والتعليمِ في تلكَ المنطقةِ تُقبلُ أو تُقْدِمُ على تعيينِ مثلِ هؤلاءِ للقيامِ برعايةِ براعمِ وأجيالِ المستقبلِ الصّاعدةِ. لَمْ يكن بالمُمكنِ البتَّةَ وعلى الإطلاقِ أنْ شوهدَ السّيدُ "قُرَيْص" مبتسماً أو منشرحاً أو عن شيءٍ راضياً. كان مصمِّماً على إيقاعِ أقسى عقوبةٍ مُمكنةٍ ضدَّ أيِّ شيءٍ. الشيءُ الحسنُ فيهِ أنّهُ لَمْ يكنْ ليفرِّقَ بينَ تلميذٍ ومعلِّمٍ في المعاملةِ من نوعِ تلكَ التي بُعِثَ، كما يبدو، من أجلِ التمنطقِ بِها في حياتهِ؛ وكان شديدَ الميلِ والاعتمادِ على فرّاشِ المدرسةِ وكذلكَ على ناطورِ الحدائقِ والحقولِ الزراعيةِ فيها. تضمَّنتْ العقوباتُ التي كان يعشقُ إيقاعَها بِمنْ حولهَ السّبَّ والشتمَ والتحقيرَ والضّربَ بالعصا والطردَ من الصّفِّ والمدرسةِ واستدعاءَ وليِّ الأمرِ وفرضَ شروطٍ قاسيةٍ على عودةِ الولدِ المذنبِ إلى غرفةِ الدرسِ في حالِ تكرارِ الخطأِ.
أحدُ أبرزِ الأحداثِ التي حصلتْ في تلكَ الحقبةِ من الزمنِ، وإنْ كانَ الوقتُ متأخّراً، هو قيامُ مديرٍ معينٍ جديدٍ في ذلكَ الوقتِ، السّيدِ "صُعَيْق"، بتَجريدِ السّيدِ مشرفِ مستودعِ الصّيانةِ في المدرسةِ من صلاحياتهِ التي تبنّاها لنفسهِ في السّابقِ على الطلبةِ ومن يَخصُّهمْ. ففي ذاتِ يومٍ وعندَما كانَ الطقسُ ربيعياً ومعتدِلاً نادى السّيدُ "صُعَيْق" وبأعلى صوتهِ السّيدَ الناطورَ وأبلغهُ أمامَ جَمعٍ من المعلمينَ والتلامذةِ أنَّ وظيفتَهُ فقطْ ستكونُ العملَ والتواجدَ داخلَ مستودعِ الصّيانةِ. وما أنْ حاولَ السّيدُ الناطورُ ردَّ الاعتبارِ لنفسهِ والقيامَ بالدفاعِ عن نفسهِ ولو كلامياً ضدَّ ذلكَ الازدراءِ الكاسحِ حتى أتبعهُ السّيدُ "صُعَيْق" بِجملةٍ من العباراتِ البذيئةِ المتميزةِ في القبحِ. بعدَها أَفَلَ نَجمُ السّيدِ الناطورِ إلى غيرِ رجعةٍ. عملَ السّيدُ الناطورُ فترةً قصيرةً من الزمنِ من وراءِ الكواليسِ إلا أنّهُ اضطُرَّ إلى الانكفاءِ على نفسهِ أخيراً ذهاباً وإياباً معظمَ الوقتِ. بدأَ بعدَها التقرُّبَ لطلبةِ المدرسةِ الخريجينَ، القدامى منهُمْ والجددِ، لبناءِ شعبيةٍ ومُحاولاً إعادةَ مَجدهِ القديمِ لهُ!.
صفحة 7
ميلادُ "أبوالزهو"
يقالُ أنّهُ من أرحامِ الكوارثِ عادةً ما يولدُ الأبطالُ المنقذونَ!. كانتْ السّاعةُ تقتربُ من السّابعةِ مساءاً في يومِ شتاءٍ ذي بردٍ قارسٍ حين عادَ أكبرُ الأولادِ الذكورِ في العائلةِ، "جاسر"، ليخبرَ بقيةَ العائلةِ عن مولودٍ جديدٍ اضطُرَّ لتركهِ في البراري البعيدةِ ليواجهَ مصيراً شبهَ مُحتَّمٍ بالموتِ. يواجهُ المولودُ الجديدُ الموتَ من البردِ أو الجوعِ أو الوقوعِ فريسةً سهلةً لأحدِ الحيواناتِ المفترسةِ وأهَمِّها الضباعِ الجائعةِ. أبدى "جاسر" بعضَ الشعورِ بالحسرةِ والتأسّفِ على اضطرارهِ لتركهِ ذلكَ المسكينِ لذلكَ المصيرِ المَجهولِ. زعمَ أنّهُ اضطُرَّ لذلكَ تَحْتَ وطأةِ التأخيرِ في الوقتِ والبردِ القارسِ وانشغالهِ بالأبقارِ الثلاثةِ اللاتي كان يرعاها. ساقَ "جاسرُ" القطيعَ مع أمِّ الوليدِ الجديدِ "راكلي" راجعاً البيتَ دونَ وليدِها الذي طالَما انتظرتهُ وانتظرهُ أفرادُ العائلةِ كلُّهُمْ دونَ استثناءَ. وما أنْ تفوَّهَ الأخُ جاسر باسْمِ المكانِ الذي تركَ فيه الوليدَ، وهو منطقةٌ وعرةٌ ومنعزلةٌ وبعيدةٌ تَحفُّ بالمخاطرِ حتى على البالغينَ والأقوياءَ من البشرِ والحيوانِ، حتى هبَّ من كان في البيتِ حاضراً لينقذوا ذلكَ المسكينَ المتعثِّرَ أو العسيرَ الحظِّ القادمِ إلى الحياةِ مع العائلةِ. اصطحبَ الأولادُ معهُمْ أمَّهُ "راكلي" لتساعدَهُمْ على التعرّفِ! على المكانِ بالضبطِ لأنَّها وضعتهُ بين الصّخورِ والنباتاتِ البريةِ العاليةِ، وللمساعدةِ في تغذيتهِ من حليبِها وحَمْلهِ في حالِ العثورِ عليهِ حيّاً. أمّا الوالدةُ "أم جاسر" فقد هُرِعتْ إلى شخصٍ في القريةِ معروفٍ بتقواهُ وورعهِ وفقههِ، الشيخِ "النوحانِيِّ"، ورجتْهُ أنْ يعقدَ لَها ما يعرفُ هناك بِ"الحجابِ" الذي "يَحجبُ"، أو يقي الضحيةَ من هجمةِ حيوانٍ مفترسٍ في غابةٍ غيرِ آمنةٍ. ذلكَ "الحِجابُ" عبارةً عن مَجموعةٍ من التراتيلِ والأدعيةِ لِحفظِ الحيوانِ الضائعِ أو الغائبِ عن أهلهِ من مكروهٍ مُحتملٍ غامضِ الكُنْهِ والمصدرِ.
وصلَ أفرادٌ من العائلةِ إلى الموقعِ حيثُ كان الوليدُ الجديدُ يصارعُ البردَ والمطرَ والموتَ في معركةٍ يَميلُ فيها ميزانُ القوى كلّياً لصالِحِ الموتِ شبهِ المَحتومِ. كان يغمضُ عينيْهِ قليلاً ويفتحُها هنيهةً كما لو كان يصارعُ النعاسَ الأبديَّ. تستنجدُ حواسُّهُ بكلِّ ما حولَهُ من الكائناتِ الأحياءِ منها والأمواتِ. وكَمْ كانت أمُّهُ "راكلي" فرِحةً برؤيتهِ مرّةً أخرى سالِماً أو لا يزالُ على شفا دائرةِ الحياةِ، إنْ صحَّ التعبيرُ. وضعَ أحدُ أفرادِ العائلةِ قطعةً سَميكةً من الخيشِ على جسدهِ، بقايا كيسِ خيشٍ، ثُمَّ ساعدهُ في الوصولِ إلى ثديِ أمِّهِ ليتمَّ استخراجُ حليبِ الحياةِ إلى فمهِ ولسانهِ وأسنانهِ وحلْقهِ ومعدتهِ وقلبهِ ودمهِ وجسمهِ. وبعدَ أنْ كان ضعيفاً لا يقوى على شيءٍ، وما أنْ بدأتْ الطاقةُ الحراريةُ للغذاءِ تتدفّقُ في العروقِ حتى بدأَ يطيلُ وقتَ فتحِ عيونهِ ويُحاولُ الوقوفَ على أقدامهِ. قاموا بزيادةِ كمّيةِ الحليبِ قليلاً وتَمَّ لفُّهُ جيداً بقطعةِ القماشِ حتى بدتْ عليهِ آثارُ الانتعاشِ ونشوةُ الانتصارِ على الموتِ. حَملتْهُ أمّهُ والتي بدورِها كانت في منتهى الغبطةِ والسّرورِ، وكان ذلكَ بيِّناً من انتظامِ دقّاتِ قلبِها من جديدٍ ومن استرخاءِ أعصابِها بعدَ الاطمئنانِ على فلذةِ كبدِها!. بذلكَ أُنقذَ المولودُ الجديدُ من أسنانِ الضباعِ والذي كان من المُمكنِ أنْ يصيرَ إلى عالَمِ العدمِ لولا تضافرُ كافةِ الجهودِ البدنيةِ والنفسيةِ والحسيةِ والروحيةِ لِمعظمِ أفرادِ عائلةِ السّيدِ أبو جاسر. اجتازوا في طريقِهمْ الجبليةِ رجوعاً إلى البيتِ المرحلةَ الوعرةَ والخطرةَ من احتمالِ سطوةِ الحيواناتِ البريةِ المفترسةِ عليهِمْ ليصلوا إلى مكانِ نبعٍ دافئٍ بعضَ الشيءِ. شربوا منه قليلاً وشربت الأمُّ وغُسِلَ المولودُ بقليلٍ من الماءِ الدافئِ ونُشِّفَ بالخيشِ. لوحظَ أنَّ المولودَ الجديدَ يطوِّرُ نشاطَهُ بسرعةٍ حيثُ بدأت الحرارةُ تدبُّ في أركانِ جسمهِ الحيويةِ وفي مفاصلِ هيكلهِ العظميِّ. من جديدٍ حَملتهُ أمُّهُ "راكلي" وواصلتْ الجماعةُ المسيرَ إلى البيتِ حيثُ تُأوى أمُّهُ مع بقيةِ العائلةِ والماشيةِ والطَّرْشِ. أوقدتْ العائلةُ لهُ ناراً على حطبِ شجرةِ الزيتونِ للتدفئةِ وتعرَّفَ! على أفرادِ العائلةِ كلِّها ما عدا السّيدِ "جاسر" الذي كانَ يغُطُّ في نومٍ عميقٍ مستدفئاً في فراشهِ بعدَ عناءِ يومٍ متعِبٍ وطويلٍ. في اليومِ التالي وعندما استيقظتْ العائلةُ من نومِ ليلتِها القصيرةِ ليجدوا المولودَ الجديدَ يتبخترُ! في "حوْش" البيتِ بينَ أحضانِ أمِّهِ "راكلي" وأصدقائِها من الذين يقطنونَ معَها. كانت الكائناتُ الأخرى من حولهِ فرحةً بهِ لِجمالهِ وخفةِ ظلِّهِ وبراءةِ نظراتهِ، تداعبُهُ الأرانبُ والدجاجُ والأولادُ والنعاجُ.
صفحة 8
تَجمّعتْ العائلةُ لتناولِ طعامِ الفطورِ والذي في معظمهِ خبزٌ بلديٌّ ساخنٌ وزعترٌ وحليبٌ وبيضُ دجاجٍ بلديٍّ من الدجاجِ الذي يُرَبّى في البيتِ. خلالَ تناولِ الأكلِ دارَ نقاشٌ حادٌّ بينَ الأولادِ، وبصفةٍ خاصةٍ بينَ حمد من جهةٍ وبينَ أخيهِ الكبيرِ جاسر من جهةٍ أخرى.
حمد: ألا تَخافُ ربَّكَ لتتركَ ذلكَ المسكينَ في البردِ والمطرِ وتُعَرِّضَهُ بذلكَ لأنيابِ الحيواناتِ المفترسةِ؟. ألا توجدُ في قلبِكَ رحْمةٌ؟، لا شفقةً ولا إنسانيةً من عندكَ يا رجلاً!.
جاسر: وماذا تريدُني أنْ أفعلَ؟. هل أهلُكُ وبقيةُ القطيعِ من أجلهِ؟. ماذا لو تركتُ البقراتِ الثلاثِ تَهيمُ على رؤوسِها في البراري؟... ومن يَجمعُها لنا فيما بعدُ؟.
حمد: كان الأجدرُ بكَ لو أبقيتَ على أمِّهِ "راكلي" في البيتِ بدلاً من الذهابِ معكَ إلى البراري، لو كان لديْكَ أدنى إدراكٍ!.
جاسر: لقد كانتْ أمُّهُ جائعةً أيضاً وكان عليَّ أنْ أذهبَ بِها مع القطيعِ جَميعاً إلى المراعي. ثُمَّ ماذا كان يُمكنُ حدوثُهُ أحسنَ مِمّا حدثَ؟. هل لدينا في الجيرةِ هنا قسمٌ خاصٌّ للتوليدِ والجراحةِ الخاصّةِ بِها؟!. أرجو أنْ تستعملَ عقلَكَ ولوْ قليلاً.
حمد: هذا لا يغفرُ لكَ أنْ تتركَ فلذةَ كبدِها في البراري، هذه المخلوقةُ التي تَخدمُنا ليلَ نَهارَ، تراعينا وتتحمّلُنا وتقضي لَنا معظمَ حوائجِنا. قلْ لِيَ ماذا لو كان المولودُ عِجلاً أو سَخْلاً أو خروفاً أو حتى أرنباً، هل كنتَ فعلتَ بهِ هكذا فعلةً؟!.
جاسر: إنَّ قيمةَ هذا المولودِ لا تساوي خَمسةَ قروشٍ، ضعْ عقلَك في رأسِكَ!. لِماذا المقارنةُ أصلاً بينهُ وبين العِجلِ والسّخلِ والخروفِ والطفلِ والأرنبِ؟. نريدُ أنْ نعيشَ، أم تريدُنا أنْ نَركُنَ إلى معاشِكَ الشهريِّ أو مدخراتِكَ؟!.
حمد: إنَّ الخمسةَ قروشٍ التي تتحدثُ عنها لَهِيَ القيمةُ السّوقيةُ، ولكنَّكَ تتَجاهلُ القيمةَ العمليةَ والاقتصاديةَ والروحيةَ لهُ والتي هي أعلى من ذلكَ بكثيرٍ. هل بِمقدورِ أحدٍ منا القيامَ بِما يقدرُ على القيامِ بهِ عندما يكبرُ؟!. هذا الكائنُ أباً عن جدٍّ مهضومةٌ حقوقُهُ ومنكَرٌ عليهِ جَميلُهُ بسببِ جهلِ الجميعِ بهِ واستخفافِهمْ بكيانهِ. إنَّ المصروفَ الماديَّ والرعايةَ والجهدَ المصروفَ على العِجلِ حتى يصبحَ ثوراً للبيعِ تعادلُ أضعافَ سعرهِ في السّوقِ. في حينِ أنَّ المصروفَ الكليَّ على مَخلوقٍ من مثلِ المولودِ الجديدِ لا يكادُ يذكرُ، وبكلِّ المقاييسِ المَحلّيةِ والدوليةِ.
جاسر: لا يوجدُ عندِيَ من الكلامِ ما أضيفُهُ لكَ. أنصحُكَ أنْ تأخذَ بالكَ من نفسِكَ وتتركَ الأمورَ وشأنَها.
حمد: وأنصحُكَ أنْ ترحمَ الأمّهاتِ، الأمّهاتُ لَهُنَّ مشاعرٌ وعواطفٌ وأحاسيسٌ، وهنالك أمّهاتُ حيواناتٍ عندَهنَّ حنانُ الأمِّ أقوى من ذلكَ الموجودِ عندَ أمّهاتِ بني البشرِ. مشكلتُهُنَّ أنَّهنَّ لا يتكلّمنَ ولا يقرأنَ ولا يكتبنَ؛ ليسَ عندهُنَّ لا نقاباتِ عمالٍ ولا جَمعياتٍ حقوقيةٍ ولا وسائلَ إعلامٍ ولا مندوبينَ في البرلَماناتِ أو في مَجالسِ الوزراءِ.
جاسر: والآنَ وجدتَ لكَ وظيفةً وعملاً!. عليكَ أنْ تربِّيَها وتعلّمَها وترسلَها في بعثاتٍ دراسيةٍ إلى الخارجِ وترشِّحَها لشغلِ مناصبَ هامةٍ في الدولةِِ، وربَّما يصبحُ أحدُ رؤساءِ بلديةِ المدينةِ منْها مستقبلاً!. عسى اللهَ تعالى يعينُكَ على عقلِكَ ويعينُنا على الحياةِ معكَ!.
تدخَّلَ الوالدانِ أبو جاسر وأم جاسر بعدَ أنْ أيقنا أنَّ مواجهةً عنيفةً بينَ حمد وجاسر على وشكِ الحدوثِ وسطَ هذا الصّراعِ الذي كشَفَ فرْقَ نفسيةِ الاثنينِ اتّجاهَ مثلِ تلكَ القضايا.
أبو جاسر: ولِماذا يا جاسر! تستخفُّ بأفكارِ غيرِكَ حتى ولو يصغرُكَ سنّاً؟. أرى أنَّ معهُ كلَّ الحقِ في كلامهِ. ألا تذكرُ قصةَ ذلكَ الأعرابِيِّ البدويِّ الذي ساعدَ كلباً على وشكِ الموتِ عطشاً من شدةِ الحرِّ بأنْ جلبَ لهُ الماءَ من البئرِ مستعمِلاً حذاءَهُ كوعاءٍ لنقلِ الماءِ، فجزاهُ اللهُ خيرَ الجزاءِ بإدخالهِ الجنةِ؟!.
صفحة 9
حمد: ولتتخيّلْ يا سيدَ جاسر أنَّ أمَّكَ عندَما ولدتْكَ، لتتركَكَ على قارعةِ الطريقِ أو في مكانٍ ما لوحدِكَ عرضةً لِخطرِ الموتِ من الجوعِ والبردِ والخوفِ من المَجهولِ. ماذا تُراكَ فاعلٌ والحالُ تلكَ يا بشراً؟!.
جاسر (بانفعالٍ): إياكُمْ أنْ تعقدوا تشبيهاً خسيساً كهذا معِيَ، حذارِ....
حمد: عليكَ أنْ تُقَدِّرَ الحياةَ لغيرِكَ كما تُقدِّرُها لنفسِكَ. أنتَ كغيرِكَ من الكائناتِ الحيةِ. حتى الأشجارُ والنباتاتُ يَجبُ عليك أنْ تَحترمَ مشاعرَها.
جاسر: خذوا الحكمةَ ولو من أفواهِ المَجانينِ. أرجوكَ أنْ لا تكلِّمَ أحداً غيرَنا لئلا يبدؤونَ بالضحكِ عليكَ وعلى من ربّاكَ وعلينا جَميعاً من بعدِكَ.
حمد: لا يهمُّ الآخرونَ الآنَ، المهمُّ نفسُكَ أنْ تتعلَّمَ من نفسِكَ. هذا المسكينُ لولا نَجاحُ مُحاولةِ إنقاذهِ لكانَ الآنَ في عالَمِ الأمواتِ، ولنِلْتَ منّا جَميعاً ما لا ترضاهُ عيناكَ.
أبو جاسر: والآن ماذا تريدونَ تسميتَهُ؟، غضبٌ أو برقٌ أو رعدٌ أو مطرٌ أو ليلٌ أو خيرٌ أو شرٌ ..؟!.
حمد: إنَّ شكلَهُ يوحي بأنّهُ سيكونُ ذا قريحةٍ شعريةٍ قويةٍ نظراً لاتساعِ جبهتهِ وغزارةِ شَعرهِ ونافذيةِ عينيْهِ. وتيمُّناً بشاعرِنا العبقريِّ الموهوبِ الأستاذِ "زاهي بوسِعْدَة"، لذلكَ أودُّ تسميتَهُ كذلكَ على اسْمهِ أو "أبوالزهو"؛ وعلى اللهِ الاتكالُ.
أم جاسر: هذا أكثرُ الأسْماءِ لباقةً بهِ وكأنَّهُ قد وُلِدَ مكتوباً هذا الاسْمَ بينَ عينيْهِ. أنا مع حمد في إطلاقِ هذا الاسْمِ عليهِ.
جاسر: ودَدْتُ لو كنتُ مَحلَّهُ وألقى هذا النصيبَ من الحبِّ والتقديرِ والإعجابِ بشكلهِ، ولَمْ يكدْ يبلغُ يومَهُ الأوَّلَ. حتّى هذا الاسمُ الظريفُ لهُ .... حبذا لو أقدرُ أنْ أُغَيِّرَ اسْمِيَ إلى اسمٍ آخرَ غيرَ الذي أُنِطْتُ بهِ دونَ أخْذِ رأيِيَ لا عندما كنتُ صغيراً ولا عندَما كبرتُ ..."جاسر... هه"..
حمد: اشكرْ ربَّكَ، ذلكَ أحسنَ مِّما لو سَمّوْكَ "مُتعِبْ" أو "جُريب" أو "حُريب" أو "كُلَيب" أو حتى "غُريِّب"!.
أوَّلُ دمٍ
بدأَ "أبوالزهو" يتغذّى من البيتِ مثلَهُ مثلَ أيِّ فردٍ من أفرادِ الأسرةِ مِمّا ينتجُهُ الحقلُ من موادَّ غذائيةٍ وحيويةٍ بالإضافةِ إلى حليبِ أمهِ. ما هي إلا فترةٌ وجيزةٌ حتى أصبح يَجري ويركضُ في البيتِ وحولَهُ ومع الأولادِ ومع أمِّهِ "راكلي" في الذهابِ والإيابِ في العشيةِ والإبكارِ. كان أبوالزهو في طفولتهِ مُحبّاً للدّعةِ والمداعبةِ واللّحسِ واللّمسِ. أحبَّ الكرَّ والفرَّ وأحبَّ من يكرُّ معهُ ويفرُّ؛ وما أنْ يسقطَ على الأرضِ، بسببِ عثرةٍ أو زيادةٍ في سرعةِ العدْوِ، حتى ينهضَ ليستعيدَ أنفاسَهُ ويبدأَ شوطاً جديداً. بلونهِ البنيِّ الفاتحِ وعينيْهِ الصّافيتينِ وشعرهِ ورأسهِ وأرجلهِ وظهرهِ وبطنهِ وقوامهِ الرشيقِ كان كاللعبةِ التي تدبُّ فيها الحياةُ دقيقةً بدقيقةٍ. أوَّلَ ما يراهُ يثارُ في المرءِ الإعجابُ بهِ ويتقدَّمُ ذلكَ المرءُ إليهِ ليلمسَهُ على وجههِ أو رقبتهِ أو ظهرهِ أو بطنهِ، ليلمسَ ذلكَ الشعرَ الحريريَّ الملمسِ؛ وكان بعضُهُمْ من عشّاقِ الجمالِ الطبيعيِّ من يقومُ باحتضانهِ وحَملهِ وتقبيلهِ، حقاً كان آيةً في الجمالِ. وكلَّما تقدَّمَ بهِ العمرُ ازدادَ زهوُ شبابهِ ليصبحَ منظرُهُ قمّةً في إثارةِ الإعجابِ وفي حُسنِ القَوامِ وإشعاعِ الحيويةِ.
أصيبَ ربُّ العائلةِ أبو جاسر بوعكةٍ صحيةٍ شديدةٍ اضطَرَّتْهُ لِملازمةِ الفراشِ فترةً طويلةً، وكادتْ أنْ تقضيَ عليهِ. طلبَ من ابنهِ حمد أنْ يذهبَ إلى المدينةِ ليقومَ ببيعِ الحليبِ واللّبنِ الرائبِ والبصلِ في شوارعِ المدينةِ، بدلاً عنهُ. تردَّدَ حمد في بدايةِ الأمرِ زاعِماً أنّهُ لا يعرفُ المدينةَ جيداً واشتكى من خطرِ السّياراتِ وتَحرّشاتِ وإزعاجِ السّائقينَ، إلا أنّهُ أذعنَ لِمطالبةِ والدهِ وذهبَ إلى المدينةِ لذلكَ الغرضِ. أخذَ فكرةً عامةً عن الأسعارِ من والدهِ وعن كيفيةِ التعاملِ مع الزبائنِ وأيِّها أسلمَ الطرقِ ليسلكَها عندَ الذهابِ والإيابِ. كان على حمد أنْ يبدأَ رحلةَ البيعِ إلى المدينةِ في الصّباحِ الباكرِ، عادةً حواليْ السّادسةَ صباحاً لكيْ يصلَ إلى المدينةِ بعدَ حواليْ السّاعةِ ونصفِ السّاعةِ من المشيِ على الأقدامِ.
في أحدِ الأيامِ كانتْ أم جاسر تساعدُ ابنَها حمد في تَجهيزِ حُمولةِ البيعِ على ظهرِ أمِّ أبوالزهو "راكلي" حينَ وقفَ أبوالزهو جانباً. كانت رحلةُ الذهابِ إلى المدينةِ على وشكِ البدءِ عندما اتّخذَ أبوالزهو خطَّ سَيْرٍ موازٍ لأمهِ. حاولَ حمد في البدايةِ ثَنْيَ أبوالزهو عن مرادهِ إلا أنّهُ أصرَّ! على مصاحبةِ أمّهِ وحمد إلى المدينةِ. لَمْ تطاوعْ حمد نفسُهُ لِمواصلةِ ثَنْيِ أبوالزهو عن مصاحبتِهِما. بعدَ حواليْ السّاعتينِ وصلَ حمد وأبوالزهو و"راكلي" إلى أطرافِ المدينةِ وبدأَ حمد المناداةَ على البضاعةِ المكونةِ في معظمِها من الحليبِ واللّبنِ الرائبِ. كان الإقبالُ على البيعِ شحيحاً لأنَّ حمد كان لا يزالُ بائعاً جديداً على شوارعِ المدينةِ ومعظمُ الناسِ هناكَ لديهِمْ بائعونَ ثابتونَ لا يشترونَ من غيرِهمْ، حتى ولو بسعرٍ أقلَّ. لَمْ يتمكَّنْ من بيعِ سوى "بقلولةٍ" واحدةٍ (البقلولةُ هي اسْمٌ مَحليٌّ لوعاءٍ مَخروطيِّ الشكلِ ومصنوعٍ من الفخارِ الأسْمرِ أو البنيِّ اللونِ وتتسعُ البقلولةُ الواحدةُ إلى حواليْ اللترِ من السّائلِ الذي عادةً ما يكونُ من الحليبِ أو اللّبنِ الرائبِ).
صفحة 10
ما أنْ توغّلتْ "قافلةُ حمد" قليلاً داخلَ شوارعِ المدينةِ حتى فوجئَ حمد بعددٍ من الأولادِ الصّغارِ يقفونَ على طرفِ الشارعِ. رأى الأولادُ الصّغارُ أبوالزهو الصّغيرَ وأعجبَهُمْ شكلُهُ وبدؤوا بالتجمُّعِ حولَهُ في شكلٍ شبهِ دائريٍّ؛ ظنَّ حمد في البدايةِ أنَّهُمْ يريدونَ مداعبتَهُ بلطفٍ. بدأَ أحدُهُمْ بالمَسْكِ برأسهِ وآخرُ يشدُّهُ من رجلهِ وثالثٌ يُحاولُ الضغطَ على رقبتهِ. أحسَّ حمد بضغطٍ كبيرٍ داخلَ عروقِ دمهِ واندفعَ صوبَ الفتيةِ الصّغارِ لإبعادِهمْ عن أبوالزهو. وجاءَ اثنانِ أو ثلاثةٌ آخرونَ واتّحدوا جَميعاً مُحاولينَ ركْلَ أبوالزهو وضرْبَهُ على رأسهِ والقفزَ على ظهرهِ. صاحَ بِهمْ حمد جَميعاً أنْ يتركوا أبوالزهو وشأنَهُ حينَ لَمْ يَجدْ منهُمْ آذاناً صاغيةً. هاجَمَهُمْ بعصاهُ ووصلَ عددٌ آخرُ من الأولادِ وزادتْ حدّةُ الهجومِ على حمد وأبوالزهو. تَمكّنتْ المَجموعةُ الأولى من ضربِ أبوالزهو وتَمزيقِ شعرهِ وإحداثِ كسورٍ، ربّما، في منطقةٍ الحوضِ عندَهُ ونتفِ شعرِ جلدهِ. صارَ الدَّمُ يسيلُ من بعضِ جوانبِ جسمهِ. صاحَ بِهِمْ حمد من جديدٍ ومن تَحْتِ وطأةِ الهجومِ الجماعيِّ الشرسِ أنْ يا هؤلاءِ السّفلةَ أنْ يتركوهُمْ وشأنَهُمْ أو سيقطّعُهُمْ جَميعاً إرباً إرباً!. وكان يقفُ ليسَ ببعيدٍ عن أرضِ الاشتباكِ شخصٌ أقرعٌ أصلعٌ في أربعيناتِ عمرهِ؛ رجاهُ حمد وتوسّلَ إليهِ للتدخلِ لإنقاذِهمْ من الفتيةِ "الأشرارِ" فما كان منهُ إلا أنْ نظرَ إلى حمد ضاحكاً ومستهزئاً ساخراً!. بدأَ حمد من جديدٍ يَجمعُ ما تبقّى لديهِ من طاقةٍ مستعملاً الحجارةَ والعصا للدفاعِ عن نفسهِ وعن أبوالزهو. بعدَ حواليْ نصفِ ساعةٍ على بدءِ المعركةِ الشرسةِ تلكَ تَمكّنَ حمد من الإفلاتِ والهربِ بصحبةِ أبوالزهو و"راكلي" إلى مكانٍ آمنٍ قريبٍ مع خدوشٍ و"رتوشٍ!" دَمِّيّةٍ في الرأسِ والصّدرِ والوجهِ والأذرعِ .....
ذَهَبَتْ المَجموعةُ المكوّنةُ من "حمد وأبوالزهو وراكلي" مسارعينَ الخُطى بعيداً عن هؤلاءِ الصّبيةِ ومشوْا حواليْ نصفَ كيلومترٍ في شارعٍ جانبِيٍّ في ضاحيةِ المدينةِ بعيداً عن مركزِ المدينةِ قدْرَ الاستطاعةِ لتجنبِ الكثافةِ العاليةِ للبشرِ هناكَ. وبعدَ أنْ تأكَّدوا من زوالِ الخطرِ، وقفَ حمد وأبوالزهو على جانبِ الشارعِ يتفقّدونَ أجزاءَ أجسامِهمْ المصابةَ والسّالِمةَ!. دعا حمد الله مُخلصاً من قلبهِ وكافةِ حواسهِ لئنْ أنقذَ لهُ أبوالزهو من بطشِ المدينةِ وأولادِها ليقضينَّ طولَ العمرِ للهِ عابداً ومتعبداً وناسكاً وأنْ لا يعصِيَ والديْهِ أبداً مهما ستكونُ طلباتُهُما!.
بدأَ حمد المناداةَ على البيعِ من جديدٍ وبعدَ سيرِ مئةِ مترٍ تقريباً أطلَّتْ عليهِمْ، من شباكِ بنايةٍ في منطقةٍ مرتفعةٍ كثيراً فوقَ مستوى الشارعِ، امرأةٌ حسناءُ لطيفةُ المناداةِ عذبةُ الصّوتِ!. سألتْ عن البيعِ فأجابَ حمد أنّهُ يبيعُ الحليبَ واللّبنَ الرائبَ والبصلَ اليابسَ. قالتْ أنَّها تريدُ أنْ تشتريَ بقلولةَ لبنٍ رائبٍ فسألَها حمد عن السّبيلِ إلى بابِ بيتِها فأشارتْ عليهِ إلى مطلعِ درجٍ يبدأُ بالشارعِ وينتهي في منتصفِ المرتفعِ. كان هنالكَ ما لا يقلُّ عن خمسينَ درجةٍ مقسّمةٍ إلى مَجموعاتٍ يربطُ بينَها شبهُ بَسْطةٍ صغيرةٍ كلَّ عشرينَ درجةٍ تقريباً. قالَ لَها حمد أنَّ المسافةَ بعيدةٌ عليهِ وعلى أبوالزهو وأمِّه وحِمْلِ البضاعةِ. زعمَتْ أنّهُ لا يوجدُ عندَها أحدٌ في البيتِ وأنّهُ إذا ما أراد حمد أنْ يبيعَها شيئاً فإنَّ عليهِ وصحبتهِ تسلُّقَ الدَّرَجِ. قالَ حمد: لا حولَ ولا!. بدأتْ المَجموعةُ بالتسلقِ؛ تارةً يقومُ حمد بِحَمْلِ أبوالزهو ليوصلَهُ إلى أقربَ بسطةٍ ليعودَ ليسوقَ أمَّهُ إلى ذلكَ المكانِ... وهكذا دواليكَ. وبعدَ جهدٍ جهيدٍ وانقطاعِ كلِّ الأنفاسِ وصلَ حمد وجَماعتُهُ إلى مدخلِ بيتِ المرأةِ "الحسناءِ". قال حمد في نفسهِ إذا كانَ كسبُ العيشِ مؤدّاهُ هكذا فمنَ الأفضلِ أنْ لا يكونَ هنالكَ كسبٌ أو حتى عيشٌ!.
وقفتْ المَجموعةُ أمامَ البابِ فخرجَ عليهِمْ رجلٌ كاملُ الصّلعِ تقريباً بادرهُ حمد قائلاً أنَّ المرأةَ ادَّعتْ بأنَّ لا أحداً لديها لترسلَهُ إلى الشارعِ السّفليِّ لشراءِ البضاعةِ!؟. كان شخصاً شاباً قويَّ البنيةِ مفتولةٌ عضلاتُهُ يعلو فمَهُ شاربٌ أسودُ كثيفٌ. طلبَ من حمد أنْ يبيعهُ "بقلولتينِ" وسألَ عن الثمنِ. قال حمد أنّهُ يبيعُ البقلولةَ الواحدةَ بِخمسةِ قروشٍ لذا عليهِ أنْ يدفعَ عشرةَ قروشٍ. قالَ الرجلُ أنّهُ يكفي حمد سبعةُ قروشٍ فردَّ حمد أنَّ رأسْمالَها خَمسةُ قروشٍ لكلٍّ منها مستثنياً التعبَ والإجهادَ لهُ ولِمجموعتهِ الكاملةِ. بكلِّ فظاظةٍ أجابهُ الرجلُ بأنّهُ إذا لَمْ يُرِدْ البيعَ بذلكَ السّعرِ فإنّهُ سيعيدُ لهُ البقلولتيْنِ. مشى البيعُ بسعرٍ فرضَهُ المستهلكُ البخيلُ هذهِ المرةَ، لأنَّ حمد كانَ يريدُ التخلّصَ من بضاعتهِ بأقصى سرعةٍ مُمكنةٍ. كان خائفاً أنْ تتكرَّرَ مأساةُ الصّباحِ مع أولادٍ جددٍ يَخرجونَ من أيٍّ من أحدِ أزقّةِ المدينةِ الكثيرةِ والمكتظّةِ بالسّكانِ. وما أنْ هبطَ حمد ومن معهُ الدَّرَجَ إلى الشارعِ حتى تذكَّرَ أنّهُ نسيَ أنْ يسترجعَ البقاليلَ الفارغةَ، ليعيدَ الكَرَّةَ من جديدٍ ولكنْ هذه المرةَ لوحدهِ حيثُ صعدَ الدّرَجَ سريعاً. لكنَّهُ وجدَ هناكَ أنَّ الرجلَ لَمْ يقمْ بعدُ بتفريغِ البقاليلِ من اللّبنِ. توسَّلَ إليهِ حمد بأنْ يقومَ بذلكَ وبسرعةٍ حيثُ أنّهُ كان يَخشى أنْ يقومَ أحدُهُمْ بسرقةِ أبوالزهو الصّغيرِ والبضاعةِ ويكونَ اليومُ يومَ كارثةٍ مشهوداً لهُ في تاريخِ عائلةِ أبو جاسر. تدخَّلتْ زوجتُهُ والتي صاحتْ بهِ أنْ يشعرَ ولو قليلاً مع بني البشرِ، وفعلاً حصلَ لهُ ذلكَ!. عادَ حمد إلى الشارعِ ليجدَ أبوالزهو وأمَّهُ "راكلي" بالانتظارِ وحَمَدَ اللهَ كثيراً أنْ لا شيءَ مِمّا وسوستْ لهُ نفسُهُ قد حَصَلَ لا معَ أبوالزهو ولا معَ أمِّهِ "راكلي".