eKtab
EN ع
الرصاصة الأخيرة
اقرأ عينة مجانية

الرصاصة الأخيرة

بقلم عادل سالمِ

صفحة 1
ثلاث أمهات وطفل واحد
 
شهرته فاقت الأوصاف، فإضافة إلى سعة علمه، وخبرته. هو طويل القامة، جميل الشكل. نظراته تدل على ذكاء متقد. بشوش. عيناه زرقاوان. سبحان الخالق!
 
أشهر طبيب متخصص في أمراض القلب. يعمل مديراً للمستشفى الأهلي، وله عيادة خاصة خارجية تغص دائماً بالمرضى الذين يأتون حسب المواعيد، وإن كان الواحد منهم محظوظاً، فقد يحظى بدور بعد شهر على الأقل.
 
 
 
"هذا الطبيب أمه أوروبية بالتأكيد. تزوجها أبوه عندما كان يدرس في بلاد الأجانب، وعاد بأمّه من هناك". 
 
 
 
هكذا يقول المرضى عنه، فما أن يظهر لهم بطلّته البهية حتى تتحرك ألسنتهم. 
 
علّقت إحداهن:
 
- ستكون محظوظة من تتزوجه، فهو مثل الشراب يا عناب.  
 
قالت أخرى:
 
- وردة جميلة تحتاج من يسقيها.
 
تدخلت امرأة تنتظر مع أمها العجوز قائلة:
 
- يا حسرة! ليت زوجي مثله.
 
قال مريض يجلس في الزاوية مشاركاً المرضى في العيادة ثرثرتهم:
 
- الله يخليه لأهله. طبيب ماهر. لم أر الراحة إلا على يديه.
 
إحدى الأمهات حركت شفتيها يميناً وشمالاً ثم انبرت قائلة:
صفحة 2
- هذا طبيب أمه راضية عنه، ومن ترض أمه عنه يوفقه الله.
 
أما المرأة العجوز الطاعنة بالسن فقد علقت:
 
- لو أرجع صبية لن تتزوجه امرأة غيري.
 
 
 
 ضحك الجالسون في غرفة الانتظار، وضحك معهم أحمد عبد السلام الذي ينتظر معهم.
 
جاءت الممرضة المسؤولة، ونادت على المرضى، ثم وزعتهم على الغرف، وبدأت بإجراءات بعض الفحوصات العادية لهم مثل فحص ضغط الدم، ودرجة الحرارة، وسجلت المعلومات الأساسية على جهاز الحاسوب.
 
 
 
عيادة كبيرة، فيها عشر غرف، وخمس ممرضات، وطبيب واحد.
 
يا لهذا الطبيب الرائع! ليته كان ابني. قالها عبد السلام لنفسه، ثم أكمل بعد ثوان: لكنت أسعد الناس على الأرض.
 
 
 
بعد نصف ساعة دخل الغرفة الطبيب أيوب، بلباسه الأبيض ومعه ممرضة تلازمه، حيّا المريض الأول، ورحب به، وبدأ يتابع معه وضعه الصحي، ويراجع المعلومات على جهاز الحاسوب، ثم بدأ بإجراء الفحوصات اللازمة له. بعد انتهاء الفحوصات قال له الطبيب:
 
- سأحولك إلى المستشفى الآن لإجراء فحوصات شاملة فوضعك لا يُطمئن. هل معك أحد في الخارج؟
 
- لا يا دكتور. أنا وحدي، وزوجتي تركتها في البيت. 
 
- وأين الأولاد؟ هل انشغلوا عن أبيهم؟
 
- ليتهم ينشغلون، لكن لا يوجد عندي أولاد. إرادة الله في خلقه.
صفحة 3
- آسف.. لم أقصد إزعاجك. لا اعتراض على مشيئة الله. 
 
- لا.. لم تزعجني يا دكتور. لقد قمت بواجبك. سأتصل بزوجتي وأخبرها.
 
 
 
غادر الدكتور أيوب الغرفة فيما كان أحمد عبد السلام يلهج بالثناء عليه، ويتحسر على عمره الذي ذهب سدى: تجاوزت الستين من العمر، وليس لدي ولد أعتمد عليه. زوجتي لم تنجب أولاداً. رفضت أن أتخلى عنها، أو الزواج عليها. هذه مشيئة الله.
 
هز رأسه ثم قال لنفسه: هل هي مشيئة الله، أم أنني كنت...؟ لا أدري. ماذا ينفع هذا الكلام الآن؟ آخ يا ختام لو لم تفعليها، لكان لنا ولد نعتمد عليه. كان بين أيدينا، فركبت رأسك وضيعته منا. تُرى أين أنت يا وليد؟ ما هي أخبارك؟ هل تتذكرنا؟ ليتني لم أستمع لها، لكن ماذا كان بوسعي أن أفعل؟
 
أنا لم أمارس تأثيراً عليها. استسلمت لأهوائها. كان علي أن أثبت وجودي معها. صبرت عليها، وكان عليها أن تقدّر ذلك.
 
أوه يا أحمد.. ما لهذا الكلام الآن؟ ما الفائدة؟ حادثة حصلت قبل ثلاثين سنة على الأقل، فلماذا تتذكرها الآن؟ البس ثيابك، واخرج إلى حيث أشار إليك الطبيب.
 
 
 
بعد انتهاء الدوام، جلس الدكتور أيوب يراجع سجلات مرضاه الجدد، خصوصاً ملف المريض أحمد عبد السلام الذي حوله إلى المستشفى لإجراء مزيد من الفحوصات.
 
أحمد عبد السلام، موظف سابق في دائرة الصحة. زوجته ختام مدرسة متقاعدة. ليس لديه أولاد. عمره خمسة وستون عاماً.
 
صمت الدكتور أيوب لحظة، ثم بدأ يردد اسم المريض: أحمد عبد السلام.. أحمد عبد السلام.. أحمد عبد الـ...
 
 
 
صور مكثفة بدأت تظهر إلى السطح مسرعة، ثم تختفي بسرعة كما جاءت، لدرجة يصعب معها أن يدقق فيها ليتبيّنها على حقيقتها. فجأة قال متمتماً: نعم.. إنه هو. يا إلهي.. كيف لهذه الدنيا أن تجمعنا من جديد، ولماذا؟
صفحة 4
أغمض عينيه، وحاول بكل قوه أن يستعيد ذلك اليوم المشؤوم في مخيلته؛ ذلك اليوم الذي حمد الله أنه نسيه، ولم يعد يتذكره. إنه يوم شؤم. لحظات مؤلمة غيرت مجرى حياته كلها. إنها مثل صور قديمة، مهملة في ألبوم قديم، ما أن يقع بصرك عليها حتى تستعيد ماضي تلك الصور، بل ربما الماضي كله.
 
 
 
ألقى الدكتور أيوب الملف على سطح المكتب. أطفأ جهاز الحاسوب. وضع يده على رأسه.
 
الأحداث تعود إليه من الماضي بسرعة الضوء، أو كأنه هو يعود إليها ليحياها من جديد.
 
شد على قبضة يده. ضرب المكتب بقوة. الصورة بدأت تتضح تدريجياً حتى أصبحت واضحة المعالم، كما لو أنها حصلت الآن.
 
 
 
كان يصرخ باكياً: لا تتركاني.. لا أريد البقاء هنا. خذاني معكما. أرجوك يا أمي، لن أشاغب بعد اليوم. لن أصرخ. سأسمع كلامك. بابا حبيبي.. أنا أحبك يا بابا. لا تتركني.
 
 
 
كان يشد ببنطلون أبيه الذي كان يبكي لبكائه، ويمزق شعره، لكنه كان يختلس النظرات لزوجته ختام كأنه يرجوها أن تعيد ابنهما إلى البيت، لكنها كانت حازمة في مواقفها، ولم تذرف دمعة واحدة على الرغم من بكائه غير المنقطع وهي التي كانت تبكي إن بكى، وتسهر الليالي الطويلة على راحته. لم يكن يعي لماذا تغيرت تجاهه؟ أيعقل أن تترك الأم ابنها لأنه يضع يديه على كل ما يصادفه؟! كان مصدوماً غير مصدق أن أمه بتلك القسوة، كأن كل كلمات الحب التي سمعها منها كانت كذباً ورياء. كانت ماما ختام تقول له: سنعود إليك غداً.
 
لكنها لم تعد منذ ذلك اليوم.
 
 
 
بكاؤه وصرخاته لم تؤثر عليها، بل أثرت على المربية المسؤولة عن الملجأ، والتي بكت معه وحضنته لتمنعه من اللحاق بهما، ثم قدمت له الألعاب والحلويات، لكنه رفضتها كلها. استمر بالبكاء حتى نام والدموع تسيل من عينيه.
 
 
صفحة 5
في اليوم التالي من تلك الحادثة، سأل المربية نسرين: 
 
- متى ستعود أمي؟ 
 
كانت ترد عليه دائماً:
 
- غداً إن شاء الله.
 
لكنها بعد أسبوع قالت له:
 
- لقد سافرت أمك، ولن تعود.
 
 
 
حاولت أن تخفف عنه آلامه، فضمته إلى عائلتها بعد موافقة زوجها صالح، وسمته اسماً جديداً (أيوب). ربما لكثرة ما عانى من آلام فصار اسمه أيوب صالح، ثم أصبح يناديها: ماما نسرين، وينادي زوجها: بابا صالح.
 
أحبهما. أحباه. حاولا تعويضه من الصدمة التي ألمت به، فقدما له كل رعاية، وأرسلاه إلى أفضل الجامعات، فعاد إليهما طبيباً متفوقاً. عاد إلى البلد نفسه الذي تعذب فيه، ولكن رأى الحياة فيه من جديد. كان مثل أبنائها الباقين (ثلاثة أولاد وبنتان)، وعندما كبر وأصبح في سن البلوغ اضطرت أمه نسرين أن تخبره رحلة آلامه الطويلة.
 
 
 
- حبيبي أيوب.. أرجو ألاّ تزعجك تلك الأخبار، لكن واجبي يحتم علي أن أخبرك. كنتَ طفلاً عمره ثلاثة شهور فقط عندما وصلتنا مع مجموعة من الأطفال الأيتام من البوسنة. لم نملك عنك معلومات كثيرة، ولم نعرف سوى أنك بلا أب أو أم، وكان علينا الاعتناء بكم، أو إيجاد عائلات مسلمه تتبناكم. وعندما بلغت ستة شهور، حضر إلى مكتبنا السيد أحمد عبد السلام وزوجته ختام لأنهما لا ينجبان أولاداً، وطلبا تبني أحد أولاد الملجأ، فوقع اختيارهما عليك. بعد اتخاذ الإجراءات اللازمة، حملاك من الملجأ بعد أن سمياك (وليد).
 
صمتت قليلاً، وقد بدأت تتأثر من الحديث، ثم تابعت:
 
- وفي أحد الأيام بعد حوالي أربع سنوات، عادا بك إلينا طالبين إعادتك إلى الملجأ. كنت مصدومة من قرارهما، وصحت بهما:
 
"كيف تعيدانه بعد أن تعود عليكما؟ أليس لكما قلب؟ أليس في قلبكما رحمة؟"
صفحة 6
 كان زوجها حزيناً. لم يكن راضياً، لكنه لم يستطع إقناعها، وكانت تقول بأنها لم تعد تتحمل مشاغبتك. وقد علمت فيما بعد أنها لم تعد تتحمل تعليقات الناس على وجود ولد أشقر معها بعكس لون أمه وأبيه. لقد جن جنونك عندما همّا بالخروج وتركاك في الملجأ. كنت تبكي بحرارة، رق لها الصخر، وقلبي أنا، فقررت منذ ذلك اليوم أن أمنحك كل حبي لأعوضك عن آلامك ورحلة عذابك، فسميتك أيوب تيمناً بالنبي أيوب عليه السلام.
 
 
 
أفاق الدكتور أيوب من رحلة استعادة تلك الحادثة عندما دخلت الممرضة تسأله إن كان يحتاج إلى شيء قبل مغادرتها العيادة.
 
نظر إلى الساعة وقال لها:
 
- يبدو أن الوقت قد تأخر، فلنغادر معاً. 
 
وخرجا من العيادة منصرفين.
 
 
 
كان أيوب في الطريق إلى البيت يتساءل: كيف سيجري غداً بقية الفحوصات الطبية لأحمد عبد السلام، وهو الذي منحه الشعور بالحنان والأبوة، ثم رماه من بيته غير آبه بإحساس ذلك الطفل المسكين؟
 
كنت أحبه. كنت أقول له بابا، وأناديها ماما. طالما ركبت على كتفيه. كان يحضر لي الحلوى. كان  يعاملني كابن!
 
كابن؟ إن كنت ابنه فلماذا تخلى عني؟ لو كنت ابنه الحقيقي هل كان سيستجيب لها ويتخليا عني؟ لا.. لا أصدق. لكني سأكمل معروفي. سأقوم بواجبي الطبي. سأعالجه، وأقدم له كل مساعدة ممكنة...
 
لكن لن أكشف له من أنا. لعل هذا الجرح يعود فيلتئم من جديد. ولن أخبر ماما نسرين، ولا بابا صالح. لن أثير لهما المتاعب. يكفي أني أحسه، وأتألمه.
 
 
صفحة 7
في اليوم التالي، كشفت الفحوصات الطبية التي أجراها الدكتور أيوب على المريض أحمد عبد السلام أن أحد الشرايين المتصلة بالقلب لديه على وشك الانسداد، فاضطر إلى إجراء عملية جراحية له حتى لا يصاب بجلطة قلبية. انتقل أحمد عبد السلام بعد موافقته إلى غرفة العمليات، وأجرى الدكتور أيوب العملية التي تكللت بالنجاح.
 
في اليوم التالي من العملية..
 
يدخل الدكتور أيوب غرفة المريض أحمد ليطمئن عليه، فيرى عنده زوجته ختام تطعمه بيدها.
 
يهتز بدنه قليلاً عند رؤيتها بشعرها الذي شاب قليلاً. كان يستمع إلى صوت قادم من بعيد يقول له: هي نفسها، ماما ختام التي رمتك لتتخلص منك بعد أن علمتك كلمة ماما، وحرمتك منها في وقت كنت بحاجة إليها.
 
- أهلاً يا دكتور.
 
وقفت لتشكره.
 
نظر إليها وسألها:
 
- أنت زوجته؟
 
- أنا يا دكتور. هو زوجي وكل حياتي؟
 
نظر أحمد إلى الدكتور وسأله:
 
- متى سأخرج إلى البيت؟
 
- ليس قبل أن نطمئن عليك. 
 
- أنا لا أعرف كيف أشكرك يا دكتور. لقد قدمت لي خدمة جليلة، أنا أدين لك بالولاء.
 
- يا سيد أحمد.. الشكر لله.
 
قالت ختام للدكتور أيوب، وهي ترفع يديها باتجاه السماء:
 
- الله لا يحرمنا من أمثالك يا ابني، ويخليك لأهلك. كان نفسي أن يكون لي ولد مثلك يعالج الناس المرضى، لكن آخ...
صفحة 8
وبدأت تبكي.
 
قال لها الدكتور أيوب، وهو يهز رأسه:
 
- كلنا أولادك.
 
ضحكت ثم قالت:
 
- شكراً على المجاملة. أنت زي ابني تماماً. روح الله يجازيك كل خير، ويوفقك. يا قادر.. يا كريم.
 
كان يقول في سره:
 
- الآن تناديني يا ابني! يا لهذه الكلمة العظيمة التي تنازلت عنها بسهولة!
 
 
 
أنهى الدكتور أيوب حديثه معهما، وخرج من الغرفة. جلست ختام تقول لزوجها:
 
- دكتور بشوش وعلى خلق.. الله يحفظه لأمه وأبيه.
 
قال لها:
 
- آه يا ختام.. لو كان لنا ولد مثله.
 
صمت، ثم أكمل:
 
- لو صبرت على وليد لكان الآن في سنه!
 
- أتريد أن تفتح علينا جراح الماضي؟ هذا حظنا من الدنيا. قلت لك تعال نبحث عن ولد آخر، فرفضت.
 
- حتى لا يلقى مصير أخيه وليد.
 
- لقد شعرت بالخطأ يا أحمد، وأرجو أن تسامحني.
 
 
 
تغير وجهها، وسرحت في البعيد. كانت تحبه. كانت تكره من يسألها لماذا تبنته؟ فقد وهبته حنانها كله، بعدما حرمت من نعمة الأولاد. لم تعد تنتبه لما يقوله زوجها. تركته لثوان كأنها دهر. عادت فيها لتلك الأيام.
صفحة 9
- حبيبي وليد، تعال واشرب حليبك.
 
كان منظره وهو يشرب الحليب يدغدغ في عواطف الأمومة. لعن الله كلام الناس. قتلوني بكلامهم. لم يتركوني بحالي. كانت كل من تراني ترمقني بنظرات عجيبة كأنها تسألني كيف يكون ابني أشقر؟ هل هذا من زوج سابق؟ أم أنني...؟ لعنهم الله. لم يتركوا كلمة نابية إلا وألصقوها بي، حتى أمي كانت تقول لي:
 
"اسمعي يا ختام.. إذا جئت لزيارتنا فلا تحضري وليد معك". ولكنه ابني يا أمي، فتزم شفتيها وترد علي: "من أين ابنك؟ نحن عارفين البير وغطاه". ولكنه ابني رسميا، فترد أختي بعصبية: "لا تبني في الإسلام". أما زميلاتي في العمل، فقد كن يقلن لي: "هل تعرفين من تكون أمه الحقيقية؟ ألا يمكن أن يكون ابناً لقيطاً؟ لماذا تسلمه أمه للملجأ؟". ولكنه طفل بريء، ما ذنبه؟ قاومتهم. لم أرد عليهم. لكنني بعد سنوات انهارت كل مقاومة لي كما ينهار جدار كبير في يوم عاصف، أو كما يسقط جسر لم يعد يتحمل السيارات التي تسير فوقه مع أنه تحمل أكثر منها في سنوات مضت.
 
لم تفق من هذيانها إلا عندما دفعها زوجها بيده قائلاً:
 
- لقد سامحتك منذ زمان.. ألم تسمعي؟
 
مسحت دموعها، وقالت له:
 
- لو صبرت لكان عندنا الآن ولد في عمر الدكتور أيوب.
 
صمتت ثم تابعت:
 
- ترى إن كان وليد حياً الآن، وتذكّر ما فعلناه به، هل سيسامحنا؟ هل سينسى ما فعلناه به؟
 
 
 
بعد أسبوع من العملية الجراحية.. 
 
فتح الدكتور أيوب ملف المريض أحمد عبد السلام ليوقع على قرار السماح له بمغادرة المستشفى. نظر إلى صورته في الملف. وقع على الأوراق اللازمة، وقبل أن يعطي الملف للممرضة، أغلق عينيه لثوان وقال مخاطباً أحمد بصوت خافت:
 
- سامحتك.. سامحتك. اللهم اغفر لهما ما فعلاه معي.
صفحة 10
تاجر الخردوات
 
كان يحمل كيساً ثقيلا على ظهره. يخترق الزحام متوجهاً من باب الخليل في البلدة القديمة من القدس إلى باب السلسلة. كان يصيح بأعلى صوته ليستطيع شق طريقه بين أمواج البشر في تلك الشوارع الضيقة: اوعى ظهرك.. اوعى رأسك (احذر ظهرك.. احذر رأسك).
 
 
 
كان الكيس قد أتعبه، فقد أمضى نهاراً كاملاً وهو يتنقل به من شارع إلى آخر، ومن زقاق إلى غيره. عندما وصل شارع طريق الهكاري الذي يمتد من باب السلسلة حتى حي القرمي، تنفس الصعداء. هناك تقدم من بسطة (أبو زكي) التي كانت تقع على تقاطع الشارعين مقابل محلقة زغلول الشهيرة في ستينيات القرن العشرين. 
 
أنزل الكيس عن ظهره، ورماه أمام بسطة (أبو زكي) قائلاً:
 
- السلام عليكم.
 
- وعليكم السلام.
 
هب أبو زكي واقفاً، وقال له بعد أن شاهد الكيس:
 
- يبدو أنك هذه المرة وفقت كثيراً.
 
- يعني.. ماشي الحال. الحمد لله.
 
كان أبو زكي صاحب بسطة لشراء الخردة (الأواني النحاسية، التوتية، الرصاص، وغيرها من المعادن)، وبعد أن يجمعها يبيعها إلى شركات السكب، والحديد، والنحاس، حيث كانت له شبكة اتصالاته. أبو زكي طويل القامة أشهر من نار على علم، وبسطته في مكان مزدحم بالمارة. يعرفه كل سكان المنطقة، فقد غلب اسمه على اسم الشارع التركي.
 
 
 
فتح أبو زكي الكيس، وبدأ يقسّم الأدوات القديمة التي فيه حسب نوعها، فهذا نحاس أحمر، وهذا أصفر، وهذا رصاص... الخ. كان يفعل ذلك دون أن يستعين بمغناطيسه الكبير، فهو رجل خبير في مهنته؛ أكثر من ثلاثين سنة وهو في المهنة نفسها.