eKtab
EN ع
الشعر وأفق الكتابة
اقرأ عينة مجانية

الشعر وأفق الكتابة

بقلم صلاح بو سريف

صفحة 1

"إنَّ الشِّيْءَ لا يُوجَدُ وُجُودَهُ الكَامِلَ ولا يَكْتَسِبُ كِيَانه إلاَّ

مَتَى نَطَقَ الشَّاعِرُ بِالعِبَارَةِ الجَوْهَرِيةِ التي تُسَمِّيهِ. ذلِكَ، أَنَّ

الشِّعْرَ، إنَّما هُوَ تَأْسِيسٌ لِلْمَوْجُودِ بِواسِطَةِ العِبَارَةِ"

(هايدغر)

صفحة 2

الغابةُ لا الشِّجَرة

ما كَرَّسَتْهُ النظريات الشِّعرية القديمة، عند العرب، وهو ما سينعكس سَلْباً على الكتابات الحديثة، هو أنَّ الشِّعر، هو الوزن، وأنَّ ما تبقَّى، ليس بنفس قيمة هذا الدَّالِّ، كونه "الدَّالّ الأكبر"، أو هو "القيمة الشعرية" التي لا يمكن أن يَحْدُثَ الشِّعر دُوُنَها.

هذا ما جعل النقاش الذي دار حول الشِّعر، في الخمسينيات من القرن الماضي، يَنْصَبُّ حول هذا العُنْصُر، وهو ما ظّلَّ مُسْتَمِرّاً، خصوصاً مع ما سُمِّيَ بـ"قصيدة النثر"، دون النَّظر إلى الشِّعر، باعتبار ماضيه، أو بالعودة إلى أصول مفهوم "الشِّعر" ذاته، لِمُراجَعَتِها، وإعادة بناء فرضياته، التي، تَمَّ تَعْتِيمُها، بمفهومٍ آخر مُهَيْمِنٍ، هو مفهوم "القصيدة" التي كانت أساس ما تَمَّ تكريسُه من "قواعد" و"قوانين"، كان لعصر التدوين دور اللحظة الحاسمة في تَثْبيتها، وفي اعتبارها، ما سَيُمَيِّز الشعر العربـي عن غيره مِنَ المقترحات الشِّعرية الـمُصاحِبَة له، أو باعتباره، التَّوْقيعَ الشَّخْصِيَ للثقافة العربية، قياساً بما كان عند "الآخر"، غير العربيِّ.

حين شَرَعَ النَّصُّ في ابْتِذَال القاعدة، وفي تغيير قوانين الشِّعر، أو في تشويشِها، بالأحرى، عاد النقد، أو مَنْ عَمِلُوا على ممارسة الشِّعر نقداً، إلى الاحتماء بـ"القاعدة"، وإلى إحياء، المفاهيم، والنظريات، ليس في أصولها البعيدة، بل فيما أصبح بمثابة البديهي والـمُسَلَّم به، من قبيل حَصْر" الشعر" في "القصيدة"، أو تعريف أحدهما بالآخر، دون العودة بكُلِّ واحد منهما إلى مصدره، أو إلى الأصل الـمَفْهُومِيِّ الذي جاء منه، أي "التَّسْمِيةَ" بالمعنى الهايدغري، بما في ذلك الأصل اللغوي الذي يجمع بين الاثنين، أو يفصل بينهما.

أعيدُ هنا، ما كُنتُ قُلتُه وكتَبْتُه في أكثر من مكان، فـ"الشِّعر" لُغَةً، ليس جمعاً، بل كثرةً، وحتى إذا اعتبرناه جمعاً، فهل "القصيدة" مفرده؟

صفحة 3

في غير العربيةِ، الفرنسية، تحديداً، هذا الإشكال غير مطروح، لأنَّ الأصل اللغوي بين Poème وPoésie هو نفسه، وهو ما يجعل من مشكل ترجمة Poème بـ"قصيدة" من قبيل إسقاط مفهوم له بناؤه، وأصوله المفهومية على مفهوم لا يحمل نفس المعنى، وهذه من مُعْضِلات الترجمة عندنا.

ما يزال الشِّعرُ، عندنا، وهو يدلُّ على الكثرة والتنوع، وليس على الجمع، وهذا هو معنى أصل المفهوم، يعيش على مفهوم "القصيدة"، وعلى "تأسيسها" بتعبير ابن طباطبا العلوي، الذي كان من مؤسِّسي المفهوم، أو الدَّاعين إلى تأسيسه، أي بنائه، حتى لا ينفرط "عيارُه".

مشكلةُ الشِّعرية العربية المعاصرة، هي مشكلةٌ مفهومية بالدرجة الأولى، كون هذه الشعرية لم تُؤسِّس مفاهيمها، وبقيت تعيش على مفاهيم "القصيدة"، فيما هي سَعَت للخروج على النموذج القديم، أو سَعَت لِـ"تأسيس" مفهوم "الحرية" في الشِّعر، وهو، بالأسف، مفهوم، كانت، هو الآخر تستعيره من مرجعٍ، فَهْمُه للحرية، وممارسته لها، كتابةً، كان أكثر جُرْأَةً وتَحَرُّراً، مما أقْدَمَتْ عليه تجربة "الشِّعر الحر".

"القصيدة"، في بنائها، وفي "تأسيسها"، جاءت من الممارسة الشَّفاهِيَة، والشَّكْلُ، أو التوزيع الذي كُتِبَتْ به، كان انعكاساً لهذه البنية الـمُتَرَسِّبَة في قاعها، وهو ما ينسجم مع طبيعة الزَّمَن الذي جاءت منه.

هل زمن "القصيدة" كاختيار شفاهيٍّ، هو زمن "الشِّعر" باعتباره اختياراً مفتوحاً على مقترحاتٍ، عملت النظرية النقدية القديمة على طَمْسِها وتهميشها، في مقابل دَعْم "القصيدة"، وهي اختيار واحد مفرد، هو النموذج "الجاهلي" الذي قَبِلَ به "الـمُدَوِّنون" العرب، رغم أنه جاء من خارج الدِّينِ، أو كان، في قاعدته العامة، شعراً "وَثَنِياً"؟

ما سيجعلنا نذهب في مشروعنا الشِّعري إلى "الكتابة" باعتبارها ممارسة شعرية بمعنيين، فهي مفهوم بطبقتين، وهو ما يجعلنا نحرص على كتابته بخط أسود بارزٍ، كونه يحمل في طياته، معنى "الشِّعر"، أو هو ممارسة شعرية، بكل تمظهراتها الكتابية الغرافيكية، أي ما له علاقة بالصفحة، والكتابة، باعتبارها وَعْياً له علاقة بالخط، وبمزاولة الكتابة بحسب ما تقتضيه وضعية النص على الصفحة الواحدة، أو الصفحة المزدوجة، كما كان هَجَسَ بذلك مالارميه.

صفحة 4

الوعي الكتابـي، هو غير الوعي الشفاهي، وهذا ما جعلنا نقترح، في كتابَيْنا "حداثة الكتابة في الشعر العربـي المعاصر"، و"الكتابـي والشفاهي في الشعر العربـي المعاصر"، مفهوميْ "حداثة القصيدة" لِنُشِيرَ به إلى ما سُمِّيَ، في حينه بـ"الشعر الحر"، و"حداثة الكتابة" لِنَدُلَّ بها على ما يتجاوز هذا المفهوم، وما يتجاوز الممارسة الشعرية الـمُصَاحِبَة له، بما فيها "قصيدة النثر"، التي نرى أنَّ الأشكال التي أصبحت تُكْتَبُ بها اليوم، هي أكبر من هذا المفهوم، وهو ما لم تَسْتَشْعِره حتى سوزان برنار نفسها، في مقاربتها لنماذج، هي في ممارستها النَّصِّيَة، توسيع لأرضِ اللُّغَة نفسها، بإعادتها إلى أصلها الشِّعريِّ الذي لم تكن فيه المسافة بين لُغَةٍ لـ"النثر" ولُغَةٍ لـ"الشعر" قد حَدثَت بعد. هذا ما تؤكده اليوم النصوص الإبداعية الـمُؤَسِّسَة، أعني النصوص الأولى، في كل الثقافات الإنسانية، وهي اليوم مُتَاحَة، وأصبحت رَهْن يَدِ القاريء.

الكتابةُ، بالمعنى الدِينامِيِّ المفتوح، وبوعي النَّصِّ كممارسة كتابية، تَتِمُّ على الصفحة، في إبَّانِها، أي في لحظة الكتابة، وبما تَتَّخذه من تنويعات، في التوزيع الخطيِّ، وفي أشكال الحروف وأحجامها، في مظهرها الخَطِّيِّ، وانتقال النص من الوزن إلى الإيقاع، ليس كدالٍّ أكبر، بل كدالٍّ أوْسَع، وبتوسيع أفق اللغة، دون حَصْرها في لُغَةٍ للشعر، أو بالأحرى لـ"النَّظْم"، وأخرى للنثر، كما عَمِلَت الشعرية القديمة على تكريس الفرق بينهُما، أو اختلاق لُغَتَين، الفاصلُ بينهما كان دائماً، نوع من الوَهْم، الذي كان أبونواس، وأبو العتاهية، بشكل خاص، خَرَقاهُ، ما جعل النَّقْدَ يُوَاجِهُهُما؛ الأول، بما أدخله من تعابير "المتكلمين" و"الفلاسفة"، في شعره، والثاني، بِجَرِّه الشعر إلى الكلام العام، أو البسيط، أي إلى ما كان يُعْتَبَرُ من قبيل "النثر".

وأيضاً، بنقل النص من الغنائية التي كان الصوت الواحد فيها هو الحاضر، إلى النص المرَكَّب، ذي الأصوات، والضمائر الكثيرة المتداخلة، أي بإضفاء البناء المسرحي- الدراميِّ على النص، من خلال الحوار، وأيضاً السرد، وأشكال الاسترجاع المختلفة التي إمَّا أن تكون عودةً إلى الماضي، من خلال الحوار مع مرجعياتٍ قديمة، من التاريخ أو التصوف أو الشعر نفسه، أو بالعودة إلى الذاكرة نفسها، كاستعادةٍ لمشاهد، أو لحظاتٍ، لها علاقة بسياق النص، أو بفكرته...

صفحة 5

كل هذا وغيره، أصبح من المقترحات التي خرج بها الشِّعر عن "القصيدة"، ونَقَلَ بنية النص الشِّعريِّ، من البساطة إلى التركيب، ومن الدّال الواحد الـمُهَيْمِن، إلى تَعَدُّد الدَّوَالِّ وتشابُكها.

هل، في مثل هذا الوضع، تستطيع "القصيدة" كمفهوم، وكـ"بناء"، أن تُمَثِّلَ هذا البناء المتشابكَ الـمُرَكَّبَ، وأن تكون انعكاساً للوعي الكتابـي الذي تمثله الشعرية المعاصرة، من خلال تراكُب الدَّوالِّ، ومن خلال، ما سمَّاه ميشونيك بـ"القيمة الشِّعرية"، باعتبارها هي المحك الذي يمكن أن يضع النص في سياق الشِّعر، بمعناه الكثير والمتعدِّد، أي بما هو اقتراح مفتوح على كل الاحتمالات، وأشكال البناء، لا باعتباره شكلاً حاسِماً مُنْتَهياً، لا يقبل الزيادة ولا النُّقصان؟

هذه من المآزق التي سقط فيها النقد النمطي، الذي ظلَّ وفياً لتجربة "الشعر الحر"، التي وجد فيها، رغم ما تعرضت له من نقد، في بداياتها، البديل الأفضل، قياساً، بما أصبح يَفِدُ عليه من مقترحاتٍ، نَأَت بالشعر عن "القصيدة"، أو تركت الوزن وراءها، وذهبت إلى الإيقاع، الذي ما زال هذا النقد، أو هؤلاء النقاد، يَتَلكَّأون في استيعابه نَصِّياً، لأنهم لم يُرَوِّضُوا آذانَهُم، أو ما يُسَمُّونَه بـ"الذائقة الشعرية"، على هذه الأصوات الجديدة، التي هي انعكاس لأصوات الواقع النثرية، أو ذات النَّفَس الـمُتَشابِك الذي لم يعد يسير بنفس وتيرة تفاعيل الخليل، ولا بنفس وتيرة تفاعيل نازك الملائكة، والشُّعَراء الذين لم يستطيعوا ابْتِدَاعَ إيقاعاتِهم الخاصة بهم.

هذا ما كان حُجَّةَ حجازي، الذي ما زال يستشير مُعْجَمَيْ "لاروس" و"لوروبير"، لإعطاء معنًى لمفهوم الإيقاع، وكأنَّ ما تُقَرِّرُه المعاجم، يصير أكبر من النص، إذا حاولنا أن نستعيد، ما قاله أبو العتاهية بشأن العروض.

جَرَتْ مياه كثيرة تحت الجسر، وحجازي، ومَنْ يسير على "إيقاعه"، لا يَرَوْنَ صيرورةَ الماء، أو يكتفون بالنظر في الماء دون إدراك تَمَوُّجاتِه.

صفحة 6

ما تزال "القصيدة" هي ما يحكم رؤية هؤلاء للعالم، وهي رؤية معيارية، لم تخرج عن نُظُم الشِّعر، كما جاءتنا، في جوهرها، من قديم الشِّعر، أي من "القصيدة" كمقترح شعريٍّ، حَجَبَ غيره، أو صار هو "عيار الشعر"، وليس فقط عيار "القصيدة".

ما نحنُ بصدده، في هذا الكتاب، هو تأكيدٌ للِصَيْروُرَة. المفاهيم والمعايير التي بها نقرأ الشِّعر، أو نُسَمِّيه، نعمل على تقويضها، ليس نظرياً، أي من خارج النص، وما يُصاحبه من "نقد"، بل من خلال النص الشِّعريِّ، كما يجري اليوم في الشِّعرية العربية المعاصرة، ومن خلال تأمُّلنا في المقترحات المختلفة عند مَنْ ما زالوا يُنْتِجون، ويكتبون، وليس عند مَنْ انْحَسَرَت تجربتهم الشِّعرية في زاوية من زوايا هذا المشهد الشِّعْريِّ الفُسَيْفِسائيِّ، الذي ليس من السَّهْل حَصْرُه في "القصيدة" ولا في شكل بنائها، ولا في المفهومات النقدية التي ما تزال تعيش على الماضي، البعيد والقريب معاً، دون وعي الصيرورة، وما حَدَثَ من تجاوُز في هذا السياق.

تقتضي الحداثة الشِّعرية أن نواكب تحوُّلات النص، ما يعتري الكتابة الشِّعريةَ من اختراقاتٍ، فنقد الشجرة التي تخفي الغابةَ، لم يعد يصلح لقراءة شِعْرٍ نَافِرٍ، خرج عن "الطَّوق"، أعني طوق المعايير التي طالما وجد فيه النقد مُتَّسَعاً لإضفاء الشَّرعية الشِّعرية على هذا الشَّاعر، ونفيها عن غيره.

الغابةُ اليوم، هي الأفق الذي يمكن أن يُتِيحَ لنا النظر في الشِّعر، وقراءته، دون حَصْره في مثال، أو في نموذج. انتهى شعر النموذج، وأصبحت الشِّعرية المعاصرة، تَحْتَكِمُ في شِعريتها للقيمة الشعرية، وهي، هنا، ليست معياراً، أو حُكْمَ "قيمةٍ"، بل إنها تحمل معنى الإضافة، والتَّنَوُّع، وتؤكِّد معنى الكثرة في الشِّعر، كما تجعل من الوعي الكتابـي، يكون أحد أهم تأسيساتها، فيما هي لا تنفي الشفاهية في الشِّعر، بل تعمل على الحَدِّ من هَيْمَنَتِها، وتحويلها، بالتالي إلى قيمة مُضافةٍ، وليس إلى قيمة شعرية كُلِّيَة، كما يحدُثُ حين نُعلي من قيمة الوزن، والإيقاع، ونجعلهما "الدال الأكبر" في الشعر.

في هذا العمل، وهو جزء من مجموع ما كتبناه، شِعْراً ونَظَراً، هو تذكيرٌ للنسيان، بتعبير فوكو، فالغابة هي ما علينا أن نذهبَ إليه، لا الشجرة، إذا أردنا أن نُدْرِكَ ما يَحْفَل به الشعر اليوم، من تَنَوُّع واختلاف، وما يحفل به من اختراقات.

صفحة 7

مَنْفَى الكِتَابَة

(1)

ثمَّةَ أُمور كثيرة، ما تزالُ تُلِحُّ علينا اليوم، وتَفْرِضُ نفسَها بكثير من الإلحاح. فما نَبْذُلُهُ من جُهْدٍ، في البَحْثِ والتَّأَمُّلِ، قد لا يكونُ كافياً لِقَلْبِ ما يجري، أو لِتَغْيِير المشهد، بما أصبح يَطْبَعُهُ، اليومَ، من استعادَةٍ وتَكْرَار. فالمعرفة الإنسانيةُ، منذ شَرَعَ الإنسانُ في تَمَثُّلِ مُجْرَيَاتِها، وفي خَوْضِها، كافْتِرَاضَاتٍ، أو كمُسَاءَلاتٍ، لم تفتأ تُعِيدُ النَّظَر في مُجْرَيَاتِ الأمُور، أو هي، بالأحرى، حملت، على عاتِقِها، شُؤونَ هذا الوُجودِ، وشُجُونَهُ، وعَمِلَتْ على خَوْضِهِ كاسْتِفْسَارٍ دائِمٍ، وكنَهْرٍ، على مائِه أن يَظَلَّ مُتَدَفِّقاً، دَائِمَ الخَفَقَانِ، لا هُدْنَةَ ولا اسْتِقْرِار، فما يَسْتَقِرُّ يموتُ ويَمَّحِي، أو يُصبِح وُجُوداً فَاقِداً لمعنى الوُجُود ولِصَيْرورَتِهِ.

هذا القَلَقُ الأبَدِيُّ، هو ما تَتَّسِمُ به المعرفة، وهو ما خَلُصَ إليه الإغريقُ، هؤلاء الذين حفروا تلك الأخادِيدَ العميقَة، التي ما تزالُ، إلى اليوم، تَسْتَدْرِجُنا إلى ظُلَمِها، وتفرضُ علينا النَّظَرَ في هذا الذي نَخُوضُه اليومَ، في كُلِّ مجالات المعرفة والإبداع.

(2)

لم يَعُد النَّظر في مجرى النَّهر، أو في صيرورته، يكفي للاطمئنان على مَا يَحْدُث مِن تَغَيُّراتٍ، فالأمرُ، باتَ يَسْتَدْعِي تغْيِيرَ المجرى، وتحويلَ الصيرورة. أعني؛ أنَّ ما أصبح يُلِحُّ علينا من قضايا، فَرَضَتْها مُقْتَضَيَاتُ العصر الذي نحن فيه اليومَ، خرج من سياق النَّظر التقليدي، إلى سياق، أو أُفُقِ نَظَرٍ، كُلُّ شيءٍ فيه، يَنْحَلُّ ويَتَفَتَّتُ، ويُغَيِّرُ مكانَهُ باستمرار. اللاَّاسْتقرار، واللاَّطُمَأْنِينَةَ، باتا من ثوابت زمننا، وهو ما يستدعي تَرْك الـمُسَلَّماتِ، والعمل على خَوْضِ الأمُور، وكَأنَّها تَحْدُثُ لأوَّل مَرَّةٍ، أو هي نوع من "البداية"، بتعبير نيتشه، التي ما تفتأ تَبْدَأُ، وتَحْدُثُ، أي، ما يَجْعَلُها تَسْتَعْصِي على أن تصيرَ أصْلاً.

- أليسَ الأصلُ استقراراً وهُدْنَةً... مُجرَّد سؤال.

صفحة 8

(3)

حين أذْهَبُ إلى هذا النَّوع من "مُراقَبَة الصًّيْرُورَة"، فأنا أُؤكِّدُ على تجديد أُفُق الرُّؤيَة، وخَوْضِ المعرفة كانْشِراحٍ. إذا كان فلاسفة ما قبل سقراط، هؤلاء الذين أخْرَجَهُم نيتشه من نَفَقِ النِّسيان، زَاوَلُوا النَّظَرَ، بهذا المعنى الذي أذهَبُ إليه هنا، وهُم يعيشون في لحظةٍ، مَا يَفْصِلُنا عنها اليومَ، هو مسافة لا يُمكِنُ تَصَوُّرُها، فماذا سيكون وَضْعُنا اليوم، نحنُ الذين نعيش زَمَنَ التِّقنية، واتِّساع إمكانات الاتِّصال، ووسائل تَدَاوُلِ المعرفة...

أليس، ما نحن بصدده من تَرْسِيخٍ لقواعد وضوابط، في كُلِّ أصْعِدَةِ الإبداع، والإنتاج المعرفي، هو نوع من التَّراجُع عن مُكْتَسَباتٍ جاءَتْنا من زمنٍ بعيدٍ.. أليس هذا نوعاً من الخيانة لِوَدِيعَةٍ تَرَكَها هؤلاء في ذِمَّتِنا..

(4)

القلقُ الذي يُسَاوِرُنِي اليومَ، في ما يَحْدُثُ في الكتابة الشِّعريَةِ، خُصوصاً في مجال استعمال المفاهيم والتَّصَوُّرَات، هو ما يدعوني دائماً إلى الاستعانة بهؤلاء، أو بما اقْتَرَحُوه علينا من تَصَوُّرَات، جاءت كُلُّها من مُستَقْبَلٍ، رُبَّما، اسْتَشْعَرَ هؤلاء، في حاضِرِهم، أنه هو الصَّيْرُورَة ذاتها، التي ينبغي أن يُرَاقِبَها مَن سَيَحْمِلُ بَعْدَهُم هذا العَنَاء.

فحين تَتَمَلَّكُنا المفاهيمُ القديمةُ، وتُقِيمُ في أذْهَانِنا، أو تَتَرَسَّخُ، فإنَّ نِظَامَها الذي تتأسَّسُ عليه رُؤْيَتُها للوُجُود والـمَوْجُودِ، معاً، يَتَسَرَّبُ إلى ما نَكْتُبُهُ، وينعكس عليه، أو يَفْرِدُ عليه ظِلالَه. هذا أَمْرٌ لا نَتَنَبَّهُ إليه، ونَخُوضُ مَزَالِقَهُ، حتى ونحن نَتَبَنَّى الحداثة، كأُفُقٍ لرُؤيَتِنا، أو لِما نُقْدِمُ عليه من كتابات وتصوُّراتٍ.

ثَمَّة مَطَبّ نحن اليوم، واقعون فيه، وهو مطبّ اسْتِحْلاء ما في يَدِنا، أو ما وَفَدَ علينا من ماضٍ ما، نَخُوضُه دون مُسَاءَلَةٍ، ولا نُخْضِعُهُ للاسْتِجْوَابِ، بقدر ما نخوضُهُ كَمُنْجَزٍ، وكنظامٍ ثابتٍ وقَارٍّ.

فـ"إزاحة الأنقاض"، كما يذهبُ إلى ذلك هايدغر، عن هذه الموروثات التي أَتَتْ إلينا من أزمنة سَحِيقَةٍ، والنَّظَر فيها، كما هي، أي كما حَدَثَتْ في زمنها، هو الكفيل بأن يُخْرِجَنا من مَطَبِّ الـمُسلَّمات، ولِنَشْرَعَ في تَوْطِينِ أنفُسِنا على الحركة، وعلى التَّرَحُّلِ، وقبول ما يَحْدُثُ من مُقتَرَحات، وخوضها كمُخْتَلِفَاتٍ، أو كنوع من الـمُراوَدَة القَلِقَةِ لأراضٍ، لا تَسْتَطِيبُ زَرْعاً، ولا مَاء يهدأ في قَاعِها.

صفحة 9

(5)

عندما كان أبوتمام يخوضُ الشِّعرَ، وفق الشكل المألُوف الذي كان هو نظام زَمَنِهِ، فهو شَرَعَ في تقويض نظامٍ آخر، كان أَعْتَى من النِّظام الأول، أو هو شُروعٌ في تقويضِ نظامٍ آخر، أعني اللُّغَةَ.

ذهابُ أبـي تمام إلى التَّركيب، وإلى الصُّوَرِ والمجازات، هو ما جعله شعرياً، يُعِيدُ تَسْمِيَةَ الأشياءِ، أو البَدْءَ بتَسْمِيَتِها، خارج نظامٍ من الكلام، أصبحتِ اللُّغَةُ تَتَمَثَّلُهُ بنوعٍ من الاستعادة والتكرار. أعني أنَّ لُغَةَ الشِّعر، كما وصلت لأبـي تمام، والمعري بعدَه، كانت تَحْكُمُها رَوَاسِمُ تَرْكِيبَاتٍ ومجازاتٍ، البلاغةُ عملت على تَثْبِيتِها، وأسْرِها في أُطُر، كُلُّ كلام فصيح، لا يَحْدُثُ إلاَّ باقْتِفَائها.

لم يَكْتَفِ أبو تمام بماء النَّهر، بل غَيَّرَ المجرى، ووَضَع قارِئَهُ في حَرَجٍ، لأنَّ "المعنى" الذي كان يَفِدُ علينا من رَوَاسِم بلاغية، تَحْدُثُ بمجازات واستعاراتٍ "قريبة"، لم يَعُد مُتاحاً، أو مُمْكِناً، وفق معايير سابقة. تَحَلْحَلَ المعيارُ، ولم يَعُد قابلاً لاسْتِدْرَاجِ تلك المعاني "البعيدة"، التي خاضَتْها هذه اللُّغة الجديدة، في ما سمَّاه الجرجاني بـ"النَّظْمِ".

لعلَّ في عمل أبـي تمَّام هذا، ما جعَلَ اللِّسان يتَعثَّرُ، أو يَشْرَعُ، لدى بعض مُتَلَقِّي شعره، في مُزَاوَلَة قَلَقِهِ، واختبار هذا الوَافِدِ الجديد، أو هذا المجرى الذي هو طَرِيقٌ آخر، جاء هذا الشَّاعِرُ لِيُشِيرَ إلى مُنْعَرَجَاتِهِ، وإلى ما فيه مِنْ حَلاوَةٍ، يكفي أن نَقْبَلَ خوضَ أسرارها، لِيَسْتَلِذَّ اللِّسانُ ما فيها مِن طَلاوَةٍ وماءٍ.

أبو تمام هو أحد الشُّعَراء الذين زَاوَلُوا الكتابةَ، عكسَ الـمُتنبـي الذي كانَ شعرُه كلاماً. في مُزاوَلَة الكتابة يَحْدُثُ الوعي بنظام اللُّغة، أو بما يَتَرَسَّبُ في تراكيبها وصُوَرها من اسْتِعَادَاتٍ، قد لا نَتَنَبَّهُ إليها ونحنُ نُزاوِل الكتابةَ بالكلام، أو باللِّسانِ. ثمَّة فرق كبير بين ما يأتي من الكتابةِ، وما يأتي من اللِّسان، وهذا هو الفَرْقُ بين ما كتبه أبو تمَّام، وما كتبه، أو أنشده المتنبـي، وكُلُّ قياسٍ في هذا الإطار سيكونُ فاسِداً.

(6)

ستظل تجربة أبـي تمام فريدةً، إذا اكتفينا بالشُّعراء فقط، في نقل الكتابة من هيمنة الشَّفاهَةِ إلى وعي الكتابة. لا يُمكِن مُضاهاة هذه التَّجربة إلاَّ بما جاء في بعض التجارب الصُّوفية، خصوصاً في تحويل مجرى اللُّغة، أو في ابْتِداع طُرُق جديدة في التركيب، وفي بناء الصُّوَر والمجازات. لكن التجربةَ الصُّوفيةَ، جاءت في بعض أشكال كتابتها، أكثر جذريةً من تجربة أبـي تمام، كونها تَلَبَّسَت النثرَ، وذَوَّبَتِ الفرقَ بين "لُغَتَيْنِ"!، وَاحِدَة للشِّعر، وأخرى للنثر، لِتَصِيرَ اللُّغة إمكانَ كِتابَةٍ، لا فرقَ فيها بين ما يَصْلُحُ لهذا "النَّوْع"، أو ذاكَ. هذا ما عَمِلَ، في تجربة النِّفَّرِيِّ، مثلاً، على تحويل مجرى النَّهْر، من الشَّكل "العمودي" لـ"القصيدة"، إلى الكتابة ذات المجرى الـمُتَدَفِّق، الذي يُحِيلُ، في التصور الخَطِّيِّ السائد إلى النثر. فشَذْرِيَةُ كِتابَتِهِ، وما تحملُهُ من تَوَتُّراتٍ، في مستوى النَّظْمِ، والعلاقات التي تَسْتَحْدِثُها بين الدَّوالِّ الـمُختَلِفَةِ، هو ما جعل من الصَّوتِ يتراجَعُ قليلاً إلى الخلف، ليبرز المكتوبُ، ويظهر باعتباره "اجْتِرِاحاً" و"تَسْطِيراً"، لا مُجرَّدَ استعادة لِمَا ألِفَ اللسانُ لَفْظَهُ، أو إلْقَاءَهُ، دون كبير عَنَاءٍ، أو عَنَتٍ.

صفحة 10

(7)

حين صدر كتاب أدونيس "الكتاب، أمس المكان الآن"، في جزئه الأول، أثارَتْنِي فكرة التوزيع الخَطِّي التي شَكَّلَت نظامَ الكتابة في توزيع الصَّفَحات، واعتَبَرْتُ، آنذاكَ، أنَّ هذا العملَ، هو خُروج بنظام الكتابة الشِّعرية العربية، من سياق الشكل، أو التوزيع الخطِّي الذي بَقِيَت التَّجربة الـمُعاصرة أسيرة له، وأنّ عملاً من هذا القبيل، قد يكونُ نوعاً من "البداية"، لتغييراتٍ، ربما تنتهي بالشعر، إلى تغيير مجرى النَّهر كاملاً، أو جَرِّه إلى أخاديد أخرى، لم يَعْهَدْها من قبل.

هكذا تَصَوَّرْتُ الأُمُورَ، وهكذا اعتَقَدْتُ أنَّها ستسير، لأنَّ الأمرَ يتعلَّقُ بالكتابة، لا بما أُسَمِّيهِ "حداثة القصيدة"، التي لم تخرُج من سياق تجربة "الشِّعر الحُر". لكن حين عُدْتُ لقراءة هذا العمل كاملاً، أعني في أجزائه الثلاثة، بَدَا لي ما لم أكُن أتَوَقعه!

فالتوزيعات الخَطِّيَّةُ التي تَتَّخِذُ منها تجربة هذا العمل، فضاءات لِمُضَاعَفَةِ الصَّفحة، ولتنويع إحالاتِها، بين الشِّعري والتاريخي، هي مُجَرَّد إطار (cadre)، وليست تمثيلاً، لتوزيعاتٍ تَتَوَخَّى الكتابةَ.

الشَّفاهِيُّ في النص، أي الكلام، يَحْضُرُ بشكل كبير، ويتبدَّى حُضُورُهُ، في فَوْرِيَتِهِ، وفي صُورَتِهِ التعليمية، أعني، تلك الرَّوَاسِم التركيبية التي تستعيدُ بناء الجُملة، أو الصُّورَة، كما هي في النموذج الشعري القديم، وأقصدُ القصيدةَ، تحديداً. فالرَّوِيُّ الـمُتَكَرِّرُ، بشكلٍ مُتَوالٍ، رغم ما قد تُوهِمُ به الصورة من ابتداعاتٍ في علاقة الدَّالِّ بالشيء، أو بمدلولاتِه، وبناء "النَّظْم"، في المقاطع، أي طريقة تركيب الدَّوالّ، لا تعكس تماماً، جُرأة الصَّفحة، في خَوْضِ المكتوب، ووَعْيِهِ، رغم أنّ أدونيس، نظرياً، تَنَبَّهَ، إلى الفرق بين الشَّفاهَةِ والكتابة، وأصدر بياناً، في هذا الشَّأن، فهو لم يُذَكِّر النِّسْيَانَ، بتعبير فوكو، وظلَّ في ما يكتبه، شعرياً، أسيرَ صدى الـمُتنبـي، هذا الشَّاعر الذي كان يخوض الكلام كتابةً، ويحرصُ على تدوين اللِّسان، بكل تداعياته، بما فيه من فَوْرِيَةٍ وخطابية،. أعني هيمنة اللِّسان على البَنَان، أو بما يُسمِّيه بول زمتور بـ"منفى الكتابة" أي أنَّ الصوتَ، "يوجَد(شعرياً) في منفى الكتابة".

اليَدُ، في مثل وضع المتنبـي، كانت، وفق زمنها، وسياقاتها المعرفية على غير صلة بالوعي الكتابـي، فهي كانت تستجيب لِلِّسان، دون مُراقبته، أو مراجعته، وهو ما سيحدث لأدونيس نفسه في "الكتاب...".