eKtab
EN ع
الصحابة الكرام مكانتهم وجهودهم في حفظ السنة النبوية وواجب الأمة نحوهم
اقرأ عينة مجانية

الصحابة الكرام مكانتهم وجهودهم في حفظ السنة النبوية وواجب الأمة نحوهم

بقلم د. أحمد عطية السعودي

صفحة 1


الصَّحابي في اللغة والاصطلاح
يَحسنُ التعريف بكلمة "الصَّحابيّ" قبل الولوج في مضمار الدّراسة، اقتداءً بالكاتبين الأقدمين؛ إذ كانوا يبتدئون كلامهم بتجلية المفهومات الأوّليّة، وتمييزاً لهذه الفئة المؤمنة مِنْ سائر فئات المؤمنين كالتابعين، وتابعيهم، والعلماء، والشُّهداء، والفقهاء، وغيرهم.
تعريف الصَّحابيّ لُغةً:
تشتقّ كلمة "الصَّحابيّ" في مُعْجَمات العربيّة قديمِها وحديثِها من الجَذْر الثلاثيّ "صَحِبَ"، ففي:
1- كتاب العين: "صَحِبَ: الصَّاحب يُجمع بالصّحب والصُّحْبان والصُّحْبَة والصِّحاب والأصحاب: جماعة الصّحْب، والصَّحابة مصدر قولك: صاحبَك الله، وأحسنَ صِحابتك، ويُقال عند الوداع: مُصاحباً مُعافى. ويقال: صحبك الله أي حفظك. وكلُّ شيء لاءمَ شيئاً فقداستصحبه"(4).
2- معجم مقاييس اللغة: "صَحِبَ: الصَّاحب والجمع الصّحْب، كما يُقال: راكب ورَكْب، ومن الباب: أصحبَ فلانٌ: إذا انقاد، وكلُّ شيء لاءمَ شيئاً فقد استصحبه"(5).
3- مختار الصّحاح: "صَحِبَه من باب سَلِمَ: صَحابةً وصُحبة. والصَّحابة بالفتح: الأصحاب، وهي في الأصل مصدر. قلتُ: لم يُجمع فاعل على فَعالة إلا هذا الحرف فقط. واستصحبه الكتاب وغيره، وكلّ شيء لاءمَ شيئاً فقد استصحبه"(6).
4- لسان العرب: "صَحِبَهُ يَصحَبُه صُحْبَة بالضمّ، وصَحابة بالفتح، وصاحبَه: عاشره. والصَّاحبُ:
المعاشر، والجمعُ أصحاب، وأصاحيب، وصُحْبان، وصِحاب، وصَحْب، وصَحابة، وصِحابة، ولم يجمع فاعل على فعالة إلا هذا. والصَّحابة: مصدر قولك صاحبَك الله، وأحسنَ صحابتَك، وتقولُ للرّجل عند التوديع: مُعاناً مُصاحباً"(7).
5- مفردات ألفاظ القرآن: "الصَّاحب الملازم إنساناً كان أو حيواناً أو مكاناً أو زماناً، ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن، وهو الأصل والأكثر، أو بالعناية والهمّة. ولا يُقال في العُرْف إلا لمن كثرت ملازمته. ويقالُ للمالك للشيء:هو صاحبُه، وكذلك لمن يملكُالتصرّف فيه. والمصاحبة والاصطحاب أبلغُ من الاجتماع؛ لأجل أنَّ المصاحبةَ تقتضي طولَ لُبثه. والإصحابُ للشيء: الانقياد له، وأصله أن يصير له صاحباً"(8).
6- القاموس المحيط: "صَحِبَهُ كسَمِعَه: صَحابة، ويُكْسَر، وصُحبة: عاشره. وهم أصحاب وأصاحيب وصُحبان وصِحاب وصَحابة وصِحابة وصَحْب. واستصحبه: دعاه إلى الصحبة، ولازمه"(9).
7- المعجم الوسيط: "صحبه صَحابةً وصُحبة: رافقه. ويقال في الدُّعاء: صحبَك الله: حفظك، ورافقتك عنايته. الصَّاحبُ: المرافق، ومالك الشَّيء، ويطلقُ على من اعتنق رأياً أو مذهباً، فيقال: أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب الشَّافعي. (ج) صَحْب، وأصحاب، وصِحاب"(10).
وقد وردتْ كلمة "صاحب" (مذكّرة ومؤنّثة) في القرآن الكريم ستَّ عشرة مرّة، ووردت كلمة "أصحاب" (جمعاً مُكسَّرا) سبعاً وسبعين مرّة(11).
 

صفحة 2

يتّضح ممّا ورد في مُعجمات العربيّة أنَّ:

* الصَّحابيّ مشتقّ من الجذر الثلاثيّ صَحِبَ، وبابه سَلِمَ.

* الصَّحابيّ منسوب إلى الصَّحابة كالأنصاريّ منسوب إلى الأنصار.

* الصَّحابة مصدر صَحِبَ، وقد كثر استعمال كلمة الصَّحابة بمعنى الأصحاب.

* كلمة الصَّحابة متفرّدة في العربيّة؛ إذ لم يُجمع فاعل على فَعالة إلا عليها.

* لفظ المصاحبة جرى على كلّ مَنْ صحبَ غيره قليلاً كان أو كثيراً، سنةً، أو ساعة.

* المصاحبة تعني: الملازمة، والانقياد، والمرافقة، والمعاشرة، والملاءمة.

تعريف الصحابيّ اصطلاحاً:

للعلماء أقوال متعدّدة في تعريف "الصَّحابيّ"، وفيما تثبت به الصُّحبة، ومن أبرزها أقوال المحدّثين؛ إذ المعروف من طريقة أهل الحديث أنَّ كلَّ مسلم رأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فهو من الصّحابة(12):

1- تعريف الإمام علي بن المديني (234هـ):

"مَنْ صَحِبَ النبيّ صلى الله عليه وسلم أو رآه، ولو ساعة من نهار فهو من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم"(13).

2- تعريف الإمام أحمد بن حنبل (241هـ):

"كلّ مَنْ صَحِبَه سنةً أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه، له من الصُّحبة على قَدْر ما صحبه، وكانت سابقته معه، وسمعَ منه، ونظرَ إليه"(14).

3- تعريف الإمام البخاريّ (256هـ):

"مَنْ صَحِبَ النبيّ صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه"(15).

صلة المفهوم اللغويّ بالاصطلاحيّ:

يفهم مما سبق أنَّ ثمّة صلة وثيقة بين المفهومين تعضدُ رأي المحدّثين بأنَّ الصُّحبة تتحقّق بلقاء النبيّ صلى الله عليه وسلم ولو ساعة يسيرة وفق دلالة اللغة للصُّحبة.

قال الإمام الباقلاني:

"لا خلاف بين أهل اللغة أنَّ الصّحابيّ مشتق من الصُّحبة جارٍ على كلّ مَنْ صَحِبَ غيره قليلاً كان أو كثيراً. يقال: صحبه شهراً ويوماً وساعة. قال: وهذا يُوجب في حكم اللغة إجراء هذا على من صحب النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولو ساعة هذا هو الأصل"(16).

وقد بيّنَ ابن كثير (774هـ) أنَّ تعريف المحدّثين للصَّحابي هو المعوّل عليه، فقال:

"هو مَنْ رأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في حال إسلام الرَّاوي، وإنْ لم تَطُلْ صحبتُه، وإنْ لم يروِ عنه شيئاً. هذا قول جمهور العلماء خلفاً وسلفاً. وقد نصَّ على أنَّ مجرد الرؤية كافٍ في إطلاق الصُّحبة البخاريُّ، وأبو زُرْعة، وغير واحد ممّن صنَّف في أسماء الصَّحابة كابن عبد البَرّ، وابن مَنْده، وأبي موسى المديني، وابن الأثير"(17).

ويتضح ممّا سبق أنَّ الصَّحابيّ:

- مسلم غير منافق.

- رأى النبيّ صلى الله عليه وسلم يقظة، أو جالسه، أو سمع منه، أو لقيه مؤمناً به.

- صَحِبَه مدّة يسيرة أو طويلة.

- مات على الإيمان بعد لقاء النبيّ صلى الله عليه وسلم.

وهكذا يتبيّن لنا أنَّ الصَّحابة الكرام صفوةٌ من الناس كانوا في زمن النبيّ محمّد صلى الله عليه وسلم لَقُوه، وآمنوا به، ونصروا دينه، وماتوا على ملّته مؤمنين بالله ( واليوم الآخر.

صفحة 3

طُرق ثُبوت الصُّحبة:

تثبت الصّحبة بطرق أربعة نصَّ عليها العلامة "ابن الصّلاح" (ت 642هـ)، وهي(18):

1- التواتر الذي يُقطع به لكثرة الناقلين أنَّ فلاناً من الصّحابة، كالخلفاء الرَّاشدين وبقية العشرة المبشّرين بالجنة.

2- الاستفاضة القاصرة عن التواتر، أو الاشتهار أنَّ فلاناً من الصّحابة، كعكّاشَة بن محصِّن، وضِمَام بن ثَعْلبة.

3- أنْ يُروى عن آحاد الصّحابة أنّه صحابيّ، كإخبار أبي موسى الأشعريّ لحُمَمة الدَّوسيّ، والشَّهادة له بالصُّحبة.

4- أنْ يقول عن نفسه بعد ثبوت عدالته بأنّه صَحابيّ.

وقد استخرج الحافظ "ابن حَجَر"( 852هـ)، من الآثار ثلاثة ضوابط تُعين على معرفة الصّحابة(19):

1- أنّهم كانوا لا يُؤمّرون في المغازي إلا الصّحابة، فمَنْ تتبّع الأخبار الواردة في الرّدة والفتوح وجَدَ من ذلك شيئاً كثيراً.

2- أنَّ الصّحابة كانوا يأتون بكلّ مولود؛ ليدعو له النبيّ صلى الله عليه وسلم:

قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: "كان لا يُولد لأحد مولود إلا أتى به النبيّ صلى الله عليه وسلم، فدعا له".

3- أنَّه لم يبقَ بمكة والطائف أحدٌ في سنة عشر إلا أسلم، وشهدَ حَجَّة الوداع، فمَنْ كان في ذلك الوقت موجوداً اندرجَ فيهم؛ لحصول رؤيتهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وإنْ لم يرهم هو.

صفحة 4

عدد الصَّحابة الكرام:

لقد شَرُفَ بصحبة النبيّ صلى الله عليه وسلم جمٌّ غفير من الناس المعاصرين له، قيل إنّهم كانوا يزيدون على مائة ألف إنسان، وقيل إنّهم مائة وأربعة وعشرون ألفاً، ورُوي عن أبي زُرْعة الرازي أنَّه "شهد مع النبيّ صلى الله عليه وسلم حجّةَ الوداع أربعون ألفاً، وشهد معه تبوك سبعون ألفاً، وأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قُبض عن مائة ألف وأربعة عشر ألفاً من الصَّحابة ممّن روى عنه وسمع منه. فقيل له: يا أبا زُرْعة: هؤلاء أين كانوا، وأين سمعوا منه؟ قال: أهل المدينة، وأهل مكة، وما بينهما، والأعراب، ومَنْ شهد معه حجّة الوداع كلّ رآه وسمع منه بعرفة"(20).

وأول الصَّحابة إسلاماً: من الرّجال الأحرار: أبو بكررضي الله عنه، ومن الصبيان أو الأحداث: عليّ بن أبي طالبرضي الله عنه، ومن النساء: خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، ومن الموالي: زيد بن حارثة رضي الله عنه، ومن العبيد: بلال بن رباح رضي الله عنه(21).

صفحة 5

أشهر الصَّحابة الكرام:

اشتُهرَ عدد من الصَّحابة الكرام، وشاعتْ أسماؤهم في الأمّة، على حين خَفيتْ أسماء آلاف منهم، وقد بلغ عدد الصَّحابة الذين أُحصيتْ أسماؤهم اثني عشر ألفاً ومائتين وسبعة وتسعين صحابيّاً (12297)، وهو إحصاء الحافظ ابن حجَر العسقلانيّ في كتابه "الإصابة"،وسبب خفاء أسمائهم أنَّ أكثرهم أعراب حضروا حجّة الوداع(22).

وتلك الأسماء وإنْ خفيتْ فهي كالنجوم بعيدة الغور، تنوّر الكون، وتهدي الحائرين، وهي وإنْ خفيتْ فمشهورة منشورة في الملأ الأعلى، ومن أبرز مَنْ عُرِفَتْ أسماؤهم:

1- الخلفاء الرَّاشدون(23):

أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه (ت 13هـ)، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه (23هـ)، وعثمان بن عفّان رضي الله عنه (35هـ)، وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه (40هـ).

2- آل النبيّ صلى الله عليه وسلم

وهم: أزواجه وأولاده وذرياتهم، والمؤمنون من أقربائه من بني هاشم وبني عبد المطلب وهم آل عليّ، وآلُ عَقيل، وآلُ جعفر، وآلُ عبَّاس، ومنهم(24):

بناته: فاطمة الزَّهراء، وزينب، ورقية، وأمّ كلثوم، رضوان الله عليهنّ. وعمومته: العبَّاس، وحمزة، وصَفية، وأبناؤهم: علي (والحسن والحسين)، وجعفر، رضوان الله عليهم. ونساء النبيّ صلى الله عليه وسلم: خديجة، وسودة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وأمّ حبيبة، وزبنب بنت جحش، وزينب بنت خُزيمة، وصفية، وميمونة، رضوان الله على آل بيت النبي ّصلى الله عليه وسلم أجمعين ورحماته وبركاته.

3- العشرة المبشّرون بالجنّة:

الخلفاء الراشدون الأربعة رضي الله عنهم وطلحة بن عبيد الله، والزُّبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص، وسعيد بن زيد، وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه

عن سعيد بن زيد رضي الله عنه أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "عَشرَةٌ في الجنة: أبو بكر في الجنة، وعمرُ في الجنة، وعثمانُ في الجنة، وعليّ في الجنة، وطَلْحةُ في الجنة، والزُّبيرُ في الجنة، وعبدُ الرّحمن بن عَوْف في الجنة، وسَعْدٌ في الجنة، وسَعيدٌ في الجنة، وأبو عبيدةَ بن الجرَّاح في الجنة"(25).

صفحة 6

4-كُتّاب الوحي:

الخلفاء الراشدون الأربعة رضي الله عنهم وأُبَي بن كَعْب، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، وحنظلة بن الرَّبيع، والعَلاء بن الحضرميّ، وأبان بن سعيد، وخالد بنسعيد ((26).

5- شهداء الصَّحابة في عهد النبي ّصلى الله عليه وسلم:

مُصعب بن عمير، وحَنْظلة الغسيل، وسَعْد بن معاذ، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنه

6- قادة الفتوح:

أسامة بن زيد، وخالد بن الوليد، وشُرَحبيل بن حَسنة، وحُذيفة بن اليمان، وعمرو بن العاص رضي الله عنه

7- طليعة التضحية والفداء:

بلال بن رباح، وخبّاب بن الأرتّ، و سلمان الفارسيّ، وصهيب الرّوميّ، وأبو ذر الغفاريّ، وعثمان بن مظعون، وأبو الدّرداء، وأبو موسى الأشعريّ رضي الله عنه

وكلّ أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم أعلامُ هُدى، وطلائعُ تضحية وفداء، وقادةُ رَشاد وسَداد، تتعطّر الأفواه بذكرهم، وتزكو النفوس بسِيَرهم، فلله درّهم من تلاميذ أوفياء لنبيّهم صلى الله عليه وسلم، وأساتذة فضلاء لأمّتهم.

صفحة 7

نهاية جيل الصّحابة الكرام:

لكلّ أُمّة أجل، ولهذا الجيل العظيم أجل، وقد أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم عن نهاية أجلهم، رُوي عن عبد الله بن عُمر رضي الله عنهما قال: صلّى بنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ ليلة، صلاةَ العشاء، في آخر حياته، فلمّا سلّمَ قام فقال: "أرأيْتَكُم ليْلَتَكُم هذه؟ فإنَّ على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممّنْ هو على ظهر الأرض أحدٌ"(27).

قال النوويّ: "والمراد أنَّ كلَّ نفس منفوسة كانت تلك الليلة على الأرض لا تعيش بعدها أكثر من مائة سنة، سواء قلَّ أمرُها قبل ذلك، أم لا"(28).

وقد انقضى ذلك الأجل، وذهب ذلك الجيلُ الجليل، وكان آخرهم موتاً في النواحي:

في المدينة: جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وقيل سهل بن سعد رضي الله عنه سنة (91هـ)، وقيل: السَّائب بن يزيد رضي الله عنه، وقيل محمود بن الرّبيع رضي الله عنه توفي سنة (99هـ).

في مكة: عبد الله بن عمر رضي الله عنه.

في البصرة: أنس بن مالك رضي الله عنه توفي سنة (91هـ).

في الكوفة: عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه توفي سنة (86هـ).

في مصر: عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبيدي رضي الله عنه.

في فلسطين: أبو أُبَيّ بن أمّ حرام رضي الله عنه.

في دمشق: واثلة بن الأسقع رضي الله عنه.

في حمص: عبد الله بن بُسر رضي الله عنه توفي سنة (88هـ).

في اليمامة: الهرماس بن زياد رضي الله عنه.

في الجزيرة: العرس بن عميرة رضي الله عنه.

في حاضرة برقة: رويفع بن ثابت رضي الله عنه.

في البادية: سلمة بن الأكوع رضي الله عنه.

وفي بعض ما ذُكر خلاف بين العلماء.

وكان آخرَهم موتاً على الإطلاق أبو الطُّفيل عامر بن واثلة رضي الله عنه سنة مائة من الهجرة، وكانت وفاته بمكة المكرّمة(29)، وقد عاش جيلُ الصّحابة الكرام رضي الله عنهم نحو قرن من الزَّمان، رضوان الله عليهم أجمعين.

صفحة 8

مكانة الصَّحابة في القرآن والسّنة

حظي الصَّحابة الكرام باحتفاء القرآن والسّنة بفِعالهم وخِصالهم، فتنـزّلتْ فيهم من لدن حكيم حميد آياتٌ تتلى، ووردتْ فيهم أحاديث عَطِرَة تشهد بسُمُوق مكانتهم، وتشيد بعلّو كَعْبهم، وتسجّل لهم في رَقٍّ منشور أنّهم أبرُّ هذه الأمّة قلوباً، وأرسخُ إيماناً، وأصدقُ جهاداً، وأصلحُ أعمالاً.

مكانة الصّحابة في القرآن:

وقد تجلّت علائمُ رفعة مكانتهم في القرآن الكريم على النَّحو الآتي:

1- وَصْفُهم بالإيمان الحقّ: فالإيمان هو الدَّرجة العليا التي يسعى إليها كلّ مسلم، ويسخّر لها وقته وجهده؛ من أجل أنْ يحقّق هذه الفضيلة الكبرى: (قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (30).

وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (31) .

2- الإشادة بخصالهم الحميدة من صدق، وحُبّ، وإيثار: (لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)) (32).

3- الشَّهادة بصدقهم في عهدهم مع الله، بالجود بالنفس، والمرابطة في سبيله: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (33).

4- وصفهم بالأمّيين لإظهار عظمة نبيّهم في تعليمهم، وإظهار عظمتهم في تعليم الأمّة: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) (34).

ووصفُ الصَّحابة بالأميين ووصفُ نبيّهم بالأميّ إنّما هو بيان للحال التي بُعث عليها النبيّ رضي الله عنهم وكان عليها أصحابه، فالأمية حالة مرحليّة، ومن إعجاز هذه الرسالة أنها غيّرت هذه الأمّة الأمية، وارتقت بها إلى معارج التعلّم والتحضّر، كما أنَّ أمية الرسالة تعني أنّها مؤهّلة للتنـزّل على الأميين، وتغيير واقعهم، وأنَّ الأميين بإمكانهم تلقّي هذه الشَّريعة، والتعامل معها، والالتزام بتكاليفها(35).

وما أصدقَ قول الشَّاعر في مدح النبي ّصلى الله عليه وسلم:

يا أيّها الأمـيُّ حسبُك رتبةً

في العلم أنْ دانتْ بك العلماءُ(36)!

صفحة 9

5- توبة الله عليهم، ورأفته بهم، وعفوه عنهم:

* (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (37).

* (ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) (38).

* (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (39).

6- ذكرُهم في القرآن تصريحاً وكناية: ومن الصَّحابة الذين خصَّهم القرآن بالذّكر:

- زيد بن حارثة: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرً‌ا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَ‌جٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرً‌ا وَكَانَ أَمْرُ‌ اللَّـهِ مَفْعُولًا) (40).

- أبو بكر الصدّيق: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ) (41).

- علي بن أبي طالب(42): (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرً) (43).

- صهيب الروميّ(44):(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) (45).

- عدد من الصَّحابة: نزلَ فيهم قوله تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ۖ)(46).

وهم: أبو عبيدة عامر بن الجراح قتل أباه يوم أحد، وأبو بكر الصديق دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، ومصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد، وعمر بن الخطاب قتل خاله العاص بن هشام يوم بدر، وعلي وحمزة قتلا عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر(47).

7- مرضاة الله ( عنهم، وتبشيرهم بجنّات النعيم:

* (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (48).

* (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (49).

8- تزكية حياتهم وجهادهم وعبادتهم، والإشادة بصحبتهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم:

(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) (50).

وقد بيّن الله ( أنَّ صفات الصَّحابة الكرام متطابقة مع صفات النبيّ صلى الله عليه وسلم، فهم غلاظ على الكفار كالأسد على فريسته، متعاطفون متوادّون، كثيرو الصَّلاة، يطلبون الجنة ورضا الله، وفي وجوههم نور من الخشوع، وقد ضرب الله تعالى مثلاً لأصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنهم يكونون قليلاً، ثمَّ يزدادون ويكثرون، فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم حين بدأ بالدعوة إلى دينه ضعيفاً، فأجابه الواحد بعد الواحد، حتى قويَ أمره؛ كالزَّرع يبدو بعد البذر ضعيفاً، فيقوى حالاً بعد حال، حتى يغلظ نباتُه وأفراخه، فكان هذا من أصحّ مثل، وأقوى بيان، وقد خُصّص أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم بوعد المغفرة تفضيلاً لهم، وإنْ وَعدَ الله جميع المؤمنين بالمغفرة(51).

ويتبين للباحث من خلال مدارسة هذه الآية الكريمة الحكيمة ما يلي:

* أنَّ حياة الصَّحابة رضي الله عنه قد امتزجت بحياة النبيّ صلى الله عليه وسلم فكانتا سيرةً واحدة، وعروة وثقى لا انفصام لها، ولذلك جاء التعبير القرآنيّ بإشراك الصَّحابة في الحكم بواو العطف: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ) .

* أنَّ الصَّحابة رضي الله عنه يتَّسمون بالشَّجاعة والبسالة، والشَّدة على ملّة الكفر، وتلك خِصال يحبّها الله تعالى (أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ) .

* أنَّ مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام كان مجتمعاً متراحماً، يعمُّ أعضادَه حُنوٌّ بالغ، وعطفٌ سابغ: (رُحَمَاء بَيْنَهُمْ) .

* أنَّ الصَّحابة رضي الله عنه تعلّموا مناسكهم وشعائرهم من نبيهم محمّد صلى الله عليه وسلم، والتزموا بذلك تعبّداً وإخباتاً، ومنافسةً في الطاعة: (تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً) .

* أنَّ هؤلاء الصَّحابة رضي الله عنه لا يبتغون بسعيهم وتعبّدهم وجهادهم شيئاً من حطام الدنيا، وإنّما يبتغون فضل الله ( ورضوانه، فاجتهدوا حتى بدا نورُ الخشوع على وجوههم من أثر السُّجود: (يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ

* أنَّ الصَّحابة رضي الله عنه هم أساتذة العالم بعد نبيهم محمّد صلى الله عليه وسلم، وهم امتدادٌ لرسالته الخاتمة الخالدة، فقد تلا عليهم آيات الله، وعلَّمهم الكتاب والحكمة، وزكَّاهم، وتعهَّدهم بأدب السَّماء من غَبش الفجر إلى غَسَق الليل؛ فكانوا خير أمّة أخرجتْ للناس.

* أنَّ جهود الصَّحابة رضي الله عنه ستؤتي أكُلَها في العالم كلّه، وستكون لهم قوة بعد ضعف، ونضارة بعد شحوب، كالزَّرع الذي يخرج فراخه وفروعه: (ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) .

* أنَّ جزاء هؤلاء الصَّحابة هو المغفرة التامة، والثواب الكبير، والخلود في جنّات النعيم، مكافأةً لصدق إيمانهم، وقوامة مَسْلكهم، وإخلاص تعبّدهم: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) .

صفحة 10

مكانة الصّحابة في السّنة:

نال الصَّحابة الكرام أسمى مكانة في السُّنة النبويّة، وحازوا أرفع درجات التجلّة والتقدير؛ إذ أفاضتْ عليهم صحبةُ النبيّ ( مِن أنوار النّبوّة وبركاتها ما لم يكنْ لأحبار نبيّ من الأنبياء، حتى صاروا بذلك أفضل البشر بعد الرّسل، وغرفوا من معينه الغزير المتجدّد أخلاقاً كريمة من أخلاقه العظيمة، وجمالاً بهيّاً من جماله الباهر، فقد وصفه مَنْ رآه: "ما رأيتُ شيئاً أحسنَ مِنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنَّ الشمسَ تجري في وجهه، وإذا ضحكَ يتلألأ في الجُدُر"(52).

وغرفوا بياناً يقري العين والأذن من فصاحته وبلاغته، إذ تبوّأ المحلّ الأفضل، والموضع الذي لا يُجهل، في سلامة طبع، وبراعة مَنْزَع، وإيجاز مقطع، قد أوتي جوامع الكلم، وخُصَّ ببدائع الحكم(53).

وقد تجلّت مكانتهم على النحو الآتي:

1- إخبار النبيّ صلى الله عليه وسلم باصطفائهم، واختيارهم لصحبته الشَّريفة:

عن عويم بن ساعدة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ الله تبارك تعالى اختارني، واختار لي أصحاباً، فجعل لي منهم وزراء، وأنصاراً، وأصهاراً. فمَنْ سبَّهم فعليه لعنةُ الله والملائكة والنَّاس أجمعين، لا يُقبلُ منه يومَ القيامة صَرْفٌ ولا عَدْل"(54).

2- ثناء النبيّ صلى الله عليه وسلم عليهم وخصّهم بمحبته ودعائه:

وردتْ أحاديث كثيرة في ثناء النبيّ صلى الله عليه وسلم على الصَّحابة الكرام، والإشادة بفضائلهم(55)، منها: عن أنسٍ رضي الله عنه قال: خرجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصارُ يَحْفِرون في غَداةٍ باردة،ٍ فلم يكنْ لهم عبيدٌ يعملون ذلك لهم. فلمّا رأى ما بهم من النّصَب والجوع قال: "اللَّهم إنَّ العيشَ عيشُ الآخرهْ، فاغفر للأنصارِ والمهاجرهْ، فقالوا مُجيبين لهُ:

نحن الذين بايعـوا محمّدا

على الجهادِ ما بقينا أبدا"(56)

* عن عمرو بن العاص رضي الله عنه "أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السَّلاسل، قال: فأتيتُه فقلت: أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال: عائشة. فقلتُ: من الرّجال؟ فقال: أبوها. فقلتُ: ثمَّ مَنْ؟ قال: ثمَّ عمر بن الخطّاب، فعدَّ رجالاً"(57).

* عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: "سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: استقرِئوا القرآنَ من أربعة: من عبد الله بن مسعود، فبدأ به، وسالم مولى أبي حُذيفة، وأُبَيِّ بنِ كعب، ومُعاذ بنِ جَبل"(58).

* عن عليّ رضي الله عنه قال: "ما جمعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أَبَويْهِ لأحد غيرَ سعدِ بنِ مالك، فإنَّه جعل يقولُ له يومَ أُحُدٍ: ارمِ فداكَ أبي وأمّي"(59).

3- إخبار النبيّ صلى الله عليه وسلم بمنازلهم وحسن خاتمتهم:

* عن جابر رضي الله عنه قال: سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: "اهتَزَّ العرشُ لموتِ سعدِ بنِ مُعاذ"(60).

* عن عامر بن سَعْد قال: سمعتُ أبي يقول: "ما سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول لحيٍّ يمشي إنّه في الجنّة إلا لعبدِ الله بنِ سَلام"(61).

* عن أبي هُريرة رضي الله عنه أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان على حِراءٍ هو وأبو بكر وعمرُ وعثمان وعليّ وطلحةُ والزُّبيرُ، فتحرّكت الصخرةُ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:" اِهدأْ فما عليك إلا نبيٌّ أو صِدّيقٌ أو شَهيد"(62).

4- فوزهم بالسّبق والفضل على الأمّة، وذلك من وجوه هي:

* السّبق إلى الإسلام، وتحمّل الأذى الشَّديد في نصرته ونشره.

* شرف صحبة النبيّ صلى الله عليه وسلم ولقائه ورؤيته والسَّماع منه.

* أخذهم العلم من معين النبيّ صلى الله عليه وسلم، والتفقّه في الدين.

* الهجرة مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو الهجرة إليه، أو نصرته، والذّبّ عنه.

* ضبط الشَّريعة، وتبليغها مَنْ بعدهم، وإرساء قواعد الدين.

* الإمامة في العلم والعمل.

* سنّهم سنن الهدى، وفتحهم أبواب الخير(63).

قال ابن حَجَر(852هـ): "والذي ذهب إليه الجمهور أنَّ فضيلة الصُّحبة لا يعدلها عمل؛ لمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمَّا مَن اتفق له الذّبّ عنه، والسَّبق إليه بالهجرة أو النصرة، وضبط الشَّرع المتلقّى عنه، وتبليغه لمن بعده، فإنّه لا يعدله أحد ممّن يأتي بعده؛لأنّه ما من خَصْلة من الخصال المذكورة إلا وللذي سَبق بها مثل أجر من عمل بها من بعده، فظهر فضلُهم"(64).

5- إشادة كبار الصَّحابة بأصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم:

ومنهم ابن مسعود، وابن عُمر، والإمام عليّ رضي الله عنه

أ- قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "إنَّ الله نظرَ في قلوبِ العباد، فوجدَ قلبَ محمّدٍ صلى الله عليه وسلم خيرَ قلوب العباد، فاصطفاهُ لنفسه، فابتعثَهُ برسالته، ثم نظرَ في قلوب العباد بعدَ قلب محمّد، فوجدَ قلوبَ أصحابه خيرَ قلوب العباد، فجعلهم وزراءَ نبيه، يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون حسناً فهو عندَ الله حسَن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيئ"(65).

ب - قول عبد الله بن عُمر رضي الله عنهما: "مَنْ كان مُستناً فليستن بمَنْ قد مات، أولئك أصحابُ محمَّد صلى الله عليه وسلم كانوا خيرَ هذه الأمة، أبرَّها قلوباً، وأعمقَها علماً، وأقلَّها تكلّفاً، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونَقْلِ دينه، فتشبّهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحابُ محمّد صلى الله عليه وسلم، كانوا على الهدي المستقيم، واللِه ربِّ الكعبة"(66).

ومن كلام ابن عمر رضي الله عنه: "لا تسبّوا أصحابَ محمّد صلى الله عليه وسلم، فلمقامُ أحدِهم ساعة خيرٌ من عبادة أحدِكم أربعين سنة"(67).

ج- قول الإمام عليّ كرّم الله وجهه: "ألا أخبركم بخير هذه الأمّة بعد نبيّها أبو بكر وعُمر"(68).

ولا ريب أنَّ الصَّحابة الكرام قد استمدّوا مكانتهم المرموقة من مكانة النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ إذ إنّه سيّد الخلق، وخاتم المرسلين، قد اجتمعت فيه كمالات النبوّة والخُلق، وجلائل الأعمال، ولو أنَّ عملاً واحداً منها تحقّق على يد رجل واحد لاستحقَّ أعظم لقب، ولأصبح من عباقرة العالم، "فما ظنّك بعظيم قَدْر مَن اجتمعتْ فيه خصالُ الخير كلُّها ممّا لا يحصيه عدّ، ولا يُعبّرُ عنه مقال، ولا ينالُ بكسبٍ ولا حيلة إلا بتخصيص الكبير المتعال من فضيلة النبوّة والرّسالة، والخُلَّة والمحبة، والاصطفاء والإسراء.. إلى ما أعدَّ الله له في الدَّار الآخرة من منازل الكرامة، ودرجات القُدْس، ومراتب السَّعادة والحسنى التي تقفُ دونها العقول"(69).

وقد حاز النبيّ صلى الله عليه وسلم إعجابَ العلماء والمفكرين والأدباء في الغرب، ومنهم: "ول ديورانت" صاحب كتاب "قصّة الحضارة"، والأديب الفرنسيّ "لامارتين"، و"برنارد شو"، و"مايكل هارت" الذي ألّف كتاباً سمّاه "الخالدون المائة"، وجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم أولهم.