eKtab
EN ع
الشاطر مرسي
اقرأ عينة مجانية

الشاطر مرسي

بقلم مصطفى فتحي

صفحة 1

قبل أن تقرأ

- يوثق هذا الكتاب لمعظم انتهاكات حرية الرأي والتعبير التي حدثت منذ أول يوم لحكم الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي في 30 يونيو 2012.

- بعض مقالات الكتاب نشرها الكاتب في أعداد مختلفة من صحيفة السفير اللبنانية.

- قد تكون بعض القضايا التي تم ذكرها في الكتاب صدر فيها أحكام أو تمَّ إلغاؤها بعد طباعة هذا الكتاب، لكن الأهم هو توثيق حدوثها.

صفحة 2

حريات التنظيم السري للإخوان

لا يمكنني القول أنني مصدوم من الانتهاكات المروعة للتنظيم السري للإخوان تجاه حرية الصحافة والإعلام، فأدبيات الإخوان وأداؤهم قبل الثورة يؤدي إلى ما يفعلونه الآن. ربما المفاجأة تأتي فقط من التسارع ومن العدد الكبير من الانتهاكات.

لكن لماذا يفعل التنظيم السري للإخوان ذلك؟

ليس لأنهم مجموعة من الأشرار، ولكن لأنهم أصحاب مشروع إلهي، أي أنهم ليسوا أصحاب مشروع سياسي بشري يمكننا الاختلاف حوله، بل ومن الممكن أن يقبلوا الاختلاف حوله مثل أي سياسيين. لكنهم ممثلون للإسلام، أي أنهم ممثلو الله، جلَّ علاه، على الأرض. فكيف لمن يؤمن بذلك أن يؤمن بالاختلاف، وأنه لا توجد حقيقة مطلقة؟ هم يؤمنون بأن المختلفين معهم كفرة؛ لأنهم لا يختلفون مع بشر، ولكن مع ممثلين لـ"الله" وللإسلام. ومن ثم فهم كفرة يستحقون ما يحدث لهم، سواء كانت سجنًا أو تعذيبًا أو قتلاً ... إلخ.

إذا كان الإخواني رحيمًا بك، فهو يتمنى لك الهداية، وليس إدارة نقاش جادّ قد يتراجع فيه عن بعض الأشياء ويكسب بعض الأشياء.

في هذا السياق لابد ألا يفهموا أن وظيفة الصحافة والإعلام هي إخبار المجتمع بما يحدث. وحق المعرفة، بما فيها معرفة الآراء حق أساسي من حقوق الإنسان. ولكن الوظيفة الوحيدة المسموح بها للصحافة في زمن الإخوان أن تكون إعلانًا عن مشروعهم الإلهي، لذلك من المستحيل أن يفهموا أنه أمر عادي أن يتم انتقادهم بقسوة وعنف، وأمر عادي أن يتم حتى التحريض ضدهم.

صحيح أن الصحافة والإعلام كانت دائمًا ضحية للأنظمة الاستبدادية، لكن الصحيح أيضًا أنها تتعرض لمجازر أبشع في ظل الأنظمة الديكتاتورية العقائدية. والعقائدية هنا يمكن أن تكون دينًا أو أيديولوجيا. أي عقيدة فوق البشر. فهكذا كانت أنظمة الحكم ذات الخلفية القومية والشيوعية والعنصرية، مثل هتلر وجنوب إفريقيا، والدينية مثل إيران والسودان وأفغانستان.

هكذا سيكون الحال في زمن الإخوان، فهم لن يتراجعوا عن ذبح الصحافة والصحفيين والإعلام والإعلاميين حتى يمكنهم الحكم كما يتصورون وهم "مرتاحون" من هذا الصداع.

هذا الكتاب هو محاولة جادة لتوثيق الانتهاكات المروعة في عهد أول رئيس مصري منتخب خلال عشرة أشهر فقط... حتى لا ننسى.

سعيد شعيب

مدير مركز صحفيون متحدون

صفحة 3

مـقـدمـة

بحسب خبراء، فقد فشل الرئيس المصري محمد مرسي في إنقاذ الاقتصاد المصري من الانهيار، فشل أيضًا في أن يعيد للشارع المصري الأمن أو أن يقدم مشروعًا حقيقيًا لنهضة مصر، لكن هناك شيئًا ما نجح فيه الرئيس القادم من جماعة الإخوان المسلمين، وهو الحصول على لقب تاريخي وهو "الرئيس الذي لاحق الصحفيين والإعلاميين وكل المعارضين كما لم يفعل أي رئيس في تاريخ مصر".

كان شعار الإخوان في الانتخابات هو "نحمل الخير لمصر" لكنه أصبح خلال سنة من حكم مرسي هو "نحبس الصحفيين في مصر"، "نقتل المعارضين"، "نعذِّب المتظاهرين" مرسي الذي فشل في أن ينهض بمصر، نجح في أن يصبح أول رئيس مصري يهدد حرية الرأي والتعبير بهذا الشكل غير المسبوق، ففي أول 200 يوم من حكمه لمصر تم رفع 24 قضية على صحفي وكاتب بتهمة إهانته، بينما لم يحدث ذلك في تاريخ مصر سوى 14 مرة على مدى 115 عامًا.

يقارن تقرير أصدرته الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان بعد 200 يوم فقط من حكم مرسي، بعنوان "جريمة إهانة الرئيس.. جريمة نظام مستبد"، يقارن التقرير بين الحرية في عهد مرسي وبين كل رؤساء وملوك وسلاطين مصر منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى عهد الرئيس السابق حسني مبارك.

يبدأ التقرير بتوثيق أول حكم تصدره المحاكم المصرية ضد حرية الرأي والتعبير، وكان ذلك في شهر أبريل من عام 1909م، حيث صدر حكم ضد صحفي مصري بتهمة "إهانة الذات الخديوية"، أصدرته محكمة السيدة زينب الجزئية، وكان من نصيب الصحفي الكبير " أحمد حلمي " - جد الكاتب الكبير صلاح جاهين- بالسجن عشرة شهور، وبتعطيل جريدته "القُطر المصري" مدة ستة شهور، وبإعدام كل ما ضبط ويضبط من العدد 37 من الصحيفة.

وأشار التقرير إلى أن عدد قضايا وبلاغات إهانة مرسي تجاوز كل قضايا الإهانة منذ بدأ استخدامها في نهاية القرن التاسع عشر، حيث بلغت منذ عام 1897 وحتى تولي مرسي مهام منصبه (115عامًا)، 23 متهمًا، موزعين على 14 قضية، في حين بلغ عدد القضايا خلال فترة حكم الرئيس مرسي (200 يوم)، 24 قضية وبلاغًا، ضمت 23 متهمًا أيضًا.

وعلى الرغم من أنه لم يمر سنة تقريبًا - حتى لحظة إعداد هذا الكتاب- على تولي الرئيس محمد مرسي مسؤولياته، إلا أن مادة إهانة الرئيس تصدرت قائمة الاستخدام بلا منازع - بحسب ما جاء في التقرير- فيما حلَّ الملك فاروق، آخر ملوك مصر، والذي حكم البلاد 16 عامًا، المركز الثاني، بعدد 7 ملاحقات بتهمة إهانة الذات الملكية، وجاء الرئيس المخلوع حسني مبارك في المرتبة الثالثة بـ4 قضايا ضمت 6 متهمين خلال 30 سنة من حكم مصر، ثم الخديوي عباس حلمي الثاني بـ3 قضايا و6 متهمين، خلال فترة حكم 22 عامًا.

مصطفى فتحي

القاهرة - يونيو 2013م

صفحة 4

الصحافة في عهد الرئيس المصري الجديد: حبس.. منع.. ومصادرة

"عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية"

هذا هو الشعار الرسمي الذي انطلقت به ثورة الخامس والعشرين من يناير من كل شوارع وأزقة مصر، الشعار الذي حمل كلمة "حرية" لم يتحقق في أول عام من حكم مرسي - بحسب تقارير حقوقية- فالصحافة تواجه تحديات كبيرة، والصحفيون يتعرضون لمشاكل لا تتوقف.. بدأت بحربهم من أجل دستور يحمي حرية الصحافة، مرورًا بتعرض العديد منهم لاتهامات بإهانة الرئيس، وصولاً إلى غلق ومنع صحف وقنوات فضائية.

الصدام بين الصحفيين والنظام الجديد بدأ حتى قبل أن يصل "مرسي" لسدة الحكم.. حين وصف المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد بديع، في شهر مارس 2012م وسائل الإعلام والإعلاميين بـ "سحرة فرعون" الذين جمعهم فرعون لسِحر الناس وبث الرعب والرهبة في قلوبهم من دعوة موسى عليه السلام". أثارت تصريحات مرشد الجماعة غضب واستياء الوسط الصحفي، فطالب أحد المحامين بإقامة دعوى قضائية ضد بديع، باعتبار أن تصريحاته تعد إهانة للصحافة وكافة القائمين عليها.

لكن يبدو أن تصريحات بديع كانت رسالة غير مباشرة لكل أعضاء الإخوان لبدأ حرب ضد الصحافة المصرية.. حيث بدأت في اليوم التالي مباشرة قضايا تُرفع من الإخوان ضد صحفيين ووسائل إعلام، وتم توثيق ذلك في تقرير أصدرته مؤسسة "حرية الفكر والتعبير"، وهي منظمة مجتمع مدني مصرية، التقرير الذي يوثق الانتهاكات التي يتعرض لها العاملون في مجال الصحافة والإعلام منذ أن أضحى "مرسي" رئيسًا حمل عنوان "حرية الإعلام في الجمهورية الثانية، حبس.. منع.. مصادرة".

اعتبر التقرير أنه منذ تولي الدكتور محمد مرسي رئاسة الجمهورية سيطر حزب "الحرية والعدالة" على مجريات الأمور، بعدما ظهر أن هناك ميلاً متزايدًا من قبل قيادات حزب "الحرية والعدالة" الذراع السياسي لجماعة الإخوان إلى الاستخدام السيئ للقوانين التي تقيد حرية الصحافة والإعلام، بدعوى السب والقذف والتطاول على أعضاء الحزب وغيرها من التهم المطاطة، نتج عنه استدعاء الصحفيين إلى أروقة المحاكم لمعاقبتهم على مهنتهم، إلى جانب أشكال أخرى من الانتهاكات مُورست بشكل ممنهج؛ تمثلت في مصادرة وإغلاق الصحف ومنع مقالات تهاجم جماعة الإخوان وغيرها من أشكال الانتهاكات المختلفة.

وأوضح التقرير أن البداية كانت في 30 مايو 2012 عندما أقام مرسي "المرشح آنذاك للرئاسة" دعوى حملت رقم 43530 لسنة 66 ق أمام محكمة القضاء الإداري ضد قناة الفراعين.

صفحة 5

والواقعة الثانية من وقائع الملاحقات القضائية للصحفيين، كانت من قبل الدكتور عصام العريان نائب رئيس حزب الحرية والعدالة ، في 24 يونيو 2012، حين تقدم سالف الذكر ببلاغ للنائب العام يحمل رقم 1839 لسنة 2012 ضد كل من رضا إدوار بشخصه وبصفته رئيس مجلس إدارة جريدة "الدستور" ، وإسلام عفيفي بشخصه وبصفته رئيس تحرير جريدة "الدستور" ، يتهمهما فيه بنشر أخبار كاذبة وارتكاب جريمة القذف في حقه، وذلك في العدد الصادر يوم الخميس 21 يونيو 2012 الذي يحمل رقم 1730 من جريدة "الدستور"، وذلك إبّان الفترة التي كان من المقرر أن تجرى فيها المرحلة الثانية من انتخابات رئاسة الجمهورية التي أجريت بين محمد مرسي الرئيس الحالي وأحمد شفيق.

ووثق التقرير صورة أخرى من صور الملاحقات القضائية للصحفيين، جاءت من قبل المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد بديع الذي كان قد تقدم ببلاغ ضد عادل حمودة رئيس تحرير جريدة الفجر وخالد حنفي مدير تحرير الجريدة يتهمهما بالسب والقذف.

وهناك واقعة أخرى لم يذكرها التقرير لأنها حدثت بعد أيام من صدوره وبالتحديد يوم الأحد 14 أكتوبر 2012 حيث تعرضت الإعلامية جيهان منصور، مقدمة برنامج "صباحك يا مصر" على قناة دريم، لهجوم من الدكتور عصام العريان القيادي بجماعة الإخوان المسلمين، في مداخلة تليفونية، متهمًا إياها بأنها (تحصل على تمويل مادي للهجوم على جماعة "الإخوان" ) مما جعلها تطالبه على الهواء بالاعتذار عما بدر منه تجاهها من ألفاظ تشكل اتهامًا لها دون أدلة أثناء مداخلته الهاتفية معها في البرنامج، والتي قال خلالها "مش عايز أسألك بتاخدي كام عشان تقولي الكلام ده".

واعتبرت جيهان منصور، في بيان رسمي صدر عنها، اتهام العريان لها بتقاضيها أموالاً كي تهاجمه، خطيرًا جدًا، وطالبته بإظهار ما لديه من مستندات تؤكد اتهاماته الباطلة لها، وقالت إن هجوم الإخوان على الصحفيين يهدف لإرهابهم وتخويفهم من انتقاد مرسي أو جماعته.

تقرير مؤسسة "حرية الرأي والتعبير" ليس هو الوحيد الذي وثق الانتهاكات التي يتعرض لها صحفيو مصر مؤخرًا، حيث صدر أيضًا تقرير آخر للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان - منظمة مجتمع مدني مصرية- أكد أن "في المائة يوم الأولى لحكم مرسى أصبحت حرية التعبير بكل فروعها في خطر داهم".. وذكر التقرير أمثلة عديدة للمنع والمصادرة، منها مصادرة عدد جريدة "الشعب الجديد" بالكامل يوم 21 أغسطس 2012، بسبب مقال رئيس التحرير "مجدي حسين" الذي جاء بعنوان: "نطالب مدير المخابرات بإعادة النظر في سياسات الجهاز السابقة التي أفسدت الحياة السياسية"، ومصادرة جزئية للعدد رقم 1781 لجريدة الدستور الصادر يوم السبت 11 أغسطس 2012 بعد ساعات قليلة من طباعته بمطابع جريدة "الجمهورية".

كما قامت هيئة الرقابة على المطبوعات بمصر بمنع استيراد كتاب "تاريخ الشرق الأوسط الحديث" للمؤرخين الأمريكيين "ويليام كليفلاند" و"مارتن بنتون"، وذلك دون إبداء أسباب.

كما تم منع برنامج "الضمير" على القناة الثانية بالتلفزيون المصري المحلي الذي كانت تقدمه المذيعة "هالة فهمي"، وذلك على خلفية حلقة تم بثها عبر برنامجها، وتناولت الحلقة "فضح الفساد المالي والإداري المتفشي في جهاز الإعلام الحكومي".

وبحسب التقرير فإنه أثناء حكم مرسي تم منع مقالات وأبواب وصفحات كاملة لاثني عشر صحفيًا.. منهم مبدعون معروفون، مثل: يوسف القعيد وإبراهيم عبد المجيد، ومنهم إخوان سابقون مستقيلون من الجماعة، مثل: ثروت الخرباوى وعبد الجليل الشرنوبى. كما وثق التقرير ما أسماه ملاحقة قانونية لستة من الصحفيين والإعلاميين منهم شركاء نضال مع الإخوان ضد حكم مبارك ومنهم الصحفي عبد الحليم قنديل.

كما تم الاعتداء على الصحفي "خالد صلاح" رئيس تحرير جريدة اليوم السابع في أغسطس 2012، أثناء دخوله مدينة الإنتاج الإعلامي، من قبل بعض المتظاهرين المنتمين والمؤيدين لجماعة الإخوان المسلمين، وهو نفس المكان الذي شهد أيضًا اعتداءً على الإعلامي "يوسف الحسيني" من نفس المجموعة، وحاولوا منعه من الدخول للمدينة. كما تم الاعتداء على مصور صحيفة "الشروق" أثناء تغطيته مظاهرات السفارة الأمريكية من قبل الشرطة.

صفحة 6

قضية الحسيني أبو ضيف .. التحقيق مستمر

"سنحول حياة النظام الحاكم إلى جحيم حتى يتم محاكمة قاتل الحسيني أبو ضيف" ...

قالها علاء زغلول أحد شباب الصحفيين أثناء وقفة على سلالم نقابة الصحفيين المصريين للمطالبة بالكشف عن قاتل الحسيني، كان علاء يقف مع حوالي 20 شابًا وفتاة، يرتدون جميعًا تي شيرتات سوداء عليها صورة الحسيني أبو ضيف. ويهتفون ضد الإخوان.

ليس الحسيني أبو ضيف الوحيد الذي قُتل في عهد الرئيس محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، هناك نشطاء سياسيون ومواطنون غيره تم قتلهم بنفس الطريقة الغامضة، لكن قدر الحسيني أبو ضيف - وربما قدر الإخوان أيضًا- أن يصبح الحسيني رمزًا لكل من مات في عهد الإخوان، دون أن تتوصل التحقيقات حتى الآن إلى قاتله.

الحسيني أبو ضيف صحفي مصري (33 سنة)، كان يعمل في صحيفة الفجر، أُصيب أثناء تغطيته لأحداث الاشتباكات أمام قصر الاتحادية بين مؤيدي ومعارضي رئيس الجمهورية، يوم 6 ديسمبر 2012م حيث جرى نقله إلى أحد المستشفيات بمصر الجديدة ثم إلى قصر العيني، قسم الحالات الحرجة، ثم وافته المنية يوم 8 ديسمبر 2012م. وكانت جثته تحمل رقم 23 داخل ثلاجة الموتى بمستشفى قصر العيني، وكانت مغطاة بملاءة بيضاء، وحين رفعت النيابة عنه الغطاء، وُجدت الجثة مسجاة على ظهرها، وهو يرتدى (روب طبي) بني اللون، ووجود لاصق طبي أسفل عنقه مدون عليه الحسيني أبو ضيف. وبحسب تقرير الطب الشرعي الأول في قضية مقتل الحسيني أبو ضيف، وشهادة الشاهد الذي صاحب الحسيني منذ الساعة 12 مساءً يوم الحادث وحتى الثانية والنصف من اليوم التالي، فإن سبب الوفاة كان طلقًا ناريًا أدَّى لجرح شبه دائري قطره 32 سم اخترق نسيج المخ وفتته.

تقرير الطب الشرعي لم يقنع نقابة الصحفيين المصريين ومن ثم كلفوا سيد فتحي، الحقوقي والمحامي الموكل من جانب النقابة بتقديم مذكرة طعن على تقرير الطب الشرعي، يوم الخميس 7 مارس 2013م وطالب فتحي في مذكرته بندب لجنة ثلاثية لإعداد تقرير جديد. مستندًا في مذكرته إلى أن الغموض والفشل في التوصل إلى نتيجة كانا سمتين رئيسيتين في التقرير، خاصة أنه تم إعداد ذلك التقرير على ضوء الكشف الظاهري الذي قام به الطبيب الشرعي، كذلك فإن مذكرة النيابة بشأن الواقعة، وكذلك أقوال الشهود، لم تكن بحوزة الطبيب الشرعي عند إعداد التقرير، لذلك جاء التقرير بلا إجابة على مدى الاتساق بين تصورات الواقعة، وما وصل إليه من نتائج، مما يجعل التقرير قاصرًا. لكن فتحي لم يكمل القضية، حيث تُوفي بأزمة قلبية يوم الثلاثاء 14 مايو 2013.

صفحة 7

رحلة البحث عن قاتل الحسيني بدأتها مساء يوم الثلاثاء 14 مايو 2013، حين كنت على موعد لحضور مؤتمر حقوقي أقامته المجموعة المتحدة، وهي إحدى منظمات المجتمع المدني، بفندق كوزمو بوليتان بوسط القاهرة، كان الهدوء يخيّم على المؤتمر، وعدد الحضور تقريبًا 45 هم خليط من صحفيين وحقوقيين ونشطاء مهتمين بقضية الحسيني الغريبة، الهدوء الذي خيم على المكان قطعه الدكتور فخري صالح، كبير الأطباء الشرعيين ورئيس مصلحة الطب الشرعي الأسبق، عندما أعلن بصوته الرخيم من فوق المنصّة أن عملية "اغتيال" الحسيني تمت من محترفين في القتل برصاص محرم دوليًا، مضيفًا أن قاتله استهدف في جسده الهزيل مناطق تؤدي إلى القتل الفوري، منها منطقة أعلى الصدر والرأس.

فخري صالح عرض ملخص للتقرير الاستشاري الذي قام بتنفيذه؛ حصلت عليه كاملاً بعد ذلك؛ يؤكد أن الرصاص الذي أغتُيل به الحسيني أبو ضيف، محرم دوليًا، لأنه يتطور ويتفتت في الجسد. ووصفه بأنه مقذوف ناري رصاصي متطور بشدة، يشوه الشكل تمامًا ومتفتت، ويتم تحويله داخل جسم المصاب به. المجموعة المتحدة التي نظمت هذا المؤتمر طالبت بضم التقرير الاستشاري للدكتور فخري صالح، إلى التحقيقات التي تجريها النيابة العامة في القضية رقم 11228 لسنة 2012.

الملاحظ أن كل الهتافات التي تنطلق من حناجر المتضامنين مع قضية الحسيني تحمّل الإخوان مسؤولية قتل الصحفي الشاب، وهناك بلاغات عدة قدمت للنائب العام تتهم الإخوان بشكل واضح بقتل أبو ضيف، كان أول تلك البلاغات هو ما قدمته صحيفة الفجر التي كان يعمل بها الحسيني، حيث قدمت يوم 31 ديسمبر 2012 بلاغًا للنائب العام حمل رقم ''4500 بلاغات النائب العام''، يتهم بالترتيب كلاً من رئيس الجمهورية محمد مرسي، ومرشد جماعة الإخوان محمد بديع، وعصام العريان نائب رئيس حزب الحرية والعدالة، ومحمد البلتاجي الأمين العام لحزب الحرية والعدالة، وأحمد سبيع الصحفي في جريدة الحرية والعدالة والمستشار الإعلامي للحزب، وعبد الرحمن عز عضو جماعة الإخوان، وأحمد المغير عضو الجماعة نفسها بالتحريض على قتل الحسيني أبو ضيف.

صفحة 8

إصرار على أنه إخوان !!

مرشد جماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد بديع وبعد ساعات من موقعة الاتحادية التي قُتل فيها الحسيني، ظهر في مؤتمر صحفي وخلفه بانر كبير عليه صور قال بديع إنها لشباب الإخوان الذين قتلوا في الأحداث وكان من بين الصور صورة للحسيني أبو ضيف، ورغم نفي عائلته انتماءه للجماعة إلا أن هناك إصرارًا من قبل الإخوان على أن الحسيني كان منهم أو على الأقل كان بين صفوفهم حين قُتل، هذا الإصرار أعلنه مرة الدكتور حلمي الجزار، القيادي بجماعة الإخوان المسلمين، حين قال في حلقة يوم الأربعاء 30 يناير من برنامج آخر النهار الذي يذاع على فضائية النهار أن أبو ضيف قُتل وهو واقف في صفوف الإخوان أثناء موقعة "الاتحادية" ما يعني أن العنف كان من قبل مجموعة من البلطجية ضد الإخوان على حد تعبيره. أيضًا وزير الإعلام المصري صلاح عبد المقصود المنتمي لجماعة الإخوان كرَّر نفس الكلام حين قال يوم الاثنين 29 أبريل 2013 في الملتقى الإعلامي العاشر المنعقد في الكويت، إن "الحسيني أبو ضيف مات وهو في صفوف الإخوان".

إصرار الإخوان على ترديد ذلك كان السبب في انطلاق تظاهرة حاشدة يوم 8 مايو 2013 حين تجمع أصدقاء الحسيني أبو ضيف وبعض أقاربه أمام مبنى الإذاعة والتليفزيون بماسبيرو لرفضهم تلك التصريحات متهمين الإخوان "بمحاولة سرقة الحسيني أبو ضيف وهو ميت".

قيادات الجماعة ترفض التعليق على سؤال منطقي يحتاج لتفسير، فإذا كان الحسيني أبو ضيف ينتمي للجماعة، فلماذا كانت كل كتاباته الصحفية توثق انتهاكات وفساد يتعلق بالإخوان المسلمين؟!...

السؤال يطرحه جمال فهمي وكيل نقابة الصحفيين المصريين والذي يؤكد أن الرئيس محمد مرسي متورط في قتل "الحسيني أبو ضيف" والسبب كما يراه فهمي هو أن الحسيني كشف أن أحد الأشخاص الذين قد أفرج عنهم بعفو رئاسي في أول قرارات الرئيس "محمد مرسي" هو شقيق "نجلاء علي" زوجة الرئيس، والمتهم في قضية رشوة، بناءً على التقارير التي أصدرتها الرئاسة بأسماء المعفو عنهم بقرار رئاسي؛ حيث كان يعمل موظفًا بحي مصر الجديدة، فقام الرئيس بوضع اسمه ضمن قائمة المعفو عنهم. وكان هذا أخر تقرير ينشره أبو ضيف قبل وفاته.

صفحة 9


الرئاسة تنفي
" لم نقتل الحسيني أبو ضيف وتقرير الطب الشرعي أكد مقتله بنفس الرصاص الذي قُتل به أعضاء جماعة الإخوان المسلمين"...
هذا هو التصريح الذي أدلى به الدكتور ياسر علي الذي كان وقتها في منصب المتحدث باسم رئاسة الجمهورية لصحفية الواشنطن بوست الأمريكية يوم 27 يناير 2013 ونفى فيها أن يكون للجماعة أو حزب الحرية والعدالة أي يد في مقتل الصحفي الحسيني.
ما قاله الشهود
عرفان محمد أبو ضيف، شقيق الحسيني، قال في نص تحقيقات النيابة أثناء استجوابه يوم الاثنين 4 مارس 2013، إنه علم من أصدقاء وزملاء أخيه ممن كانوا يرافقونه في محيط قصر الاتحادية أنه قام بتصوير عدد من المنتمين لتنظيم الإخوان وهم يذبحون فتاة تبلغ من العمر نحو 14 سنة، ما اضطرهم - يقصد أعضاء الإخوان- إلى الاستيلاء على كاميرته وضربه بالنار.
لكن لم يستطع عرفان إثبات كلامه بدلائل خصوصًا أنه لم يُذكر في التحقيقات أن هناك جثة لفتاة أثناء الأحداث، كما فُقدت كاميرا الحسيني يوم مقتله.
لكن الشهادة الأهم في قضية أبو ضيف هي شهادة محمود عبد القادر الشاهد الرئيس في القضية، والذي كان مرافقًا ومصاحبًا لـ أبو ضيف أثناء قيامه بتصوير الأحداث من كاميرته الخاصة عند محيط الاتحادية، حيث أشار أنه تم إطلاق عيار ناري من مسافة 2 متر، اخترق الجهة اليمنى من رأس أبو ضيف مما أدى إلى وقوعه على الأرض نازفًا بغزارة.
قال عبد القادر في شهادته إن أبو ضيف قتل وهو يريه الفيديوهات التي التقطها للأحداث، "كان الفيديو الذي كنا نشاهده يحتوى على مشاهد لأحد شباب الإخوان وهو يحمل خوذة وسلاحًا آليًا في يده لضرب معارضي الرئيس"، لافتًا إلى أن أبو ضيف كان يبتسم وسعيدًا للغاية وقال بصوتٍ عالٍ: ( شوف الإخوان بيعملوا إيه إحنا قدرنا نوثق جرائمهم ضد المعارضين) إلى أن جاءته الطلقة في رأسه.
 

صفحة 10

التحقيق مستمر

في البناية العتيقة بوسط القاهرة يقع مكتب المحامي والحقوقي "نجاد البرعى"، رئيس المجموعة المتحدة، والممثل القانوني لأسرة الحسيني أبو ضيف، يؤمن البرعي أن هناك تباطؤًا في التحقيق، وأن هناك رغبة تهدف إلى إغلاق ملف اغتيال الحسيني أبو ضيف دون تحقيق أو محاسبة. لكنه يؤكد أنه يعمل جاهدًا مع فريق من المحامين لجعل هذا الملف مفتوحًا، حتى يتم البتّ في القضية، ويتم تقديم الجناة للعدالة ومحاسبتهم.

ويعتبر البرعي أن هناك شيئًا ما خطأ في قضية أبو ضيف، فرغم احترافية الأسلحة التي استخدمت في قتل الصحفي الشاب - وصف البرعي الرصاصة التي أُطلقت على رأس الحسيني أبو ضيف بأنها مغطاة بمادة الرصاص ويتحول شكلها داخل الجسم- وهو ما يعني أن الذين شاركوا في اغتيال الحسيني قتلة محترفون - على حد تعبيره -. إلا أن الأجهزة المعنية لم تتحرك، خصوصًا أجهزة البحث الجنائي، بالإضافة إلى أنه لم تحدث تحريات مباحث حول واقعة قتل أبو ضيف ولم يتم سؤال المحرضين، ولم يتم تتبع المجرمين والمحرضين على ارتكاب الجريمة، كما أنه لم يجرَ معرفة من الذي حشد هؤلاء الناس، رغم أن هناك كاميرات صوَّرت الواقعة لكن لم يتم تفريغها بشكل حقيقي. وهو ما يستغربه البرعي: "لماذا يخشى النظام من إجراء تحقيق جادّ في هذه القضية؟".

رغم مرور شهور عديدة على مقتل الحسيني أبو ضيف، إلا أن من قتله لم يُعرف حتى هذه اللحظة، ما زالت القضية غريبة، لكن الأغرب منها هو ابتسامته وقت موته فكما أكد الصحفي محمد عبد القادر الشاهد الرئيس في قضية أبو ضيف وصديقه المقرب أن الحسيني حين تلقى رصاصة في رأسه "سقط أرضًا بجانبي وهو ينزف ويبتسم".