eKtab
EN ع
الشجرة النادرة
اقرأ عينة مجانية

الشجرة النادرة

بقلم مرام شهاب

صفحة 1

الإهداء
أهدي عملي المتواضع، هذا إلى روح والي الكريمين، ولزوجي العزيز، ولكل من دافع واستشهد على ثرى القدس الشريف خاصة وفلسطين عامة، ولكل صاحب فكر خدم أمته العربية والإسلامية والإنسانية جمعاء.

صفحة 2

مقدمة الكتاب
الحمام لا يحمل السلام بالغبار والرماد، ولكنه يحمل الرسائل بالخط الدقيق، فإذا لم يكن الخط دقيقاً رفرف بجناحيه وأثار الغبار بسرعتهِ وحرصه، وهنا إجابةً عن سؤال رافقني منذ أيام الطفولة، والسؤال:  لماذا يسكن الحمام في السوق  المظلم؟ ولعل الإجابة تكمن في أنه  يبحث عن خيط نهار دقيق واضح في الظلام.
 وينجح الخط  مع داني، فهو قد اعتاد أن يقارب بين الشيئين، ويناسب بينهما، بحسب ما يلائم كل منهما و يوجهما الوجهة الصحيحة، وبعد  التأمل والتدقيق والتمحيص والصبر يصل الإنسان إلى مبتغاه.
ولقد اخترت مكان قصتي ومسرحها "القدس الشريف"، فمدينة القدس، هي المدينةُ المقدسةِ التي  حازت على العديد  من الأسماء. لقدسيتها وأهميتها في موروثنا الديني والتاريخي والحياتي, فعندما أراد الله –سبحانه وتعالى- أن يجعل له في الأرض خليفة أورثنا من فضله الأرض المباركة, التي بارك فيها وحولها, وهي الجامعة التي جمعت في ظلها جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في ليلةٍ إسراء أسرتهم وأطلقتهم بنداء واحد للصلاة والإعلام بالشيء. فهي وهي المبعث وهي الشجرةُ النادرة بجذورها وقديمها إلى عصرنا هذا، وقال تعالى في كتابه العزيز: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3].    والإكمال والكمال يتجدد كل يوم, ويتجدد بدخول غير المسلم في دين الله, فكل يوم يكتمل بشهادة أن لا اله إلا الله وان محمدا رسول الله, إذ شعار ليلة الإسراء النداء, لذلك يبقى النداء قائما وذلك من شعائر الله، إن هذه الشجرةِ التي لن تموت بعونه، وستسمو سمو شجرتنا النادرة، أغصانها تأبى كل ما تهدمه يد احتلال وستحرر القدس بالتسخير والتحرير، والتحرير قائم على الاستقامة, وهو مبدأ، فيمحو الله ما يريد من أسماء مهوَّدة وخطط مدبرة.
 

صفحة 3

فلن ينمو "فرنك" غرس في أرض طاهرة لا يروى بماء، فهولا ساق له كي ينمو ولا أوراق ولا جذور, لكن الفرنك يغذيه فرنك, ويمده بدعم بالأموال وينمو في صندوق محيط, فيصبح للفرنك  خزينة، وللحَجَر قرية، ولقد أسميته "فرنكاً" لأن الشاقل عملة فلسطينية عربية كنعانية.
فالأفكار تنجح  بمقاربة  الفكر بالفكر، كذلك بإتباع سبل المقارنة حين نتمكن من التمعن  بالوجه الحسن، فوجهة القلوب القدس والتمعن بالصورة يؤدي إلى قراءة صحيحة، فإن النجاح بالتقارب مرتبط بالجمع، عندما نجمع من كل زوجين أثنين كما في سفينة نوح.
وقد حاولت "في الشجرة النادرة" وهي شجرة وحيدة زمانها وعصرها أن تأتي بالأفكار، وقاربت بينها بشخصية تمثل مجموعة الأفكار, ضمّنتها هذا الكتاب، وهناك مجموعة من الموضوعات والأفكار سوف أعمل - بحمد الله- على استكمالها بعد التفرغ من كتابي هذا، تحمل عناوين، منها: الحجر لا يموت، سلمية المقاومة، الفرنك  أول من ساهم في دعم المستوطنات، تغيير المفاهيم، تصحيح الأخطاء، التغيير، الخطوة الصحيحة، التركيز على بناء شخصية الإنسان، لماذا نُعاقب الحب ولا نعاقب الكراهية؟، العنصرية تبدأ بفصل الرحم وتنتهي بمعركة، لا يكتمل النضج عند الإنسان  من الطفولة وحتى الشيخوخة دون المرور بالكشف والبحث والعديد من التجارب.
وآفة العلم النسيان وفي التذكير نفع فإن في التفرقة شتات وتقطيع أوصال يؤدي إلى  انفصال, إذ لا ينجح  اتفاق مبرم على النفاق، وقبل أي اتفاق علينا أن نعرف ماذا نريد,  فعندما نعرف  يصبح  ما نريد متفقاً عليه.
ودوما أردد وأقول:  
اكتبْ الأيام ككاتب العدل، ما أتى حينٌ على الدهر غيركَ كاتبها، فمن تعجلها ولم يحتسب أخباره آتية بحالها وأحوالها، كالأرض والسماء أتت الرحمن طوعا، ما الحزن أعجاز نخلٍ خاوية، لا تصمد بفراغها فهي إلى الأرض هاوية، التاع الثعلب أَنْ أدركتَ  فيه خبثا، لم تؤذِ اللئيم  وأن سكنه الخبثُ،   وما مَدحت بالثناء نفسا، ما تداعت عليك الأعضاء سهراً وحمة، ولكن تداعت حينما ضربت بالأرض فأسا، في وضح النهارِ، وعصر أمةٍ، غرفت فشربتَ من حوضكَ قُدسا، فإن جَرَّموكَ قل ما عصيت لله أمراً، وكنتُ لكم بالآفاق قمراً وشمساً.

صفحة 4

يا قدس
قرة عيني القدس، أنت الحقيقة بفكري كالشمس ساطعةً ما داهمها الاحتلال، لم تحطمني معاول الحفرِ خابت، فعنوانك مصطلحي، والمصطلح غد، كل من فيكِ جالس، وحولك حارس، بإصرار الدهر على الوعد، بإصرار تغلب السنابل الخضر على الهشيم اليابس، تخاصمت لغات العالم بلغة الضاد، فمن لا يتقن ترجمة الود فسرها بالدرد، يا قدس، يا بيت الكريم، وأول قبلةٍ، اتخذنا من التقوى لأنفسنا زاداً، العمل يجري على قدم وساق، فالقدم ثابت والحجارة من طين، فلا غرابة  أن تجد بين الحجارة معدن، خلقت الأرض ومنها المنافع كالحديد، حملت  الدنيا  ببطنها سواسية، وولدت فوق الثرى و تحتها ملوك وعبيد، ملكنا الوسائل كي نُسافر، فلما أسفرت عن  قولنا  ضربنا بعرض الحائط وهربنا إلى الزمن  البعيد، تتطور العلوم وقد امتثلنا، الكبش تهجَّن والنعجة بخلق جديد، ولما عرفنا للبيت  مكانته، صار البيت إلى عنوان بعيد.
سُرقت عروبتي، اسرق أيها الغاصب مني كلمة ،اسرق مني حرفاً، فالحق لا بد أن يعود، وزِّع كل أدواري، استبدلني بالصمت، تجاهلني مئة عام بل تجاهلني ألف سنه، يكفي أيها المحتل أن تشهد لي  بالخوف، فما ضاع حق وراءه مطالب.
 

صفحة 5

الفصل الأول
الشجرة النادرة
(1)
داني ابن الخمس سنوات كان يلعب في الحديقة المُجاورة للمنزل, فعثر على قطعه نقدية غريبة, لم يرَ مثلها من قبل، فرفعها عن الأرض وأغلق عليها بكف يده ثم ركض مسرعا إلى والده وطلب منه أن يصطحبه إلى الحانــوت، وهو يقول له: لقد وجدت قطعه نقود سوف أشتري بها أغراضاً عديدة، وأخذ يعدد الأغراض, التي سيشتريها بهذه القطعة النقدية التي بدت له ثمينة، استغرب والد داني الطــلب،  وأصبح لديه فضول لمعرفه هذه القطعة، ثم قال: دعني انظر إليها يا داني، لكن لم يكن الطفل مُتأكداً من القطعة، فجعل يده خلف ظهره وأبدى شيئاً من التردد، عندها بدا واضحاْ التعجب على ملامح وجه أبيه، فتح كفة يده  بحياء  ورفع يدهِ رويداً أمام والده عندها انفجر والده ضاحكاً أمامه.
   داني يقف ويحدق بوالده، ومتعجب من ضحكاته ، وفي ذهنه كان يقول: إلى هذا الحد هذه القطعة مضحكة يا أبي؟ وحاول أن يتطرق إلى بعض الأسئلة  لكن والده المشغول بالعمل لم يعطه الفرصة لطرح الأسئلة مكتفياً بالقول: هذه القطعة لا قيمه لها، فهي منتهية الاستعمال وتدعى (فرنك) وتستطيع أن تلعب بهــا أو تحتفظ فيها، داني بعد أن استمع لوالده شعر بعد الفرحة والحماسة بشيء من  الخيبة حيال الأمر، فخرج من المنزل، وهو ينظر إلى
 الفرنك بكفة يده، ومشى مسافة طويلة وهو يفكر فيها، غير مقتنع بكلام والده غير المتوقع، بحيث أن المفهوم الصحيح والرد المتوقع لداني عندما يعثر الأفراد على قطعه نقدية ينتابهم الفضول  لمعرفة مفاهيم أوضح حول القطعة، فهناك في  بعض العادات المعروفة يجد الأفراد العديد من الأشياء المهمة، وليس شرطا أن يبحثوا عنها، مثل قطعه نقدية أو خارطة طريق، أو صفحات من بعض الكتب فيها قصص نادرة.

صفحة 6

(2)
 لا زالت القطعة النقدية بكف يد داني تعكس له فكره لامعه بصور إيجابية عن شيء فريد من نوعه له قيمته، لكن الإجابة غير المتوقعة من والده جعلت داني يمشي ويفكر حتى أصبح مبتعداً عن المنزل، وهو يبني حول القطعة مفاهيم عديدة، فمنذ أن وجدها رتب فور وجودها مجموعة مفاهيم متنوعة في مخيلته، وبعد أن قطع داني  مسافةً طويلةً وشعر بالتعب جلس يستريح، فوجد على  جانب  الطريق رجلاً عجوزاً يحمل بيده شتله  ليغرسها  بالأرض، وبيده الأخرى مجرفة عتيقة من الخشب يحفر فيها، فراقب داني ما يقوم به الرجل المسن العجوز، واقترب منه وألقى عليه التحية.   استغرب الرجل العجوز وجود طفل صغير بمنطقة جبلية بعيدةٍ عن منازل القرية، فقال له: ماذا تفعل هنا أيها الصغير؟
فأخبره داني بما حصل، قائلاً: وجدت في يدك غرضاً وفي يدي غرضاً، لكن الغرض بيدك يبدو أن له قيمة، أما الغرض الذي بيدي فقد أخبرني والدي أن لا قيمة له، فما رأيك أن ازرع هذا الفرنك بقرب هذه الشتلة؟ فضحك الرجل العجوز مبتهجاً مِنْ حديث الصغير، وقال له: أوافقك على شرط أن تأتي كل يوم كي تسقي الفرنك، فوافق داني على ذلك دون أن يفكر بالطريق البعيدة والمسافة التي سيقطعها كل يوم، فأصبح لديه وعد صغير يلتزم به، ورأى الرجل العجوز أن يستغل فكرة الفرنك. فقد التقط الفكرة واستخدم هذه الفكرة، وهي الفرنك ليُحقق الرؤيا, دون أن يحدد لها مدةٌ زمنية، فجعل الفكرة تنمو  بالرؤيا التي تحيطها طريقة، فالطريقة مُؤسس لها بشكل صحيح.
وجعل من الفرنك حجر الأساس في بناء أول جسر فكري عقائدي اجتماعي ومالي في إقامة وطن لا يملكه، وسلبه من شعب متسامح يملكه. ووظّف كل هذه العناصر في خدمة ودعم المشروع للمستقبل، فالفكرة التي أصبحت قيد التحقيق في نظر العجوز ولا يمكن تطويرها وتحقيقها والوصول لترى النور على ارض الواقع إلا بالعمل. لأن الأهداف تتحقق من تلقاء نفسها من خلال العمل والإنجاز، وكل هذا قائم على الطريقة الصحيحة القائمة على العمل الموحد والمشترك الجماعي، فقد تمثل الهدف الأول الذي سيتحقق من خلال الطريقة التي أوجدها الرجل العجوز في بناء شخصية داني الذي غرس العجوز في روحه حب الفكر والتعلق بالأرض، وهذا يحتاج  لهدف ثان مرتبط به، يتمثل في إيجاد شخصية قيادية مهمة يحتاجها الطفل بعدما تنمو وتبرز شخصيته لتكون هذه الشخصية في خدمة المجموعة، إلى جانب ضم الرجل الحكيم ليكون شريكا معهم بعمل موحد, لتضمن للمجموعة بقاء تواجدهم في نفس الأرض بنفس المكان بنفس روح الانتماء، فتحقق بذلك سلامتهم وأمنهم. والهدف الأكبر والأخير إقامة دولة. والرجل العجوز أدرك بحنكته وخبرته أن داني مستقبلا سيحصل على تلك الشخصية القيادية التي تمكنه من بناء ما يخطط له.

صفحة 7

(3)
 ومع مرور الوقت  كانت الأيام  تبني بين الطفل والرجل العجوز علاقة متينة على الوعد بينهما   ويتمثل في ري الشتلة والفرنك معا كعمل مشترك، فازداد تعلق الطفل بالعجوز، مما نتج عنه لقاء يومي وحديث يدور بين العجوز والطفل الصغير، تنمو الشتلة وتكبر، وتتقوى  العلاقة بتنوع الحديث اليومي الذي كان يحتاج إليه داني، لإشباع المفاهيم التي تتوفر فيها الإجابات لأسئلته  المختلفة، التي تدور في ذهنه و نفسه، ففي كل يوم يكتشف داني إجابات   ملائمة للأسئلة، وينهل من  جعبة الرجل العجوز المعلومات والحكمة، ويكتسب التجربة، وأصبح العجوز حاجة ملحة في حياة الطفل داني مع مرور الوقت، وازداد الترابط بينها، وأصبح الطفل قريباً منه بمشاعره وجزءاً مهما في حياته. وفي يوم من الأيام ذهب داني إلى الأرض كعادته التي اكتسبها بفضل ذلك الرجل العجوز، فلم يجده فشعر بالخوف وتملكته الحيرة وساورته الظنون، وخفق قلبه بشدة، وفاضت عيناه   بالدمع، فأخذ يلتفت حوله  تارة وينظر إلى السماء  تارة  أخرى، ويمسح  دموعه التي تنهمر مدرارا، تنسكب مرة على الشتلة، ومرة أخرى على  الفرنك، تحدثه  الدمعات في هذه اللحظات وتوشوشه: لا بشر حولك سوى صوت الرجل المسن وكلماته التي كان قد غرسها في خاطرك وفكرك. وكانت نسمات من الهبات الجبلية من الهوى  تداعب قميصه وخواطره ووجدانه، وتحرك قبعته الصغيرة، فيتموج الزرع وينحني، وتميل رؤوس السنابل تلتفت معه تترقب، ترتفع إلى السماء  تقلد حركة أمل، فحمل داني ألمه داخل صدره، وعاد أدراجهُ بخطوات متثاقلة إلى المنزل،   لم يخطر يوماً في ذهنه أنَّ الرجل العجوز سيختفي من حياته وقد بلغ داني من العمر عشر سنوات، وكان قد استمر في لقاء وتواصل دائم مع العجوز لمدة خمس سنوات على الأقل، وصل داني إلى منزله  دخل منهكاً من التعب، وفي حالة من الحزن الشديد ثم ألقى  التحية على والديه، وكانت علامات الحزن بادية على محيّاه، وعلى ملامح وجهه الصغير.
جلس بقرب والده الذي بادر بالتعبير قائلاً: لا تحزن يا بني فأنا أعرف سبب حزنك، وضمه إلى صدره عندها  انفجر داني  بالبكاء، كان الأبوان يساهمان بطريقه غير مباشره طوال  السنوات التي قطعها داني مع الرجل العجوز، وكانا في حالة من الرضي بسبب العناية التي يقدمها الرجل العجوز لداني، وهو يبحث ويكتشف ويتعرف على الإجابات الكافية التي تراود أسئلتها مخيلته، وتبني كيانه وشخصيته، وتشبع   نهمه وحبه، نهض الأب من مكان جلوسه، وأخذ بيد ابنه، قبض عليها كناية عن مشاركته الإحساس بالخوف، ثم قال: أعرف أين العجوز موجود الآن، لقد شعر بوعكةٍ صحية تم على إثرها  نقله إلى  المشفى المجاور للقرية، هيا بنا إلى زيارته. وسوف نكمل الحديث بالمركبة، لقد خشي الأب في هذه اللحظات الحرجة إخبار داني بالمزيد عن حالة الرجل العجوز الصحية، التي قد تتطور إلى الخطرة. وعند صعودهما إلى  المركبة كان داني صامتاً لا يتفوه بأدنى كلمة، كان ينظر من نافذة السيارة وهي تسير، ويقدر بذاته  المسافة التي يقطعها كل يوم من أجل لقاء الرجل العجوز، وكأنه يرسم المسافة  بقلم حدد فيه عدد السنوات التي قضاها  بالوعد  الصادق  حتى  اللحظة، وكأنه يرسم بقلم دقيق، بدأ من منزله مع أول سؤال حتى انتهى للمشفى الذي يرقد فيه  الرجل العجوز، وصل داني ووالده إلى مكان العجوز، وانطلقا مسرعين إلى غرفة العناية المكثفة عندها كان  المشهد غريباً جدا بالنسبة لداني وغير متوقع  كالذي كان في مخيلته، فلم يكن يشبه العيادة التي يذهب إليها عندما يكون مريضاً، لكن الأمر الواقع قد يجبر في أغلب الأحيان أن نتقبله بنفس قبول داني  كما يراه, تقدم نحوه وقلبه ينفطر من الألم، حتى وصل السرير بعيون دامعة وكفين مرتعشتين، وقف قرب رأس الرجل العجوز وجعل بيده الصغيرة يلمس وجهه، الذي يبدو وكأنه يغرق في النوم.
فتح الرجل العجوز عينيه، وحاول بصوت أجش يكاد لا يُسمع أن يشجع  وجوده بالرغم مما هو عليه، فعززه بقوله: داني! أنت هنا؟ لقد كنت معي دائما أجدك بقربي، آه يا صديقي الصغير، لقد أوفيت بوعدك، وكنت تروي الفرنك جيدا عندما كنت أنا نفسي أروي الشتلة الصغيرة، لقد كبرتْ وأصبحت شجرة نادرة.
 

صفحة 8

(4)
 اليوم قد نحل جسدي، وتعطلت أطرافي وذهبت قواي، ولا يوجد لدي أبناء يرثون هذه الأرض من بعدي كي أوصيهم  عليها، ليعتنوا بها، لذلك أنت تستحق هذه الأرض لأورثها لك من بعدي، لكن أرغب بتسميتها، ولنسميها معا، فما هو الاسم الذي تنتقيه يا داني؟
قال: الشتلة  النادرة  ..
قال العجوز: هي كذلك، لكن ماذا تسمي المكان؟
فلم يجب داني .. وبدت عليه حالة من البلبلة.
 قال العجوز: فليكن (تل فرنك) وكانت مُخيلة داني لا تتسع أكثر من ذلك مع أن الوصف للصورة يتسع لذلك، لكن الحقيقة الممزوجة مع الخيال في لحظات ما تكون صعبة وتنقسم بين فرح و حزن جعلت داني يكتفي بالصمت، فهز داني رأسه ولم يجد في تلك اللحظات كلمات الشكر التي غابت حتى عن شفتي والده.
قبَّل داني جبين الرجل العجوز معبراً بكلمه: (احبك كثيراً) التي ترجمت فعلا عن محبه وتعلق فيما بعد.
داني لم يتعامل مع الرجل العجوز كأنه جده، بل تعامل معه كصديق رغم فارق السن فيما بينهما، حيث كانت حاجة داني في ذلك الوقت  شديدة إلى وجود صديق أو شخص بالغ قريب منه يشاركه الأفكار والمصطلحات، كبير صغير، قريب بعيد، يتطرق من خلالها إلى مفاهيم وحوار  بناء يشترك فيه الصغار والكبار، مثل مكعبات صغيرة نجمعها   لنصنع منها مكعباً كــبيراً .. توصف بعدها بحسب الشكل المركب.

صفحة 9

(5)
تعلَّم داني مراقبه الأشكال كشكل  صغير يضاف إليه حتى يكبر بترتيب الأحجام، فهناك شكل قد نغذيه حتى ينمو بحسب الأنواع والمواد، فتلك الأشياء المادية بمقدورنا أن نعيد تصنيعها إذا فقدت جماليتها أو أصبحت دون استعمال، قد تخدم في غير عصرها لتبقى من الآثار لعصر قادم كمقوله الكاتب (أنا لا أعرف كل  شيءٍ، لكني اعرف  من الشيء  كله الإدراك  بالكيف).  
 كغرض يتحول من عديم الفائدة  إلى  مفيد بعد إعادة تصنيعه، حتى يعود إلى سابق عهده، و يتم ترميز الشيء ليدل على وجوده بالمعنى، مثل  شماعة الغرض لتعليق الغرض عليها، وبمفهوم آخر لها استعمال للمعنى يغير وظيفتها، لتصبح شماعة أخطاء، فتتحول وتتغير من وظيفة لخدمة الشخص الجسدية إلى وظيفة معنوية لخدمة الشخص النفسية كمخرج من مشكلة.
داني! لم  يقف عند الوعد مكتوف اليدين بل أصبح مثابراً ولديه نشاطه الخاص الذي  يقوم  به بمتابعة العمل الفردي المطلوب منه بالذهاب إليه كل يوم، وبمرور الأيام  والأعوام فقد أصبح شاباً فتياً قوياً ووسيماً يلتحق  بالكلية المجاورة  للقرية، وتعرف على مجموعه من الأصدقاء من بينهم تميزت صديقته  رفقه  التي سمعت عنه الكثير من أهل  القرية، وأصبح لديها فكرة عن الأرض التي ستصبح وطنا، تلك الأرض التي يمتلكها داني، وهذا أمر  كافٍ للإعجاب  بداني، ومعجبة جدا بعنايته  بالشجرة النادرة، وتمسكه  بالتل،  فهو محط أنظار وإعجاب الجميع، وجمله أحاديث  أهل  القرية التي تتحدث   عنه مما شجع داني للمبادرة في خدمه أهل القرية،  فمدّ أرضها بأنابيب الري, وابرز التل بحبال الكهرباء, وزرع الأرض بأشجار متنوعة، وزرعها بالمحاصيل الزراعية؛ لتحصيل مردود مادي يساعد فيه أهل القرية.

صفحة 10

(6)
كانت حاجة داني للخلوةِ بنفسه، وانجذابه للمكان الذي نشأ وعمل جاهداً فيه نفس الحاجة التي بحث عنها وهو صغير، كانت في رأسه مجموعة أسئلة يبحث عن إجابة لها، فعندما كانت حاجته للإجابة آنذاك عن أسئلة كان يجد بقربه الرجل العجوز, يُجيب عن ما يدور في ذهنه، لكن عندما أصبح راشداً وفقد العجوز كان قد توفر لديه الوعي الكافي، الذي يتكون عند الإنسان بعد مرحلة النضج من خلال خوض التجارب في الحياة واكتشاف كل ما يدور فيها لاستكمال مسيرته في الحياة, فأخذ يبحث عن الحكمة من مصادرها، والقول الفصل من مواطنه، فانكب على قراءة كتب التراث، فاختار من عيون الحكمة ما اختارها، ولازم الجلوس مع الحكماء والأدباء لينمي فكره، واقتنى من عيون الكتب الشيء الكثير، وكان  يدوّن كل ما يقرأه ويراه مفيدا، ومما دونه من قصص تحمل في طياّتها الحكمة ودوّنها في مذكراته:
 روي أن أحدَ الولاةِ كان يتجول ذات يوم في السوق القديم متنكراً في زي تاجر، وأثناء تجواله وقع بصره على دكانٍ قديمٍ ليس فيه شيء مما يغري بالشراء، كانت البقالة شبه خالية، وكان فيها رجل طاعن في السن، يجلس بارتخاء على مقعد قديم متهالك، ولم يلفت نظر الوالي سوى بعض اللوحات التي تراكم عليها الغبار، اقترب الوالي من الرجل المسن وحيّاه، ورد الرجل التحية بأحسن منها، وكان يغشاه هدوء غريب، وثقة بالنفس عجيبة .. وسأل الوالي الرجل:
دخلت السوق لاشتري فماذا عندك مما يباع !؟
أجاب الرجل بهدوء وثقة: أهلا وسهلا، عندنا أحسن وأثمن بضائع السوق.
قال ذلك دون أن تبدر منه أية إشارة للمزح أو السخرية.
فما كان من الوالي إلا أن ابتسم، ثم قال:
هل أنت جاد فيما تقول؟
أجاب الرجل:
نعم، كل الجد، فبضائعي لا تقدَّر بثمن، أما بضائع السوق فإن لها ثمن محدد لا تتعداه.
دُهش الوالي وهو يسمع ذلك ويرى هذه الثقة.
وصمت برهة وأخذ يقلب بصره في الدكان، ثم قال:
ولكني لا أرى في دكانك شيئا للبيع!  
قال الرجل: أنا أبيع الحكمة.. وقد بعت منها الكثير،   وانتفع بها الذين اشتروها!، ولم يبق عندي سوى لوحتين.
قال الوالي: وهل تكسب من هذه التجارة؟
قال الرجل وقد ارتسمت على وجهه طيف ابتسامة:
نعم يا سيدي، فأنا أربح كثيراً، فلوحاتي غالية الثمن جداً.
تقدّم الوالي إلى إحدى اللوحتين ومسح عنهما الغبار، فإذا مكتوب فيها:
( فكر قبل أن تعمل ) ....تأمل الوالي العبارة طويلا .. ثم التفت إلى الرجل، وقال:
بكم تبيع هذه اللوحة؟
قال الرجل بهدوء: بعشرة آلاف دينار فقط.