صفحة 1
أولاً
الموسى بيدٍ والرغوة بالأخرى، وهو يمعن النظرفي نفسه في المرآة. يقترب ثم يبتعد ثم ينحرف وهو يخاتل المرآة، وكأنه يخشى مجابهة الوجه المقابل، وجهه. لم يكن أبداً ليفهم معنى ذلك الاستعداد السخيف والمثير للسخرية، وهو يتحرك جيئة وذهاباً بكثير من الغرابة، قبل أن يجابه نيران الموسى. كان يشبه في شكل من الأشكال، ملاكماً فوق حلبة، وقد انصرف للتسخين والتحمية. أما هو فلم يكن له غير خصم واحد أحد: وجهه المنعكس في المرآة.
فهو بعد أن يضحي بطقسه ويتجـاوزه، ينظر إلى نفسه. فالوجه الذي تعكسه المرآة ذو تقاسيم وملامح متفاوتة وغير متناسقة: الأنف أقنى ومعقوف، العينان جاحظتان قليلاً، الجبهة عريضة، الشفاه عريضة ومكتنزة، الذقن مربع، الشعر كثيف وعصيّ على التسريح فوق الرأس، وهو ما يجعله يبدو وكأنه يخرج للتو من سريره. من هنا كانت قَصّة شعره القصيرة دائماً. يكفيه أن يتأخر في الذهاب إلى الحلاق حتى ينتصب شعره مبعثراً في كل الاتجاهات. ولو أن أحداً، حاول تفكيك ذلك الوجه، لما عثر على ملمح من ملامح أدونيس. غير أن الوجه بمجمله، لا تنقصه الفتنة وسحرها. هناك إغواء خفيٌّ، يطل من ذلك الوجه بملامحه المتعبة، وتقاطيعه المتسعة التي تدل على أرق صاحبها. إنه إغواء عميق لحيٍّ/ مفكر، ولنوع خاص يجمع الفنانين ومثلهم التائهين، والبعض القليل والقليل جداً من الصحافيين الذين جعلوا المهنة عبادة. من القلة القليلة كان حوّاس. لكي يحب أحدهم حواس يجب أن يعرفه ولكي يعرفه يجب أن يحبّه.
العادة نفسها حين يجابه حوّاس وجهه ويباشره بعينيه، ويكلمه وكأنه يكتشفه للمرة الأولى: «باستثناء بعض التجاعيد التي خطت الجبهة، وبداية الصلع الذي يقتحم الجمجمة، يبقى لك رأس مارشيلو ماستروياني!» ولو تكلمت مرآته لأجابت متسرعة:: «إنك الآن تشبه أياً كان، باستثناء مارشيلو. فأنت لست غير حوّاس الحواط!!» أَيُعاني حواس من انفصام في الشخصية لدرجة أنه يرى وجهاً آخر غير وجهه؟ أبداً. إنها ملهاة، يُلاعب فيها حواس أناهُ عبر المرآة التي تفصلها.
كان منذ طفولته، يحتفظ بمصفاة وردية اللون يضعها بين حين وآخر على عينيه، ليرى إلى الناس والأشياء كما يودُّ لها أن تكون. كانت المصفاة بلونها الوردي تسعفه على العيش. البعض يحسب نفسه جباراً وثرياً، رئيساً أو بطلاً، أما هو فيحسب أنه مارشيلو. بغير أن يكون مارشيلو، وبغير أن يحتل دور البطولة التي كانت لمارشيلو في الحياة العذبة ورهافة العيش. له أن يستأثر بنساء مارشيلو، بغير أن يعوضه بالمقابل. وبمَ يعوض ممثلاً، لا يسعى للاستئثار بشيء؟
أكان سعيداً بما قُدِّر له؟ كان مكتفياً بذاته، غير محتاج إلا لقلم، وورقة بيضاء، وامرأة، وقاموس يستند إليه.
فكره يحلق باتجاه الممثل. وهو يعبد ذلك الإيطالي الذي يحفظ أفلامه عن ظهر قلب. يحب كل ما هو عنه: كمثل امتشاقه قامة العاشق اللاتيني، وسخريته وفلسفته في النساء. «لا توجد من تستحق أن نُغَيِّر حياتنا من أجلها» عبارة أسرَّ بها لإيليا كازان. وهو أيضاً ما يتيقنه حوّاس ويؤمن به. غير أنه بخلاف ماستروياني الذي سجد على أقدام فاي دوناوي إذ هجرته، لم يسجد على ركبتيه أمام أية امرأة. كان يحب أن يغتذي بنماذج وأمثلة تدل على هشاشة معبوداته، فيصير بها أكثر اقتداراً وقوة، هو القائل ليس من إنسان خارق. كان يزعم أن ماستروياني هو الفاتن الذي لا يقهر، ولا يتأوه، يفتن الواحدة، ويهجر أخرى تميتها الآلام في سبيله، قبل أن تكتشف أنه مخلوق ضعيف، يئن ويتأوّه كأمثاله من البشر. كانت هشاشة الآخرين تضعف تلك التي يعانيها حوّاس وتبهتها.
قراءاته الكثيرة والمتنوعة أتاحت له أن يدرك هشاشة الجنس البشري، وكبار رجاله. فهو بإمكانه أن يكتب مقالاً رائعاً يكشف الأمراض والعقد الخَفِيَّة التي عاناها رجال طبعوا التاريخ وتركوا فيه بصماتهم.
إنها إعاقاتهم التي دفعت بهم للتربع فوق العروش والقمم، على ما يظن حوّاس. فقضيب نابوليون لم يكن يتجاوز قضيب صبي في السادسة من العمر، وتولوز لوتريك لم يكن أكثر من قزم، وهتلر كان يتيماً منبوذاً من طرف زملائه. ونيتشه مكبوتاً جنسياً ومحبطاً ومنهاراً. أما حوّاس، فأي المواقع تحتلها إعاقاته في مجلس الرجال الخارجين عن المألوف؟ هو نفسه لا يدري أين موقعه. فهو يقول بخجل زائف ومصطنع، إنه الكائن الأكثر سخفاً: بقامته المتوسطة، وذكائه غير الحاد، وجماله العادي، وغياب الأمراض المعيقة، وعناية أمه العطوفة، وطفولته الطبيعية، ودراسته غير العبقرية. ما من شيء يجعل منه أسداً. بل هو جزائري متوسط، كمثل الملايين الذين يشبههم، كما يقول. غير أنه في أعماقه، لم يكن يقر أن هذه حقيقته. فقناعته، أنه، لا شبيه له. ليس لأنه يتفوق على غيره، بل لأنه مختلف. له أحلامه، وإعجابه، وجنونه الذي يميزه وحده. هذا ما يتذكره من كلمات زوجته قبل أن تمسي مطلقته.
«إني لم ألتق أحداً يشبهك. فأنت تكتفي بنفسك وحسب. أنت رجل الأمس المختبىء تحت مظاهر الحداثة. ظني أنك ستنتهي إما إماماً وإما سكيراً معربداً... وربما الإثنين معاً...».
لشدة ألمه، لم يجب بشيء. ألم الطلاق، بعد خمس سنوات من زواجه. حوّاس لا يحب الإخفاقات العاطفية وخيباتها. بخاصة إذا كان الشريك هو من قرر القطيعة. فهو إذ ذاك يسقط صريعاً ومنهكاً. ويشعر في مكان ما بأنه غير مُقْنِع. إنه لا يحتمل رحيل الآخرين، ولا يفهمه. فخشية الهجر، كانت تدفعه إلى أن يبادر إلى الهجرة، ولو أدى ذلك إلى إدماء ضحاياه فهو حتى زواجه كان هاجِراً. أما حواء فجعلته مهجوراً. فهو إذ يتذكر مطلقته، يعود ليتذكر ليلة فِراقهما. كان ذلك منذ سنتين. غير أن حوّاس لم ينس شيئاً. فهو إذ يتذكر، يرى نفسه، ثم يراها، ثم يراهما...
كانت ليلة دافئة من ليالي الشتاء الجزائري المعجزة والاستثنائية، لمن يقدرها ويستمتع بها. لمن يحب الجزائر، ويجيد قطف غموضها الآسر، بعيداً عن حطامها وبقاياها. في تلك الليلة خرجا معاً، ليحتفلا بعيد ميلاد حواء في أحد المطاعم الآسيوية، غير البعيد عن شارع ديدوش ـ مراد. وكانت أمنية حواء الوحيدة: أن تكون السهرة حميمة، وأن يمضياها كفرخي يمام وكعاشقين فتيين. ارتدت حواء ثوبها الليلكي، الذي كان يعجبه، ويثير تقززها منذ زمن، لهوسها بالسراويل. ثم عقصت شعرها، لأنه يحب تلك التسريحة. واختارت المطعم لعلمها بأن زوجها يعشق الطبخ الآسيوي.
الموسى بيدٍ والرغوة بالأخرى، وهو يمعن النظرفي نفسه في المرآة. يقترب ثم يبتعد ثم ينحرف وهو يخاتل المرآة، وكأنه يخشى مجابهة الوجه المقابل، وجهه. لم يكن أبداً ليفهم معنى ذلك الاستعداد السخيف والمثير للسخرية، وهو يتحرك جيئة وذهاباً بكثير من الغرابة، قبل أن يجابه نيران الموسى. كان يشبه في شكل من الأشكال، ملاكماً فوق حلبة، وقد انصرف للتسخين والتحمية. أما هو فلم يكن له غير خصم واحد أحد: وجهه المنعكس في المرآة.
فهو بعد أن يضحي بطقسه ويتجـاوزه، ينظر إلى نفسه. فالوجه الذي تعكسه المرآة ذو تقاسيم وملامح متفاوتة وغير متناسقة: الأنف أقنى ومعقوف، العينان جاحظتان قليلاً، الجبهة عريضة، الشفاه عريضة ومكتنزة، الذقن مربع، الشعر كثيف وعصيّ على التسريح فوق الرأس، وهو ما يجعله يبدو وكأنه يخرج للتو من سريره. من هنا كانت قَصّة شعره القصيرة دائماً. يكفيه أن يتأخر في الذهاب إلى الحلاق حتى ينتصب شعره مبعثراً في كل الاتجاهات. ولو أن أحداً، حاول تفكيك ذلك الوجه، لما عثر على ملمح من ملامح أدونيس. غير أن الوجه بمجمله، لا تنقصه الفتنة وسحرها. هناك إغواء خفيٌّ، يطل من ذلك الوجه بملامحه المتعبة، وتقاطيعه المتسعة التي تدل على أرق صاحبها. إنه إغواء عميق لحيٍّ/ مفكر، ولنوع خاص يجمع الفنانين ومثلهم التائهين، والبعض القليل والقليل جداً من الصحافيين الذين جعلوا المهنة عبادة. من القلة القليلة كان حوّاس. لكي يحب أحدهم حواس يجب أن يعرفه ولكي يعرفه يجب أن يحبّه.
العادة نفسها حين يجابه حوّاس وجهه ويباشره بعينيه، ويكلمه وكأنه يكتشفه للمرة الأولى: «باستثناء بعض التجاعيد التي خطت الجبهة، وبداية الصلع الذي يقتحم الجمجمة، يبقى لك رأس مارشيلو ماستروياني!» ولو تكلمت مرآته لأجابت متسرعة:: «إنك الآن تشبه أياً كان، باستثناء مارشيلو. فأنت لست غير حوّاس الحواط!!» أَيُعاني حواس من انفصام في الشخصية لدرجة أنه يرى وجهاً آخر غير وجهه؟ أبداً. إنها ملهاة، يُلاعب فيها حواس أناهُ عبر المرآة التي تفصلها.
كان منذ طفولته، يحتفظ بمصفاة وردية اللون يضعها بين حين وآخر على عينيه، ليرى إلى الناس والأشياء كما يودُّ لها أن تكون. كانت المصفاة بلونها الوردي تسعفه على العيش. البعض يحسب نفسه جباراً وثرياً، رئيساً أو بطلاً، أما هو فيحسب أنه مارشيلو. بغير أن يكون مارشيلو، وبغير أن يحتل دور البطولة التي كانت لمارشيلو في الحياة العذبة ورهافة العيش. له أن يستأثر بنساء مارشيلو، بغير أن يعوضه بالمقابل. وبمَ يعوض ممثلاً، لا يسعى للاستئثار بشيء؟
أكان سعيداً بما قُدِّر له؟ كان مكتفياً بذاته، غير محتاج إلا لقلم، وورقة بيضاء، وامرأة، وقاموس يستند إليه.
فكره يحلق باتجاه الممثل. وهو يعبد ذلك الإيطالي الذي يحفظ أفلامه عن ظهر قلب. يحب كل ما هو عنه: كمثل امتشاقه قامة العاشق اللاتيني، وسخريته وفلسفته في النساء. «لا توجد من تستحق أن نُغَيِّر حياتنا من أجلها» عبارة أسرَّ بها لإيليا كازان. وهو أيضاً ما يتيقنه حوّاس ويؤمن به. غير أنه بخلاف ماستروياني الذي سجد على أقدام فاي دوناوي إذ هجرته، لم يسجد على ركبتيه أمام أية امرأة. كان يحب أن يغتذي بنماذج وأمثلة تدل على هشاشة معبوداته، فيصير بها أكثر اقتداراً وقوة، هو القائل ليس من إنسان خارق. كان يزعم أن ماستروياني هو الفاتن الذي لا يقهر، ولا يتأوه، يفتن الواحدة، ويهجر أخرى تميتها الآلام في سبيله، قبل أن تكتشف أنه مخلوق ضعيف، يئن ويتأوّه كأمثاله من البشر. كانت هشاشة الآخرين تضعف تلك التي يعانيها حوّاس وتبهتها.
قراءاته الكثيرة والمتنوعة أتاحت له أن يدرك هشاشة الجنس البشري، وكبار رجاله. فهو بإمكانه أن يكتب مقالاً رائعاً يكشف الأمراض والعقد الخَفِيَّة التي عاناها رجال طبعوا التاريخ وتركوا فيه بصماتهم.
إنها إعاقاتهم التي دفعت بهم للتربع فوق العروش والقمم، على ما يظن حوّاس. فقضيب نابوليون لم يكن يتجاوز قضيب صبي في السادسة من العمر، وتولوز لوتريك لم يكن أكثر من قزم، وهتلر كان يتيماً منبوذاً من طرف زملائه. ونيتشه مكبوتاً جنسياً ومحبطاً ومنهاراً. أما حوّاس، فأي المواقع تحتلها إعاقاته في مجلس الرجال الخارجين عن المألوف؟ هو نفسه لا يدري أين موقعه. فهو يقول بخجل زائف ومصطنع، إنه الكائن الأكثر سخفاً: بقامته المتوسطة، وذكائه غير الحاد، وجماله العادي، وغياب الأمراض المعيقة، وعناية أمه العطوفة، وطفولته الطبيعية، ودراسته غير العبقرية. ما من شيء يجعل منه أسداً. بل هو جزائري متوسط، كمثل الملايين الذين يشبههم، كما يقول. غير أنه في أعماقه، لم يكن يقر أن هذه حقيقته. فقناعته، أنه، لا شبيه له. ليس لأنه يتفوق على غيره، بل لأنه مختلف. له أحلامه، وإعجابه، وجنونه الذي يميزه وحده. هذا ما يتذكره من كلمات زوجته قبل أن تمسي مطلقته.
«إني لم ألتق أحداً يشبهك. فأنت تكتفي بنفسك وحسب. أنت رجل الأمس المختبىء تحت مظاهر الحداثة. ظني أنك ستنتهي إما إماماً وإما سكيراً معربداً... وربما الإثنين معاً...».
لشدة ألمه، لم يجب بشيء. ألم الطلاق، بعد خمس سنوات من زواجه. حوّاس لا يحب الإخفاقات العاطفية وخيباتها. بخاصة إذا كان الشريك هو من قرر القطيعة. فهو إذ ذاك يسقط صريعاً ومنهكاً. ويشعر في مكان ما بأنه غير مُقْنِع. إنه لا يحتمل رحيل الآخرين، ولا يفهمه. فخشية الهجر، كانت تدفعه إلى أن يبادر إلى الهجرة، ولو أدى ذلك إلى إدماء ضحاياه فهو حتى زواجه كان هاجِراً. أما حواء فجعلته مهجوراً. فهو إذ يتذكر مطلقته، يعود ليتذكر ليلة فِراقهما. كان ذلك منذ سنتين. غير أن حوّاس لم ينس شيئاً. فهو إذ يتذكر، يرى نفسه، ثم يراها، ثم يراهما...
كانت ليلة دافئة من ليالي الشتاء الجزائري المعجزة والاستثنائية، لمن يقدرها ويستمتع بها. لمن يحب الجزائر، ويجيد قطف غموضها الآسر، بعيداً عن حطامها وبقاياها. في تلك الليلة خرجا معاً، ليحتفلا بعيد ميلاد حواء في أحد المطاعم الآسيوية، غير البعيد عن شارع ديدوش ـ مراد. وكانت أمنية حواء الوحيدة: أن تكون السهرة حميمة، وأن يمضياها كفرخي يمام وكعاشقين فتيين. ارتدت حواء ثوبها الليلكي، الذي كان يعجبه، ويثير تقززها منذ زمن، لهوسها بالسراويل. ثم عقصت شعرها، لأنه يحب تلك التسريحة. واختارت المطعم لعلمها بأن زوجها يعشق الطبخ الآسيوي.
صفحة 2
حدق في المرآة، واستعاد زمناً مضى. ثم شهق بفرح: «أيها المسكين!! كأنه عيد ميلادك لا ميلادها!!» وابتسمت بكثير من الغموض، وهي تمسك بيده. لمرة، كانت يدها دافئة. لاحظ دفء يدها، ومازحها. فأجابت ممازحة: اليد الدافئة تعني أن القلب بارد، أما اليد الباردة فتعني أن القلب دافىء». وقد صعقته تلك العبارة المألوفة: فزوجته لم تكن لتقبل بالمألوف إلا فيما ندر. فهي ولو ردت بجواب حاضر فلا بد أن يكون بمنتهى الدقة والدهاء. إذن ما الذي دهاها؟ وهل أنها استسلمت؟ ليس للمرء أن ينال دائماً العلامة الكاملة. وقد كان بإمكانه أن يجيبها بمنتهى الغباء، إنه باستثناء يديها، كل ما فيها لم يكن ليوحي إلا بالبرودة.
غير أنه عدل وغيَّر رأيه خشية أن يفسد عيد ميلاده، ويدخل في حرب كلامية عقيمة كعقم أنور المنور، رئيس حزب سياسي للدمى المتحركة التي تؤمن بسيادة الجزائريين، والذي عرف عنه أنه لم يكن يفتح فاه إلا ليدلي بسخافاته المعيبة. وإذ أدرك حوّاس أن عليه تزجية زوجته ومسامرتها في بداية السهرة، قرر أن يعود إلى آخر سخافة أدلى بها المنور، لعلمه أن زوجته تستسيغ الكلام الفج، والأفكار المعقدة والغامضة والملتبسة والساذجة التي ينطق بها رجال السياسة: في آخر محاضرة ألقاها المنور عن البطالة في الجزائر، طرق بمطرقته وأردف: إن الحل الأمثل لمعالجة بطالة الجزائريين، هو بترحيلهم جميعاً إلى أوروبا، وبدفع تذاكر سفرهم، لعلهم يغزون العالم المتحضر. هذا وقد أنهى محاضرته بقنبلة: «هكذا يصير لنا موردان من موارد الثروة القومية: النفط والهجرة!!».
وقالت حواء: يا لعبقرية هذا السياسي الذي سيقف جيل الشباب إلى جانبه ويدعم أفكاره. ولو أنه لم يحسب حساباً لتأشيرات السفر. فأنى للعاطلين عن العمل أن يحصلوا عليها؟؟
أما حوّاس فكان جسده يهتز من نفاد صبره، وهو ينتظر ملاحظة كهذه، ليتابع ويقول: «إليك آخر تحفة في المهارة والمكر»:
«لو أنهم منحوني أصواتهم في الانتخابات، لذهبت بهم إلى الجنة لو شاؤوا الذهاب إليها!». غير أن تلك العبارة استنهضت الأحزاب الإسلامية، التي وصفت المنور بالعلماني، وقالت فيه إنه عدو اللّه.
ـ وإذ تعجبت حواء، سألت: هل كانوا ليصدقوا مبالغته وكذبه؟؟
ـ وأردف حوّاس: انتظري، فإن الآخرين الذين يدعون الديموقراطية، صوبوا إليه تهمهم، وقالوا بلهجة المتسامح والمتنازل: إنه أمّي وجاهل.
ومطَّت حواء شفتيها اشمئزازاً وغضباً ثم قالت: التطرف قائم في الجهتين. ثم تابعت:
ـ ليس من ديموقراطية إلا التي يقرها الشعب. أما الباقي فهو خدعة من خدع الرأسمالية ومصالحها. أتود أن أقول لك؟ إني أرى أن المنور هو الأكثر وجدانية، والأخف روحاً. على الأقل فيه من بوبقرة ما يضحك. أما الآخرون فإن غباءهم يبكي. ولو أني لا أريد الحديث عنهم هذا المساء.
ليس أفضل للزوجين من التواجد في مطعم، طالما أن حواء لا تجيد إلا قلي شرائح اللحم، وهرس البطاطا المسلوقة. فأمام لذائذ المائدة، يخفض النهمان الشّرهان أسلحتهما. ويصيران كما بأعجوبة، أكثر وفاءً من الدالاي لاما. فكما أن المرأة تتحكم ببعلها عن طريق بطنه أو ما دونه، فإن المطاعم تكمُّ أعصاب الزوجين وتلجمها. ففي المطعم، للزوجين هدنة. هناك يسترجعان سعادة الزمن الأول، وبدء علاقتهما. أما ما تبقى فهو مبارزة بالسيف الأرقش والمرقط. فهما لا يتفقان على شيء، ولا يجتمعان على رأي. فالانجذاب الجنسي بعد أن ينقطع وينتهي، يترك مكانه لتقابل الطباع وتعارض الأمزجة، واختلافات القدرات الذهنية والثقافية. إذ يكفي أن يفتح الواحد فاه، ليلقى أن الآخر يعارضه. ويبقى السرير هو الجامع كيفما كان، أو بين بين. يتفاخذان بصمت كما لو أنهما غريبان. حتى أن لذَّتهما تبقى خرساء، مخافة إيقاظ مكامن القوة التي تزلزل حياتهما اليومية، وتذهب بها. فلو أن الواحد جاهر بمتعته، لخالفه الآخر بانعدامها. لذا، قررا أن تمسي المتعة صامتة، لتنأى بنفسها، وتهرب من تَعَنُّتِهِما هذا الاتفاق الذي انتهى إليه الجسدان، عجز العقل عن قبوله، وكأنه استحالة لا تعقل.
كيف كان لهما أن يتعاميا عن اختلافهما، وأن يتزوجا؟ هل كان كلاهما مازوشيين؟ كلا. غير أن من يحب بجنون، يمسي أعمى، ويحلق فوق سحابة، وتطير به، كما يطير بها. حوّاس كان يطير، بعينين مفتوحتين. كان يدرك منذ البداية أنها مجرد مناضلة، يسارية متحمسة، لا تنهل إلا من قاموس روزا لوكسمبورغ، بينما بالنسبة إليه، الروزا، هي مجرد أداة للمتعة. غير أنَّ حواء التي كانت جميلة كملاك، وفاتنة كشيطانة، هي التي قتلت كل حس نقدي في نفس حوّاس، الذي قال: «أتزوجها، وابني فيها، فيصير لها ولدان، وتهتدي إلى متعة المرأة. هكذا تضحي حواء بروزا وتنساها في سبيل حوّاسها». ولو أن أحداً لا يمكنه أن يهدي أحداً بالرغم منه، فإن حواء لن تنسى روزا. وحوّاس، لن يحب روزا. فحواء كمثل حوّاس كانت تحسب نفس الحسابات وتقول: «إنه رقيق، ومثقف، ومتعلم، وعصري، ومنفتح. ومع الوقت يشاركني فلسفتي في الحياة. فلا ضير إن لم نتفق في نظرتنا إلى أمور الحياة. ففي الاختلاف فائدة تترك لنا الكثير لنقوله ونتقاسمه».
ها هو حوّاس يجرح خده، وتسيل منه نقطة دم. نقطة حمراء كالوردة التي علقتها حواء بدبوس، على ثوبها ليلة عيد ميلاده. ولما استعاد حوّاس السهرة التذكارية، وقد انتهيا من العشاء ليتناولا الحلوى، كانا لمرة متفقين على كل شيء. فكل ما قاله، وافقت عليه حواء بغير نقاش. وكأنها لم تعد تلك الحواء التائهة بغير آدم، كما يقول حوّاس ليناكدها، أيُّ ملاك، كانت امرأة حياته التي بحث عنها حتى عثر عليها. وراح حوّاس يشكر الله على تغيرها. ها هي تتنازل وتتنحى، ليكون الأمر له وحده!! وداعاً روزا!! وكان يود أن يقفز على حواء ليخنقها بقبلاته!!
وأشعلت حواء سيجارة شقراء أميركية، وتظاهرت بأنها تشم وردتها، وقالت لحوّاس بهدوء وبنبرة فيها الكثير من المزاح:
ـ حوّاس إني قررت أن أطلق! لا جدوى من بقائنا معاً. قبل أن أكون زوجة لك كنت أود أن أكون لك الندَّ المساوي، غير أني فشلت. وها أنا أحصد النتائج. خاصة وأن ليس ما يجمع بيننا أو يربطنا.
غير أنه عدل وغيَّر رأيه خشية أن يفسد عيد ميلاده، ويدخل في حرب كلامية عقيمة كعقم أنور المنور، رئيس حزب سياسي للدمى المتحركة التي تؤمن بسيادة الجزائريين، والذي عرف عنه أنه لم يكن يفتح فاه إلا ليدلي بسخافاته المعيبة. وإذ أدرك حوّاس أن عليه تزجية زوجته ومسامرتها في بداية السهرة، قرر أن يعود إلى آخر سخافة أدلى بها المنور، لعلمه أن زوجته تستسيغ الكلام الفج، والأفكار المعقدة والغامضة والملتبسة والساذجة التي ينطق بها رجال السياسة: في آخر محاضرة ألقاها المنور عن البطالة في الجزائر، طرق بمطرقته وأردف: إن الحل الأمثل لمعالجة بطالة الجزائريين، هو بترحيلهم جميعاً إلى أوروبا، وبدفع تذاكر سفرهم، لعلهم يغزون العالم المتحضر. هذا وقد أنهى محاضرته بقنبلة: «هكذا يصير لنا موردان من موارد الثروة القومية: النفط والهجرة!!».
وقالت حواء: يا لعبقرية هذا السياسي الذي سيقف جيل الشباب إلى جانبه ويدعم أفكاره. ولو أنه لم يحسب حساباً لتأشيرات السفر. فأنى للعاطلين عن العمل أن يحصلوا عليها؟؟
أما حوّاس فكان جسده يهتز من نفاد صبره، وهو ينتظر ملاحظة كهذه، ليتابع ويقول: «إليك آخر تحفة في المهارة والمكر»:
«لو أنهم منحوني أصواتهم في الانتخابات، لذهبت بهم إلى الجنة لو شاؤوا الذهاب إليها!». غير أن تلك العبارة استنهضت الأحزاب الإسلامية، التي وصفت المنور بالعلماني، وقالت فيه إنه عدو اللّه.
ـ وإذ تعجبت حواء، سألت: هل كانوا ليصدقوا مبالغته وكذبه؟؟
ـ وأردف حوّاس: انتظري، فإن الآخرين الذين يدعون الديموقراطية، صوبوا إليه تهمهم، وقالوا بلهجة المتسامح والمتنازل: إنه أمّي وجاهل.
ومطَّت حواء شفتيها اشمئزازاً وغضباً ثم قالت: التطرف قائم في الجهتين. ثم تابعت:
ـ ليس من ديموقراطية إلا التي يقرها الشعب. أما الباقي فهو خدعة من خدع الرأسمالية ومصالحها. أتود أن أقول لك؟ إني أرى أن المنور هو الأكثر وجدانية، والأخف روحاً. على الأقل فيه من بوبقرة ما يضحك. أما الآخرون فإن غباءهم يبكي. ولو أني لا أريد الحديث عنهم هذا المساء.
ليس أفضل للزوجين من التواجد في مطعم، طالما أن حواء لا تجيد إلا قلي شرائح اللحم، وهرس البطاطا المسلوقة. فأمام لذائذ المائدة، يخفض النهمان الشّرهان أسلحتهما. ويصيران كما بأعجوبة، أكثر وفاءً من الدالاي لاما. فكما أن المرأة تتحكم ببعلها عن طريق بطنه أو ما دونه، فإن المطاعم تكمُّ أعصاب الزوجين وتلجمها. ففي المطعم، للزوجين هدنة. هناك يسترجعان سعادة الزمن الأول، وبدء علاقتهما. أما ما تبقى فهو مبارزة بالسيف الأرقش والمرقط. فهما لا يتفقان على شيء، ولا يجتمعان على رأي. فالانجذاب الجنسي بعد أن ينقطع وينتهي، يترك مكانه لتقابل الطباع وتعارض الأمزجة، واختلافات القدرات الذهنية والثقافية. إذ يكفي أن يفتح الواحد فاه، ليلقى أن الآخر يعارضه. ويبقى السرير هو الجامع كيفما كان، أو بين بين. يتفاخذان بصمت كما لو أنهما غريبان. حتى أن لذَّتهما تبقى خرساء، مخافة إيقاظ مكامن القوة التي تزلزل حياتهما اليومية، وتذهب بها. فلو أن الواحد جاهر بمتعته، لخالفه الآخر بانعدامها. لذا، قررا أن تمسي المتعة صامتة، لتنأى بنفسها، وتهرب من تَعَنُّتِهِما هذا الاتفاق الذي انتهى إليه الجسدان، عجز العقل عن قبوله، وكأنه استحالة لا تعقل.
كيف كان لهما أن يتعاميا عن اختلافهما، وأن يتزوجا؟ هل كان كلاهما مازوشيين؟ كلا. غير أن من يحب بجنون، يمسي أعمى، ويحلق فوق سحابة، وتطير به، كما يطير بها. حوّاس كان يطير، بعينين مفتوحتين. كان يدرك منذ البداية أنها مجرد مناضلة، يسارية متحمسة، لا تنهل إلا من قاموس روزا لوكسمبورغ، بينما بالنسبة إليه، الروزا، هي مجرد أداة للمتعة. غير أنَّ حواء التي كانت جميلة كملاك، وفاتنة كشيطانة، هي التي قتلت كل حس نقدي في نفس حوّاس، الذي قال: «أتزوجها، وابني فيها، فيصير لها ولدان، وتهتدي إلى متعة المرأة. هكذا تضحي حواء بروزا وتنساها في سبيل حوّاسها». ولو أن أحداً لا يمكنه أن يهدي أحداً بالرغم منه، فإن حواء لن تنسى روزا. وحوّاس، لن يحب روزا. فحواء كمثل حوّاس كانت تحسب نفس الحسابات وتقول: «إنه رقيق، ومثقف، ومتعلم، وعصري، ومنفتح. ومع الوقت يشاركني فلسفتي في الحياة. فلا ضير إن لم نتفق في نظرتنا إلى أمور الحياة. ففي الاختلاف فائدة تترك لنا الكثير لنقوله ونتقاسمه».
ها هو حوّاس يجرح خده، وتسيل منه نقطة دم. نقطة حمراء كالوردة التي علقتها حواء بدبوس، على ثوبها ليلة عيد ميلاده. ولما استعاد حوّاس السهرة التذكارية، وقد انتهيا من العشاء ليتناولا الحلوى، كانا لمرة متفقين على كل شيء. فكل ما قاله، وافقت عليه حواء بغير نقاش. وكأنها لم تعد تلك الحواء التائهة بغير آدم، كما يقول حوّاس ليناكدها، أيُّ ملاك، كانت امرأة حياته التي بحث عنها حتى عثر عليها. وراح حوّاس يشكر الله على تغيرها. ها هي تتنازل وتتنحى، ليكون الأمر له وحده!! وداعاً روزا!! وكان يود أن يقفز على حواء ليخنقها بقبلاته!!
وأشعلت حواء سيجارة شقراء أميركية، وتظاهرت بأنها تشم وردتها، وقالت لحوّاس بهدوء وبنبرة فيها الكثير من المزاح:
ـ حوّاس إني قررت أن أطلق! لا جدوى من بقائنا معاً. قبل أن أكون زوجة لك كنت أود أن أكون لك الندَّ المساوي، غير أني فشلت. وها أنا أحصد النتائج. خاصة وأن ليس ما يجمع بيننا أو يربطنا.
صفحة 3
«ليس ما يجمع بيننا أو يربطنا» عبارة أصابت الهدف. لم تكن عبارة سهلة، بل كانت رشقاً من رشاش. وسرعان ما تبدلت مشاعر حوّاس، فهو إذ أخذه التعجب عاد ليشعر بالمهانة والإذلال. آلاف الأسئلة تخنقه. أكان ذنبه أنه عاقر؟ أكانت بحاجة لأن تذكره، وهما على وشك الانفصال، بسوء حظه؟ غير أن حوّاس لم يجب. فما الذي يقوله لامرأة تفضح عنّته، وعجزه عن استيلادها، وجـعلها أُمّاً. وكان في أعماقه، يشعر أنها مصيبة، وعلى حق. أما الآن وبعد أن انفقت الدملة، وانتهى كل شيء، قال حوّاس إنه كان يتجاهل: الخناقات والمبارزات التي لم تكن نتيجة اختلاف في الطبائع، والثقافات، بل نتيجة حرمان: عانته حواء كما عاناه حوّاس نفسه.
إنه حرمان حواء من أن تكون أمّاً، وتحمل جنينها تسعة أشهر، وتلقمه ثديها، وتقطف صرخته الأولى ومعها أولى بسمة من بسماته. إنها الأمومة المكبوتة التي انفجرت بوجه ذلك الديك الذي كان يزعم أنه ذكر.
لذا قررت حواء إسكات بعلها، وعدم التساهل معه، أو الخفض من جناحها له.
أما هو، فكان يعاني من حرمانه وعجزه وعنّته، وعقدة ذنب لا تفارقه. قد كان لزوجته أن تحمل جنينها. لولا عجزه عن إخصابها.
من حقها إذن أن تنعته بالعاجز. كما كان بوده أن يبقيها، غير أنه لم يحرك ساكناً، أمام قسوة كلماتها.
ثم إن قناعته بقرار الانفصال وعدم الرجوع عنه، لم يكن ليردها إلى كلمات حواء بقدر ما ردَّها إلى صراحة اللهجة الباردة والجليدية التي واجهته بها زوجته. «هذه الحيادية تنم أن قرارها قد اتُّخذ، وأنها فكرت طويلاً قبل اتخاذه». وبعد أن استعاد حوّاس أنفاسه تحت أنظار حواء الهادئة تمتم قائلاً: «لمَ اخترت هذا العشاء، لتعلني قطيعتنا؟» وتذكر أنها ابتسمت بمكر قبل أن ترد بتهكم وتقول: «كنت أود أن يكون الخراب جميلاً، كما قال الصحافيون، يوم زفافنا. ما أهمية أن ننفصل اليوم أو غداً طالما لم يعد لنا ما نقوله». وبعد أن سحقت عقب سيجارتها في المنفضة، أضافت كلمات أحرقت صدر حوّاس ولا تزال تحرقه: «ما صعقك هو أني قررت هجرك، لا العكس. لقد هجرت السيدة سيدها، يا للعار، ويا للهول الفظيع». وقد وجب على حوّاس الاعتراف أن حواء كانت على حق. فهو يعاني من جرح كرامته، ولا يعاني من جرح ولهه وعشقه. ويكون من ثمَّ طلاق، يعقبه انفصال. وهكذا تكون روزا لوكسمبورغ قد انتصرت.
مذ ذاك، اتخذ حوّاس قرارين اثنين سينوء بهما في مسلكه، وفي حياته القادمة. قرر حوّاس ألَّا يعاشر النساء المثقفات حتى ولو لشهوات السرير ومرحه. ولن يتزوج ثانية، طالما أنه سيكون زوجاً لكل النساء المتزوجـات. هل قرر أن ينتقم من حواء، ومن كل الأزواج الذين نجحوا في الحفاظ على نسائهم؟ فلو طرحت عليه السؤال، لأجـاب: «أتوق إلى السكينة. فالمرأة المثقفة امرأة مملة ومتعبة... أما المرأة المتزوجة فلا تتعلق بك، ولا تلتصق بجلدك، ولا تبحث عمن يتزوجها. تحبها فتحبك، تمتعها فتمتعك، ثم إلى الغد!!».
حوّاس يداعب شاربيه بقصتهما الإيطالية، التي هي الامتياز الوحيد الذي تركه له ماستروياني. فهو لولا سمرته، لحسب الواحد أنه أحد أبناء أوروبا الجنوبية، أو أميركا اللاتينية. أما، وبعد أن صقلته شموس الصيف، لم يعد هناك من يخطىء بأنه مغربي، حتى إذا اقترب الواحد منه ولمح ذلك البريق الراقص في أعماق عينيه، أيقن أنه جزائري. فالجزائري يخدعه أبداً نظره، ذلك النظر اليقظ والحاد. نظر الصياد الذي على أُهبة التصويب. فهو ولو تنكر في القطب الشمالي بهيئة إسكيمو، فإن الجزائري يعرف بالتماع عينيه الثاقبتين وحركتهما.
هذا ما يختبره حوّاس كلما سافر إلى الخارج. فهو في آخر سفر له إلى روما، للعودة منها بتقرير، حاول من باب المزاح، وربما من باب التقية والحذر ـ وبعد أن صارت الهوية الجزائرية هوية هدامة، بسبب صعود الحركة الأصولية في الجزائر ـ أن يقدم نفسه على أنه إسباني ـ أما في إسبانيا فكان يقدم نفسه على أنه إيطالي. وكثيراً ما كان حوّاس يرتاح إلى هويته الإسبانية التي يتقن ثقافتها ويفاخر بتاريخها. ها هو حوّاس بجلده الإسباني، يحاول إغواء ليزا الإيطالية، التي تشبه من بعض وجه لوحة ليوناردو دا فينشي: بشعرها ونظرتها الهادئة والباسمة، وبيضاوية وجهها. لها ببشرتها المخملية وشكلها الساحر أن تعذّب وليّاً جزائرياً وتهلكه. قضي الأمر وصدقت ليزا أن حوّاس هو من أصل إسباني. وراحت تناديه خوليو، وهي تمسك بذراعه، وتتهيأ لتقدم له جسدها. كانا على بعد خطوات من الفندق، حيث كان حوّاس يمني النفس بمأدبة، فوقعا على بائع متجول، يريد أن يبيعهم نظارات مزيفة من طراز «غوتشي» و «إيف سان لوران» بتقليدها لبيعها. وأزاح حوّاس بيده البائع المزعج، الأشقر الشبيه بالفلورنسي، الذي راح يمعن النظر بوجه حوّاس قبل أن يقول: أقسم، إنك لست جزائرياً؟ إذ ذاك جمدت ليزا وشحب لونها، أما حوّاس فبقي مذهولاً. كيف استطاع هذا الإيطالي أن يتعرف إليه وهو لم ينبس بكلمة؟ إنه اللغز المحير. ربما هو ذلك البريق. وفي ذروة المفاجأة، فكر حوّاس أنه بإزاء رجل عنصري فأجابه ببرودة: وماذا بعد؟ عندها هدأ البائع وقال: كنت أود أن أتأكد مما حسبته، تحيا البلاد!! وها إن صديقتك قد هربت». ولما استدار حوّاس لم يجد غير الريح. وكانت ليزا قد فرت. فهي إذ وجدت أنها محشورة بين جزائريين، قررت أن خلاصها يكون بالفرار والهرب. ولما استسلم حوّاس، قرر أن تلك الصدفة على روعتها، لم يكن لها أن تدوم. ثم راح يفلسف بإيجابية ما يشبه تلك الحوادث المؤسفة: «ربما كان لليزا أن تنقلني إلى السماء السابعة. وهناك ربما التقيت «سيدي» سيدا. لم يحدث لي شيء، كما لم يحدث شيء لا لليزا ولا لــــ«سيدي» سيدا. وكان ذاك الحل الأمثل للجميع».
وعلق بلسان حوّاس كمثل مرارة الإحباط، لأنه لم يتذوّق جمال تلك الإيطالية. وكان كلما تذكر أنه خسر الرهان بسبب أحد مواطنيه، قهقه بصخب مخيف، جعل المارَّة الوادعين يبتعدون عن طريقه. وقد سمع أحدهم ينعته بالسكير. «فلو هرب أحدهم من الجزائر، فأنى له أن يهرب من الجزائريين، الذين يبعثرون أحلامه، ويتركونها لمهب الرياح!» هذا ما شهق به حوّاس.
إن حوّاس ولو كان يحب مواطنيه، ليتساءل دائماً لمَ أنهم يميلون إلى المشاجرة أكثر من أي شعب من شعوب الأرض. فهو باستثناء الإيطاليين والعراقيين ربما، لم يكن متأكداً من هذا الميل. كل ما يعرفه أنه أضاع فرصته الذهبية، بسبب هذا المواطن الفاشل الذي التقاه صدفة. جزائري فاشل يزمجر بصوته قائلاً: «تحيا الجزائر!!» وهو يعيش في الغربة. لم يكن حوّاس ليفهم آفة المهاجرين وجنوحهم لمغادرة الجزائر ولعنها نهاراً وليلاً. فهناك بعيداً، تقوم المفارقة، ويلهج الجزائريون بجزائرهم، حتى لا يبقى إلا اسمها على ألسنتهم، يحدثون عنها، ويترقرق الدمع في العيون. آه كم يحرقهم الشوق إليها!! إنها وحدها الفردوس المفقود. فلو أشفق أحد مواطني البلد الذي يقطنونه على حالهم ونصحهم قائلاً: «لو كنت مكانكم لعدت إليها» لصرخوا في وجهه وسخروا من عنصريته وسألوا: «أنى لك أن تتدخل؟!». ولأيقن المواطن الأصلي أن الجزائريين ليسوا إلّا أناساً غريبي الأطوار. حتى أن دوستويفسكي قال بغرابة أطوارهم، على ما يذكر حوّاس في الوجه الآخر، وفي بعض مقاطع الجريمة والعقاب: «إذ أشار السيد غوليادكين إلى صالون حلاق جزائري قرأ عنه في أحد التقاويم. هناك ضحك المضيف وضيفه من بساطة الأتراك، وقد ردا دهشتهما إلى تعصب الأتراك، الذي لا يقوم، ولا يدوم إلا بالأفيون...». «الوقت لم يُصْلِح شيئاً في الأمر» أوجَسَ حواس في نفسه. «في القرن التاسع عشر كان يمكن إرجاع تعصُّبهم إلى الأفيون، أمّا اليوم فإلامَ يعود الخطأ؟ إلى الدين؟ غير أن الدين ليس مخدراً من المخدرات، فهو بعكس المخدر يوقظ الهمم ويستنهضها قبل أن يهدئها، ثم يعود ليحفزها...».
إنه حرمان حواء من أن تكون أمّاً، وتحمل جنينها تسعة أشهر، وتلقمه ثديها، وتقطف صرخته الأولى ومعها أولى بسمة من بسماته. إنها الأمومة المكبوتة التي انفجرت بوجه ذلك الديك الذي كان يزعم أنه ذكر.
لذا قررت حواء إسكات بعلها، وعدم التساهل معه، أو الخفض من جناحها له.
أما هو، فكان يعاني من حرمانه وعجزه وعنّته، وعقدة ذنب لا تفارقه. قد كان لزوجته أن تحمل جنينها. لولا عجزه عن إخصابها.
من حقها إذن أن تنعته بالعاجز. كما كان بوده أن يبقيها، غير أنه لم يحرك ساكناً، أمام قسوة كلماتها.
ثم إن قناعته بقرار الانفصال وعدم الرجوع عنه، لم يكن ليردها إلى كلمات حواء بقدر ما ردَّها إلى صراحة اللهجة الباردة والجليدية التي واجهته بها زوجته. «هذه الحيادية تنم أن قرارها قد اتُّخذ، وأنها فكرت طويلاً قبل اتخاذه». وبعد أن استعاد حوّاس أنفاسه تحت أنظار حواء الهادئة تمتم قائلاً: «لمَ اخترت هذا العشاء، لتعلني قطيعتنا؟» وتذكر أنها ابتسمت بمكر قبل أن ترد بتهكم وتقول: «كنت أود أن يكون الخراب جميلاً، كما قال الصحافيون، يوم زفافنا. ما أهمية أن ننفصل اليوم أو غداً طالما لم يعد لنا ما نقوله». وبعد أن سحقت عقب سيجارتها في المنفضة، أضافت كلمات أحرقت صدر حوّاس ولا تزال تحرقه: «ما صعقك هو أني قررت هجرك، لا العكس. لقد هجرت السيدة سيدها، يا للعار، ويا للهول الفظيع». وقد وجب على حوّاس الاعتراف أن حواء كانت على حق. فهو يعاني من جرح كرامته، ولا يعاني من جرح ولهه وعشقه. ويكون من ثمَّ طلاق، يعقبه انفصال. وهكذا تكون روزا لوكسمبورغ قد انتصرت.
مذ ذاك، اتخذ حوّاس قرارين اثنين سينوء بهما في مسلكه، وفي حياته القادمة. قرر حوّاس ألَّا يعاشر النساء المثقفات حتى ولو لشهوات السرير ومرحه. ولن يتزوج ثانية، طالما أنه سيكون زوجاً لكل النساء المتزوجـات. هل قرر أن ينتقم من حواء، ومن كل الأزواج الذين نجحوا في الحفاظ على نسائهم؟ فلو طرحت عليه السؤال، لأجـاب: «أتوق إلى السكينة. فالمرأة المثقفة امرأة مملة ومتعبة... أما المرأة المتزوجة فلا تتعلق بك، ولا تلتصق بجلدك، ولا تبحث عمن يتزوجها. تحبها فتحبك، تمتعها فتمتعك، ثم إلى الغد!!».
حوّاس يداعب شاربيه بقصتهما الإيطالية، التي هي الامتياز الوحيد الذي تركه له ماستروياني. فهو لولا سمرته، لحسب الواحد أنه أحد أبناء أوروبا الجنوبية، أو أميركا اللاتينية. أما، وبعد أن صقلته شموس الصيف، لم يعد هناك من يخطىء بأنه مغربي، حتى إذا اقترب الواحد منه ولمح ذلك البريق الراقص في أعماق عينيه، أيقن أنه جزائري. فالجزائري يخدعه أبداً نظره، ذلك النظر اليقظ والحاد. نظر الصياد الذي على أُهبة التصويب. فهو ولو تنكر في القطب الشمالي بهيئة إسكيمو، فإن الجزائري يعرف بالتماع عينيه الثاقبتين وحركتهما.
هذا ما يختبره حوّاس كلما سافر إلى الخارج. فهو في آخر سفر له إلى روما، للعودة منها بتقرير، حاول من باب المزاح، وربما من باب التقية والحذر ـ وبعد أن صارت الهوية الجزائرية هوية هدامة، بسبب صعود الحركة الأصولية في الجزائر ـ أن يقدم نفسه على أنه إسباني ـ أما في إسبانيا فكان يقدم نفسه على أنه إيطالي. وكثيراً ما كان حوّاس يرتاح إلى هويته الإسبانية التي يتقن ثقافتها ويفاخر بتاريخها. ها هو حوّاس بجلده الإسباني، يحاول إغواء ليزا الإيطالية، التي تشبه من بعض وجه لوحة ليوناردو دا فينشي: بشعرها ونظرتها الهادئة والباسمة، وبيضاوية وجهها. لها ببشرتها المخملية وشكلها الساحر أن تعذّب وليّاً جزائرياً وتهلكه. قضي الأمر وصدقت ليزا أن حوّاس هو من أصل إسباني. وراحت تناديه خوليو، وهي تمسك بذراعه، وتتهيأ لتقدم له جسدها. كانا على بعد خطوات من الفندق، حيث كان حوّاس يمني النفس بمأدبة، فوقعا على بائع متجول، يريد أن يبيعهم نظارات مزيفة من طراز «غوتشي» و «إيف سان لوران» بتقليدها لبيعها. وأزاح حوّاس بيده البائع المزعج، الأشقر الشبيه بالفلورنسي، الذي راح يمعن النظر بوجه حوّاس قبل أن يقول: أقسم، إنك لست جزائرياً؟ إذ ذاك جمدت ليزا وشحب لونها، أما حوّاس فبقي مذهولاً. كيف استطاع هذا الإيطالي أن يتعرف إليه وهو لم ينبس بكلمة؟ إنه اللغز المحير. ربما هو ذلك البريق. وفي ذروة المفاجأة، فكر حوّاس أنه بإزاء رجل عنصري فأجابه ببرودة: وماذا بعد؟ عندها هدأ البائع وقال: كنت أود أن أتأكد مما حسبته، تحيا البلاد!! وها إن صديقتك قد هربت». ولما استدار حوّاس لم يجد غير الريح. وكانت ليزا قد فرت. فهي إذ وجدت أنها محشورة بين جزائريين، قررت أن خلاصها يكون بالفرار والهرب. ولما استسلم حوّاس، قرر أن تلك الصدفة على روعتها، لم يكن لها أن تدوم. ثم راح يفلسف بإيجابية ما يشبه تلك الحوادث المؤسفة: «ربما كان لليزا أن تنقلني إلى السماء السابعة. وهناك ربما التقيت «سيدي» سيدا. لم يحدث لي شيء، كما لم يحدث شيء لا لليزا ولا لــــ«سيدي» سيدا. وكان ذاك الحل الأمثل للجميع».
وعلق بلسان حوّاس كمثل مرارة الإحباط، لأنه لم يتذوّق جمال تلك الإيطالية. وكان كلما تذكر أنه خسر الرهان بسبب أحد مواطنيه، قهقه بصخب مخيف، جعل المارَّة الوادعين يبتعدون عن طريقه. وقد سمع أحدهم ينعته بالسكير. «فلو هرب أحدهم من الجزائر، فأنى له أن يهرب من الجزائريين، الذين يبعثرون أحلامه، ويتركونها لمهب الرياح!» هذا ما شهق به حوّاس.
إن حوّاس ولو كان يحب مواطنيه، ليتساءل دائماً لمَ أنهم يميلون إلى المشاجرة أكثر من أي شعب من شعوب الأرض. فهو باستثناء الإيطاليين والعراقيين ربما، لم يكن متأكداً من هذا الميل. كل ما يعرفه أنه أضاع فرصته الذهبية، بسبب هذا المواطن الفاشل الذي التقاه صدفة. جزائري فاشل يزمجر بصوته قائلاً: «تحيا الجزائر!!» وهو يعيش في الغربة. لم يكن حوّاس ليفهم آفة المهاجرين وجنوحهم لمغادرة الجزائر ولعنها نهاراً وليلاً. فهناك بعيداً، تقوم المفارقة، ويلهج الجزائريون بجزائرهم، حتى لا يبقى إلا اسمها على ألسنتهم، يحدثون عنها، ويترقرق الدمع في العيون. آه كم يحرقهم الشوق إليها!! إنها وحدها الفردوس المفقود. فلو أشفق أحد مواطني البلد الذي يقطنونه على حالهم ونصحهم قائلاً: «لو كنت مكانكم لعدت إليها» لصرخوا في وجهه وسخروا من عنصريته وسألوا: «أنى لك أن تتدخل؟!». ولأيقن المواطن الأصلي أن الجزائريين ليسوا إلّا أناساً غريبي الأطوار. حتى أن دوستويفسكي قال بغرابة أطوارهم، على ما يذكر حوّاس في الوجه الآخر، وفي بعض مقاطع الجريمة والعقاب: «إذ أشار السيد غوليادكين إلى صالون حلاق جزائري قرأ عنه في أحد التقاويم. هناك ضحك المضيف وضيفه من بساطة الأتراك، وقد ردا دهشتهما إلى تعصب الأتراك، الذي لا يقوم، ولا يدوم إلا بالأفيون...». «الوقت لم يُصْلِح شيئاً في الأمر» أوجَسَ حواس في نفسه. «في القرن التاسع عشر كان يمكن إرجاع تعصُّبهم إلى الأفيون، أمّا اليوم فإلامَ يعود الخطأ؟ إلى الدين؟ غير أن الدين ليس مخدراً من المخدرات، فهو بعكس المخدر يوقظ الهمم ويستنهضها قبل أن يهدئها، ثم يعود ليحفزها...».
صفحة 4
ولما تلفظ حوّاس بهذه الكلمات، لم يمتنع من أن يتذكر زوجته التي كانت تقول له، إن ماركس كان مصيباً مذ قال: إن الدين أفيون الشعوب. غير أن حوّاس لم يكن ليجيب، لكرهه المجادلة في الدين. خاصة وأن حواء كانت ترى أن الإسلام هو الدين الذي يبيح كل شيء للرجل، ويمنعه عن المرأة: «إنه دين للذكور، وعلى مقاسهم. ومن الممتع في الإسلام أن تكون رجلاً، لأن المرأة لا مقاس لها إلا المحظور». تمتمت وهي تقلد مشية فحل يتمايل. وسرعان ما غمرته هبة حنان دافىء. تذكر إذ كانت تتصالح زوجته مع الدين عندما تمرض «فهي بكامل عافيتها تكون ملحدة؛ أما مريضة فتبحث عن الله...» هذا ما تذكره حوّاس وابتسم.
كان أمام المرآة غارقاً في أحلامه عندما فاجأه صوت مغناج: «أيها الرجل الغريب الأطوار!! كنت من قبل تخشى المرآة وتخافها، أما اليوم فأنت لا تتخلى عنها. نرسيس! عليك بالحلاقة!!» كأن نرسيس يعود ثانية. استدار ببطء كمثل العزيز مارتشلو وتمتم بعفوية: «إنك نرسيس بعينه». ما إن تلفظ بهذه الجملة حتى ندم عليها. كان يعلم أن المضحك، هو تلك المرأة المنبطحة فوق سريره بصدرها العاري وغنج فتاة عذراء. لم يشعر بالإحباط حين قالت: «لولا بطنك المتدلي ونفسك المتقطع لكنت جميلاً كممثل، اقترب أيها الأرنب المغناج، اقترب بسرعة». وضحك من الأرنب المغناج «فإني لو كنت أرنباً فلن تكون هي غير مهرة للنكاح». وتظاهر بأنه لم يفهم التلميحات المستترة التي كانا يتبادلانها منذ دقائق. وراح يقول في نفسه: «يجب أن أكون سباقاً ماهراً لأحافظ على مسافة ثابتة بيني وبين هذه المرأة. أراهن أنه قد مرَّ عليها شهر ولم يمسسها بعلها». وابتسم حوّاس لكلمة زيارة، وتذكر أنها من المفردات الكلاسيكية في اللغة الفرنسية. ثم أقر حوّاس بما لقواميسه من أفضال عليه، ذلك العهد القديم من القواميس التي كانت بمتناول يديه، بأحجامها الأربعة الضخمة التي تنتصب كطاولة بالقرب من سريره. كان حوّاس يقبل قواميسه اعترافاً بالجميل. أن يكون القاموس بالقرب منه، يعني أن يستأنس برفيق مثقف، صامت، أمين وخفيف الظلّ. فحوّاس الذي يؤثر الوحدة، يخشى أن يكون مزعجـاً أو مزعوجاً.
فعنده، تقوم الصداقة عن بعد، ومن حين لحين، ولو كانت هناك رغبة في اللقاء، فإنه يخشى أن تتحول إلى حال من الاستعباد.
وعنده أن القواميس تفي بكل شروط الصداقة وأكثر. فهو غالباً ما يُسأل: «من أفضل أصدقائك؟» وغالباً ما يجيب بصرامة وجدية: قاموسي الليتريه!!» تسع مرات على عشر، يرى فيها المخاطب جنون حوّاس الذي يحسب أن القاموس يقوم مقام كائن حي. وكم تمنت محظية من محظيات حوّاس أن تلتقي صديقه: «لا بد أنه صديق معجز، ذلك الذي تتحدث عنه بمنتهى اللذة!!» ولما أجاب حوّاس قال لها: «أنت من يمنحني اللذة، أما هو فيمنحني صداقته». وكأن حوّاس تعمد إهانة محظيته. فهو لم يشأ أن يكون القاموس غزوة من غزواته، بل رابطاً من الروابط المحببة إلى قلبه وعقله. فعنده، أن الجمادات ومثلها جـثث الأموات لو كان لها أن تبث رسائلها الموحية، لكانت صديقة أكثر حيوية من الأحياء.
فهو لم يتخيل قط أنّه بمغالطته لمعارفه، يمكنه أن يندرج في خانة السخرية المتعالية.
فمن لذاته، وهو ينتظر يُغْرِق انتظاره إحدى محظياته وما فيه من قلة الاصطبار بالعودة إلى قواميسه. في كل عودة نشوة من النشوات، وكأنه يعود بالثقافة إلى بداياتها التي سيعيدها، على مسامع من ستقاسمه مضجعه.
وكان على محظية حوّاس المختارة أن تنتشي بعبقريته، وتسأله بلطف: «لو كان لك أن تختار، فأيّنا تختار؟» اختار هذه!! هذا ما كان يردده وهو يعانق محظيته ويلامس تضاريسها الأكثر اهتزازاً من قواميسه. فهو في الصباح وقبل أن تصل سميرة وقع على كلمة عتيقة أسقطت من الاستعمال، فحسب أن نظرته ستعقبها ألف حسرة، وأن محظيته ستقع في شباك نظرة هي القدر وأعظم» على ما تشير إليه القواميس. وكان في تلك اللفظة ما في جملة تامة من رنين. وكان حوّاس يختبر كل الألفاظ التي أسقطت من التعبير، وهو في السرير يضاجع محظياته. لذا كان يزعم أنه رائد من رواد اللغة الفرنسية، وخادم أمين من خدامها السالفين.
وقد كان حوّاس في خضم مضاجعاته اللاهبة، وبين بوح وبوح، يأتي بكشوفاته اللغوية، بغير حسيب أو رقيب.
ولما كانت محظيته في ذروة العناق، تلفظ حوّاس بكشفه اللغوي، وأضاف قائلاً: جئتك بـ jettature ساخراً مني ومن الفرنسية القديمة. وسرعان ما زعقت المحظية وقالت: «أنا أيضاً أحب أن تنكحني، وأقسم لك. إني أقسم بأن أنكحك، تنكحني وأنكحك فهو لن ينكحني بعد اليوم أقسم لك» ولم تكن المحظية ـ التي غرقت بجهلها للفظة jettature ـ تفكر آنذاك إلا ببعلها. وسرعان ما انطلقت كفرس جموح، من المستحيل إيقافها. آنذاك اضطر حوّاس أن ينهي تصريف الأفعال بقبلة طبعها على شفتي محظيته لإسكاتها.
هو التكرار عينه، فغالباً ما كانت المحظية تستعيد بمنتهى البلاهة الكلمة التي يهمس بها حوّاس. تلك الألعاب الصبيانية جعلت حوّاس يخرج منها بقاعدة ذهبية تقول: «إن المرأة العاشقة تتحول في السرير إلى ببغاء ناطقة» أي فحل، هذا الذي يظن أن قدرته الجنسية هي التي تجعل محظياته يرددن كلماته. ألم يكن ليلحظ أنه من الطبيعي أن المرأة العاشقة تتوافق وموضوع عشقها. وبالمقابل فإن العشاق من الفحول يتمرغون تحت أقدام معشوقاتهم.
حوّاس كان يتمتع كفحل، ويستحضر أسطورة الرجل الخارق، الذي يجامع كما تجامع الحيوانات. فجدّه الذي بنى بنساء تسع، هو من رسخ في ذهنه أنه إذا شاء أن تهادنه محظيته، فعليه بإرضائها. «فالنساء العصبيات، والمتوترات لا يضاجعن غير الوسائد» كما يقول الجد. فحوّاس طفلاً، لم يكن يدري لماذا تضاجع النساء الوسائد بدل الأزواج. وعندما كبر حوّاس فهم معنى السؤال.
ما إن انتهى من حلق ذقنه حتى وضع معجوناً مرطباً على وجنتيه المتأجـجتين، اللتين راح يمسدهما برفق. وغمره شعور بالراحة، عارم. وتنهد بعمق. فحوّاس يجب أن يعتني بنفسه. فالعناية الصحية تختصر بعبارة واحدة: «لو لم أكن لأعتني بنفسي، فلا أحد سيعتني بي!!» فهو لم يكن ليبتاع الضروريات كيفما كان.
المعجون المرطب لما بعد الحلاقة، العطر، شفرات الموسى، كلها من الماركات الأصلية والمسجلة، الباهظة الثمن. هذا هو ترفه الباذخ لأنه يتمسك برفاهيته. لا شيء يقزز حوّاس، كتقززه ممن لا ذوق لهم. له طراز خاص به، مستعد لأن ينفق كل شيء في سبيل المحافظة عليه. كل شيء عَدَا قاموسه.
فعند حوّاس المستوحد الصافي الذهن، وعند عاشق الجمال بكل تجلياته، فإن من لا يحترم نفسه، لا بد له أن يعجز عن احترام غيره من الآخرين. يجب أن يحب الواحد نفسه حتى يصير قادراً على الحب. ولكن هل كان حوّاس ليحب نفسه؟ غالباً ما كان يرى وهو يدلل نفسه، وغالباً ما كان يقال: قد جن بنفسه وحسب.
ذاك المغرور البارد والهوائي الطباع، لم يكن إلا لينطوي على سرته، وهو ما كان يرفض أن ينعت به: فهو إذا انحاز للنوعية، فلأنه يكره السوقية والرداءة، وهو إذا أحب الجمال فلأنه يكره البشاعة، ولو اختار الأفضل لنفسه، فليقينه أن له حياة واحدة يعيشها ويتذوقها. يرى نفسه مولعاً بالجمال، ممحصاً باللغة التي يريدها صافية خالية من كل شائبة، باحثاً أبداً عن الأشياء الأصلية.
كان أمام المرآة غارقاً في أحلامه عندما فاجأه صوت مغناج: «أيها الرجل الغريب الأطوار!! كنت من قبل تخشى المرآة وتخافها، أما اليوم فأنت لا تتخلى عنها. نرسيس! عليك بالحلاقة!!» كأن نرسيس يعود ثانية. استدار ببطء كمثل العزيز مارتشلو وتمتم بعفوية: «إنك نرسيس بعينه». ما إن تلفظ بهذه الجملة حتى ندم عليها. كان يعلم أن المضحك، هو تلك المرأة المنبطحة فوق سريره بصدرها العاري وغنج فتاة عذراء. لم يشعر بالإحباط حين قالت: «لولا بطنك المتدلي ونفسك المتقطع لكنت جميلاً كممثل، اقترب أيها الأرنب المغناج، اقترب بسرعة». وضحك من الأرنب المغناج «فإني لو كنت أرنباً فلن تكون هي غير مهرة للنكاح». وتظاهر بأنه لم يفهم التلميحات المستترة التي كانا يتبادلانها منذ دقائق. وراح يقول في نفسه: «يجب أن أكون سباقاً ماهراً لأحافظ على مسافة ثابتة بيني وبين هذه المرأة. أراهن أنه قد مرَّ عليها شهر ولم يمسسها بعلها». وابتسم حوّاس لكلمة زيارة، وتذكر أنها من المفردات الكلاسيكية في اللغة الفرنسية. ثم أقر حوّاس بما لقواميسه من أفضال عليه، ذلك العهد القديم من القواميس التي كانت بمتناول يديه، بأحجامها الأربعة الضخمة التي تنتصب كطاولة بالقرب من سريره. كان حوّاس يقبل قواميسه اعترافاً بالجميل. أن يكون القاموس بالقرب منه، يعني أن يستأنس برفيق مثقف، صامت، أمين وخفيف الظلّ. فحوّاس الذي يؤثر الوحدة، يخشى أن يكون مزعجـاً أو مزعوجاً.
فعنده، تقوم الصداقة عن بعد، ومن حين لحين، ولو كانت هناك رغبة في اللقاء، فإنه يخشى أن تتحول إلى حال من الاستعباد.
وعنده أن القواميس تفي بكل شروط الصداقة وأكثر. فهو غالباً ما يُسأل: «من أفضل أصدقائك؟» وغالباً ما يجيب بصرامة وجدية: قاموسي الليتريه!!» تسع مرات على عشر، يرى فيها المخاطب جنون حوّاس الذي يحسب أن القاموس يقوم مقام كائن حي. وكم تمنت محظية من محظيات حوّاس أن تلتقي صديقه: «لا بد أنه صديق معجز، ذلك الذي تتحدث عنه بمنتهى اللذة!!» ولما أجاب حوّاس قال لها: «أنت من يمنحني اللذة، أما هو فيمنحني صداقته». وكأن حوّاس تعمد إهانة محظيته. فهو لم يشأ أن يكون القاموس غزوة من غزواته، بل رابطاً من الروابط المحببة إلى قلبه وعقله. فعنده، أن الجمادات ومثلها جـثث الأموات لو كان لها أن تبث رسائلها الموحية، لكانت صديقة أكثر حيوية من الأحياء.
فهو لم يتخيل قط أنّه بمغالطته لمعارفه، يمكنه أن يندرج في خانة السخرية المتعالية.
فمن لذاته، وهو ينتظر يُغْرِق انتظاره إحدى محظياته وما فيه من قلة الاصطبار بالعودة إلى قواميسه. في كل عودة نشوة من النشوات، وكأنه يعود بالثقافة إلى بداياتها التي سيعيدها، على مسامع من ستقاسمه مضجعه.
وكان على محظية حوّاس المختارة أن تنتشي بعبقريته، وتسأله بلطف: «لو كان لك أن تختار، فأيّنا تختار؟» اختار هذه!! هذا ما كان يردده وهو يعانق محظيته ويلامس تضاريسها الأكثر اهتزازاً من قواميسه. فهو في الصباح وقبل أن تصل سميرة وقع على كلمة عتيقة أسقطت من الاستعمال، فحسب أن نظرته ستعقبها ألف حسرة، وأن محظيته ستقع في شباك نظرة هي القدر وأعظم» على ما تشير إليه القواميس. وكان في تلك اللفظة ما في جملة تامة من رنين. وكان حوّاس يختبر كل الألفاظ التي أسقطت من التعبير، وهو في السرير يضاجع محظياته. لذا كان يزعم أنه رائد من رواد اللغة الفرنسية، وخادم أمين من خدامها السالفين.
وقد كان حوّاس في خضم مضاجعاته اللاهبة، وبين بوح وبوح، يأتي بكشوفاته اللغوية، بغير حسيب أو رقيب.
ولما كانت محظيته في ذروة العناق، تلفظ حوّاس بكشفه اللغوي، وأضاف قائلاً: جئتك بـ jettature ساخراً مني ومن الفرنسية القديمة. وسرعان ما زعقت المحظية وقالت: «أنا أيضاً أحب أن تنكحني، وأقسم لك. إني أقسم بأن أنكحك، تنكحني وأنكحك فهو لن ينكحني بعد اليوم أقسم لك» ولم تكن المحظية ـ التي غرقت بجهلها للفظة jettature ـ تفكر آنذاك إلا ببعلها. وسرعان ما انطلقت كفرس جموح، من المستحيل إيقافها. آنذاك اضطر حوّاس أن ينهي تصريف الأفعال بقبلة طبعها على شفتي محظيته لإسكاتها.
هو التكرار عينه، فغالباً ما كانت المحظية تستعيد بمنتهى البلاهة الكلمة التي يهمس بها حوّاس. تلك الألعاب الصبيانية جعلت حوّاس يخرج منها بقاعدة ذهبية تقول: «إن المرأة العاشقة تتحول في السرير إلى ببغاء ناطقة» أي فحل، هذا الذي يظن أن قدرته الجنسية هي التي تجعل محظياته يرددن كلماته. ألم يكن ليلحظ أنه من الطبيعي أن المرأة العاشقة تتوافق وموضوع عشقها. وبالمقابل فإن العشاق من الفحول يتمرغون تحت أقدام معشوقاتهم.
حوّاس كان يتمتع كفحل، ويستحضر أسطورة الرجل الخارق، الذي يجامع كما تجامع الحيوانات. فجدّه الذي بنى بنساء تسع، هو من رسخ في ذهنه أنه إذا شاء أن تهادنه محظيته، فعليه بإرضائها. «فالنساء العصبيات، والمتوترات لا يضاجعن غير الوسائد» كما يقول الجد. فحوّاس طفلاً، لم يكن يدري لماذا تضاجع النساء الوسائد بدل الأزواج. وعندما كبر حوّاس فهم معنى السؤال.
ما إن انتهى من حلق ذقنه حتى وضع معجوناً مرطباً على وجنتيه المتأجـجتين، اللتين راح يمسدهما برفق. وغمره شعور بالراحة، عارم. وتنهد بعمق. فحوّاس يجب أن يعتني بنفسه. فالعناية الصحية تختصر بعبارة واحدة: «لو لم أكن لأعتني بنفسي، فلا أحد سيعتني بي!!» فهو لم يكن ليبتاع الضروريات كيفما كان.
المعجون المرطب لما بعد الحلاقة، العطر، شفرات الموسى، كلها من الماركات الأصلية والمسجلة، الباهظة الثمن. هذا هو ترفه الباذخ لأنه يتمسك برفاهيته. لا شيء يقزز حوّاس، كتقززه ممن لا ذوق لهم. له طراز خاص به، مستعد لأن ينفق كل شيء في سبيل المحافظة عليه. كل شيء عَدَا قاموسه.
فعند حوّاس المستوحد الصافي الذهن، وعند عاشق الجمال بكل تجلياته، فإن من لا يحترم نفسه، لا بد له أن يعجز عن احترام غيره من الآخرين. يجب أن يحب الواحد نفسه حتى يصير قادراً على الحب. ولكن هل كان حوّاس ليحب نفسه؟ غالباً ما كان يرى وهو يدلل نفسه، وغالباً ما كان يقال: قد جن بنفسه وحسب.
ذاك المغرور البارد والهوائي الطباع، لم يكن إلا لينطوي على سرته، وهو ما كان يرفض أن ينعت به: فهو إذا انحاز للنوعية، فلأنه يكره السوقية والرداءة، وهو إذا أحب الجمال فلأنه يكره البشاعة، ولو اختار الأفضل لنفسه، فليقينه أن له حياة واحدة يعيشها ويتذوقها. يرى نفسه مولعاً بالجمال، ممحصاً باللغة التي يريدها صافية خالية من كل شائبة، باحثاً أبداً عن الأشياء الأصلية.
صفحة 5
ليس كما يظنه الآخرون، بل إنه كما يود أن يكون. ليس صدفة أن يعلق فوق سريره رسم بول فاليري وبجانبه عبارة بارزة تقول: النفُوس تُعَادل ما تتطلّبه. أما أنا فاعادل ما أُريد». فهو يجد ما يعبر عنه في تلك الحكمة المأثورة: أن يكون ما يريد أن يكونه. لطيف مع البعض، فظ بعد دقائق مع الواحد نفسه أو مع آخرين، بشع، وجميل، ظريف، وثقيل الظل.. فالأمر يتعلق بمزاجه وبالمخاطب الذي يقف قبالَته. وسرعان ما عرفت محظياته، إنه لا جدوى من مُحاولة فهمه. لذا كانت حواء تقول: «يجدك الواحد قبل أن يبحث عنك». وتذكر أنه قفز قبل أن تنهي عبارتها، وقال: «أما أنت، فلو بحث الواحد عنك، فإنه لن يجدك». وعلقت زوجته بالقول: «هذا هو أنت، تقر دائماً بصواب آرائي: تنظر إلى نفسك، وتصغي إليها، تنفجر قبل أن تشتعل». وها حوّاس يقر في نفسه بأن زوجته لم تخطىء في تحديد شخصيته. فهو كقارىء وفيّ التحكّم في النفس، الشرط الأساس لحياة سعيدة، يعترف أنه كان التلميذ المشاغب من بعض وجه. «فليسامحني كل من سينيك، وإبيكتيت، ومارك أوريل». هذا ما كان يقوله كلما استسلم لمزاجه وانفعالاته. وفوق هؤلاء جميعاً، كان حوّاس يرى في النبي محمد النموذج الأرقى لضبط النفس، وما يميزها من الإنسانية الأكثر كمالاً. فهو إذ لم يكن يبتهل للنبي بقدر ما يبتهل الآخرون له، فلأنه لم يكن يرى ضرورة أن يستحضر الكبير في تفاهات الحياة اليومية.
ينتزع وجهه من المرآة بكل أسف، ثم يتقدم نحو سميرة التي تبتسم أمام بطنه البارز الذي لم يتمكن القميص من ستره، ثم تنفجر ضاحكة بعد النظر إلى البيجاما التي قصر أحد ساقيها، وطال الآخر منها. هذا الهزل لم يكن ليخطئه حوّاس. فكل اللواتي يقاسمنه مضجعه، كن ينفجرن بالضحك بعد اكتشاف ساقي البيجاما. إنه المشهد الذي يمتع به عاشقاته. وكان حوّاس يزعم أن مضجعه لا بد يختلف عن مضاجع الرجال الآخرين المُمِلّين قليلي الإبداع وعديمي الخيال. فهو وحده له من الأساليب ما يميزه، ويترك أثره في أرواح عاشقاته. أين لهن أن يقعن على من يمتعهن، ويضحكهن معاً. فهن بالمقابل يغمرنه بكثير من الدفء واللذات والحبور. فالزوج بعد تأدية واجبه الزوجي، يدير ظهره ويترك لشخيره أن يملأ المضجع، أما حوّاس، فيُضْحِكُهُنّ حتى يكدن يَمُتن إذ تُعتبر تلك طريقته للخروج منتصراً من تلك المبارزة ولو عن بعد، المبارزة التي ينازل فيها الزوج ليعلن انتصاره عليه.
«توقف! توقف! فأنا أكاد أنفجر» هذا ما قالته سميرة ضاحكة بعد أن رأت حوّاس يخرج من الحمام ليلبس ؟ندورة واسعة بيضاء اللون، كانت معلقة وراء الباب. «أتريد الآن أن تؤدي دور الإمام؟؟ إن هذا لفظيع!!» وقد جعل الضحك سميرة تنثني، وكأنها ثنيتان. وصارت كأنها وسادة بطياتها وغضون بشرتها البيضاء. غير أن تغضن بشرة سميرة التي جعلها تتقوقع كما الجنين، لم يكن إلا ليظهرها كامرأة في الأربعين، هي التي لم تكن قد تجاوزت الثلاثين من عمرها. فسرعان ما بدت سميرة امرأة مترهلة، تتآكل نسيجها الخلوي التهابات قبيحة، تدل على حاجتها إلى الرياضة والتدليك. فالأمومة والحمل شوَّها جسدها، وغياب الرياضة قضى على بقايا جمالها. وهي لا تعي ما تعانيه، ولا تهتم بما ترهل فيها أو تشوه. في ذلك الجو من الحبور، كانت سميرة تتصرف بمنتهى الوقاحة، وكأنها نسيت أنه بعد التقاء عاشقين، وحدها المرأة ذات الجسد الساحر والمتناسق، هي التي لا تترك وراءها شعوراً بالخيبة ممزوجاً بالغضب. فتلك لوحدها بإمكانها أن تثير شهوة الرجل وتشبع حاجته، أما الأُخْريات فتظهرن له عيوبهن وعوراتهن، فالشبق المتأجج يعمي البصر ويقتل صفاء الذهن، ولا يشفى إلا بعد انطفاء جذوته. فالملكية في الحب هي بداية التخلي عن الحب.
أما سميرة فلم تلاحظ أن عشيقها لم يجبها، ولم ينظر إليها، وقد كان قد ذهب بعيداً في خيالاته وأحلامه. فهو إذ اقترب من السرير بعينيه المنكسرتي الطرف، بدا وكأنه ينظر إلى أصابع قدميه. أما هي فحسبت أنه آتٍ إليها، فشهقت بشوق وقالت: «إنك نهم لا يشبع!! تعال أيها الأرنب، إقترب، واصعد إلى السرير...» لم يجبها وتجنب أن يلمس يدها الباحثة عن يده، وسرعان ما وقف وسجادة الصلاة في يده، ليمدها في الرواق بعيداً عن محاولات عشيقته الساعية لإغوائه غريزياً وجنسياً.
ولأن شقّة حوّاس كانت ضيقة، صار يشعر وكأن أنفاس سميرة تلفح وجهه. هذا الاختلاط جعله يشعر بالضيق، ولو لم يكن في اليد حيلة بسبب ضيق المكان.
ـ هل تصلي؟ ثم قهقهت قائلة: «وهل كتب عليَّ أن أراك في كل حالاتك؟ وسرعان ما راحت تصفق بيديها حين كان عشيقها فوق سجادة الصلاة». «قل لي يا أنت كيف لك أن تنتقل من العشق إلى الخطيئة...» وسرعان ما انتبهت إلى زلة لسانها فصححتها وقالت: كيف تنتقل من العشق إلى الصلاة؟ وما إن تلفظت بكلمة الصلاة حتى استشعرت حياء مفاجئاً، فأمسكت بشرشف السرير وسترت به صدرها العاري. تنبه حوّاس لحيائها، ولم يغفل حركتها. ثم سرعان ما تغيرت نبرة صوتها وقالت لحوّاس: بصعوبة أرى في حياتي رَجُلاً متناقضاً مثلك.
وإذ نظرت سميرة إلى الرجل الذي يتهيأ للصلاة بمنتهى الجدية، حتى كأن حياته لا تقوم بغيرها، أعاد الرجل عشيقته إلى موقعها: «إمرأة تخون زوجها، وتستمتع بآثامها». سميرة نشأت كمهرة وتربت على احترام زوجها ودينها. فبين ذراعي حوّاس، نسيت سميرة كل شيء، وها هو الرجل نفسه يذكرها بخطيئتها بطريقة غير مباشرة. وإذ تذكرت زوجها الذي أخبرها أنه من المستحب أن يصلي المرء قبل المضاجعة وأن يبتهل للّه قبل المجامعة، أما أن يصلي بعد اقتراف الزنا، فهذا يعد نفاقاً وزندقة. غير أن سميرة لم تتهم مباشرة حوّاس بنفاقه وزندقته. فهي بدل اتهامه، راحت تجد حلّاً لوضعها: فأمسكت بشرشف السرير الذي كان لا يزال دافئاً نتيجة عناقهما الآثم، وسترت به جسدها العاري وصولاً إلى ذقنها. ثم استوت في السرير وراحت ترقب عشيقها، وقد استغرق في صلاته.
وسرعان ما ابتسمت سميرة وقالت في نفسها، لو كان هذا المشهد من فيلم سينمائي لقهقهت ضاحكة ومعي قهقه المشاهدون جميعهم. إن المشهد لأشبه بكوميديا إيطالية تمزج بين المقدّس والنجس. ثم قالت لحوّاس «فيك الكثير من فيتوريو غاسمان ومن مارشيلو ماستروياني». وبدون أن ينظر حوّاس إليها رد قائلاً: «من مارشيلو» وكانت سميرة تحسب آنذاك أن بينها وبين حوّاس ملايين السنين الضوئية. «أيُّ نذل حقير» هو من أعجبت به رجلاً مضللاً وشهوانياً يتربع فوق سجادة الصلاة. أيها النذل الحقير، عبارة رددتها بمنتهى السعادة، لما في النذالة والحقارة من موسيقى الحكم والأقوال المأثورة.
ولما خيَّم الصمت على الغرفة الضيقة، راحت سميرة تصغي إلى حوّاس وهو يتمتم الفاتحة: «بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين. إياك نعبد وإياك نستعين. أهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين».
وقد سحرت سميرة بذلك الصوت الهامس الخفيض الذي كان يشبه صوت الممثل المصري محمود ياسين. ثم بدأت ترتجف، إذ أحست كأن تلك الآيات القرآنية كانت تتوجه لها. فهي من المغضوب عليهم ومن الضالين. إذ ذاك قررت أن تكون النعامة التي تدفن رأسها في الرمل، فسدت أذنيها، والتفت كلها بشرشف السرير. فلم تعد ترى ولم تعد تسمع. فهي ولو عجزت عن محو تلك الحقيقة التي تناديها وتقض مضجعها، قررت أن تسترها وتخفيها، ثم راحت تراهن على الزمن وتحولاته. فالصلاة لن تدوم إلى الأبد، وحوّاس سيعود رجلها ببطنه المتهدل، وساقيه النحيلتين الذي يضحكها بعيداً عن جفوة صرامته وجدية صلاته. فلو تطلب الأمر منها دفع ثمن الأوقات السعيدة التي تسرقها للحياة، ببعض الإحساس بالإثم، لقبلت ذلك. فهي بكل بساطة امرأة عاشقة شغوفة بعشيقها. هو التباس العاشق الذي جعل العاشقة أكثر شغفاً وتعلقاً بمعشوقها. فلا شيء يَشُدُّ المرأة مثل الرجُل اللغز. وهذا ما اكتشفته سميرة من سر حوّاس. فالرجل المجنون الذي يخاطب المرآة والمُضحك الذي ينسيها حزن الأيام الرتيبة والمملة ليس هو الرجل الإبيقوري، والشهواني، والغريب الأطوار. «إنه رجل معقد التركيب كمثل جميع الناس. فزوجي يرى فيَّ قديسة، وحوّاس يرى فيَّ ربّما عاهرة، فكأن الواحد والآخر يرى وجهاً واحداً من وجوهي. الوجه الذي يقابله ويجلس إليه» هذا ما قالته سميرة وهي تتنهد بعمق.
عندما انتزعت سميرة أصابعها من أذنيها، سمعت ما يشبه زمجرة خافتة في ابتهالات حوّاس وتراتيله. واجتاحت الزمجرة الخافتة الغرفة الضيقة، وتملكت سميرة ومشاعرها بحيث لم تعد تصغي لسواها.
حسبت سميرة في البدء أن تلك الزمجرة الخافتة كانت زلزالاً، ولما أيقنت أن لا شيء كان ليهتز كمثل السرير، والخزانة التي بجانبها، أخذتها الحيرة، وشعرت بخوف عظيم عجزت عن تفسيره، وكان خوفها كخوف حيوان وقع في الفَخّ، أو كالخوف من المجهول. وراحت سميرة ترتجف. ثم ألقت نظرها على معشوقها فرأت: إنه السكينة بعينها. ربما لم يسمع ما سمعته، ولكن أيعقل هذا؟ فلو استمرت هذه الزمجرة الخافتة، لانفجرت طبلتا أذنيها. إحفظنا يا رَبّ، «قالتها سميرة كمن يخاطب نفسه. ولما ابتهلت سميرة لله، تذكرت عريها، وخجلت من ابتهالها عارية. ليته يغفر لي هذه الإهانة. أليس هو الغفور الرحيم؟».
وما إن استغاثت سميرة بالله، حتى نسيت كل ما كان يجري حولها. تمسكت سميرة بإل~هه، كما يتمسك بحار تجتاح المياه سفينته من كل جانب، فيجد في متناول يده كمثل عوامة إل~هية، تخلصه من غرق محتوم.
ولما صارت الزمجرة الخافتة أكثر وضوحاً، وأقرب إلى أن تصم الآذان أيقنت سميرة أنها آتية من النافذة. أرادت أن تنهض من السرير بكل عريها، حتى رأت الرجل الذي كان بكل سكينة راكعاً على سجادة الصلاة. إذ ذاك التفت المرأة بالشرشف وركضت إلى النافذة، وهمها أن تبتعد عن حوّاس وألَّا تقطع عليه الشهادة في نهاية صلاته.
ينتزع وجهه من المرآة بكل أسف، ثم يتقدم نحو سميرة التي تبتسم أمام بطنه البارز الذي لم يتمكن القميص من ستره، ثم تنفجر ضاحكة بعد النظر إلى البيجاما التي قصر أحد ساقيها، وطال الآخر منها. هذا الهزل لم يكن ليخطئه حوّاس. فكل اللواتي يقاسمنه مضجعه، كن ينفجرن بالضحك بعد اكتشاف ساقي البيجاما. إنه المشهد الذي يمتع به عاشقاته. وكان حوّاس يزعم أن مضجعه لا بد يختلف عن مضاجع الرجال الآخرين المُمِلّين قليلي الإبداع وعديمي الخيال. فهو وحده له من الأساليب ما يميزه، ويترك أثره في أرواح عاشقاته. أين لهن أن يقعن على من يمتعهن، ويضحكهن معاً. فهن بالمقابل يغمرنه بكثير من الدفء واللذات والحبور. فالزوج بعد تأدية واجبه الزوجي، يدير ظهره ويترك لشخيره أن يملأ المضجع، أما حوّاس، فيُضْحِكُهُنّ حتى يكدن يَمُتن إذ تُعتبر تلك طريقته للخروج منتصراً من تلك المبارزة ولو عن بعد، المبارزة التي ينازل فيها الزوج ليعلن انتصاره عليه.
«توقف! توقف! فأنا أكاد أنفجر» هذا ما قالته سميرة ضاحكة بعد أن رأت حوّاس يخرج من الحمام ليلبس ؟ندورة واسعة بيضاء اللون، كانت معلقة وراء الباب. «أتريد الآن أن تؤدي دور الإمام؟؟ إن هذا لفظيع!!» وقد جعل الضحك سميرة تنثني، وكأنها ثنيتان. وصارت كأنها وسادة بطياتها وغضون بشرتها البيضاء. غير أن تغضن بشرة سميرة التي جعلها تتقوقع كما الجنين، لم يكن إلا ليظهرها كامرأة في الأربعين، هي التي لم تكن قد تجاوزت الثلاثين من عمرها. فسرعان ما بدت سميرة امرأة مترهلة، تتآكل نسيجها الخلوي التهابات قبيحة، تدل على حاجتها إلى الرياضة والتدليك. فالأمومة والحمل شوَّها جسدها، وغياب الرياضة قضى على بقايا جمالها. وهي لا تعي ما تعانيه، ولا تهتم بما ترهل فيها أو تشوه. في ذلك الجو من الحبور، كانت سميرة تتصرف بمنتهى الوقاحة، وكأنها نسيت أنه بعد التقاء عاشقين، وحدها المرأة ذات الجسد الساحر والمتناسق، هي التي لا تترك وراءها شعوراً بالخيبة ممزوجاً بالغضب. فتلك لوحدها بإمكانها أن تثير شهوة الرجل وتشبع حاجته، أما الأُخْريات فتظهرن له عيوبهن وعوراتهن، فالشبق المتأجج يعمي البصر ويقتل صفاء الذهن، ولا يشفى إلا بعد انطفاء جذوته. فالملكية في الحب هي بداية التخلي عن الحب.
أما سميرة فلم تلاحظ أن عشيقها لم يجبها، ولم ينظر إليها، وقد كان قد ذهب بعيداً في خيالاته وأحلامه. فهو إذ اقترب من السرير بعينيه المنكسرتي الطرف، بدا وكأنه ينظر إلى أصابع قدميه. أما هي فحسبت أنه آتٍ إليها، فشهقت بشوق وقالت: «إنك نهم لا يشبع!! تعال أيها الأرنب، إقترب، واصعد إلى السرير...» لم يجبها وتجنب أن يلمس يدها الباحثة عن يده، وسرعان ما وقف وسجادة الصلاة في يده، ليمدها في الرواق بعيداً عن محاولات عشيقته الساعية لإغوائه غريزياً وجنسياً.
ولأن شقّة حوّاس كانت ضيقة، صار يشعر وكأن أنفاس سميرة تلفح وجهه. هذا الاختلاط جعله يشعر بالضيق، ولو لم يكن في اليد حيلة بسبب ضيق المكان.
ـ هل تصلي؟ ثم قهقهت قائلة: «وهل كتب عليَّ أن أراك في كل حالاتك؟ وسرعان ما راحت تصفق بيديها حين كان عشيقها فوق سجادة الصلاة». «قل لي يا أنت كيف لك أن تنتقل من العشق إلى الخطيئة...» وسرعان ما انتبهت إلى زلة لسانها فصححتها وقالت: كيف تنتقل من العشق إلى الصلاة؟ وما إن تلفظت بكلمة الصلاة حتى استشعرت حياء مفاجئاً، فأمسكت بشرشف السرير وسترت به صدرها العاري. تنبه حوّاس لحيائها، ولم يغفل حركتها. ثم سرعان ما تغيرت نبرة صوتها وقالت لحوّاس: بصعوبة أرى في حياتي رَجُلاً متناقضاً مثلك.
وإذ نظرت سميرة إلى الرجل الذي يتهيأ للصلاة بمنتهى الجدية، حتى كأن حياته لا تقوم بغيرها، أعاد الرجل عشيقته إلى موقعها: «إمرأة تخون زوجها، وتستمتع بآثامها». سميرة نشأت كمهرة وتربت على احترام زوجها ودينها. فبين ذراعي حوّاس، نسيت سميرة كل شيء، وها هو الرجل نفسه يذكرها بخطيئتها بطريقة غير مباشرة. وإذ تذكرت زوجها الذي أخبرها أنه من المستحب أن يصلي المرء قبل المضاجعة وأن يبتهل للّه قبل المجامعة، أما أن يصلي بعد اقتراف الزنا، فهذا يعد نفاقاً وزندقة. غير أن سميرة لم تتهم مباشرة حوّاس بنفاقه وزندقته. فهي بدل اتهامه، راحت تجد حلّاً لوضعها: فأمسكت بشرشف السرير الذي كان لا يزال دافئاً نتيجة عناقهما الآثم، وسترت به جسدها العاري وصولاً إلى ذقنها. ثم استوت في السرير وراحت ترقب عشيقها، وقد استغرق في صلاته.
وسرعان ما ابتسمت سميرة وقالت في نفسها، لو كان هذا المشهد من فيلم سينمائي لقهقهت ضاحكة ومعي قهقه المشاهدون جميعهم. إن المشهد لأشبه بكوميديا إيطالية تمزج بين المقدّس والنجس. ثم قالت لحوّاس «فيك الكثير من فيتوريو غاسمان ومن مارشيلو ماستروياني». وبدون أن ينظر حوّاس إليها رد قائلاً: «من مارشيلو» وكانت سميرة تحسب آنذاك أن بينها وبين حوّاس ملايين السنين الضوئية. «أيُّ نذل حقير» هو من أعجبت به رجلاً مضللاً وشهوانياً يتربع فوق سجادة الصلاة. أيها النذل الحقير، عبارة رددتها بمنتهى السعادة، لما في النذالة والحقارة من موسيقى الحكم والأقوال المأثورة.
ولما خيَّم الصمت على الغرفة الضيقة، راحت سميرة تصغي إلى حوّاس وهو يتمتم الفاتحة: «بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين. إياك نعبد وإياك نستعين. أهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين».
وقد سحرت سميرة بذلك الصوت الهامس الخفيض الذي كان يشبه صوت الممثل المصري محمود ياسين. ثم بدأت ترتجف، إذ أحست كأن تلك الآيات القرآنية كانت تتوجه لها. فهي من المغضوب عليهم ومن الضالين. إذ ذاك قررت أن تكون النعامة التي تدفن رأسها في الرمل، فسدت أذنيها، والتفت كلها بشرشف السرير. فلم تعد ترى ولم تعد تسمع. فهي ولو عجزت عن محو تلك الحقيقة التي تناديها وتقض مضجعها، قررت أن تسترها وتخفيها، ثم راحت تراهن على الزمن وتحولاته. فالصلاة لن تدوم إلى الأبد، وحوّاس سيعود رجلها ببطنه المتهدل، وساقيه النحيلتين الذي يضحكها بعيداً عن جفوة صرامته وجدية صلاته. فلو تطلب الأمر منها دفع ثمن الأوقات السعيدة التي تسرقها للحياة، ببعض الإحساس بالإثم، لقبلت ذلك. فهي بكل بساطة امرأة عاشقة شغوفة بعشيقها. هو التباس العاشق الذي جعل العاشقة أكثر شغفاً وتعلقاً بمعشوقها. فلا شيء يَشُدُّ المرأة مثل الرجُل اللغز. وهذا ما اكتشفته سميرة من سر حوّاس. فالرجل المجنون الذي يخاطب المرآة والمُضحك الذي ينسيها حزن الأيام الرتيبة والمملة ليس هو الرجل الإبيقوري، والشهواني، والغريب الأطوار. «إنه رجل معقد التركيب كمثل جميع الناس. فزوجي يرى فيَّ قديسة، وحوّاس يرى فيَّ ربّما عاهرة، فكأن الواحد والآخر يرى وجهاً واحداً من وجوهي. الوجه الذي يقابله ويجلس إليه» هذا ما قالته سميرة وهي تتنهد بعمق.
عندما انتزعت سميرة أصابعها من أذنيها، سمعت ما يشبه زمجرة خافتة في ابتهالات حوّاس وتراتيله. واجتاحت الزمجرة الخافتة الغرفة الضيقة، وتملكت سميرة ومشاعرها بحيث لم تعد تصغي لسواها.
حسبت سميرة في البدء أن تلك الزمجرة الخافتة كانت زلزالاً، ولما أيقنت أن لا شيء كان ليهتز كمثل السرير، والخزانة التي بجانبها، أخذتها الحيرة، وشعرت بخوف عظيم عجزت عن تفسيره، وكان خوفها كخوف حيوان وقع في الفَخّ، أو كالخوف من المجهول. وراحت سميرة ترتجف. ثم ألقت نظرها على معشوقها فرأت: إنه السكينة بعينها. ربما لم يسمع ما سمعته، ولكن أيعقل هذا؟ فلو استمرت هذه الزمجرة الخافتة، لانفجرت طبلتا أذنيها. إحفظنا يا رَبّ، «قالتها سميرة كمن يخاطب نفسه. ولما ابتهلت سميرة لله، تذكرت عريها، وخجلت من ابتهالها عارية. ليته يغفر لي هذه الإهانة. أليس هو الغفور الرحيم؟».
وما إن استغاثت سميرة بالله، حتى نسيت كل ما كان يجري حولها. تمسكت سميرة بإل~هه، كما يتمسك بحار تجتاح المياه سفينته من كل جانب، فيجد في متناول يده كمثل عوامة إل~هية، تخلصه من غرق محتوم.
ولما صارت الزمجرة الخافتة أكثر وضوحاً، وأقرب إلى أن تصم الآذان أيقنت سميرة أنها آتية من النافذة. أرادت أن تنهض من السرير بكل عريها، حتى رأت الرجل الذي كان بكل سكينة راكعاً على سجادة الصلاة. إذ ذاك التفت المرأة بالشرشف وركضت إلى النافذة، وهمها أن تبتعد عن حوّاس وألَّا تقطع عليه الشهادة في نهاية صلاته.
صفحة 6
أدهش سميرة السيل البشري الذي كان في شارع الاستقلال. الرجال بالقمصان تتبعهم النساء بالجلابيب التي تغطي الجسد كله، والنقاب الذي يخفي الوجه، والكل يجوِّد: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله، عليها نحيا وعليها نموت».
راحت سميرة ترتجف من الخوف أمام ذلك السيل البشري، المثلث الألوان: الأسود، والرمادي، والأبيض. لم تعد ترى غير غزارة شعر الرجال، وظلالاً هاربة هن النساء. سحرها ذاك الموج الصاخب وفتنها وهو يسيل تحت شرفتها. وسرعان ما انتبهت لسريَّات من العسكر والجنود بالزي العسكري. عندها قالت بذهول: «كيف للجيش أن يخرُج مَعَ الإسلاميين؟؟ هؤلاء المهووسين بالله من حزب الدولة الإسلامية. ما هذا المشهد الذي أعجز عن فهمه. حوّاس.. حوّاس. تعال انظر!!» ولم تنتبه سميرة أنها كانت تنادي عشيقها بصوت مرتفع، بعد أن كان نصحها العشيق بعدم رفع صوتها خشية أن يتناهى الصوت إلى الجيران في الطابق السُّفْلي، حيث الكل مُلْتَحٍ، وحيث كل النساء محجبات فمرحبا بالمشاكل! وتذكرت سميرة أن حوّاس كان أخبرها عن تحولات تلك العائلة المفاجئة، التي كان يتقاتل أهلها ليلاً ونهاراً مما كان يضطره في الأيام الأولى، أن يقرع بابهم مرات عديدة. ففي كل مرة، كان الوجه وجه ذكر دميم ينصحه قائلاً «لو كنت تبحث عن الراحة والهدوء، عليك أن تسكن فيللا». غير أن حوّاس لم تكن لديه القدرة المادية ليكون له مسكن خاص، أو للعيش في آخر يكون أكثر اتساعاً من مسكنه الصغير والضيق، لذا لم يكن حوّاس ليأخذ بالنصيحة الوجيهة التي يرددها جاره المزعج بصخبه وضجيجه. ولكن، وبعد قيام حزب الأمة الإسلامية، الذي يطلق عليه شباب الجزائر وما يسمى بال «بي بي». صمت جيران حوّاس صمت الأشباح وأكثر. في البداية ظن حوّاس، أن جيرانه قَد رَحَلُوا إلى حي آخر، حتى كان اليوم الذي التقى العائلة بكل أفرادها: الفتاتين، والأم بجلبابها ونقابها، والأب والأخ بقميصه ولحيته المرخية. وقد أوشك حوّاس أن يشكر حزب الأمة الإسلامية على هذا التحول: فالسكير العنيف صار مُسَالِماً صامتاً، يا له من جار أنيس، ويا لها من معجزة. غير أن تلك المعجزة كان لها حدودها: فالسكير كان يسمح لنفسه أن يغمز بعينيه عشيقات حوّاس اللواتي يصادفهن في سلم المبنى، وهو محظور لم يكن ليسمح به الإسلامي. من هنا جاءت وصايا حوّاس التي تلزم عشيقاته بالكتمان والسرية، وهي الوصايا التي علقها في غرفته وراء الباب.
الوصية الأولى: لا تحدثي جلبة وأنت تصعدين السلم.
الوصية الثانية: لو صادفت أحداً في الطابق الذي أسكنه، فتظاهري بأنك تقصدين الطابق الذي بعده. وبعد ذهابه، تنزلين لعندي.
الوصية الثالثة: لو سألك أحدهم من تقصدين، أجيبي أنك تبحثين عن عائلة غريل الجار البلجيكي الذي يسكن في الطابق الرابع.
الوصية الرابعة: لا ترفعي صوتك داخل المنزل.
الوصية الخامسة: لا تصرخي وأنت في ذروة متعتك (أعرف أن هذا ليس بالأمر السهل، ولكن يمكن معالجته لو كم الواحد فمه بوسادة من الوسادات).
سمع حوّاس نداء سميرة، ولكنه لم يتحرك. كان يعرف أن هناك مظاهرة لحزب الأمة الإسلامية، غير أن الذين أرهبوا سميرة لم يكونوا من العسكريين، بل من المحاربين القُدامى في أفغانستان.
وبعد أن ابتهل لله، استدار حوّاس نحو عشيقته وقد انحنت فوق الشرفة. وكان الشرشف الذي التفت به يبرز تقاسيمها الناتئة. فإن حوّاس ولو شبع، كان يشتهي أن يعضّها. وقد لاحظ أن سميرة الملتفة بشرشف السرير هي هكذا أكثر إثارة من سميرة العارية. ثم عاهد نفسه أنه حين يلقاها في مرة قادمة، سيجعلها تنسل عارية تحت شرشف السرير، وهي تتنقّل في الغرفة. فهو من الذين لا يحرك العري شهواتهم، وبخاصة لو لم يكن في العري جمال وقّاد وفتّان، إذ ذاك يثير المستور والغامض شهواته وغرائزه، فيجذبه ويذهب به. فهو عندما كان في السادسة من عمره كان يذهب برفقة أمه إلى الحمام. في المرة الأولى أذهلته تشوهات النساء ومثلها اعوجاجات أجسادهن: ففيها الكثير من الانتفاخات، والكثير من التجعدات، والكثير من التعرجات في الأمام، والوراء، والفوق، والتحت. وهو ما جعله يتمنى أن يطلق ساقيه في الريح ويهرب بجلده. وهو الآن يتذكر ما تمتم به إذ قال: «إنهن جميعاً قبيحات». ولما سمعته أمه، قالت له مبتسمة: «لا بد أن تراهن كلهن قبيحات، وأنت في هذه السن. سيأتي يوم ترى فيه القبيح فتاناً، والفتان قبيحاً». ها قد جاء هذا اليوم، كما قال حوّاس، الذي راح يقفز على كل ما يتحرك ويكره أن يحلم بالأميرات الفاتنات، اللواتي انجذب إليهن في الأمس.
من هلوساته، أن يجامع امرأة، لا أية امرأة، بل واحدة تأتيه بجلباب: وتكون لها عينا غزال، عينان متوقدتان من جمر لا عينا متصوفة كرست نفسها لله. فما يبحث عنه حوّاس ليس امرأة متدينة، بل امرأة تلبس العباءة وتلهو بها متحدية الأعراف والتقاليد. لا قدرة لحوّاس كما دون جوان أو كازانوفا على إغواء امرأة تلتزم بتعاليم دينها حرفيًّا. امرأة كهذه لا تعني له شيئاً. فهو بإزائها يحس بمزيج من التحفظ والاحترام.
وبغير لهفة، جلس حوّاس بالقرب من عشيقته. كانت المظاهرة حاشدة ومؤثرة. لم ينتظر أن يرى مئات الآلاف من البشر. لاحظ أن الرجال المرتدين الزيّ العسكري والذين جعلوا سميرة تصرخ كانوا يحملون السيوف وقضبان الحديد، وهذا ما كان ملفتاً للانتباه.
إن الذين أرهبوك هم الأفغانيون. وقد لاحظ حوّاس أن تلك المظاهرة كانت عرضاً من عروض قوتهم. فهو يرى للمرة الأولى الأفغانيين يتسلحون بالسيوف وقضبان الحديد. عليك أن ترتدي ثيابك بسرعة، وتغادري فأنا أُريد أن أراقبهم عن كثب.
وفي أقل من خمس دقائق كان حوّاس وعشيقته على أهبة النزول إلى الشارع، وقد قدر حوّاس لسميرة سرعة ارتدائها لبذلتها الكلاسيكية المحتشمة، وهي تبدو بشعرها القصير، ونظرتها الصارمة كأنها المرأة المحترمة، بل المرأة الأكثر تشنجاً. يكفي أن يراها أحدهم ليقرر، أنها المرأة المنصرفة بشغف لشؤون بيتها وعائلتها. أما في السرير فهي تتحرق لمباهج بعيدة عن البيت والعائلة. يا لها من صفقة.
وتذكر لقاءهما الأول في جناح الفلاح، حيث تلاقت نظراتهما صدفة بالقرب من جناح الفواكه والخضار. فلولا الكتاب الذي كان بيدها لما انتبه إليها حوّاس، أما أن يرى امرأة شابة وبيدها كتاب، فهذا ما لاحظه على الفور ولم يخطئه. فالكتاب لم يكن أيُّما كتاب: سيرة دوستويفسكي، الذي يجن به حوّاس. ولما أشعلت تلك المرأة فضول حوّاس، وشغلته، قرر اللحاق بها وتعقب فريسته. «لو كان بعلها والأولاد في المحيط، لعدلت عن مطاردتها، ولهجمت إذا تيقنت أنها وحيدة» هذا ما قاله حوّاس في نفسه وهو يتذكر مناورة جوليان سوريل ومدام رينال. لحظت المرأة مناورته. ومن ثم نادته بمنتهى الجدية لتسأله: «أيمكنك أن تحدد لي أسعار الطماطم والخيار؟».
وجاء السؤال ليُربك حوّاس ويغيظه، إذ حسبته المرأة أحد بائعي سوق الفلاح، ولكن سرعان ما أسعفه الرد السريع، وأصاب الهدف إذ سأل: «سأحدد لك الأسعار لو قلت لي من أي جناح اشتريت كتابك؟». وما إن ابتسمت حتى اقترب منها. وفي اليوم التالي، كانت بين ذراعيه. وأقسمت له أنها ظنته مدير المتجر، وهو ما أثار حوّاس الذي قال «سترين ما يمكن أن يفعله بِكِ مدير المتجر. وبعد المدير يأتي دور الصحافي». قال هذا ومن ثم قفز فوقها، فتمنعت بلطف، ودحضت ما قاله مأخوذة بوعوده ثم سألت: «وماذا عن الجزار، والتاجر، وناقل البضائع... أين هم جميعهم؟ ولما شعر حوّاس أن طاقته خانته قرر أن يكتفي بالمدير والصحافي والجزار، البقية للمرة القادمة قالها ضاحكاً. فقالت: لا لن أقبل أريد الجميع معاً، الواحد تلو الآخر، ثم ضحكت وقالت، ما اسمك؟ من المضحك أني ضاجعتك قبل أن أعرف ما هو إسمك. وبعد أن قرص انفها تحبباً، كما كان يفعل مع كل عشيقاته قال لها: اسمي حوّاس. ماذا؟ حوّاس، المتسكع؟ من أين جئت بهذا الاسم؟
أما حوّاس الذي بدأ يفقد صبره وهدوءه، فضاق ذرعاً بكثرة أسئلتها التي تقرب من الملاحظات وتشبهها، فهو لا يغيظه شيء بقدر ما تغيظه الملاحظات. وقال بكثير من الامتعاض «إن أخي الأكبر هو من منحني هذا الاسم ولاء منه للعقيد حوّاس».
راحت سميرة ترتجف من الخوف أمام ذلك السيل البشري، المثلث الألوان: الأسود، والرمادي، والأبيض. لم تعد ترى غير غزارة شعر الرجال، وظلالاً هاربة هن النساء. سحرها ذاك الموج الصاخب وفتنها وهو يسيل تحت شرفتها. وسرعان ما انتبهت لسريَّات من العسكر والجنود بالزي العسكري. عندها قالت بذهول: «كيف للجيش أن يخرُج مَعَ الإسلاميين؟؟ هؤلاء المهووسين بالله من حزب الدولة الإسلامية. ما هذا المشهد الذي أعجز عن فهمه. حوّاس.. حوّاس. تعال انظر!!» ولم تنتبه سميرة أنها كانت تنادي عشيقها بصوت مرتفع، بعد أن كان نصحها العشيق بعدم رفع صوتها خشية أن يتناهى الصوت إلى الجيران في الطابق السُّفْلي، حيث الكل مُلْتَحٍ، وحيث كل النساء محجبات فمرحبا بالمشاكل! وتذكرت سميرة أن حوّاس كان أخبرها عن تحولات تلك العائلة المفاجئة، التي كان يتقاتل أهلها ليلاً ونهاراً مما كان يضطره في الأيام الأولى، أن يقرع بابهم مرات عديدة. ففي كل مرة، كان الوجه وجه ذكر دميم ينصحه قائلاً «لو كنت تبحث عن الراحة والهدوء، عليك أن تسكن فيللا». غير أن حوّاس لم تكن لديه القدرة المادية ليكون له مسكن خاص، أو للعيش في آخر يكون أكثر اتساعاً من مسكنه الصغير والضيق، لذا لم يكن حوّاس ليأخذ بالنصيحة الوجيهة التي يرددها جاره المزعج بصخبه وضجيجه. ولكن، وبعد قيام حزب الأمة الإسلامية، الذي يطلق عليه شباب الجزائر وما يسمى بال «بي بي». صمت جيران حوّاس صمت الأشباح وأكثر. في البداية ظن حوّاس، أن جيرانه قَد رَحَلُوا إلى حي آخر، حتى كان اليوم الذي التقى العائلة بكل أفرادها: الفتاتين، والأم بجلبابها ونقابها، والأب والأخ بقميصه ولحيته المرخية. وقد أوشك حوّاس أن يشكر حزب الأمة الإسلامية على هذا التحول: فالسكير العنيف صار مُسَالِماً صامتاً، يا له من جار أنيس، ويا لها من معجزة. غير أن تلك المعجزة كان لها حدودها: فالسكير كان يسمح لنفسه أن يغمز بعينيه عشيقات حوّاس اللواتي يصادفهن في سلم المبنى، وهو محظور لم يكن ليسمح به الإسلامي. من هنا جاءت وصايا حوّاس التي تلزم عشيقاته بالكتمان والسرية، وهي الوصايا التي علقها في غرفته وراء الباب.
الوصية الأولى: لا تحدثي جلبة وأنت تصعدين السلم.
الوصية الثانية: لو صادفت أحداً في الطابق الذي أسكنه، فتظاهري بأنك تقصدين الطابق الذي بعده. وبعد ذهابه، تنزلين لعندي.
الوصية الثالثة: لو سألك أحدهم من تقصدين، أجيبي أنك تبحثين عن عائلة غريل الجار البلجيكي الذي يسكن في الطابق الرابع.
الوصية الرابعة: لا ترفعي صوتك داخل المنزل.
الوصية الخامسة: لا تصرخي وأنت في ذروة متعتك (أعرف أن هذا ليس بالأمر السهل، ولكن يمكن معالجته لو كم الواحد فمه بوسادة من الوسادات).
سمع حوّاس نداء سميرة، ولكنه لم يتحرك. كان يعرف أن هناك مظاهرة لحزب الأمة الإسلامية، غير أن الذين أرهبوا سميرة لم يكونوا من العسكريين، بل من المحاربين القُدامى في أفغانستان.
وبعد أن ابتهل لله، استدار حوّاس نحو عشيقته وقد انحنت فوق الشرفة. وكان الشرشف الذي التفت به يبرز تقاسيمها الناتئة. فإن حوّاس ولو شبع، كان يشتهي أن يعضّها. وقد لاحظ أن سميرة الملتفة بشرشف السرير هي هكذا أكثر إثارة من سميرة العارية. ثم عاهد نفسه أنه حين يلقاها في مرة قادمة، سيجعلها تنسل عارية تحت شرشف السرير، وهي تتنقّل في الغرفة. فهو من الذين لا يحرك العري شهواتهم، وبخاصة لو لم يكن في العري جمال وقّاد وفتّان، إذ ذاك يثير المستور والغامض شهواته وغرائزه، فيجذبه ويذهب به. فهو عندما كان في السادسة من عمره كان يذهب برفقة أمه إلى الحمام. في المرة الأولى أذهلته تشوهات النساء ومثلها اعوجاجات أجسادهن: ففيها الكثير من الانتفاخات، والكثير من التجعدات، والكثير من التعرجات في الأمام، والوراء، والفوق، والتحت. وهو ما جعله يتمنى أن يطلق ساقيه في الريح ويهرب بجلده. وهو الآن يتذكر ما تمتم به إذ قال: «إنهن جميعاً قبيحات». ولما سمعته أمه، قالت له مبتسمة: «لا بد أن تراهن كلهن قبيحات، وأنت في هذه السن. سيأتي يوم ترى فيه القبيح فتاناً، والفتان قبيحاً». ها قد جاء هذا اليوم، كما قال حوّاس، الذي راح يقفز على كل ما يتحرك ويكره أن يحلم بالأميرات الفاتنات، اللواتي انجذب إليهن في الأمس.
من هلوساته، أن يجامع امرأة، لا أية امرأة، بل واحدة تأتيه بجلباب: وتكون لها عينا غزال، عينان متوقدتان من جمر لا عينا متصوفة كرست نفسها لله. فما يبحث عنه حوّاس ليس امرأة متدينة، بل امرأة تلبس العباءة وتلهو بها متحدية الأعراف والتقاليد. لا قدرة لحوّاس كما دون جوان أو كازانوفا على إغواء امرأة تلتزم بتعاليم دينها حرفيًّا. امرأة كهذه لا تعني له شيئاً. فهو بإزائها يحس بمزيج من التحفظ والاحترام.
وبغير لهفة، جلس حوّاس بالقرب من عشيقته. كانت المظاهرة حاشدة ومؤثرة. لم ينتظر أن يرى مئات الآلاف من البشر. لاحظ أن الرجال المرتدين الزيّ العسكري والذين جعلوا سميرة تصرخ كانوا يحملون السيوف وقضبان الحديد، وهذا ما كان ملفتاً للانتباه.
إن الذين أرهبوك هم الأفغانيون. وقد لاحظ حوّاس أن تلك المظاهرة كانت عرضاً من عروض قوتهم. فهو يرى للمرة الأولى الأفغانيين يتسلحون بالسيوف وقضبان الحديد. عليك أن ترتدي ثيابك بسرعة، وتغادري فأنا أُريد أن أراقبهم عن كثب.
وفي أقل من خمس دقائق كان حوّاس وعشيقته على أهبة النزول إلى الشارع، وقد قدر حوّاس لسميرة سرعة ارتدائها لبذلتها الكلاسيكية المحتشمة، وهي تبدو بشعرها القصير، ونظرتها الصارمة كأنها المرأة المحترمة، بل المرأة الأكثر تشنجاً. يكفي أن يراها أحدهم ليقرر، أنها المرأة المنصرفة بشغف لشؤون بيتها وعائلتها. أما في السرير فهي تتحرق لمباهج بعيدة عن البيت والعائلة. يا لها من صفقة.
وتذكر لقاءهما الأول في جناح الفلاح، حيث تلاقت نظراتهما صدفة بالقرب من جناح الفواكه والخضار. فلولا الكتاب الذي كان بيدها لما انتبه إليها حوّاس، أما أن يرى امرأة شابة وبيدها كتاب، فهذا ما لاحظه على الفور ولم يخطئه. فالكتاب لم يكن أيُّما كتاب: سيرة دوستويفسكي، الذي يجن به حوّاس. ولما أشعلت تلك المرأة فضول حوّاس، وشغلته، قرر اللحاق بها وتعقب فريسته. «لو كان بعلها والأولاد في المحيط، لعدلت عن مطاردتها، ولهجمت إذا تيقنت أنها وحيدة» هذا ما قاله حوّاس في نفسه وهو يتذكر مناورة جوليان سوريل ومدام رينال. لحظت المرأة مناورته. ومن ثم نادته بمنتهى الجدية لتسأله: «أيمكنك أن تحدد لي أسعار الطماطم والخيار؟».
وجاء السؤال ليُربك حوّاس ويغيظه، إذ حسبته المرأة أحد بائعي سوق الفلاح، ولكن سرعان ما أسعفه الرد السريع، وأصاب الهدف إذ سأل: «سأحدد لك الأسعار لو قلت لي من أي جناح اشتريت كتابك؟». وما إن ابتسمت حتى اقترب منها. وفي اليوم التالي، كانت بين ذراعيه. وأقسمت له أنها ظنته مدير المتجر، وهو ما أثار حوّاس الذي قال «سترين ما يمكن أن يفعله بِكِ مدير المتجر. وبعد المدير يأتي دور الصحافي». قال هذا ومن ثم قفز فوقها، فتمنعت بلطف، ودحضت ما قاله مأخوذة بوعوده ثم سألت: «وماذا عن الجزار، والتاجر، وناقل البضائع... أين هم جميعهم؟ ولما شعر حوّاس أن طاقته خانته قرر أن يكتفي بالمدير والصحافي والجزار، البقية للمرة القادمة قالها ضاحكاً. فقالت: لا لن أقبل أريد الجميع معاً، الواحد تلو الآخر، ثم ضحكت وقالت، ما اسمك؟ من المضحك أني ضاجعتك قبل أن أعرف ما هو إسمك. وبعد أن قرص انفها تحبباً، كما كان يفعل مع كل عشيقاته قال لها: اسمي حوّاس. ماذا؟ حوّاس، المتسكع؟ من أين جئت بهذا الاسم؟
أما حوّاس الذي بدأ يفقد صبره وهدوءه، فضاق ذرعاً بكثرة أسئلتها التي تقرب من الملاحظات وتشبهها، فهو لا يغيظه شيء بقدر ما تغيظه الملاحظات. وقال بكثير من الامتعاض «إن أخي الأكبر هو من منحني هذا الاسم ولاء منه للعقيد حوّاس».
صفحة 7
ولما كان حوّاس يافعاً حقد على أخيه الذي منحه هذا الاسم غير الشائع. وعندما صار شاباً مُعَاكِساً أعجبته غرابة ذلك الاسم، فصار عنده علامة مميزة للجمال، لها سحر يستغله حوّاس، كلما سألت إحدى المعبودات عنه فيجيب: «إني إذ كنت طفلاً وحيداً، رأت أمي في المنام سيدي بومدين، الذي طلب إليها أن تسميني حوّاس، حوّاس الذي سيفعل أشياء مهمة في حياته، كما تنبأ سيدي بومدين». وهكذا لم يكن حوّاس ليضيع فرصة، يتحدث فيها عن رؤيا أمّه ومنامها، إلى أن يأتيه السؤال: «وما هو الشيء المهم الذي فعلته؟» عندها يقترب حوّاس من محظيته ويهمس في أذنها وكأن بصوت محمود ياسين: «التعرف إليك يا صغيرتي!!» وبعد هذا الرد السريع، تنتهي الإجابات وتتوقف الملاحظات. وحتى لقبه «حوات» (بائع السمك) الذي يعني صائد الحيتان كان له عند حوّاس أشكاله المنظومة. فلو أن إحدى محظياته سجنته في غرفة لتسأل ما الذي علق في شبكته، لأجاب على الفور: «حورية تغني لي في السرير أجمل أغنيات الحب». وهكذا، وأمام جواهر حوّاس وردوده السريعة، تذوب الحورية عشقاً، وتقدم ولا تحجم.
كان حوّاس يزعم أن من السهولة اصطياد النساء المتزوجات، لا العذراوات. فهن يعرفن ما يبحثن عنه بعيداً عن التصنع والرياء. الوقت عندهن محدود، لذا يتّجهن مباشرة إلى الهدف. أما في السرير فهن أكثر تحرراً، وابتداعاً من الشابات اليافعات، وهذا ما يجعلهن أفضل بكثير في نظره. «آهٍ!! ماذا ماذا سيحدث لنا لو لم تكن متزوجات نساء متزوجات؟! تنهد حوّاس وقال، ثم أضاف: «وماذا يصيبهن لو غبنا عن مضاجعهن؟!».
كان حوّاس يزعم أنه يسهم في السلام المخيم على المنازل وساكنيها. عَلِمَ حوّاس، بعد تحقيق صغير مع محظياته، أنهن كلهن قد حَسَّنَّ علاقاتهن بأزواجهن ولو أن بعض المتزوجات الأقل حظاً من محظياته، قبلن على مضض بصعوبات الحياة الزوجية. أما اللواتي وقعن على رجال أغرموا بهن، فهن الأكثر حظاً في الداخل وفي الخارج. فالمتزوجات اللواتي يقمن بخيانة أزواجهن، يقللن كثيراً من متطلباتهن والتركيز على متعهن. فالمرأة إذ تبتعد، تثير رغبات زوجها، وتضاعف شوقه لها. هي تهرب مني، وعليّ أن أستعيدها، هذا ما يقوله الزوج في أعماق نفسه. وتعود لتبتعد، وتلحق بحبها الجديد، ويعود الزوج ليطاردها ويلهث وراءها.
وذات يوم تقول: «يا للمفاجأة، ها الجذوة اشتعلت من جديد، وها زوجي أكثر لطفاً وانجذاباً. إل~هي ماذا حصل؟ ما حصل لبعلك هو نفسه ما يحصل للحيوان، إنه استشعر الخطر، فرفع أذنيه واستعد للدفاع». ولأن الرجل حيوان متميّز، فهو لا يملك قروناً، فإنه ينصرف للتبختر والتجمل والملاطفة والعشق. فهو ما إن يبدأ بالتغيير، حتى تكون زوجته قد طعنته في ظهره.
ألصق حوّاس أذنيه بالباب، وراح يرقب الحركة في السلم. وعندما لم يسمع أي حركة أو ضجة، فتح الباب بمنتهى الحذر وترك لسميرة أن تتسلل على رؤوس أصابعها.
وقبل أن تغادر سألته بسرعة لو كان لديه ثياباً متسخة للغسيل أو الكَيّ. فقرص أنفها تحبباً وامتناناً وأجاب أن كل شيء على ما يرام.
وكان حوّاس يتعجب من أن محظياته ربات منازل بارعات بمنتهى العناية، على عكس زوجته السابقة التي لم تغسل ثيابه مرة أو تقوم بكويها. فهو لو سمح لهن أن يفعلن، فسيقسمن وقتهن بين السرير وإدارة شؤون المنزل. فحوّاس لا يود الخضوع لرغباتهن: لئلا يكررن ما يقمن به داخل منازلهن. فمعه، لا إدارة منزل، ولا غسيل، ولا كوي، ولا طبخ، سوَى المضاجعة. فهي الأجدى والأمثل في ملجأه الأمين، والمريح، حيث المبارزات الإيروتيكية والألعاب الممتعة، التي لا تشبه المنزل الزوجي والمسؤوليات الكثيرة الملقاة على عاتق الزوجة. هناك تكون الأسيرة، وهنا الأميرة. ولأن حوّاس يعشق مواطنيه من الجزائريين، قرر أن يهتم بزوجاتهم ويعنى بهن. فمعه تجد الزوجات متنفساً، وتعود الواحدة منهن لالتقاط أنفاسها. غير أن حوّاس لم يكن يحسب لتصرفاته هذه، فلكي يصطاد السمكة كان يجب أن يُطعمها ما لا يوجد في محيطها فهو وبكل بساطة يزعم أنه ومحظياته يتقاسمن الإيجابيات بعيداً عن سلبيات الزواج المملة. حوّاس يترك السلبيات للأزواج وحدهم. فهو يترك للأزواج أن يستمتعوا بامرأة تهمل نفسها، وتنكش شعرها الأهوج بغير تسريح، وتفوح من ملابسها روائح الثوم والبصل وأحياناً كثيرة رائحة براز طفلها.
وكان حوّاس وبغير قصد متعمد، يجعل محظياته أكثر جنوناً به. إذ يمسي نقيض الزوج المهمل الذي لم يعد يعشق أو يشتهي زوجته ويرغب بها.
حوّاس لم يكن يدين لمحظياته إلا بهنيهات اللذة. أما هن فكن يعترفن له بلذتهن، لأنه لم يكن ليستغلهن، بل ليرى إليهن كنساء قبل أن يرى إليهن كمدبرات منازل، حتى ولو متزوجات.
وانغلق الباب المزيت بمنتهى الهدوء، وبدون ضجيج بعد خروج سميرة. ولم يبقَ منها غير عبق عطرها وصدى غنجها ودلعها. وتنهد حوّاس بعد أن أمسى وحيداً، وشعر بكثير من السكينة والسعادة. فهو بالرغم من حبه للمضاجـعة، يحب أيضاً أن يجد نفسه وحيداً بعدها. ليستذكر هنيهات اللذة، ويتذوقها جرعات جرعات. وهو يستحضر الصور الإيروتيكية، ويضربها بعشرة حباً بتضخيمها. فحوّاس لم يكن ليضاجع لولا اللذة التي تتركها المضاجعة، ليعود ويتذوقها. فالذكريات الإيروتيكية تدفئه في أوقات جنونه. فهو لن يشعر بالوحدة، وفي رأسه ترقص آلاف المشاهد الدافئة والحارة. فهو كما سارتر، يجد أن أجمل المضاجعة هو أن تصعد السلم وتسير في خطى امرأة تسعى إلى سريرك. «غير أن سارتر كان بشكل ما عنيناً، على ما تقول محظياته، ولو أنه كان الأرنب العقلي الحار، أما أنا فإني الذكر الفحل والأرنب العقلي الحار معاً. إني أعقل وأضاجع. لذا أنا أفضل من سارتر». هذا ما كان يشجع حوّاس ويرضيه، ولو أنه لم يكن متأكداً من أن سارتر هو صاحب تلك المقولة. ولكن طالما أن أشرعة سارتر تتسع لحوّاس، فليبق سارتر دون سواه.
ولم يكن حوّاس يتردد، في إحراز تفوقه على المشاهير من الرجالات. فحوّاس لم يكن ليبحث عند الفلاسفة والكتاب عن أعمالهم وحسب، بل عمن أحياهم، وصار لهم غذاء. إنه يبحث عن الإنسان الكامن وراء الروائع والأعمال الخالدة. فحوّاس لم يكن ليجد إلا التفاوت بين حياة المؤلف ومؤلفاته. فهو لم يتخيل لمرة، أن الإنسان إنما يشبه بحيرة صافية الأديم، وأن بإمكانه أن يشرب منها حتى الارتواء، طالما بقيت مياهها تَظْهَرُ عذبة ونقية. أما الذي يغادر الأديم، ليغوص في الأعماق، فلا بد أن يجد الوحل المعتكر. أما حوّاس فلم يكن ليحتار بين أديم وعمق، طالما أنه يحدد وجه المخاطب ويقول: إذا كان المخاطب شبيهه، أو أقل منه، يبحث عن الألق المضيء داخله، أما إذا كان يتفوق عليه بمكانته، وشهرته، ومعارفه، فيروح ينبش العتمات المدلهمة، وكأنه كلب مسعور يخرج من الأرض عظمة. وكان من عظيم فرحه وبهجته في أبحاثه الغامضة، اكتشافه ابن الزنا الذي أنجبه ماركس، الذي ضاجع خادمته وبنى فيها. فماركس لم يكتف بإخفاء إبنه، بل إنه نسبه إلى صديقه إنغلز، بمنتهى الصلافة الفجة والوقحة. كان ذلك من ما جاء من مَنُظِّر طالب بقيام مجتمع دُون طبقية ودون فروق بين الرجال والنساء.
ذاك التبر الثمين، صار سلاح المعركة ضد زوجته. فهي عندما كانت تتغنى بالمثال الشيوعي وتشيد به، كان يطلب إليها «أن تحدثه عن خادمة ماركس. هل كانت تلك الخادمة فاتنة؟ وأين طفل المعجزة؟» وكان هذا يثير غضب حواء ونقمتها، فتنعت حوّاس بالبورجوازي المُتَعَنّت، وتهدده قائلة: سترى ما ستصير إليه بعد أن نستلم زمام السلطة!!» وكان حوّاس يجيب بالمثل: «عندما يتزوج ماركس بالخادمة، تتسلم النساء زمام السلطة!!».
كان حوّاس يزعم أن من السهولة اصطياد النساء المتزوجات، لا العذراوات. فهن يعرفن ما يبحثن عنه بعيداً عن التصنع والرياء. الوقت عندهن محدود، لذا يتّجهن مباشرة إلى الهدف. أما في السرير فهن أكثر تحرراً، وابتداعاً من الشابات اليافعات، وهذا ما يجعلهن أفضل بكثير في نظره. «آهٍ!! ماذا ماذا سيحدث لنا لو لم تكن متزوجات نساء متزوجات؟! تنهد حوّاس وقال، ثم أضاف: «وماذا يصيبهن لو غبنا عن مضاجعهن؟!».
كان حوّاس يزعم أنه يسهم في السلام المخيم على المنازل وساكنيها. عَلِمَ حوّاس، بعد تحقيق صغير مع محظياته، أنهن كلهن قد حَسَّنَّ علاقاتهن بأزواجهن ولو أن بعض المتزوجات الأقل حظاً من محظياته، قبلن على مضض بصعوبات الحياة الزوجية. أما اللواتي وقعن على رجال أغرموا بهن، فهن الأكثر حظاً في الداخل وفي الخارج. فالمتزوجات اللواتي يقمن بخيانة أزواجهن، يقللن كثيراً من متطلباتهن والتركيز على متعهن. فالمرأة إذ تبتعد، تثير رغبات زوجها، وتضاعف شوقه لها. هي تهرب مني، وعليّ أن أستعيدها، هذا ما يقوله الزوج في أعماق نفسه. وتعود لتبتعد، وتلحق بحبها الجديد، ويعود الزوج ليطاردها ويلهث وراءها.
وذات يوم تقول: «يا للمفاجأة، ها الجذوة اشتعلت من جديد، وها زوجي أكثر لطفاً وانجذاباً. إل~هي ماذا حصل؟ ما حصل لبعلك هو نفسه ما يحصل للحيوان، إنه استشعر الخطر، فرفع أذنيه واستعد للدفاع». ولأن الرجل حيوان متميّز، فهو لا يملك قروناً، فإنه ينصرف للتبختر والتجمل والملاطفة والعشق. فهو ما إن يبدأ بالتغيير، حتى تكون زوجته قد طعنته في ظهره.
ألصق حوّاس أذنيه بالباب، وراح يرقب الحركة في السلم. وعندما لم يسمع أي حركة أو ضجة، فتح الباب بمنتهى الحذر وترك لسميرة أن تتسلل على رؤوس أصابعها.
وقبل أن تغادر سألته بسرعة لو كان لديه ثياباً متسخة للغسيل أو الكَيّ. فقرص أنفها تحبباً وامتناناً وأجاب أن كل شيء على ما يرام.
وكان حوّاس يتعجب من أن محظياته ربات منازل بارعات بمنتهى العناية، على عكس زوجته السابقة التي لم تغسل ثيابه مرة أو تقوم بكويها. فهو لو سمح لهن أن يفعلن، فسيقسمن وقتهن بين السرير وإدارة شؤون المنزل. فحوّاس لا يود الخضوع لرغباتهن: لئلا يكررن ما يقمن به داخل منازلهن. فمعه، لا إدارة منزل، ولا غسيل، ولا كوي، ولا طبخ، سوَى المضاجعة. فهي الأجدى والأمثل في ملجأه الأمين، والمريح، حيث المبارزات الإيروتيكية والألعاب الممتعة، التي لا تشبه المنزل الزوجي والمسؤوليات الكثيرة الملقاة على عاتق الزوجة. هناك تكون الأسيرة، وهنا الأميرة. ولأن حوّاس يعشق مواطنيه من الجزائريين، قرر أن يهتم بزوجاتهم ويعنى بهن. فمعه تجد الزوجات متنفساً، وتعود الواحدة منهن لالتقاط أنفاسها. غير أن حوّاس لم يكن يحسب لتصرفاته هذه، فلكي يصطاد السمكة كان يجب أن يُطعمها ما لا يوجد في محيطها فهو وبكل بساطة يزعم أنه ومحظياته يتقاسمن الإيجابيات بعيداً عن سلبيات الزواج المملة. حوّاس يترك السلبيات للأزواج وحدهم. فهو يترك للأزواج أن يستمتعوا بامرأة تهمل نفسها، وتنكش شعرها الأهوج بغير تسريح، وتفوح من ملابسها روائح الثوم والبصل وأحياناً كثيرة رائحة براز طفلها.
وكان حوّاس وبغير قصد متعمد، يجعل محظياته أكثر جنوناً به. إذ يمسي نقيض الزوج المهمل الذي لم يعد يعشق أو يشتهي زوجته ويرغب بها.
حوّاس لم يكن يدين لمحظياته إلا بهنيهات اللذة. أما هن فكن يعترفن له بلذتهن، لأنه لم يكن ليستغلهن، بل ليرى إليهن كنساء قبل أن يرى إليهن كمدبرات منازل، حتى ولو متزوجات.
وانغلق الباب المزيت بمنتهى الهدوء، وبدون ضجيج بعد خروج سميرة. ولم يبقَ منها غير عبق عطرها وصدى غنجها ودلعها. وتنهد حوّاس بعد أن أمسى وحيداً، وشعر بكثير من السكينة والسعادة. فهو بالرغم من حبه للمضاجـعة، يحب أيضاً أن يجد نفسه وحيداً بعدها. ليستذكر هنيهات اللذة، ويتذوقها جرعات جرعات. وهو يستحضر الصور الإيروتيكية، ويضربها بعشرة حباً بتضخيمها. فحوّاس لم يكن ليضاجع لولا اللذة التي تتركها المضاجعة، ليعود ويتذوقها. فالذكريات الإيروتيكية تدفئه في أوقات جنونه. فهو لن يشعر بالوحدة، وفي رأسه ترقص آلاف المشاهد الدافئة والحارة. فهو كما سارتر، يجد أن أجمل المضاجعة هو أن تصعد السلم وتسير في خطى امرأة تسعى إلى سريرك. «غير أن سارتر كان بشكل ما عنيناً، على ما تقول محظياته، ولو أنه كان الأرنب العقلي الحار، أما أنا فإني الذكر الفحل والأرنب العقلي الحار معاً. إني أعقل وأضاجع. لذا أنا أفضل من سارتر». هذا ما كان يشجع حوّاس ويرضيه، ولو أنه لم يكن متأكداً من أن سارتر هو صاحب تلك المقولة. ولكن طالما أن أشرعة سارتر تتسع لحوّاس، فليبق سارتر دون سواه.
ولم يكن حوّاس يتردد، في إحراز تفوقه على المشاهير من الرجالات. فحوّاس لم يكن ليبحث عند الفلاسفة والكتاب عن أعمالهم وحسب، بل عمن أحياهم، وصار لهم غذاء. إنه يبحث عن الإنسان الكامن وراء الروائع والأعمال الخالدة. فحوّاس لم يكن ليجد إلا التفاوت بين حياة المؤلف ومؤلفاته. فهو لم يتخيل لمرة، أن الإنسان إنما يشبه بحيرة صافية الأديم، وأن بإمكانه أن يشرب منها حتى الارتواء، طالما بقيت مياهها تَظْهَرُ عذبة ونقية. أما الذي يغادر الأديم، ليغوص في الأعماق، فلا بد أن يجد الوحل المعتكر. أما حوّاس فلم يكن ليحتار بين أديم وعمق، طالما أنه يحدد وجه المخاطب ويقول: إذا كان المخاطب شبيهه، أو أقل منه، يبحث عن الألق المضيء داخله، أما إذا كان يتفوق عليه بمكانته، وشهرته، ومعارفه، فيروح ينبش العتمات المدلهمة، وكأنه كلب مسعور يخرج من الأرض عظمة. وكان من عظيم فرحه وبهجته في أبحاثه الغامضة، اكتشافه ابن الزنا الذي أنجبه ماركس، الذي ضاجع خادمته وبنى فيها. فماركس لم يكتف بإخفاء إبنه، بل إنه نسبه إلى صديقه إنغلز، بمنتهى الصلافة الفجة والوقحة. كان ذلك من ما جاء من مَنُظِّر طالب بقيام مجتمع دُون طبقية ودون فروق بين الرجال والنساء.
ذاك التبر الثمين، صار سلاح المعركة ضد زوجته. فهي عندما كانت تتغنى بالمثال الشيوعي وتشيد به، كان يطلب إليها «أن تحدثه عن خادمة ماركس. هل كانت تلك الخادمة فاتنة؟ وأين طفل المعجزة؟» وكان هذا يثير غضب حواء ونقمتها، فتنعت حوّاس بالبورجوازي المُتَعَنّت، وتهدده قائلة: سترى ما ستصير إليه بعد أن نستلم زمام السلطة!!» وكان حوّاس يجيب بالمثل: «عندما يتزوج ماركس بالخادمة، تتسلم النساء زمام السلطة!!».
صفحة 8
ثانياً
وما إن وجد حوّاس نفسه في الشارع، حتى صار مأخوذاً بحمى المظاهرة. فكأنه تلقى صفعة على وجهه، وهو في خضم تلك الضوضاء التي تصم الآذان. أو كأنه انتقل بغير تمهيد، من حال الصفاء إلى أتون محموم.
إستند إلى جدار خشية أن يجرفه فيضان النهر الجارف. «ما تلك القوة، وما ذلك العزم!! كأنهم من المخدَّرين!! أنا على يقين أنّي لو حاولت اعتراض سبيلهم، لداسوني كالجُرذ». جميع الوجوه الباردة تطل عليك بالكحل واللحى. فكلما رأى ذقناً كثيف الشعر، عاد حوّاس ليتذكر هوسه وعشقه لروما القديمة ومعبودها: كاتون الذي أرخى شعر رأسه ولحيته لما أيقن أن جمهوريته كانت مهددة. كاتون لم يحلق شعره حداداً على جمهوريته، أما هؤلاء فقد أرخوا ذقونهم وفاءً للسنّة، ولو أن السنة لا تأمر بإرخاء الذقون الكثيفة والكثة. فالنبي محمد عليه الصلاة والسلام، كان غالباً ما يردد: «إن الله جميل ويحب الجمال». أما من أراهم فيشبهون نُسّاكاً ليس فيهم ملمح من ملامح الجمال. ولأن حوّاس كان من متذوقي الجمال، فإنه كان يشترط أن يكون للجمال طراز ونمط ولغة. أما طراز هؤلاء الملتحين فلم يكن ليعجب به، خاصة وأنه الشبيه بنمط من يسميهم: «يساريو الويسكي» من أصحاب الجثث الكبيرة والضخمة، بثيابهم المهلهلة، التي تشبه ثياب المتشردين والصعاليك. فهو يحب الثياب الكلاسيكية الأنيقة والنظيفة. فعنده أن تبخيس الهندام، وترك المظهر الخارجي يجري في أعنته، لدليل ينذر بالفوضى الهدامة. فلا شيء يزعجه كانعدام النظام. فهو دائماً يتذكر كانط إذ يقول: «إن النظام يحول الفوضوي إلى إنسان اجتماعي تأنس إليه ولا تنفر منه».
كان حوّاس يضلل أصدقاءه بطريقة تفكيره، كما بمسلكه، وجوده، وكرمه، وألفته، ودفاعه المستميت عن الأرملة واليتيم، وقراءاته لبلوتارك، ومارك أوريل، وكازانوفا، وعبد القادر الجيلاني، والكثيرين من معلمي الوجود والحياة، فهو يحشد في نفسه كل الفضائل التي نادى بها اليسار وراكمها، غير أن احتقاره وتقززه من الزقاقي والشائع يجعله في خانة المحافظين. ولما حاولت حواء أن تصنفه في خانة: البورجوازيين، أو المحافظين، أو المتدينين، أو الإشتراكيين، أو الديموقراطيين... تبين لها أنه يستحق أن يُوضَع في خانة واحدة كل هذه الخانات. فالذي يحدد فضيلة من فضائله هو الموقف الذي يكون فيه حوّاس ويعانيه. فهو لو شعر بالظلم، لأخذ قلمه وفضحه، وقذف المتظاهرين بالزاج، لأنهم حطموا الأملاك العامة ليحتجوا على ارتفاع أسعار الخبز. فحوّاس الشاهد الذي عاين كل هذه المشاهد المتناقضة، صار يفخر بذاته هنا، ويخجل بها هناك، مما جعل حواء تنعته بالمنحرف، الذي لا يؤمن بمبادىء أو عقيدة ثابتة. وقد أجاب حوّاس إنه رجل حر، واستشهد بنيتشه القائل: «ليست العقائد إلا سجوناً. أما أنا فلا أعاني من فالج يعانيه الآخرون، ويشلُّهم». وكانت المزحة الأخيرة لأحد رجال السياسة من الفرنسيين. كان حوّاس يدرك أن تكراره لتلك المزحة، جـعلته يبدو وكأنه مطلقها ومبتدعها.
فحوّاس الصحافي الذي يعتبره اليساريون يمينياً، واليمنيون يسارياً، كان يهمس بتلذذ بالغ وهو يرى موكب المحافظين من حزب الأمة الإسلامية: «لو اكتشف هؤلاء ما كنت أقوم به منذ دقائق، لرجموني حتى الموت!!». وبدل أن يقلق حوّاس على مصيره اطمأن وهدأ باله. «فالمضاجعة تذهب بسعي هؤلاء الملتحين سدىً، بعد أن قرروا تقنين الحياة ومتعها، تبعاً لرغباتهم. فطالما تتعايش رغباتي ورغباتهم معاً، فهذا يعني أن البلد لا يزال بألف خير. فليتظاهروا كيفما شاؤوا، فذلك شأنهم، شرط ألَّا يزعجوا لقاءاتي الصباحية». وكان حوّاس يدرك في قرارة نفسه، أنَّ التطرف الديني، الذي ينادي به السلفيون، من حزب الأمة الإسلامية لا بد أن يخنق الحريات التي تتعارض وعقيدته.
فإنه مهما كانت تلك المظاهرة مؤثرة بحشودها، فإنها كانت شبيهة بنزهة. «فلو شاءت السلطة الحاكمة أن تنهي هذا الحزب وتضع له حداً، لفعلت بغير تردد. فأنا أعرف أشقائي وما لهم من قدرات».
مراقب قديم لحياة الجزائر السياسية، وعاداتها، ونضالات الحُكْم؛ فالصحافي الذي كانه حوّاس لا توهمه، قدرات التيارات الإسلامية التي حاولت إفساد النظام الديموقراطي، وسدِّ مخارجـه وأبوابه. فعنده أن القوة النظامية وحدها في هكذا بلد، يمكنها أن تنتصر وتعلن فوزها. أما اسمها: فهو القوة الصامتة. وأما قوتها، فهي الصمت والكثافة والحِراب. هي تعرف كل شيء، ولا أحد يعرف عنها شيئاً. هي ترى كل شيء ولا أحد يرى قدراتها. وقد يرى حوّاس، أن تلك القوة الصامتة، لأشبه بجرافة سوداء يقودها شبح شيطاني.
فحوّاس بالرغم من مناهضته للعسكر والجيش، فإنه كمسالم كان يرتاح لظنه أن الجيش يسهر على توفير الأمن، ولو اضطر أن يطارد مفتعلي الشغب، والصائدين في الماء العكر.
فحوّاس كالكثير من الجزائريين الذين لم يتخذوا موقفاً سياسياً مؤيداً، لا لديكتاتورية الجيش وقمعه، ولا لتطرف الإسلاميين، ولكنه لو اضطر أن يفعل لاختار من يقيد الحريات، على من يلزمه باتباع قواعده لئلا يكفر ويعاقب. «ها نحن عشنا ثلاثين عاماً تحت سلطة العسكريين، ولم نمت. وقد نعمنا آنذاك بالأمن والسلام». فحوّاس الذي كان مأخوذاً بديموقراطية كاتون، المدافع المستميت عن جمهورية روما، كان معجباً أيضاً بخصمه قيصر الذي قرر أن يؤسس للديكتاتورية. فلا فرق بين الديموقراطية والديكتاتورية كما يرى حوّاس. طالما أن الواحدة تكمل الأخرى. فالواحدة تستجيب لفضائل الجمهوريين، والأخرى لما تأمر به الأنظمة والقوانين. فحوّاس وبالرغم من زعمه تأييد الحريات، فإنه كان من مؤيدي الأنظمة والقوانين بكل أشكالها. وقد كان حوّاس منسجماً، مع هذه الثنائية التي يحملها في أعماقه. فعنده لا شيء ممكن بغير النظام والقانون. فلو انعدم وجود كاتون وقيصر، في هذا العصر، لصار بإمكانه أن يحلم بفرانكو قائداً يحكم الجزائر. غير أن حوّاس كان يخشى المجاهرة بحلمه، خشية أن ينعت بالفاشي. لن يعقل أحد ما يقول، ولو أن الكل، أو الغالبية تطمح لعودة النظام وتتمناه. فحوّاس يعلم علم اليقين أنه بعودة النظام يترسخ الأمن والسلام، والمعايير العقلية التي تسمح بظهور الكفاءات، وتحديد المسؤوليات، أما في حال الفوضى: فيغنم الانتهازي، وغير الكفؤ، والسارق، ومعاً يعيثون فساداً، وينشرون الفوضى والاضطرابات. وينعدم سلم القيم، ويَفِدُ (الخَلَّاط) زارع الفتن من كل ثغرة، ليشعل النار.
وإذا بحوّاس يقرر أن يخترق بخطوات جـبارة، ذلك النهر الصاخب والهادر. وكان حوّاس يعلم أن زعيمي الحزب يمشيان، أحدهما، في مقدمة المظاهرة، والآخر في مؤخرتها. فعند زعماء حزب الأمة الإسلامية، لم تكن تلك الرمزية غير رسالة يبعثون بها للأحزاب الأخرى، ولمناصريهم، ولكافة الشعب: نحن في الأمام، وفي الخلف، فلو تصدرنا الأمام، فهذا يعني أننا لا ننسى الخلف، ومن وراءنا. يمكن للواحد أن يسخر من هذه الاستراتيجية السخيفة لشدة بساطتها وشيوعها، غير أنها تلفت انتباه، أولئك الذين يبحثون عن قوة تنظيمهم المثالية. غير أن هذا التنظيم، هو أكثر إيحاءً على الصعيد السياسي، من تصدر زعماء الأحزاب الديموقراطية لمواكب أتباعهم ومؤيديهم. فهم في أثوابهم المثلثة القطع، وبطونهم الكبيرة والمتدلية، يشبهون موظفي الدولة، وقد لبسوا ثياب العيد. ثم من هم غير بعض موظفين في السياسة؟؟ فالكل يحمل جنسيتين اثنتين، وله موطىء قدم في الخارج. كم كان حوّاس يحقد على من يسميهم: أشباه الديموقراطيين. ولو أنه كان يميز بينهم وبين الأصوليين من السلفيين، ولا يضعهم في خانة واحدة. فكم تحمّل الشعب الجزائري من الإهانات، باسم الديموقراطية، ومن أجل رفع راياتها.
فحوّاس الشكاك لم يكن يؤمن أن الديموقراطية تقف من الجزائر في أعتابها. فهو يعرف طبيعة النظام، وقواه السرية. ويعرف أن صاحب الدخل لن يتخلى عن دخله إلا مرغماً ملزماً. لذا كان حوّاس غالباً ما يسخر، من ملائكية الديموقراطيين وخطابهم الإصطلاحي.
فعندما يستحضر حوّاس الديموقراطيين، يتذكر حواء التي كانت تقلدهم ببَراعة كان يستحقها في فورات الحنين وهبَّاته. كانت تقف على رؤوس أصابعها، وتزم شفتيها بطريقة مصطنعة، وهي توجه خطابها إلى جمهور غير مرئي «أصدقائي الأحباء، سنطلب إلى السلطة أن تتنازل لنا. أما السلفيون الإسلاميون فسنقدم لهم، رحلات حج مجانية إلى البقاع المقدسة». وهكذا يتابع الديموقراطيون خطابهم السياسي: بتاتي، بتاتا، لالالي، لالالا. تحيا الجمهورية: مساواة، أخوة، حرية. وبعد أن تنتهي حواء من خطبتها، تمسك بمسواك، وتتدشى، وهي ترنُّ الكأس، قبل أن ترتمي على المقعد، كإمرأة ثملة. كان ذاك من المشاهد الأثيرة عند حوّاس. «لا بدَّ لهؤلاء الديمقراطيين من أخذ محاضرات في الوعي والإدراك والبراغماتية عن الإسلاميين. فآخر زعماء الديمقراطية قد ماتوا، أحدهم على فراشه والآخر رمياً بالرصاص» على ما يتمنى حوّاس.
وما إن وجد حوّاس نفسه في الشارع، حتى صار مأخوذاً بحمى المظاهرة. فكأنه تلقى صفعة على وجهه، وهو في خضم تلك الضوضاء التي تصم الآذان. أو كأنه انتقل بغير تمهيد، من حال الصفاء إلى أتون محموم.
إستند إلى جدار خشية أن يجرفه فيضان النهر الجارف. «ما تلك القوة، وما ذلك العزم!! كأنهم من المخدَّرين!! أنا على يقين أنّي لو حاولت اعتراض سبيلهم، لداسوني كالجُرذ». جميع الوجوه الباردة تطل عليك بالكحل واللحى. فكلما رأى ذقناً كثيف الشعر، عاد حوّاس ليتذكر هوسه وعشقه لروما القديمة ومعبودها: كاتون الذي أرخى شعر رأسه ولحيته لما أيقن أن جمهوريته كانت مهددة. كاتون لم يحلق شعره حداداً على جمهوريته، أما هؤلاء فقد أرخوا ذقونهم وفاءً للسنّة، ولو أن السنة لا تأمر بإرخاء الذقون الكثيفة والكثة. فالنبي محمد عليه الصلاة والسلام، كان غالباً ما يردد: «إن الله جميل ويحب الجمال». أما من أراهم فيشبهون نُسّاكاً ليس فيهم ملمح من ملامح الجمال. ولأن حوّاس كان من متذوقي الجمال، فإنه كان يشترط أن يكون للجمال طراز ونمط ولغة. أما طراز هؤلاء الملتحين فلم يكن ليعجب به، خاصة وأنه الشبيه بنمط من يسميهم: «يساريو الويسكي» من أصحاب الجثث الكبيرة والضخمة، بثيابهم المهلهلة، التي تشبه ثياب المتشردين والصعاليك. فهو يحب الثياب الكلاسيكية الأنيقة والنظيفة. فعنده أن تبخيس الهندام، وترك المظهر الخارجي يجري في أعنته، لدليل ينذر بالفوضى الهدامة. فلا شيء يزعجه كانعدام النظام. فهو دائماً يتذكر كانط إذ يقول: «إن النظام يحول الفوضوي إلى إنسان اجتماعي تأنس إليه ولا تنفر منه».
كان حوّاس يضلل أصدقاءه بطريقة تفكيره، كما بمسلكه، وجوده، وكرمه، وألفته، ودفاعه المستميت عن الأرملة واليتيم، وقراءاته لبلوتارك، ومارك أوريل، وكازانوفا، وعبد القادر الجيلاني، والكثيرين من معلمي الوجود والحياة، فهو يحشد في نفسه كل الفضائل التي نادى بها اليسار وراكمها، غير أن احتقاره وتقززه من الزقاقي والشائع يجعله في خانة المحافظين. ولما حاولت حواء أن تصنفه في خانة: البورجوازيين، أو المحافظين، أو المتدينين، أو الإشتراكيين، أو الديموقراطيين... تبين لها أنه يستحق أن يُوضَع في خانة واحدة كل هذه الخانات. فالذي يحدد فضيلة من فضائله هو الموقف الذي يكون فيه حوّاس ويعانيه. فهو لو شعر بالظلم، لأخذ قلمه وفضحه، وقذف المتظاهرين بالزاج، لأنهم حطموا الأملاك العامة ليحتجوا على ارتفاع أسعار الخبز. فحوّاس الشاهد الذي عاين كل هذه المشاهد المتناقضة، صار يفخر بذاته هنا، ويخجل بها هناك، مما جعل حواء تنعته بالمنحرف، الذي لا يؤمن بمبادىء أو عقيدة ثابتة. وقد أجاب حوّاس إنه رجل حر، واستشهد بنيتشه القائل: «ليست العقائد إلا سجوناً. أما أنا فلا أعاني من فالج يعانيه الآخرون، ويشلُّهم». وكانت المزحة الأخيرة لأحد رجال السياسة من الفرنسيين. كان حوّاس يدرك أن تكراره لتلك المزحة، جـعلته يبدو وكأنه مطلقها ومبتدعها.
فحوّاس الصحافي الذي يعتبره اليساريون يمينياً، واليمنيون يسارياً، كان يهمس بتلذذ بالغ وهو يرى موكب المحافظين من حزب الأمة الإسلامية: «لو اكتشف هؤلاء ما كنت أقوم به منذ دقائق، لرجموني حتى الموت!!». وبدل أن يقلق حوّاس على مصيره اطمأن وهدأ باله. «فالمضاجعة تذهب بسعي هؤلاء الملتحين سدىً، بعد أن قرروا تقنين الحياة ومتعها، تبعاً لرغباتهم. فطالما تتعايش رغباتي ورغباتهم معاً، فهذا يعني أن البلد لا يزال بألف خير. فليتظاهروا كيفما شاؤوا، فذلك شأنهم، شرط ألَّا يزعجوا لقاءاتي الصباحية». وكان حوّاس يدرك في قرارة نفسه، أنَّ التطرف الديني، الذي ينادي به السلفيون، من حزب الأمة الإسلامية لا بد أن يخنق الحريات التي تتعارض وعقيدته.
فإنه مهما كانت تلك المظاهرة مؤثرة بحشودها، فإنها كانت شبيهة بنزهة. «فلو شاءت السلطة الحاكمة أن تنهي هذا الحزب وتضع له حداً، لفعلت بغير تردد. فأنا أعرف أشقائي وما لهم من قدرات».
مراقب قديم لحياة الجزائر السياسية، وعاداتها، ونضالات الحُكْم؛ فالصحافي الذي كانه حوّاس لا توهمه، قدرات التيارات الإسلامية التي حاولت إفساد النظام الديموقراطي، وسدِّ مخارجـه وأبوابه. فعنده أن القوة النظامية وحدها في هكذا بلد، يمكنها أن تنتصر وتعلن فوزها. أما اسمها: فهو القوة الصامتة. وأما قوتها، فهي الصمت والكثافة والحِراب. هي تعرف كل شيء، ولا أحد يعرف عنها شيئاً. هي ترى كل شيء ولا أحد يرى قدراتها. وقد يرى حوّاس، أن تلك القوة الصامتة، لأشبه بجرافة سوداء يقودها شبح شيطاني.
فحوّاس بالرغم من مناهضته للعسكر والجيش، فإنه كمسالم كان يرتاح لظنه أن الجيش يسهر على توفير الأمن، ولو اضطر أن يطارد مفتعلي الشغب، والصائدين في الماء العكر.
فحوّاس كالكثير من الجزائريين الذين لم يتخذوا موقفاً سياسياً مؤيداً، لا لديكتاتورية الجيش وقمعه، ولا لتطرف الإسلاميين، ولكنه لو اضطر أن يفعل لاختار من يقيد الحريات، على من يلزمه باتباع قواعده لئلا يكفر ويعاقب. «ها نحن عشنا ثلاثين عاماً تحت سلطة العسكريين، ولم نمت. وقد نعمنا آنذاك بالأمن والسلام». فحوّاس الذي كان مأخوذاً بديموقراطية كاتون، المدافع المستميت عن جمهورية روما، كان معجباً أيضاً بخصمه قيصر الذي قرر أن يؤسس للديكتاتورية. فلا فرق بين الديموقراطية والديكتاتورية كما يرى حوّاس. طالما أن الواحدة تكمل الأخرى. فالواحدة تستجيب لفضائل الجمهوريين، والأخرى لما تأمر به الأنظمة والقوانين. فحوّاس وبالرغم من زعمه تأييد الحريات، فإنه كان من مؤيدي الأنظمة والقوانين بكل أشكالها. وقد كان حوّاس منسجماً، مع هذه الثنائية التي يحملها في أعماقه. فعنده لا شيء ممكن بغير النظام والقانون. فلو انعدم وجود كاتون وقيصر، في هذا العصر، لصار بإمكانه أن يحلم بفرانكو قائداً يحكم الجزائر. غير أن حوّاس كان يخشى المجاهرة بحلمه، خشية أن ينعت بالفاشي. لن يعقل أحد ما يقول، ولو أن الكل، أو الغالبية تطمح لعودة النظام وتتمناه. فحوّاس يعلم علم اليقين أنه بعودة النظام يترسخ الأمن والسلام، والمعايير العقلية التي تسمح بظهور الكفاءات، وتحديد المسؤوليات، أما في حال الفوضى: فيغنم الانتهازي، وغير الكفؤ، والسارق، ومعاً يعيثون فساداً، وينشرون الفوضى والاضطرابات. وينعدم سلم القيم، ويَفِدُ (الخَلَّاط) زارع الفتن من كل ثغرة، ليشعل النار.
وإذا بحوّاس يقرر أن يخترق بخطوات جـبارة، ذلك النهر الصاخب والهادر. وكان حوّاس يعلم أن زعيمي الحزب يمشيان، أحدهما، في مقدمة المظاهرة، والآخر في مؤخرتها. فعند زعماء حزب الأمة الإسلامية، لم تكن تلك الرمزية غير رسالة يبعثون بها للأحزاب الأخرى، ولمناصريهم، ولكافة الشعب: نحن في الأمام، وفي الخلف، فلو تصدرنا الأمام، فهذا يعني أننا لا ننسى الخلف، ومن وراءنا. يمكن للواحد أن يسخر من هذه الاستراتيجية السخيفة لشدة بساطتها وشيوعها، غير أنها تلفت انتباه، أولئك الذين يبحثون عن قوة تنظيمهم المثالية. غير أن هذا التنظيم، هو أكثر إيحاءً على الصعيد السياسي، من تصدر زعماء الأحزاب الديموقراطية لمواكب أتباعهم ومؤيديهم. فهم في أثوابهم المثلثة القطع، وبطونهم الكبيرة والمتدلية، يشبهون موظفي الدولة، وقد لبسوا ثياب العيد. ثم من هم غير بعض موظفين في السياسة؟؟ فالكل يحمل جنسيتين اثنتين، وله موطىء قدم في الخارج. كم كان حوّاس يحقد على من يسميهم: أشباه الديموقراطيين. ولو أنه كان يميز بينهم وبين الأصوليين من السلفيين، ولا يضعهم في خانة واحدة. فكم تحمّل الشعب الجزائري من الإهانات، باسم الديموقراطية، ومن أجل رفع راياتها.
فحوّاس الشكاك لم يكن يؤمن أن الديموقراطية تقف من الجزائر في أعتابها. فهو يعرف طبيعة النظام، وقواه السرية. ويعرف أن صاحب الدخل لن يتخلى عن دخله إلا مرغماً ملزماً. لذا كان حوّاس غالباً ما يسخر، من ملائكية الديموقراطيين وخطابهم الإصطلاحي.
فعندما يستحضر حوّاس الديموقراطيين، يتذكر حواء التي كانت تقلدهم ببَراعة كان يستحقها في فورات الحنين وهبَّاته. كانت تقف على رؤوس أصابعها، وتزم شفتيها بطريقة مصطنعة، وهي توجه خطابها إلى جمهور غير مرئي «أصدقائي الأحباء، سنطلب إلى السلطة أن تتنازل لنا. أما السلفيون الإسلاميون فسنقدم لهم، رحلات حج مجانية إلى البقاع المقدسة». وهكذا يتابع الديموقراطيون خطابهم السياسي: بتاتي، بتاتا، لالالي، لالالا. تحيا الجمهورية: مساواة، أخوة، حرية. وبعد أن تنتهي حواء من خطبتها، تمسك بمسواك، وتتدشى، وهي ترنُّ الكأس، قبل أن ترتمي على المقعد، كإمرأة ثملة. كان ذاك من المشاهد الأثيرة عند حوّاس. «لا بدَّ لهؤلاء الديمقراطيين من أخذ محاضرات في الوعي والإدراك والبراغماتية عن الإسلاميين. فآخر زعماء الديمقراطية قد ماتوا، أحدهم على فراشه والآخر رمياً بالرصاص» على ما يتمنى حوّاس.
صفحة 9
أية تفاهة أن يكون زعماء الإسلاميين من الديموقراطيين، كما يحكم حوّاس ومطلقته. فلو أن أحداً طرح السؤال على الصحافي، لجاءه الردُّ على ورقة بمقياس A4 يلوِّح بها حوّاس بوجه معارضه، وقد قسمها في ثلاثة أعمدة: الأول يستعرض فيه التواريخ، والثاني فحوى التصريحات، والثالث معاني السياقات. فلو كان القارىء من المترددين سياسياً، لأيقن كلما ذهب بعيداً في قراءاته، مدى التناقضات، وتحولات الرأي عند رجال السياسة، الذين يخضعون أنفسهم لتقلبات الزمن وأحداثه. فلا بدَّ لعقائدهم أن تبهت بمرور الزمن، ولا بدَّ لهم أن ينكروها، وينكروا معها انتهازيتهم، وأكاذيبهم، ووعودهم المارقة.. التي بقيت حبراً على ورق.
فبعد القراءة، يصمت حوّاس، ولا يعود بحاجة لأن يقول شيئاً لمحاوره. عندها يرصد حوّاس وجوه القراء وتغيّر سحناتهم: الدهشة، ثم السخط، ثم الخيبة والإحباط. هذا هو طقس الغالبية. أما بعض المتصلبين، فإنهم يكنسون قصاصات من المعلومات، بكثير من الاستخفاف والاحتقار، ويسألون بارتياب وتشكّك: من يؤكد لنا أن هذا التركيب ليس من ابتداع مخيلتك؟. وغالباً ما يدفع به القارىء، للعودة إلى أمين المحفوظات، لعله يتذكر ما فاته من وعود الأمس وخطاباته. وهو إذ يعود إلى المحفوظات، تأخذه مصادر المعلومات في متاهات، لا تنتهي سراديبها. أما حوّاس فكان الصحافي الخبير، بلجم أهوائه، والبحث عن الحقيقة العارية. (لا توجد هناك قيم بل أحداث فقط). هذا ما كان يردده، على مسامع زملائه النزقين والمتحمسين.
أذناه تدندنان بشعارات المتظاهرين. وعيناه تستعرضان نهر الرتابة، وكثافة اللحى. ثم تتلاحق الألوان الغريبة: والكتائب الخضراء، والسوداء، والصفراء بمسيراتها الهوائية، لا بخطواتها الهجومية. وسرعان ما يلحظ أن الكتيبة الخضراء كانت لنساء متجلببات منقّبات.
هذا الاقتحام الملون أدهش حوّاس. كيف للواحد أن يفك رموز هذا اللغز، ويتمرس بتأويل ألوانه؟ جميع هذه الألوان مقدسة، غير أن اللون الأبيض الذي شاءه النبي ـ صلعم ـ الأكثر قداسة، هو اللون الوحيد الغائب. يبدو أن هناك أسئلة تستحق الإجابة عنها. «فماذا تعني سرية الأمازونيات الخضراء؟». ولما زحمت الأفكار رأس حوّاس ومخيلته، انتبه لرجل يسير بمحاذاته، ويلحق بالركب. فالتفت ليرى عبد الغني الخطابي، أحد أفضل صحافيي: «صوت الإسلام»، الذي كان معروفاً بقلمه ونزاهته، والذي آثر أن يترك الصحيفة الحكومية التي يعمل فيها حوّاس، ليلتحق بالجـهاز الرسمي لحزب الأمة الإسلامية. يا لها من خسارة؟ هذا ما قاله حوّاس قبل أن يرد التحية على صديقه: «السلام عليك!! سعيد جداً أن أراك هنا!! لعلك تخبرني ما لا أعلمه».
قل لي يا عبد الغني: ما معنى ألوان تلك الكتائب؟
عبد الغني بلحيته الرفيعة، ووجهه السمح، وعينيه السوداوين اللتين بغير كحل، كان يوحي لحوّاس بكثير من الثقة. فهو وبدون أن يفكر، همس لحوّاس:
ـ الأخضر كتيبة أبي بكر الصديق، والأسود كتيبة عمر بن الخطاب، والأصفر كتيبة عثمان بن عفان.
ـ أول الخلفاء الراشدين.
وبعد أن استغرق حوّاس في التفكير، أضاف:
ـ هل تدل التسميات على رتبة من الرتب، أو على موقع من المواقع؟ ولمَ هذه الزمرة من النساء بالجلابيب الخضراء؟
وإذ أدهشت أسئلة حوّاس عبد الغني، أقسم له أنه عاجز عن الإجابة، ثم أردف وقال:
ـ طرحت نفس الأسئلة، غير أن أحداً لم يكن بمقدوره الإجابة. حتى أني سألت أحد أعضاء القيادة، فأجاب أن الوحيد الذي يعرف معنى الألوان، وما ترمز إليه زمرة النساء بالجلابيب الخضراء، هو الشيخ الأكبر.
ـ الشيخ الأكبر؟ أتعني أحد الزعيمين اللذين يسير أحدهما في مقدمة المظاهرة، والآخر في مؤخرتها؟
وإذ لم يشأ عبد الغني أن يورط نفسه في الإجابة على من يعتبره فناناً أكثر منه صحافياً، تملص من الإجابة، وبدَّل رأيه قائلاً:
ـ الشيخ الأكبر يوجد في كل مكان، وفي لا مكان. إنه يرى كل شيء، ولكنه لا يُرى.
وسرعان ما تناهى لمسمع حوّاس همس جاءه من الموكب، يقول:
ـ لكل لون وظيفته...
إلتفت حوّاس، ولحظ أن الصوت كان صوتاً أنثوياً دافئاً، جـاء من الكتيبة الخضراء، المخصصة للنساء بجلابيبهن وأنقبتهن الخضراء. حاول حوّاس بسرية تامة أن يحدد مصدر الصوت. ثم قرر أن يبقى بموازاة المصدر الذي انبعث منه الصوت. وسرعان ما عاد الصوت ليقول:
ـ مرحباً حوّاس!! هذه أنا!!
وقفز حوّاس كالمصعوق عندما سمع من يناديه باسمه. وراح يطرح الأسئلة حول ذلك اللغز، وهو يبحث بعينيه عمن حيّته باسمه. وسرعان ما تنبه لامرأة بجانبه، لوحت له بيدها اليمنى وقفازها الأخضر. ولما استفاقت غريزة الصياد القديم، همس حوّاس متسائلاً: «أيمكن أن تكون واحدة من محظياتي؟» فإن هذا الصوت ولو كان أليفاً، فظني أن امرأة من حزب الأمة الاسلامية، لم تتسلل إلى سريري! فهن نساء يقمن بإخصاء من يزني، خارج العلاقات الزوجية. راح يحدق فيها. كانت متوسطة القامة، وتسير بمرونة وخفة. تشبه كل الأخريات، وكأنها مقاتل صيني في فوج من أفواج الجيش الأحمر. ثم لاحظ حوّاس، أنها كانت على خلاف الأخريات، تلبس قفازاً أسود بيدها اليسرى، وقفازاً أخضر بيدها اليمنى.
وقرر حوّاس أن يلعب على حافة الخطر، بدون أن يلفت انتباه صديقه عبد الغني. أما عبد الغني، فكان في مكان آخر، منصرفاً لصلاته، وتجويد الآيات القرانية. وهمس حوّاس: من أنت؟ وكيف تعرفين إسمي؟
وأجابه الصوت بكل غنج ودلال، وبتنهيدة تبعث الموتى وتحييهم:
ـ «أنا هي من تنتظرها، ومن تشتهيها، ومن تسير بك في مسالك اللذة العليا. أكون عندك صباح غدٍ. إبتعد الآن، لئلا تثير الشبهات!!».
إذ ذاك التفت عبد الغني:
ـ حسبت أن صوتاً أنثوياً يكلمنا.
وسرعان ما ابتسم حوّاس ابتسامة من وقع على كنز، لم ينتظره، قبل أن يدحض سماع ذلك الصوت وينكره:
ـ ربما هو صوت ملاك، كلمك. يبدو أن أعضاء حزب الأمة الإسلامية، يسمعون أصواتاً، ويرون معجزات من السماء (في إشارة إلى اسم الله الذي ارتسم في السماء، أثناء اجتماع أعضاء الحزب). بحيث أن الكثير من المشاهدين صرخوا: يا للمعجزة، في حين بكى بعضهم، وسجد البعض الآخر بينما لم تكن تلك المعجزة سوى مؤثر مصنوعٍ بالليزر.
وسرعان ما لاحظ عبد الغني ما في لهجة صديقه من سخرية:
ـ إسمع، إن أحداً لم يقل بحدوث معجزة. فلو حسب الناس أن ألعاب الليزر التي رسمت اسم الله في السماء، كانت معجزة، فنحن سرعان ما أسقطنا الإعجاز، وأعدناهم من ضلال إلى رشد. إنها صحافة معسكركم السياسي وهي التي روجت القول بأن قادتنا، خدعوا مؤيديهم. يمكنكم اتهامنا بما تشاؤون، إلا أن نسخر من المؤمنين، كما كانت تفعل الأحزاب التاريخية التي تعد الوعد ونقيضه.
فبعد القراءة، يصمت حوّاس، ولا يعود بحاجة لأن يقول شيئاً لمحاوره. عندها يرصد حوّاس وجوه القراء وتغيّر سحناتهم: الدهشة، ثم السخط، ثم الخيبة والإحباط. هذا هو طقس الغالبية. أما بعض المتصلبين، فإنهم يكنسون قصاصات من المعلومات، بكثير من الاستخفاف والاحتقار، ويسألون بارتياب وتشكّك: من يؤكد لنا أن هذا التركيب ليس من ابتداع مخيلتك؟. وغالباً ما يدفع به القارىء، للعودة إلى أمين المحفوظات، لعله يتذكر ما فاته من وعود الأمس وخطاباته. وهو إذ يعود إلى المحفوظات، تأخذه مصادر المعلومات في متاهات، لا تنتهي سراديبها. أما حوّاس فكان الصحافي الخبير، بلجم أهوائه، والبحث عن الحقيقة العارية. (لا توجد هناك قيم بل أحداث فقط). هذا ما كان يردده، على مسامع زملائه النزقين والمتحمسين.
أذناه تدندنان بشعارات المتظاهرين. وعيناه تستعرضان نهر الرتابة، وكثافة اللحى. ثم تتلاحق الألوان الغريبة: والكتائب الخضراء، والسوداء، والصفراء بمسيراتها الهوائية، لا بخطواتها الهجومية. وسرعان ما يلحظ أن الكتيبة الخضراء كانت لنساء متجلببات منقّبات.
هذا الاقتحام الملون أدهش حوّاس. كيف للواحد أن يفك رموز هذا اللغز، ويتمرس بتأويل ألوانه؟ جميع هذه الألوان مقدسة، غير أن اللون الأبيض الذي شاءه النبي ـ صلعم ـ الأكثر قداسة، هو اللون الوحيد الغائب. يبدو أن هناك أسئلة تستحق الإجابة عنها. «فماذا تعني سرية الأمازونيات الخضراء؟». ولما زحمت الأفكار رأس حوّاس ومخيلته، انتبه لرجل يسير بمحاذاته، ويلحق بالركب. فالتفت ليرى عبد الغني الخطابي، أحد أفضل صحافيي: «صوت الإسلام»، الذي كان معروفاً بقلمه ونزاهته، والذي آثر أن يترك الصحيفة الحكومية التي يعمل فيها حوّاس، ليلتحق بالجـهاز الرسمي لحزب الأمة الإسلامية. يا لها من خسارة؟ هذا ما قاله حوّاس قبل أن يرد التحية على صديقه: «السلام عليك!! سعيد جداً أن أراك هنا!! لعلك تخبرني ما لا أعلمه».
قل لي يا عبد الغني: ما معنى ألوان تلك الكتائب؟
عبد الغني بلحيته الرفيعة، ووجهه السمح، وعينيه السوداوين اللتين بغير كحل، كان يوحي لحوّاس بكثير من الثقة. فهو وبدون أن يفكر، همس لحوّاس:
ـ الأخضر كتيبة أبي بكر الصديق، والأسود كتيبة عمر بن الخطاب، والأصفر كتيبة عثمان بن عفان.
ـ أول الخلفاء الراشدين.
وبعد أن استغرق حوّاس في التفكير، أضاف:
ـ هل تدل التسميات على رتبة من الرتب، أو على موقع من المواقع؟ ولمَ هذه الزمرة من النساء بالجلابيب الخضراء؟
وإذ أدهشت أسئلة حوّاس عبد الغني، أقسم له أنه عاجز عن الإجابة، ثم أردف وقال:
ـ طرحت نفس الأسئلة، غير أن أحداً لم يكن بمقدوره الإجابة. حتى أني سألت أحد أعضاء القيادة، فأجاب أن الوحيد الذي يعرف معنى الألوان، وما ترمز إليه زمرة النساء بالجلابيب الخضراء، هو الشيخ الأكبر.
ـ الشيخ الأكبر؟ أتعني أحد الزعيمين اللذين يسير أحدهما في مقدمة المظاهرة، والآخر في مؤخرتها؟
وإذ لم يشأ عبد الغني أن يورط نفسه في الإجابة على من يعتبره فناناً أكثر منه صحافياً، تملص من الإجابة، وبدَّل رأيه قائلاً:
ـ الشيخ الأكبر يوجد في كل مكان، وفي لا مكان. إنه يرى كل شيء، ولكنه لا يُرى.
وسرعان ما تناهى لمسمع حوّاس همس جاءه من الموكب، يقول:
ـ لكل لون وظيفته...
إلتفت حوّاس، ولحظ أن الصوت كان صوتاً أنثوياً دافئاً، جـاء من الكتيبة الخضراء، المخصصة للنساء بجلابيبهن وأنقبتهن الخضراء. حاول حوّاس بسرية تامة أن يحدد مصدر الصوت. ثم قرر أن يبقى بموازاة المصدر الذي انبعث منه الصوت. وسرعان ما عاد الصوت ليقول:
ـ مرحباً حوّاس!! هذه أنا!!
وقفز حوّاس كالمصعوق عندما سمع من يناديه باسمه. وراح يطرح الأسئلة حول ذلك اللغز، وهو يبحث بعينيه عمن حيّته باسمه. وسرعان ما تنبه لامرأة بجانبه، لوحت له بيدها اليمنى وقفازها الأخضر. ولما استفاقت غريزة الصياد القديم، همس حوّاس متسائلاً: «أيمكن أن تكون واحدة من محظياتي؟» فإن هذا الصوت ولو كان أليفاً، فظني أن امرأة من حزب الأمة الاسلامية، لم تتسلل إلى سريري! فهن نساء يقمن بإخصاء من يزني، خارج العلاقات الزوجية. راح يحدق فيها. كانت متوسطة القامة، وتسير بمرونة وخفة. تشبه كل الأخريات، وكأنها مقاتل صيني في فوج من أفواج الجيش الأحمر. ثم لاحظ حوّاس، أنها كانت على خلاف الأخريات، تلبس قفازاً أسود بيدها اليسرى، وقفازاً أخضر بيدها اليمنى.
وقرر حوّاس أن يلعب على حافة الخطر، بدون أن يلفت انتباه صديقه عبد الغني. أما عبد الغني، فكان في مكان آخر، منصرفاً لصلاته، وتجويد الآيات القرانية. وهمس حوّاس: من أنت؟ وكيف تعرفين إسمي؟
وأجابه الصوت بكل غنج ودلال، وبتنهيدة تبعث الموتى وتحييهم:
ـ «أنا هي من تنتظرها، ومن تشتهيها، ومن تسير بك في مسالك اللذة العليا. أكون عندك صباح غدٍ. إبتعد الآن، لئلا تثير الشبهات!!».
إذ ذاك التفت عبد الغني:
ـ حسبت أن صوتاً أنثوياً يكلمنا.
وسرعان ما ابتسم حوّاس ابتسامة من وقع على كنز، لم ينتظره، قبل أن يدحض سماع ذلك الصوت وينكره:
ـ ربما هو صوت ملاك، كلمك. يبدو أن أعضاء حزب الأمة الإسلامية، يسمعون أصواتاً، ويرون معجزات من السماء (في إشارة إلى اسم الله الذي ارتسم في السماء، أثناء اجتماع أعضاء الحزب). بحيث أن الكثير من المشاهدين صرخوا: يا للمعجزة، في حين بكى بعضهم، وسجد البعض الآخر بينما لم تكن تلك المعجزة سوى مؤثر مصنوعٍ بالليزر.
وسرعان ما لاحظ عبد الغني ما في لهجة صديقه من سخرية:
ـ إسمع، إن أحداً لم يقل بحدوث معجزة. فلو حسب الناس أن ألعاب الليزر التي رسمت اسم الله في السماء، كانت معجزة، فنحن سرعان ما أسقطنا الإعجاز، وأعدناهم من ضلال إلى رشد. إنها صحافة معسكركم السياسي وهي التي روجت القول بأن قادتنا، خدعوا مؤيديهم. يمكنكم اتهامنا بما تشاؤون، إلا أن نسخر من المؤمنين، كما كانت تفعل الأحزاب التاريخية التي تعد الوعد ونقيضه.
صفحة 10
وتابع عبد الغني وقال لحوّاس:
ـ أما المعجزة، فأنت الأدرى أين هي. إنها في خمول هذه الجماهير، التي لم تتغير منذ ثلاثين عاماً، والتي بالرغم من المظاهر الخداعة، بقيت تنتظر من يشعل نار الثورة. هذه هي المعجزة، يا أخي!! ولست بحاجة أن أقول لك ما أقوله، لأنك ترى رأيي. وأثناء انشغال حوّاس بصديقه، ضاع منه الصوت، ومصدره. فهو إن فكر فيها، تململ من نفاذ صبره: غداً سأريها الألوان كلها. فهي الخضراء، سأحولها إلى زرقاء، وسوداء، وبيضاء. ما الذي قالته لي؟ آه، نعم «سأسير بك في مسالك اللذة العلوية». اللذة!! من يحسب أن هذا قد يصدر من إحدى فتيات حزب الأمة الإسلامية؟ ألم تقل أغاتا كريستي: إن الطبيعة البشرية واحدة لا تتغير، وكانت أغاتا مصيبة في قولها. أما أنا فأقول «إنَّ المرأة واحدة لا تتغير، سواء ارتدت ثياباً قصيرة، أو سروالاً، أو جِلْباباً، يكفي أن تقربها في الوقت المناسب». ولما كان حوّاس من قراء الكاردينال ريتز، استدعى قولاً مأثوراً جاء في مذكراته، يقول فيه: «لكل شيء في هذا العالم زمنه القاطع، أما العبقرية فهي أن تدركه، وتمسك به». ولم يخطر ببال حوّاس، أن المرأة التي كلمته، لم تكن تدعوه لمضاجعتها، فعنده، لا مسلك للذة، إلا بالمضاجعة.
ولما أسرع حوّاس الخطى، لعله يلتحق بأول الموكب، ويستطيع أن يجري مقابلة مع الشيخ الذي يتقدم الموكب، حتى صعق بسرٍّ أفشاه عبد الغني إذ قال: «إن الزعيم الحقيقي لحزب الأمة الإسلامية، ليس محمد مورابي صاحب المواعظ النارية، الذي صار معبود الأحياء الشعبية، كما أنه ليس بوعلام القط بلحيته الناعمة الملمس كالحرير، وخطبه المتملقة والمخادعة. ولو أنك لا ترى في الإعلام غيرهما». شرعياً، هما مؤسسا حزب الأمة الإسلامية. أما الشيخ الأكبر، فليس له إلا السلطة الروحية، التي لا تؤثر في عصابات الحزب وجماعاته. ولكن، إن كان هذا هو الحال، فكيف يُعْقل أن يكون هو الوحيد الذي يملك حلّاً لِلُغز الألوان المختلفة. وعنده أيضاً تفسير لمشاركة النساء بالجلابيب الخضراء، في هذا الموكب. وراح حوّاس يحدث نفسه ويسأل: ولكن كيف يمكن الوصول إليه؟ وكلما تساءل حوّاس عن كيفية الوصول للشيخ الأكبر، تساءل أيضاً عن كيفية سد طريق الوصول إليه، لئلا يثير فضول الصحافيين، وينتزعون منه سبقاً صحفياً. فحوّاس لم يكن يعلم الكثير عن الشيخ الأكبر، لكن ما الذي سيكتبه؟ وسرعان ما قرر أن يملأ الفراغ بالأفغانيين المسلحين، وبالفيالق الملونة وكتائبها. فحوّاس كان على يقين، بأن الصحافة سوف تأتي بنفس المواضيع، سيبقى له أسلوبه المتميز، وكذلك زاوية النقد والهجوم.
فحوّاس في الأربعين من عمره، صار من ألمع الصحافيين الجزائريين. حتى أن الكثرين من زملائه، اعترفوا له بتحرجهم في الكتابة، في نفس الصفحة التي تخط فيها ريشته. «فكل الموضوعات الصارمة والأخرى المملة تصبح قابلة للقراءة، وتترك أثرها».
ولما كان حوّاس واثقاً من موهبته وقدراته، آثر متواضعاً، ألَّا يعيش نجماً من نجوم الأبراج العاجية. كان زملاء حوّاس من الشباب يقدرونه، ويعجبون به، أما القدماء منهم فكانوا يحسدونه ويمتدحون طريقة عيشه، وقلة طموحه، التي تفضح انتهازيتهم، وعظيم طموحهم. أولئك كانوا يجمعون مع السلطات دخلهم الكنسي ويراكمونه: في شراء العقارات والأراضي، والسيارات التي يتهادونها مقابل كتابات صحفية مجاملة. أما حوّاس فلم يكن يطلب شيئاً، ولم يكن عنده ما يعرضه ويفاخر به. لم يكن لديه غير مهنته. لا شيء يفرحه، غير عبارة بليغة، أو معلومة غير منشورة: «فأنا من أجل كلمة، أبيع زوجتي وسيارتي»، هذا ما كان يردده حوّاس، الذي لم يكن لديه زوجة أو سيارة. وهذا يفسر اكتفاءه بقلة العيش: فعلاقاته بالكتابة كانت تكاد أن تكون علاقة شهوانية. وغالباً ما قالت له محظياته بعد مضاجعتهن: «لو خُيرت بين الكتابة وبيني، لاخترت الكتابة وانصرفت إليها عني أليس كذلك؟». أما حوّاس فكان يقول: «أختاركما معاً، وأكتب عن جسدك المخملي أجمل كلمات الحب!!». ولم تكن أيّ محظية لتقاوم كل هذا الدفء، وكأنهن يتنازلن جميعهن، عن عروشهن. لغة من ذهب، وريشة من ذهب تغفو في أعماق حوّاس، وفيهما تكمن ثروته. فكثيراً ما عيرته حماته السابقة بفقره، هو الذي لم يكن لديه أراضٍ، وعقارات، وسيارات، بالمقارنة مع صهرها المليونير الأمّي والجاهل. حوّاس يكتفي بالضروري واللازم. ويحتقر كل الكماليات، حتى أنه لا يراها. فلو أخفق الواحد في الحصول على سيارة أو مسكن، وعدته بهما السلطات، ولم تفِ، لأصابته نوبة، ولسخر حوّاس من نوبته. فحوّاس لا يعنيه من الوعود إلا المضاجعة. هكذا يعيش حوّاس فرحاً ومتيماً.
وبعد زمن سار حوّاس على رأس الموكب الذي توقف قبالة المنزل القديم الذي سكنه ألبير كامو. ثم راح يشق طريقه ليصل إلى المنصة حيث سيخطب الزعيمان في الجمهور المحتشد. حوّاس يعرف خطبهما والأهداف: السلطة، الكفار، تطبيق الشريعة، تعاليم الإسلام، ولو أن الموكب لم يتوقف صدفة حيث سكن ألبير كامو. حوّاس لم يخطىء، فمذ نطق الشيخ مورابي بكلماته الأولى تبين له لون الخطبة وهدفها: «هل تعلمون سبباً لعقد هذا اللقاء هنا؟» ثم توقف الحضور معلقاً بحركة شفتيه، ولما تابع أشار بإصبعه إلى المنزل الذي هجرته عائلة كامو منذ ثلاثين عاماً: هنا يقع منزل المستعمر القديم ألبير كامو الذي حين خُيِّر بين العدالة وأمه، اختار أمه، وأسقط العدالة. وهذا يعني أنه سد أذنيه كي لا يسمع صرخات الجزائريين الذين عذّبوا. فليقتل المستعمرون، وليغتصبوا، ولينهبوا، المهم عنده ألّا يمس أحدهم أمّه، فرنسا... فكل الباقي من توابعها!!! وأجابته الحشود وقالت: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله!!» ثم تابع «إن ذاك الكافر وقف بوجه سكان هذه الأرض الطيبة، فاحتمى البعض به مستعمراً، وشاؤوا ردّ الاعتبار له. غير أن السؤال: أينتمي هؤلاء إلى أرض الإسلام التي ننتمي إليها؟» ثم صمت. وكانت الحشود الثائرة تردد: كلا! كلا! لهم دينهم ولنا ديننا!! وسنحاربهم حتى الموت! ونطردهم إلى بلد معبودهم كامو!! وكانت الزغاريد تنطلق من الشرفات!!
ولما سمع حوّاس الشيخ مورابي، تذكر النبي إذ دعا صحابته لصلاة الغائب على روح النجاشي الذي فارق الحياة. رغم أن النجاشي لم يكن مسلماً، بل نصرانياً. واحتار حوّاس في أمر الشيخ إذ قرر أن ينبش ماضي كامو، ويتركه فريسة للجموع، ثم راح يسأل: أية استراتيجية يخطط لها الشيخ؟ وهل أنه يتذرع بمهاجمة كامو، ليهاجم ويلعن لغته، وكل المتكلمين بها، ولأن مورابي كان تكتيكياً بارعاً، لم يتوجه مباشرة إلى الجماعات التي تثقفت بالثقافة الفرنسية. فهو كان يكتفي بالتلميح لا بالتصريح، ولو أنه كان يقصدهم.
«لا بأس بالتكتيك، ولو أنه لا ينطبق إلا على من شاء أن يسخر منهم؛ وليس له أن يصطاد الذباب بالخلّ. الكل يعلم أن بإمكان حزب الأمة الإسلامية أن يحظر استعمال اللغة الفرنسية ويمنعها، وهو ما يفعله الآن بابتهاج وفرح، فعنده أن لغة الجزائر الوحيدة، هي لغة القرآن. إذن لِمَ هذا الخطاب الإيحائي والتلميحي؟ وهل غيَّر المورابي تكتيكه؟ وهو ما أدهش حوّاس وأربكه. وكأن أحداً كان يقرأ أفكاره، لما همس له الصوت المخملي وقال: «هذا ليس خطابه، فهو يتكلم بلغة مباشرة لا إيحاء فيها ولا تلميح، وإنما هو خطاب الشيخ الأكبر»! وقفز حوّاس كأن أحد الملتحين قبّله، ولما استدار رأى قامة ظريفة تتدثر بجلابية خضراء، تندس بين حشود حزب الأمة الإسلامية، التي تفسح لها الطريق بكل مودة واحترام. شاء أن يلحق بها، غير أن سداً من الملتحين قطعوا عليه الطريق. ولم يعرف إذا كانت هي المرأة التي سيلتقيها في غدٍ.
ولشدة دهشته، لم يتذكر قفازيها، لعله يتعرف إليها. ثم لم يكن لديه متسع من الوقت، فكأن ما حدث لم يستغرق ثانية. ولكن حوّاس تيقن من وجود الشيخ الأكبر، وارتعش سعيداً، بسبق صحفي، يشبه عنده رعشة الجماع ومتعتها: هي نفس النشوة التي تمهّد للذة الإشباع.
وكان حوّاس يتذكر تدخل المرأة، التي تؤكد له وجود الشيخ الأكبر. وها هو يتذكر عبارة باستور: «إن الصدفة لا توحي إلا لأرواح تهيأت لها»!! فحوّاس بالرغم من إيمانه بالصدفة، كان يظن أن هناك كائناً يأمره. فهو كقدماء الرومان، ينصت إلى إيحاءات الطبيعة: فعندما يأتيه قصف الرعد، يقرر أن يقطع اتصالاً هاتفياً يراوغ به إحدى المحظيات التي التصقت به عبر الهاتف؛ وها هي العصافير تزقزق على شرفته صباحاً، حتى تعلن طالع سعده!!
فهو لا يتخذ قراراً هاماً بغير بركة أمه، التي كأنها مهبط وحيه. فالأحلام عنده كمثل النبوءات. فهو إذ رأى سناً ينكسر راح ينتظر مصيبة. ولشدة ما انتظر مصيبته، سرعان ما حلت به. كان حوّاس يتعزى، إذ تتحقق هواجسه ومخاوفه. ولم يكن حوّاس ليختلف عن قدماء الرومان وقد أبحروا بين ضفتي المعقول واللامعقول!!
ـ أما المعجزة، فأنت الأدرى أين هي. إنها في خمول هذه الجماهير، التي لم تتغير منذ ثلاثين عاماً، والتي بالرغم من المظاهر الخداعة، بقيت تنتظر من يشعل نار الثورة. هذه هي المعجزة، يا أخي!! ولست بحاجة أن أقول لك ما أقوله، لأنك ترى رأيي. وأثناء انشغال حوّاس بصديقه، ضاع منه الصوت، ومصدره. فهو إن فكر فيها، تململ من نفاذ صبره: غداً سأريها الألوان كلها. فهي الخضراء، سأحولها إلى زرقاء، وسوداء، وبيضاء. ما الذي قالته لي؟ آه، نعم «سأسير بك في مسالك اللذة العلوية». اللذة!! من يحسب أن هذا قد يصدر من إحدى فتيات حزب الأمة الإسلامية؟ ألم تقل أغاتا كريستي: إن الطبيعة البشرية واحدة لا تتغير، وكانت أغاتا مصيبة في قولها. أما أنا فأقول «إنَّ المرأة واحدة لا تتغير، سواء ارتدت ثياباً قصيرة، أو سروالاً، أو جِلْباباً، يكفي أن تقربها في الوقت المناسب». ولما كان حوّاس من قراء الكاردينال ريتز، استدعى قولاً مأثوراً جاء في مذكراته، يقول فيه: «لكل شيء في هذا العالم زمنه القاطع، أما العبقرية فهي أن تدركه، وتمسك به». ولم يخطر ببال حوّاس، أن المرأة التي كلمته، لم تكن تدعوه لمضاجعتها، فعنده، لا مسلك للذة، إلا بالمضاجعة.
ولما أسرع حوّاس الخطى، لعله يلتحق بأول الموكب، ويستطيع أن يجري مقابلة مع الشيخ الذي يتقدم الموكب، حتى صعق بسرٍّ أفشاه عبد الغني إذ قال: «إن الزعيم الحقيقي لحزب الأمة الإسلامية، ليس محمد مورابي صاحب المواعظ النارية، الذي صار معبود الأحياء الشعبية، كما أنه ليس بوعلام القط بلحيته الناعمة الملمس كالحرير، وخطبه المتملقة والمخادعة. ولو أنك لا ترى في الإعلام غيرهما». شرعياً، هما مؤسسا حزب الأمة الإسلامية. أما الشيخ الأكبر، فليس له إلا السلطة الروحية، التي لا تؤثر في عصابات الحزب وجماعاته. ولكن، إن كان هذا هو الحال، فكيف يُعْقل أن يكون هو الوحيد الذي يملك حلّاً لِلُغز الألوان المختلفة. وعنده أيضاً تفسير لمشاركة النساء بالجلابيب الخضراء، في هذا الموكب. وراح حوّاس يحدث نفسه ويسأل: ولكن كيف يمكن الوصول إليه؟ وكلما تساءل حوّاس عن كيفية الوصول للشيخ الأكبر، تساءل أيضاً عن كيفية سد طريق الوصول إليه، لئلا يثير فضول الصحافيين، وينتزعون منه سبقاً صحفياً. فحوّاس لم يكن يعلم الكثير عن الشيخ الأكبر، لكن ما الذي سيكتبه؟ وسرعان ما قرر أن يملأ الفراغ بالأفغانيين المسلحين، وبالفيالق الملونة وكتائبها. فحوّاس كان على يقين، بأن الصحافة سوف تأتي بنفس المواضيع، سيبقى له أسلوبه المتميز، وكذلك زاوية النقد والهجوم.
فحوّاس في الأربعين من عمره، صار من ألمع الصحافيين الجزائريين. حتى أن الكثرين من زملائه، اعترفوا له بتحرجهم في الكتابة، في نفس الصفحة التي تخط فيها ريشته. «فكل الموضوعات الصارمة والأخرى المملة تصبح قابلة للقراءة، وتترك أثرها».
ولما كان حوّاس واثقاً من موهبته وقدراته، آثر متواضعاً، ألَّا يعيش نجماً من نجوم الأبراج العاجية. كان زملاء حوّاس من الشباب يقدرونه، ويعجبون به، أما القدماء منهم فكانوا يحسدونه ويمتدحون طريقة عيشه، وقلة طموحه، التي تفضح انتهازيتهم، وعظيم طموحهم. أولئك كانوا يجمعون مع السلطات دخلهم الكنسي ويراكمونه: في شراء العقارات والأراضي، والسيارات التي يتهادونها مقابل كتابات صحفية مجاملة. أما حوّاس فلم يكن يطلب شيئاً، ولم يكن عنده ما يعرضه ويفاخر به. لم يكن لديه غير مهنته. لا شيء يفرحه، غير عبارة بليغة، أو معلومة غير منشورة: «فأنا من أجل كلمة، أبيع زوجتي وسيارتي»، هذا ما كان يردده حوّاس، الذي لم يكن لديه زوجة أو سيارة. وهذا يفسر اكتفاءه بقلة العيش: فعلاقاته بالكتابة كانت تكاد أن تكون علاقة شهوانية. وغالباً ما قالت له محظياته بعد مضاجعتهن: «لو خُيرت بين الكتابة وبيني، لاخترت الكتابة وانصرفت إليها عني أليس كذلك؟». أما حوّاس فكان يقول: «أختاركما معاً، وأكتب عن جسدك المخملي أجمل كلمات الحب!!». ولم تكن أيّ محظية لتقاوم كل هذا الدفء، وكأنهن يتنازلن جميعهن، عن عروشهن. لغة من ذهب، وريشة من ذهب تغفو في أعماق حوّاس، وفيهما تكمن ثروته. فكثيراً ما عيرته حماته السابقة بفقره، هو الذي لم يكن لديه أراضٍ، وعقارات، وسيارات، بالمقارنة مع صهرها المليونير الأمّي والجاهل. حوّاس يكتفي بالضروري واللازم. ويحتقر كل الكماليات، حتى أنه لا يراها. فلو أخفق الواحد في الحصول على سيارة أو مسكن، وعدته بهما السلطات، ولم تفِ، لأصابته نوبة، ولسخر حوّاس من نوبته. فحوّاس لا يعنيه من الوعود إلا المضاجعة. هكذا يعيش حوّاس فرحاً ومتيماً.
وبعد زمن سار حوّاس على رأس الموكب الذي توقف قبالة المنزل القديم الذي سكنه ألبير كامو. ثم راح يشق طريقه ليصل إلى المنصة حيث سيخطب الزعيمان في الجمهور المحتشد. حوّاس يعرف خطبهما والأهداف: السلطة، الكفار، تطبيق الشريعة، تعاليم الإسلام، ولو أن الموكب لم يتوقف صدفة حيث سكن ألبير كامو. حوّاس لم يخطىء، فمذ نطق الشيخ مورابي بكلماته الأولى تبين له لون الخطبة وهدفها: «هل تعلمون سبباً لعقد هذا اللقاء هنا؟» ثم توقف الحضور معلقاً بحركة شفتيه، ولما تابع أشار بإصبعه إلى المنزل الذي هجرته عائلة كامو منذ ثلاثين عاماً: هنا يقع منزل المستعمر القديم ألبير كامو الذي حين خُيِّر بين العدالة وأمه، اختار أمه، وأسقط العدالة. وهذا يعني أنه سد أذنيه كي لا يسمع صرخات الجزائريين الذين عذّبوا. فليقتل المستعمرون، وليغتصبوا، ولينهبوا، المهم عنده ألّا يمس أحدهم أمّه، فرنسا... فكل الباقي من توابعها!!! وأجابته الحشود وقالت: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله!!» ثم تابع «إن ذاك الكافر وقف بوجه سكان هذه الأرض الطيبة، فاحتمى البعض به مستعمراً، وشاؤوا ردّ الاعتبار له. غير أن السؤال: أينتمي هؤلاء إلى أرض الإسلام التي ننتمي إليها؟» ثم صمت. وكانت الحشود الثائرة تردد: كلا! كلا! لهم دينهم ولنا ديننا!! وسنحاربهم حتى الموت! ونطردهم إلى بلد معبودهم كامو!! وكانت الزغاريد تنطلق من الشرفات!!
ولما سمع حوّاس الشيخ مورابي، تذكر النبي إذ دعا صحابته لصلاة الغائب على روح النجاشي الذي فارق الحياة. رغم أن النجاشي لم يكن مسلماً، بل نصرانياً. واحتار حوّاس في أمر الشيخ إذ قرر أن ينبش ماضي كامو، ويتركه فريسة للجموع، ثم راح يسأل: أية استراتيجية يخطط لها الشيخ؟ وهل أنه يتذرع بمهاجمة كامو، ليهاجم ويلعن لغته، وكل المتكلمين بها، ولأن مورابي كان تكتيكياً بارعاً، لم يتوجه مباشرة إلى الجماعات التي تثقفت بالثقافة الفرنسية. فهو كان يكتفي بالتلميح لا بالتصريح، ولو أنه كان يقصدهم.
«لا بأس بالتكتيك، ولو أنه لا ينطبق إلا على من شاء أن يسخر منهم؛ وليس له أن يصطاد الذباب بالخلّ. الكل يعلم أن بإمكان حزب الأمة الإسلامية أن يحظر استعمال اللغة الفرنسية ويمنعها، وهو ما يفعله الآن بابتهاج وفرح، فعنده أن لغة الجزائر الوحيدة، هي لغة القرآن. إذن لِمَ هذا الخطاب الإيحائي والتلميحي؟ وهل غيَّر المورابي تكتيكه؟ وهو ما أدهش حوّاس وأربكه. وكأن أحداً كان يقرأ أفكاره، لما همس له الصوت المخملي وقال: «هذا ليس خطابه، فهو يتكلم بلغة مباشرة لا إيحاء فيها ولا تلميح، وإنما هو خطاب الشيخ الأكبر»! وقفز حوّاس كأن أحد الملتحين قبّله، ولما استدار رأى قامة ظريفة تتدثر بجلابية خضراء، تندس بين حشود حزب الأمة الإسلامية، التي تفسح لها الطريق بكل مودة واحترام. شاء أن يلحق بها، غير أن سداً من الملتحين قطعوا عليه الطريق. ولم يعرف إذا كانت هي المرأة التي سيلتقيها في غدٍ.
ولشدة دهشته، لم يتذكر قفازيها، لعله يتعرف إليها. ثم لم يكن لديه متسع من الوقت، فكأن ما حدث لم يستغرق ثانية. ولكن حوّاس تيقن من وجود الشيخ الأكبر، وارتعش سعيداً، بسبق صحفي، يشبه عنده رعشة الجماع ومتعتها: هي نفس النشوة التي تمهّد للذة الإشباع.
وكان حوّاس يتذكر تدخل المرأة، التي تؤكد له وجود الشيخ الأكبر. وها هو يتذكر عبارة باستور: «إن الصدفة لا توحي إلا لأرواح تهيأت لها»!! فحوّاس بالرغم من إيمانه بالصدفة، كان يظن أن هناك كائناً يأمره. فهو كقدماء الرومان، ينصت إلى إيحاءات الطبيعة: فعندما يأتيه قصف الرعد، يقرر أن يقطع اتصالاً هاتفياً يراوغ به إحدى المحظيات التي التصقت به عبر الهاتف؛ وها هي العصافير تزقزق على شرفته صباحاً، حتى تعلن طالع سعده!!
فهو لا يتخذ قراراً هاماً بغير بركة أمه، التي كأنها مهبط وحيه. فالأحلام عنده كمثل النبوءات. فهو إذ رأى سناً ينكسر راح ينتظر مصيبة. ولشدة ما انتظر مصيبته، سرعان ما حلت به. كان حوّاس يتعزى، إذ تتحقق هواجسه ومخاوفه. ولم يكن حوّاس ليختلف عن قدماء الرومان وقد أبحروا بين ضفتي المعقول واللامعقول!!