eKtab
EN ع
الصلاة الأخيرة على باب الكنيسة
اقرأ عينة مجانية

الصلاة الأخيرة على باب الكنيسة

بقلم نواف رضوان

صفحة 1
في حانة الغرباء
 
حقّا نحنُ خارج العالم، ما من صوتٍ هُنا، حاسّة اللمس تفارقني··· ما أوهنني
 
آرتور رامبو
 
في حانة الغرباء
 
وكأنّني في حانة الغرباءِ،
 
لا وَطَنٌ ولا منفى أسيرُ به،
 
ولا سُبُلٌ تسيّرني
 
أبي ما ليس يشبهني، أنا أبتِ،
 
وأمّي: من صدى لغتي على شفتي
 
لهيبٌ ملءَ أوردتي سيرفعني على قلقٍ،
 
وتشعلني الرياحُ إذا وقعتُ مضرّجا بدمي وأسئلتي·
 
في حانة الغرباءِ، يأكلُ صمتُنا الجدرانَ،
 
تتّسع الرؤى، ونضيقُ في أجسادِنا
 
كم كانَ حلوًا يومَ ماتَ أبي، وودّعني
 
يقولُ الشابُ للمرآةِ، والمرآةُ نافذةٌ تطلُّ عليهِ·
 
كم كانَ الهواءُ يعجّ بالموتى لأني لم أزلْ وحدي
 
على قيدِ الألمْ
 
ويصيحُ آخرُ : كنتُ أمسِكُ بالمعرّي
 
قبلَ أن أعمى فقلتُ له :
 
أنا أعمى أنا أعمى
 
فكانت حينَها لُغتي···
صفحة 2
في حانةِ الغرباءِ تكتشفُ الحبيبةُ أنّها لم تُمضِ ما يكفي
 
من الأحلامِ والأوهامِ،
 
والوقتُ انتهى لتعيدَ ما قد ضاعَ،
 
والوقتُ انتهى ليحملقَ الحبُّ الخفيفُ بها
 
هي الأمواجُ ترفعها،
 
هي الأمواجُ تنزلها،
 
هي الأمواج تشعلها وتطفئها،
 
هو الموجُ البعيدُ يطلُّ، موج الحبِّ
 
والوقتُ انتهى لتحبَّ ثانيةً
 
تصيحُ بكلِّ شهوتها : كأنّكِ يا رياحُ غدرتِني وقتلتِ فيَّ الموتَ·
 
يفضحها التوتّرُ في أصابعها، وتربكها عيون الحائرينَ هُنا
 
وقد نسيتْ مِزاجَ الحبِّ في الطرقاتِ، قبلَ وقوعِها في حانةِ الغرباءِ
 
قبلَ وقوعِ لهفتها على ماضٍ تلاشى في الضبابِ
 
وحاضرٍ ملءَ الغيابِ، كأنّها اتخذتْ تخيّلها؛
 
لتوقعَ ظلّها في الفخِ قبلَ وقوعِها·\\
 
في حانة الغرباءِ، تنعكس المصابيحُ القديمةُ في الكؤوس،
 
ونشتهي قَمَرا يصيبُ الحالمينَ برعشةِ الغرباء،
 
لم أجدِ الهويّة بعدُ، أرهقني التشرّد حينَ أفقدني التمرّدُ كلّ أحلامِ الطفولةِ
 
لم أجد وطنا لأسكنهُ سوى بيتٍ من الشعرِ الذي فاضتْ أسامينا عليه·
 
أفيضُ حبّا حينَ يفضحني البنفسجُ كلّما كتبوا على القبرِ الرخاميّ الصغير : هُنا الشهيدُ
 
وكلّما كتبوا سيتبعهُ الوليدُ· 
صفحة 3
في حانة الغرباءِ، يهذي شاعرٌ ويقولُ مِتُّ لكي أُريحَ وأستريحَ
 
من القصيدةِ، لا مفرّ من البكاءِ، ولا مفرّ من المفرّ
 
ولدتُ ليلةَ كنتُ شهوةَ أمّيَ الأولى
 
ولم أقلِ الحقيقةَ مطلقًا،
 
فأنا الحقيقةُ، والخيالُ هو الولادةُ مرّةً أخرى على وَجَعِ القصيدةِ مرغَمًا
 
لا صدفةً، وأنا الخيالُ وما أردتُ وما فقدتُ·
 
أريدُ أن أجدَ الكلامَ على شفاهيَ دونَ أن أمشي على الأسوارِ
 
ثمّ أموتُ من فرطِ اندهاشي
 
لا أريدُ سوى النهاية في وجودي
 
والسقوط الحرّ في لغتي أنا، من قمّةٍ عمياءَ تشبهنـي· 
 
في حانةِ الغرباءِ، تجلسُ فوقَ مقعدها فتاة،ٌ
 
لم تقل شيئا لتقتلَ شاعرًا،
 
فاضتْ أنوثتُها على البلّور، وانتفضت لتذبحَ في أنوثتها فتاها من تحطّهم كأسِها·
 
ما زلتَ تكتبُ في قصيدتكَ التي لم تنهِها :
 
سالتْ دماءُ العاشقةْ
 
وخطاكَ تهتزُّ اكتمالا للندى
 
وخطى القتيلة واثقةْ· 
 
مع كلّ موتٍ سوفَ يحييها مجازُكَ حينَ تقتلها وتعبدها معا،
 
هو أمرُها المعتاد أن تشتدّ في كلماتِ شاعرها
 
وأن تحتدّ في هذيانهِ
 
هو أمرُها المعتادُ أن تمتدّ كالأفعى مضرّجةً
 
وتطلقَ صرخةَ البلّور في هذيانِها· 
صفحة 4
في حانةِ الغرباءِ، أجلسُ كي أرى ما لا يُرى،
 
والكأسُ تشربني على مَهَلٍ، وتكسرني،
 
هُنا ليلٌ وراءَ الليلِ، يكبُرُ حينَ تصرعني مصابيحُ النوافذ كلّما أمعنتُ في الذكرى،
 
إلى الأعلى سأصعدُ مثقلا بالروحِ حينَ يخونني صوتي ورجعُ صداهُ·
 
يا وَطَنًا بنزفِ النونِ يصحبني إلى ذكرايَ من زمنٍ إلى زمنٍ متى سأعودُ لكْ ؟
 
ومتى يعودُ محاربٌ للبيتِ بعدَ الموتِ
 
يا وَطَني متى سأعودُ لكْ·
 
في حانةِ الغرباءِ، أحيا كي أردّ إلى الأصابعِ
 
حيرتي وتوجّسي منّي
 
تتبعتُ الخطايا كلّها، وذبحتُ أحصنتي على عتباتِ هذا الليل· 
 
يسألني الغريبُ بجانبي : ماذا رأيتَ اليومَ في حُلمكْ
 
فأجيبهُ : وأنا الغريبُ هناك لم أحلمْ، 
 
لقد أتقنتُ تكسيرَ الزجاجِ،
 
وأتقنَ الأمواتُ تكسيري
 
فلم أحلم لأمضي خلفَ نسياني
 
أنا لغةٌ من الأوهامِ تتبعني هنا يا صاحبي،
 
فيجيبني: 
 
(وكأنّنا في حانةِ الغرباءْ)
صفحة 5
أرى قَمَرًا جَريحا
 
 
 
في عالمِ النسيانِ، تأخذني الرُؤى صُوَرًا من الماضي إلى يَدِها،
 
وتكتبني البلادُ مجازَ أمنيةٍ قُبيلَ الفجرِ
 
حينَ أرى عصافيرَ الجليلِ تئنُّ من أثَرِ الرحيلِ،
 
وحينَ أسرقُ ما تبقّى من صُراخٍ خلفَ حُنجرتي···
 
أرى قَمَرا جريحا فوقَ شرفةِ جُرحِنا يمشي
 
يطلُّ على الصبايا الناعسات الحالمات الفاتِناتِ
 
بخوفهنَّ مِن التقاءِ البحرِ مع أجسادِهنّ
 
كأنهنّ قتلنَ دوريّا على وَجَعِ السحابِ
 
ونمنَ من تعبِ الحياةْ،
 
وكتبتُ فوقَ الرملِ : تنقصُنا الحياةْ·
 
ومشيتُ أصنعُ دربيَ المفقود قبلَ سقوطِ أغنيتي بكأسِ الخمرِ
 
أعرفُ أنني حَجَرٌ، وأعرفُ أنني مَطَرٌ جنونيٌّ
 
وأنّ على الأيائِلِ أن ترى جُرحي هُناكَ
 
على مشارِفِ وَردةٍ نَبَتت على سورِ الهزيمةِ حيثُ كنتُ أعدُّ أشلائي على مَضَضٍ
 
وأعرفُ أنني حرٌّ إذا ما كنتُ يوما شاعرا، أو عاشقــاً· 
 
في عالمِ النسيانِ يوقعني الصَدى، في ظلِّ أغنيةٍ
 
وأسمعُ كلَّ شيء في رياحِ الساحلِ المنسابِ في خصرِ امرأةْ
 
وَجَعٌ هو الشعرُ الذي لن نقرأهْ
 
في عالمِ النسيانِ، أسقطُ في مخيّلتي، مجازاً من ترابٍ واقترابٍ
 
حينَ يبتعدُ الكلامُ إلى ولادةِ غيمةٍ بيضاءَ، تحملُ شاعرا حرّاً
صفحة 6
وأنسى أنني المنفيُّ من صوتي، إلى صوتٍ سيحفظُ جيّدا عن ظهرِ خوفٍ
 
كلّما ارتدّ الصدى جرحا وذاكرةً وصوتاً من رحيلْ
 
أنا يا بلادي قاتلٌ··· وأنا االقتيلْ
 
عن ظهرِ قافيتي وقعتُ؛ لأصعدَ الكلمات محمولا بأغنيتينِ:
 
حيفا حينَ أبصرُها وتبصرني
 
وعاشقةٌ تجنّ من الخريفِ، ومن جنوني وانكساراتي·
 
ولمْ أكتب عن الأمواتِ والأحياءِ بعدَ ولادةِ الأسمـــاءِ،
 
أغرتني الحجارةُ حينَ أبصرتُ الكلامَ، فتهتُ أبحثُ عن رؤايَ
 
وأكتبُ الوَطَنَ البعيدَ كما أراهُ على امتدادِ البحرِ،
 
لا وَطَنًا من الآلامِ والأوجاعِ·
 
أكتبُ ما أريدُ، وأرتمي في حضنِ سيّدةٍ تطلُّ على نهايَتِهــا،
 
وترمي في المدى نردا، فيبصرُها العَدَمْ
 
وَجَعٌ هي الأشعارُ في ظلّ الكتابةِ والألمْ·
 
ما زالَ متّسعٌ من الموتى، وما زالَ المدى يمشي على مهَلٍ؛
 
لندركَ أننا لغةٌ، وخوفٌ في البعيدِ يفرُّ من وَجَعِ الرصاصِ إلى الكلامِ العاطفيِّ
 
ولا نحبُّ من المدى، إلا الصباحَ
 
ولا رجوعَ لأننا كنّا الضحايا في مواعيدِ البريد،
 
وما تبقّى من حريرٍ كي نَخيطَ بهِ العَلمْ· 
صفحة 7
ساعي بريد الحبّ يحملنا إلى أحلامِنا
 
ساعي البريد سيوصلُ الذكرى نهايتَها،
 
ويوصلُنا المجازَ: (حمامتانِ تخضّبانِ الأفقَ في مأساتِنا الأولى)،
 
سنُدرِكُ في السنابلِ خوفَنا من كلِّ شيءٍ كاملِ الذكرى
 
ونحملُ صورةَ النسيانِ أشلاءً مكدّسةً
 
ونحيا مثلما كنا صغاراً، هانئينَ
 
كأننا لم نأتِ هذا العالمَ المنسيَّ في النسيانِ·
 
يخضرُّ المدى في أرضِنا، إن قالتِ امرأةٌ ترفّقْ بي قليلا يا حبيبــي
 
أنتَ للوجعِ الطفيفِ وأنتَ للذكرى
 
ولا ذكرى بدونِكْ
 
فيجيبُها : أنا للكتابةِ حينَ يسحبني الكلامُ إلى الكلامِ
 
وإنني لليلِ يُجرحُ في عيونِكْ
 
قَمَرٌ يطلُّ على الدَمِ المسفوكِ في أرضِ القصائدِ هـهُنا
 
ما زالَ متّسعٌ من النقصانِ والموتى بِنا كي نكتملْ
 
وهُنا هُناكَ، ولا وصولَ إلى الندى···
 
ساعي بريد الحبّ وحدهُ من يصلْ···
 
ساعي بريد الحبّ وحدهُ من يصلْ·
صفحة 8
حيفا··· بدأ الحصار
 
 
 
جَرَسٌ ومنفى وانتظارْ
 
وأصابعٌ تغفو على حيفا
 
ومنفى··· قد تكاثرَ في جَسدْ،
 
وشرودُ دوريٍّ يغنّي للبلدْ 
 
جَرَسٌ وصوتٌ وارتدادٌ للصدى
 
وبدايةٌ قبلَ الجنونِ على رصيفِ الإنكسارْ
 
بدأ الحصارْ 
 
نارٌ تراقصُ نفسها في الريحِ
 
موسيقا التوحّدِ في السؤالِ عن الوجودِ
 
وغايةُ المنفيِّ من لغةٍ
 
تبعثرُ ما استطاعتْ من شتاتِ الروحِ
 
في أعلى القصائدِ حيثُ تسكنُ طلقةٌ أو طلقتانْ
 
هي مرّةٌ أخرى لنحتملَ المكانْ
 
هي فرصةٌ أخرى لنسألَ عن وجودِ اللهِ
 
فوقَ الكرمَلِ الأبديِّ
 
كي نَزِنَ التفرّد قبلَ رحلتنا
 
إلى الصوفيِّ
 
إذ نمشي على خيطٍ من الإلحادِ
صفحة 9
لا يهتزُّ إلا إن ثبتنا في مرايا الصورةِ الأولى
 
لتنعكسَ الصورْ
 
قَدَرٌ يفرّ من القدرْ 
 
حُبلى بألفِ قصيدةٍ حيفا
 
وفي العشبِ القصيرِ طفولةٌ
 
قد جاورتْ أرضَ الألوهةِ في "زمانِ التينِ والزيتونِ والبلدِ الأمين"
 
حبلى بألفِ رصاصةٍ وجنازةٍ
 
تدنو من الفردوسِ في وطني الحزينْ
 
لسنا نُفتّشُ عن بقايا موتِنا
 
ونعودُ من حيثُ ابتدأنا···
 
في نهاياتِ الخيولِ
 
ورعشةِ الناياتِ
 
ثمّ نموتُ في الرمقِ الأخيرِ
 
لنهتدي···
 
نعشٌ لحيفا، والبقيّةُ للصدى
 
والماءُ قبلَ الأنبياءْ
 
وكذا المساءْ
 
والوردُ بعد الموتِ سوفَ يشابهُ الموتى
 
إذا وضعوهُ فوقَ رخامةٍ
 
نقشوا عليها الإسمَ وانصرفوا إلى أشغالهم·
 
لِنُعدّ هذي الأرض من جثث تخلّدُ نفسها
 
حيفا مبللةٌ بماءِ الوردِ
 
والنسيانُ يقذِفُها
صفحة 10
هنا الموتى ظلالٌ في مهبّ النورِ بعدَ هروبِ قبّرتينْ
 
وغمامةٌ تمشي على مهلينْ 
 
حيفا···
 
وهذا الليلُ مرآةُ التماهي،
 
أوّلُ المطرِ الثقيلِ يلملمُ الذكرى
 
من الدحنونِ في شكلِ اقتباسِ الدمِّ·
 
لا ماضٍ لنرجعهُ
 
ولا خوفٌ من النسيانِ في صوتِ الرصاصِ هنا لنسمعهُ
 
ولا لغةٌ تئنّ لننتشي،
 
حيفا تطلُّ على الوجودِ وتستحي
 
حيفا عروسُ الآلهةْ 
 
حيفا تُعدّ لنا الحياةَ على رمالِ الشاطئ المسروقِ
 
ثمّ تقولُ : يا ولدي
 
تشبّث بالدموعِ ولا تخفْ 
 
للماءِ وقعُ خطى المسافرِ
 
من بداياتِ الجنوبِ
 
إلى نهاياتِ القصائدِ في مجاز حقيبةٍ
 
تعبتْ من الترحالِ
 
والظلُّ الطويلُ تلوّنت أطرافهُ
 
بالأحمرِ الدمويِّ
 
فاحترقَ المسافرُ كي يعودَ
 
ليسألَ الدوريّ عن ميناءِ حيفا
 
ثمّ كيفَ اللهُ ينسى أنبياءَ الشّمسِ والصبّارِ
 
يا أرضُ احبلي شهداءَ منسيينَ
 
كوني عاقرا