تقديم:
يعكس السلام أكثر القيم الأساسية التي يتوق إليها الإنسان، وهي حق الحياة. فالسلام هو حق من حقوق الأب في الدفاع عن ابنه من الفقر والنزاع. والسلام هو شريعة من شرائع المجتمع التي تأمر الإنسان بوضع سلاحه.
ورغم أن بالإمكان أن نرى في السلام انعكاساً "لوضع الطبيعة"، فإن الحرب تبدو بمثابة الأمر الوحيد الدائم في التاريخ الإنساني، والسلام هو الهامش الزمني الفاصل بين الحروب، والحرب تثار بصورة مشروعة من أجل توفير الردود الشافية لصالح المجتمع.
لقد أسهمت التكنولوجية واقتصاد السوق الحر في تحويل العالم إلى قرية عالمية واحدة، هذا في الوقت الذي تشكل فيه ظاهرة العولمة عاملاً حيوياً قادراً على صنع السلام العالمي. ورغم ذلك فإن الثراء الفاحش نجم عن تضافر قوى العولمة وتكدس في دهاليز العالم المتحضر.
وفي الوقت الذي يواصل فيه المحظوظون وأولئك المتمتعون بالعولمة تكديس رؤوس الأموال والمعلومات والقوة والتمتع بالوصول إلى مستويات ثقافية لامثيل لها من وسائل الإعلام ومستوى الحياة وخلق ثقافات متعددة والتي هي بمثابة نتاج لهذه الظاهرة، فإن النصف الآخر من العالم لا زال يعيش في خضم واقع متنافر تماماً عن العالم الذي أشرنا إليه.
فشعوب الدول غير النامية لازالت فقيرة وتعتورها الأمراض، بل والكثير من هذه الدول قائمة فقط من أجل إبقاء التعارضات.
إن الهوة الآخذة في الاتساع بصورة دائمة بين دول العالم النامية والعالم المتطور تخلق مشكلة جديدة تهدد السلام العالمي. إن المزاوجة بين الفقر والأيديولوجيا المتطرفة وتطوير أسلحة الدمار الشامل يخلق مزيجاً مدمراً يزرع جذوره في الأرض الخصبة التي تمثلها الجماهير المحبطة والمنبوذة.
وفي ظل مثل هذا الوضع، فإن خلق السلام والحفاظ عليه هما بمثابة مهمة وتطلع مضنيين. وفي إطار هذا المفهوم، فإن العالم التواق للسلام لا يقف في مواجهة عدو بالمفهوم التقليدي للكلمة بل عليه أن يواجه ويتعامل مع قضايا مطروحة على جداول الأعمال، مثل الفقر، والتطرف، والإرهاب، وانتشار الأسلحة اللاتقليدية، والتلوث والنبذ الحضاري.
لقد أسهمت العولمة في تعميق هذه التحديات، ومن الجدير بالذكر أن مكانة الدولة في حالة تراجع وتدنٍ مستمرة نظراً لكونها تنتقل من المؤسسات الحكومية المركزية إلى منظمات أخرى، فقد انتقل رأس المال من القطاع العام إلى القطاع الخاص، وتحسين القيم الاجتماعية أصبح مهمة من مهام المنظمات غير الحكومية، بل أن الحرب لم تعد إلى حد كبير عملاً من أعمال الدولة، بل عملاً من أعمال قوى حرب العصابات.
وإزاء هذا الوضع العالمي، يتوجب إحداث إصلاحات على صعيد صنع السلام، حيث يجب على الائتلافات الجديدة للقوى تمهيد الطريق أمام سلامة المواطنين مع الدمج بين عوامل معقدة من المشاركين والتفاعلات التي تضمن الحفاظ على السلام وتحويله إلى سلام دائم.
ويحاول اوري سفير في هذا الكتاب مواجهة هذه التحديات الهامة عبر خلق وضع ملائم لصنع سلام يعكس شجاعة وتجدداً ويقوم على خبرته الواسعة بوصفه صانع سلام.
إن هذا الكتاب الفذ يعرض أمام القارئ اتجاهاً جديداً ونضراً لمواجهة أكبر تحديات هذا العصر وهو صنع السلام، ولا شك أن هذا الكتاب سيسهم في الجدل الدائر حول القضية الشائكة: كيف نصنع السلام في عصرنا؟؟
شمعون بيرس
مقدمة:
لقد عملت على إعداد هذا الكتاب انطلاقاً من أزمة شخصية وقومية، فعلى الصعيد الشخصي بدأت كتابته خلال عملية الشفاء من جلطة دماغية شديدة. وهناك من يقول أن الأزمات تجعل الذهن أكثر حدة، وهذا ما أثبتته تجربتي حقاً، فقد أسهمت عملية تأليف الكتاب في ربطي بالحياة، ولا أعتقد أن هناك تعبيراً عن الحياة أقوى من التوق للسلام.
لقد أعددت هذا الكتاب على الصعيد القومي على أرضية الإحساس بالإحباط من الأسلوب الذي جسد فيه الفلسطينيون وإسرائيل اتفاقيات اوسلو فقد كانت الأمتان مقيدتين بقيود ثقافة النزاع ولم تحسنا التغلب على العوائق الحسية والعملية، إن ما نعانيه ليس قضاء من الله، بل هو ضربة سياسية يجب العمل على علاجها.
اوري سفير
سيناريو:
إن التنبؤ بالحرب والسلام هو بمثابة عمل غير مجدٍ، فالهامش الفاصل بين سيناريو يوم القيامة، وبين السلام العالمي هائل جداً، وأنا استهل كتابي هذا بسيناريو شديد الخطورة بغية الزج بالكتاب في سياقه الملائم:
حزيران 2020:
في الوقت الذي كانت قوة طوارئ لبنانية تقوم بإخلاء أنقاض ما كان يسمى قبل فترة وجيزة سفارة إيران في بيروت، في أعقاب سلسلة الغارات الموضعية التي شنها الجيش الإسرائيلي رداً على العملية بالأسلحة الكيميائية التي نفذت في قطار الأنفاق في تل أبيب، كان هناك حوالي مليون شخص يتظاهرون أمام مبنى السفارة الأميركية في طهران، والرئيس الإيراني يهدد بمهاجمة قوات الجيش الأميركي المتمترسة في هضبة الجولان، مما حدا بالرئيس الأميركي للإعلان عن حالة طوارئ عليا في الأسطول الأميركي ويهدد باستخدام الأسلحة النووية التكتيكية ضد إيران، والأمم المتحدة تعتقد أن العالم يقف على حافة الهاوية.
وبثت شبكة (سي ان ان) رسالة خاصة من قبل زعماء متدينين في محاولة للحيلولة دون دمار العالم، وعندما تبدو الكارثة واقعة لا محالة، يجتمع الحائزون على جائزة نوبل للسلام لمناقشة قضية فيما إذا كان من الممكن الحيلولة دون نشوب الحرب الوشيكة.
استهلال:
أشعر أن فكرة السلام تستحوذ علي كلياً. إن حقيقة كون التوق إلى السلام مجذراً إلى حد كبير جداً في عائلة أبي، جعله يبدو وكأنه متغلغل في جيناتي الوراثية.
تقوم توجهاتي على مجموعة من القيم التي تؤمن اشد الإيمان بالمساواة بين البشر. وهذه المساواة لا وجود لها في حالات النزاع أو الحروب. وأنا لست الرجل الذي يمكن وصفه بالمسالم، الذي يؤمن بأن جميع المشاكل تحل بالطرق السلمية وأنا أدرك تماماً أن هناك حروباً عادلة، ومجدية، لكنها قليلة.
وأنا أدرك أيضاً أن الحرب هي نتاج لعامل قائم في الطبيعة الإنسانية يرتبط بالحفاظ على الهوية، وعلى صراع القوى، والحفاظ على الإقليم، وربما أيضاً زيادة الموارد.
وأدرك في نفس الوقت أن رغبة الحياة هي أشد ما يتوق إليه الإنسان. ويجب ترجمة هذا التوق إلى أكثر الحقوق الأساسية في العيش والسماح للغير بالعيش، أي السلام.
إن السلام من وجهة النظر آنفة الذكر ليس هدفاً إستراتيجياً بل هو أيضاً أحد الشعائر القيمية القائمة على استيعاب ضرورة المساواة بين بني البشر، وعلى إدراك أننا جميعاً لنا نفس الاحتياجات ونفس المخاوف والآمال ونقاط الضعف.
لقد قلت لأبو علاء الفلسطيني خلال المفاوضات أن السبب في أنني لا أحبه كثيراً هو أنه يذكرني بنفسي.
عندما شاهدت العدو حول طاولة المفاوضات، حدث لدي انطباع في بعض الأحيان بأنني أنظر إلى مرآة، فقد أخذ كل طرف يسلط الأضواء على معاناته، وكل طرف كان متسامحاً تجاه نفسه أكثر من تسامحه تجاه الغير، وكل طرف شكاك، وكل طرف يراوح ما بين اليأس والأمل. لقد خلق هذا الاكتشاف مشاركة وجدانية حتى حينما لم يكن هناك اتفاق، المشاركة الوجدانية القائمة على أسس كل عملية صنع سلام.
سألوا شمعون بيرس ذات مرة، بعد مئات الساعات من المفاوضات مع الفلسطينيين فيما إذا كان قد أصبح يفهم الشعب الفلسطيني أكثر؟؟ فرد قائلاً: لا أعرف بيد أن من المؤكد أنني أفهم بني البشر أكثر". إن هذا الفهم لعلاقة الإنسان بالإنسان، هو شرط أساسي في صنع السلام".
لقد حظيت حقاً بمرور السنين بتحقيق حلمي الشخصي وتمكنت من الوقوف على رأس جبهة صنع السلام في إسرائيل إبان المفاوضات حول اتفاقيات اوسلو حيث شغلت منصب رئيس الوفود الإسرائيلية المختلفة في المفاوضات مع الأردن، والمفاوضات مع سورية في نهاية عام 1995 ومطلع عام 1996.
لقد علمتني التجربة أن صنع السلام أمر ممكن، بيد أن تجسيد الخروج من النزاع هو مسألة صعبة ويخفي في أعطافه الكثير من المراوحات. لقد بقيت اوسلو-بالنسبة لي- بمثابة حسم تاريخي تجاه الاعتراف الضروري بالحركة الوطنية الفلسطينية وبداية نهاية النزاع، ونهاية الاحتلال الإسرائيلي، ونهاية الرفض العربي لنا.
ورغم جميع تلك الصعوبات في إخراج تلك الاتفاقيات إلى حيز التنفيذ، إلا أنني لا أرى في ذلك حلم متناثر هباء، بل أرى فيه ترجمة الحلم إلى الواقع، واقع ضبابي من المد والجزر الذي يغص بالأخطاء من قبل الطرفين اللذين يجدان صعوبة في الخروج من عقلية النزاع.
ويبدو أن هناك شيئاً مريحاً في الحفاظ على عقلية النزاع، نظراً لأنها ذات صلة ببلورة الهوية المتعلقة بالعدو، ويبدو أن هذا الوضع انعكاس مشروط لدى الشعبين، إذا ما أخذنا تاريخهما بعين الاعتبار.
لقد تعلمنا في الآونة الأخيرة بجراحنا مدى صعوبة إدارة حرب ضد العصابات والإرهاب، ولا شك أن صنع السلام ليس أسهل، بيد أنه أمر ضروري.
وفي هذا العصر الذي أصبح الضعيف فيه قوياً-بالاستناد إلى الأرضية الخصبة للأصولية التي تستمد نسجها من الفقر والتشويه المتطرف للدين، ومن إمكانية تحويل الإرهاب وحرب العصابات إلى صراع وتهديد إستراتيجي عبر نشر أسلحة حديثة وذكية- فإن السلام يصبح على الصعيد العملي، الجدار الواقي والضروري والأكثر جدوى.
إن القوة العسكرية-بالمفهوم التقليدي- لم تعد تخلق كفاءة الردع. ولا شك أن الولايات المتحدة قد أدركت ذلك رغم قوتها الهائلة في فيتنام في حينه، والآن في أفغانستان والعراق.
إن المعركة المصيرية التي تواجه إسرائيل هي معركة السلام في منطقة صعبة، وتغص بالعوائق وتفيض على جانبيها مشاعر العداء. منطقة تفتقر إلى الاستقرار في أساسها. ويخيل لي أنه وفي أعقاب انتهاء عهد المقدرة الإسرائيلية الخارقة خلال الحرب اللبنانية الثانية سيتوجب علينا خوض اهم المعارك، وهي معركة السلام، ومثلما هناك "حرب اللاخيار"، فإذا ما اعترفنا بالحقيقة، فإن هناك "سلام اللاخيار".
يجب علينا أن نوجه جل تفكيرنا باتجاه هذه المعركة، ولا أقصد أن نسعى لتحقيق السلام بأي ثمن، بل أقصد أن نعمل على تحقيق السلام الإقليمي الشامل، والذي يجمع بين المصالح البراغماتية لجميع الأطراف.
إن هدف هذا الكتاب يتمثل في اقتراح بنية براغماتية للسلام الإقليمي عبر استخدام أساليب جديدة وجذرية. والقوة الدافعة لهذه البنية البراغماتية التي يمكنها أن تحركها تتمثل في المزاوجة بين التوق الحقيقي للسلام، وهندسة سلام عصرية.
وهذا التوق يتقد كالنيران في عظامي، أما فيما يتعلق بالهندسة، فسوف يحكم القراء بأنفسهم عليها.
لقد تعلمت الكثير على مر السنين من الأشخاص الذين زاوجوا بين العاملين آنفي الذكر، وعلى رأسهم والدي، الذي كان مناضل سلام أصيلاً وذكياً ولامعاً، وقد وقف إلى جواره وسانده عرابي السياسي، شمعون بيرس، رجل الخيال الخصب، رجل الدولة، والشخصية العالمية الفذة التي لا مثيل لها.
ومن زوجتي عليزة، التي تناضل بلا كلل وتجمع بين حمل لواء السلام وكفاءة البساطة الرائعة وآخرين.
لقد تم إعداد هذا الكتاب بغية الاشتغال بقضية تحديث عملية صنع السلام. والذي ستتجسد فيه التغييرات التي طرأت في عهد العولمة، بدءاً من تراجع قوة الدولة القومية، وحتى تعزيز القطاع الخاص والمجتمع المدني.
ومثلما أنه لا يجوز الاستعداد للحرب القادمة وفقاً للاستعدادات التي خضنا على أساسها الحرب السابقة، فإنه لا يجوز الإعداد للسلام القادم وفقاً لاستعدادات وإجراءات السلام السابقة.
الكثير من الأقاويل ثارت في الآونة الأخيرة حول تشكيل لجان تحقيق واستقاء العبر من الحرب اللبنانية الثانية. ويخيل لي أن أهم العبر التي تم استقاؤها هو الإدراك بضرورة بذل قصارى جهدنا وتفكيرنا من أجل صنع السلام.
إن توقي للسلام ينبع إلى حد كبير من واجب جيلنا لأن يبذل كل ما بوسعه لدرء الحرب والمعاناة والتهديد عن الجيل الشاب.
مدخل
كنت لا أزال أحلّق متمتعاً بالأحاسيس التي انتابتني، تلك الأحاسيس التي عايشتها خلال النشاطات التي قمت بها لإحلال السلام. وبينما لا زلت أتكأ على صفقات التبادل الكثيرة التي قمت بها مع نشطاء السلام الآخرين، وفتح الطريق أمام قبسات فكري لتقودني، وتقود التحليلات العميقة التي توصلت إليها، والاستنتاجات، راودني استنتاج أبسط كثيراً مما فكرت سابقاً حول إحلال السلام.
إن عملية إحلال السلام تبدو في وقتنا الحاضر كجهد ضئيل وغير مجد لوقف الحروب، بل ويقود العالم نحو لا استقرار الهائل. وهذا اللااستقرار قد يفضي إلى اندلاع أعمال عنف تدفع بالعالم كله نحو الخراب.
وبناء عليه فإن الحافز الرئيسي الذي دفعني لإعداد هذا الكتاب هو الإحساس بأن النظريات والتمخضات العالمية القائمة حالياً لإحلال السلام تتسم بالكثير من النواقص، وأن طابع خلق السلام وطابع الآلية الدولية في أمس الحاجة لاجتياز عملية إصلاح فورية.
يجب إحلال السلام بالطرق العصرية، كي ينعكس فيه النظام العالمي الجديد.
هذا عداك، عن ضرورة وضع السلام على رأس سلم أولويات النظام العالمي، إن الكثير من الزعماء العالميين يؤمنون أن النمو الاقتصادي والعولمة سيجلبان السلام، في حين يؤمن البعض الآخر بأن الديمقراطية هي التي ستجلب السلام المأمول.
ولا شك أن هاتين النظريتين تتحليان بقوة هائلة، وبمقدورهما –في نهاية المطاف- الإسهام في إحلال السلام. ورغم ذلك فهما تخدمان مصالح الدول الديمقراطية القوية، لذا يتم إشاعتها بوصفها بشائر حقيقية، وبوصفها شرطاً مسبقاً للسلام، بيد أن السلام هو ذخر كبير، ولا يمكن للسلام أن يكون نتاجاً ناجماً أو مصاحباً لمسارات مغايرة، فالسلام يجب أن يحتل رأس جداول الأولويات.
يجب على المجتمع الدولي أن يغير نظرته تجاه السلام وأن يتصرف بفطنة، ويبدي تفكيراً عصرياً خلاقاً في تعامله مع جميع العوامل والمركبات الخاصة والمحلية وذات العلاقة، وترتيبها وفقاً لجدول الأولويات، إن هذا الكتاب يعتبر بمثابة خارطة طريق لإحلال السلام بالطرق العصرية.
كانت هناك فكرة أخرى تراودني وتلح علي كلما توغلت بين سطور تاريخ إحلال السلام وهي أن الحكومات ليست هي التي ستجلب السلام في ظل الأطر الحالية للآلية الدولية، فبمقدور الحكومات أن تسهم في مسيرة السلام، لكن ليس قبل أن تجتاز الآلية الدولية عملية إصلاح تمكنها من خلق ائتلاف لإحلال السلام تلعب فيه الحكومات دور لاعب أساسي.
هذا عداك عن عدم صحة القول بأن العولمة قادرة على حل مشاكل الحرب والسلام بل ربما أن الأمر على العكس تماماً، حيث يجب توزيع عملية إحلال السلام، وعلى مواطني العالم أن يشاركوا –عبر السلطات المحلية والمنظمات غير الحكومية-كعناصر على أهبة الاستعداد وقادرة على لعب دورها في أداء المهمة.
وبهذه الصورة سيتحول السلام إلى ديمقراطية، والمسيرة المشتركة التي يشارك فيها الكثيرون-بالأحاسيس والعقل-ستنخرط في خضم الآلية الدولية.
ويجب أن نجذب أكبر عدد من الجهات ودمجها في مسيرة السلام، لأن السلام الدائم لن يحل بفضل توازن القوى. فالسلام سيتمكن من البقاء، فقط إذا أراد المجتمع ذلك، واستعداد وجاهزية المجتمع للعمل هو الأساس لذلك.
إن هذا الطرح يعتبر بمثابة مسألة حرجة وحاسمة في المناطق الغارقة في النزاعات، والتي تتسم بالكثير من مظاهر المقاومة العنيفة. ولا شك أن تحويل السلام إلى سلام ديمقراطي أسهل من تحويل المجتمعات الاستبدادية إلى مجتمعات ديمقراطية.
لقد كرست كل حياتي المهنية في سبيل إحلال السلام وبناء السلام. وبذلت قصارى جهدي من أجل إحلال السلام مع الفلسطينيين بوصفي رئيساً لطاقم المفاوضات الإسرائيلي في اتفاقيات اوسلو وكذلك مع سورية والأردن بوصفي مديراً عاماً لوزارة الخارجية.
كما سعيت لبناء السلام، وفي إطار ذلك بادرت، ووجهت نشاطات مشتركة لمنظمات غير رسمية بين أعداء وأعداء سابقين في الشرق الأوسط. وفي دول أفريقيا، كأثيوبيا، اريتيريا، روانده، سيريلانكا، ودول في أوروبا مثل إيرلندا الشمالية ويوغسلافيا سابقاً وآسيا، في أفغانستان والهند وباكستان عبر تشكيلي لمنظمتين: مركز بيرس للسلام في تل أبيب وglocal forum في روما.
ولكوني اعيش في منطقة مشبعة بدماء الحروب والأعمال العدائية، وعلى غرار جميع الأشخاص المنخرطين في أطر إحلال السلام، فقد تمحورت جميع تطلعاتي دائماً حول تقديم المساعدة الهادفة إلى خلق بيئة سلام بوسائل مختلفة.
لقد خلصت من خلال تجاربي إلى استنتاج لا يقبل الجدل: أساليب إحلال السلام هي أساليب بالية أكل الدهر عليها وشرب.
لست أعتقد أن هناك شيئاً أكثر تقدماً في عالمنا الحالي من الحرب الحديثة-صواريخ ذكية موجهة بالليزر قادرة على تدمير أهداف بدقة بالغة، تقدم الجنود باستخدام وسائل رؤية ليلية أساليب إدراك صناعية، بل وحروب كواكب-وكل هذه الوسائل تقدم لمشعلي نيران الحروب فرصاً كبيرة سانحة ومغرية، لم يكن لها وجود إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية أو الحروب التي دارت رحاها خلال القرن التاسع عشر.
في نفس الوقت لا يوجد في عالمنا شيء أقدم من إستراتيجية إحلال السلام، فلا زلنا مقتنعين أن هناك وراء كل نزاع غير محلول "متهماً" لكن إذا عمدنا إلى تحليل الجهود التي بذلت في العقود القليلة الماضية للتوصل إلى سلام دائم، فسوف نجد أن العيوب القائمة في بنية تلك الجهود خطيرة للغاية، وأن مسارات السلام واتفاقيات السلام في عصرنا الحالي مماثلة لمسارات واتفاقيات السلام في العهود الماضية.
فإستراتيجية السلام الحالية لا زالت تراوح في مكان ما من القرن التاسع عشر. ولست اقصد أن لا وجود للتكنولوجيا العصرية في جهود السلام الحالية، لكنها قائمة على الصعيد المبدئي. لكن وفي الوقت الذي تطورت فيه العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في المجتمعات إلى الدرجة التي باتت معها تشمل عوامل العولمة والتكنولوجية العليا الدقيقة، والاتصالات، فإن عملية إحلال السلام بقيت على ما كانت عليه إستراتيجية جامدة.
إنني اعتقد أن عجز صانعي السلام عن مجاراة التقدم يرتبط بصورة أساسية إلى الطابع التقليدي لإحلال السلام. فبدلاً من أن تعكف عملية إحلال السلام على تمهيد الأرضية توطئة للسلام المستقبلي فقد عملت على فتح عقد تاريخية في قضايا عسكرية وقضايا أمنية، ونشر القوات والمكتسبات المادية مثل الأرض والموارد الطبيعية، تماماً على غرار ما كان عليه الوضع في عهد الكولونيالية.
إن الكثير من العاملين على إحلال السلام هم عسكريون في الاحتياط، والذين لا زالوا يعتقدون أن القوة هي الحل العملي، لذا وبدلاً من أن يجري العمل على خلق أرضية صلبة لبذر بذور السلام بصورة تجعل تلك البذور تنمو وتترعرع وتصب في صالح المجتمعات المختلفة وتدعمها، فإن السلام لا زال يعتبر مرحلة هدنة بين الحروب.
ولا زالت التقديرات الأمنية الإستراتيجية تحافظ على مكانتها كعامل مركزي في عملية الانتقال من العنف إلى اللاعنف.
بيد أن السلام ليس استمرارية للحرب، وإذا لم نعمل على تغيير الوسائل الخاصة بإحراز الأهداف التقليدية، فلا شك أن السلام لن يكون الثورة التي نسعى لتحقيقها.
وعلى ضوء حقيقة أن التوجهات المحافظة القائمة حالياً على صعيد إحلال السلام تقوم على نماذج أمنية فليس من المستهجن أن الغالبية العظمى من سبعين اتفاقية سلام جزئية أو كاملة والتي تم توقيعها خلال العقدين الماضيين، ثارت علامات استفهام حول إمكانية إحلال سلام دائم مما أدى إلى زوال قسم منها.
لقد منحت اثنتا عشرة جائزة نوبل للسلام لأشخاص في الشرق الأوسط، وجنوب أفريقيا وايرلندا الشمالية، ورغم ذلك، لم تتمتع أي من تلك المناطق بالسلام وثماره.
وتحدد الإدارة الأميركية في أيامنا هذه الإصلاحات السياسية والديمقراطية كشرطين للسلام. ولا شك ان أهمية الديمقراطية هي مسألة بديهية، وهي عامل هام، بيد أنه ليس كافياً لضمان السلام على المدى البعيد او القصير.
حقاً أن الدول الديمقراطية لا تحارب إحداهن الأخرى تقريباً، لكن الحقيقة هي أيضاً ان الدول الديمقراطية شنت حروباً قسماً منها كان قصريا، والقسم الآخر لم يكن كذلك. أضف إلى ذلك، أن القوى المؤيدة للسلام قد تمنى بالفشل في المجتمعات الديمقراطية، ومن المحتمل أن تصل أنظمة أصولية ومتطرفة إلى السلطة في الانتخابات الحرة، في حالات الإحباط الاجتماعي والاقتصادي، وهذا ما حدث خلال الانتخابات الأخيرة في السلطة الفلسطينية.
إن تعاظم الإرهاب وانتشار وسائل الدمار غير التقليدية أدى إلى إضعاف عامل الردع، وإلى اختلال ميزان القوى التقليدي.