صفحة 1
الصندوقة
توقعت أن أراه يوماً ما متلبساً في شروده، لكن ليس يوم الثلاثاء، أكثر أيامي فوضى وصعوبة، وليس بقرب المكان الوحيد الذي أزوره ما يزيد على ثلاث مرات أسبوعياً، حيث العلبة الحديدية الصغيرة· ذات ثقب معتم، تتجاوب شيفرته مع مفتاح برونزي صغير، يتعلق منذ سنين بسلسلة ذهبية تلف عنقي· لا أذكر تماماً، لكن، يجوز أنه أول رجل شعط حروف أعضائي الأولى، قدمها إليّ· أضاء بعدها بريق ما زال يفتنني في عيني اليمنى· وكلما صافحت ظلالي مرآة الحائط القديمة ارتعد من غزّة ألقه قلبي· هذا المكان لا أرغب في رؤية أي من صور الماضي الكالحة أو الحاضر المشوشة قريباً منه خوفا من عواقب صدفة ستتحول إلى مصيدة يضبطني على بابها كل من يعرف أنني مغرمة بالمفاجآت، فأفقد صلتي بالعالم للأبد· ذلك لأن تلك الصندوقة الصغيرة يعتبرها من يعرفني علامة مميزة لوجودي، وفقط من يرى لهفتي والصندوقة الصغيرة تغامز المفتاح بكلمة السر وهو معلق بعنقي سيفهم ما أعني· وأن تصطدم بلاهتي خلف النظارات السود، ومقود السيارة المرتعد ببلاهة شاهر المتشككة والفزعة · بعدساته الطبية ذات الإطار الأسود ومقود سيارته المتخلي عن كل علاقة له بطابور السيارات الطويل، وطابور الشتائم، واستغاثات الزامور العصبي أمر لم يرد بالحسبان · تكهربت خطوط الشارع وعقول الناس بلحظة الصدام العشوائي تلك · شاهر الزفت وفي هذا اليوم، ببساطة أمر غير معقول· قبل بضعة أشهر فقط كان حكاية وَلَهٍ وشوق · طوال شهور عديدة ظلت صدفته محض حلم مرهق باستحالته· واليوم بالذات ونحن على مفترق السوء والاستياء معاً نجتمع، حيث كلانا متورط مع نفسه ولا يريد أن يتراجع عن قراره السفيه أنت هناك وأنا هناك ويا دار صيري دارين
لكن شاهر منذ صارت دارنا دارين لم يتركني بحالي، صار جزءاً من الوسادة والملاءة والضوء الأحمر الذي لم يشعل سوى عتمة ليالينا الساخنة، جزءاً من الحلم والكلمات التي أرسلها بالبريد المستعجل لعنوان خيالي، وغرضاً من الأغراض التي تنقص البيت ويحب أن أشتريها من أقرب حانوت أو صيدلية، حتى اقتنعت أنه لا بد كان يترك شيئاً منه في كل مرة يأتي لزيارتي، وفي ساعات غيابي تعارفت تلك الأشياء وقررت أن تصير شاهراً آخر يناكدني، ويفسد علي وجودي· يذكرني بجنونه ومجون أصابعه الطويلة الرشيقة التي لا أذكر أنها نسيت وهو في أقصى لحظات نشوته أن تذكرني بأنوثتي، وتشبع كل شبر يضج فيها· لأعيد النظر في موقفي، فيرضخ هو ويحذو حذوي· لقد جعل من أصابع يديه مفاتيح للأقفال المغلقة والصندوقة الحديدية بالذات التي استجابت شيفرتها لإحدى أصابعه·
لم أدر كيف ولم يكن يعنيني أن أعرف إذ كنت منساقة لغرائبية تلك العلاقة التي انبثقت تحت لامبة كهرباء محترقة جاء يكشف عن عطبها فعطبني أنا بناره واشتعل بدخاني· أمر تلك الألفة السريعة صعقني، فلم يحدث أن استجبت لرجل من قبل بتلك السرعة وبتلك الوحشية· حائط الجليد ذاب عند أقدام الباب المنفرج نصف فرجة · شعرت فجأة أن أصابع يديه تتحدث وأنني مضطرة للإصغاء إلى حديثها ولو استدعى الأمر إرغامه على السماح لي بذلك، لكن الحديث استحال همساً ·· لغطاً ·· ضياعاً ·· رغبة ·· صراخاً· مشى مشى ولم يتوقف حتى مشت فينا سحب العتمة·
للحظة نسينا أننا في شارع· زجاج النظارة السوداء يتحداه· إنه بلا شك نسي شكلي ولا بد أن تعابيره المنقبضة الواضحة خلف الزجاج الأبيض تبحث عن شيء ما، ربما هوية المرأة الواقفة بمواجهته تستفزه بزعيق سيارتها الرمادية، أين رأى هذا اللون قبل الآن ؟ ضيق نظراته تتسع أمامها تفاصيل الأمس، أتكون هي ؟ بوق السيارة صرخ ثانية، أرادت أن يفسح لها المجال كي تنخرط بالجهة اليمنى للشارع وهو كأبله لا يفهم أنها الصدفة وحدها خلقت هذا الصدام وأنها لا تعاكسه، عبثا ًلن يفهم ولن يتذكر· للمرة الثالثة فحّ بوق السيارة بوجهه ولم يحرك ساكناً، ظل يبحث عن شيء لا تفهمه ·
ضاقت نظراته فجأة وجمدت ملامحه، كأنما استفاق من حلم · تدحرج بين حشود السيارات المتزاحمة على المقدمة· اندفعت في إثره مشدودة لقوة غريبة تجذبها ولا تملك ردعها· صار همها أن تجده لتشتمه أو تبصق بوجهه، أو أن تفعل أي شيء آخر يهدئ من روعها ويمنحها قليلاً من الكبرياء · المهم أن تفعل شيئاً· بصعوبة سيطرت على ارتجاف ساقها فوق دعسة الوقود· تتجاوز المؤشر في ضوء أحمر· تستبق السيارات وتشتم كل من يحاول زجرها ببوق سيارته عن حرية العبور من جهة لأخرى كأن الشارع مُلك أبيها، تقاتل على كل شبر فيه· حيوان جريح يحاول أن يقتص من قانص أخطأ قلبه واستقر رمحه في عنقه · يجري في كل اتجاه بحثاً عن ملامحه فتخونه الوجوه· لن أرتاح إلا إذا عثرت على وجهك يا شاهر، أين ضعت أين؟ استقرت عيناها فجأة على مؤخرة سيارته البيضاء، النمرة تحفظها عن ظهر قلب· ضغطت على الفرامل بقسوة خوف أن تضله وتقدمت الهوينى وهي ترتجف· أسلمت صفحة وجهها الكامدة لكلام عينيه، كان لشدة توتره لا يقرأ· أسقطت عنها الصفائح السود لتستفزه أكثر فليس مثلها أحد يعرف مدى ولعه بالحديث الذي تقوله عيناها، لأقل من دقيقة حيث استعد المؤشر للإفراج عن الوقود · أعادت الصفائح السود فوق عينيها· كف الكلام عن التدفق ولم يكف فضولها عن شرب وجومه· وقبل أن تمضي رأت يداً تشبه يدها تمتد عبر الزجاج، ترتفع عالياً، وتلوِّح لشخص شاهر بحرارة لم تفهمها· تصفعه بطريقة عصرية وتختفي في آخر المنعطف بينما اعتلى الرصيف وترك نظراته تضيق تضيق وتتذكر·
حيفا 1997
صفحة 2
فراشة صفراء
(1)
أعني، بجرأة سأحسد نفسي عليها يوماً ما، ما تهرب منه عيناك إلى قاع البحر، فمعك لا أرتب أفكاري مرتين لأنني بسبب التراجع في المرة الثانية· سأدع السحابة الرمادية تتمدد بكسل كتثاؤبات طفل مرتبك تمطر كلام ندائها وترتاح·
منذ شبكتنا الصدفة بنظرة عفوية خاطفة تناسج بين أمامك وورائي خيوط عنكبوت وعرة يفرزها جناح فراشة صفراء، لا أفهمها، ساحت نظراتي في حلكة الفراغ وتزججت بظاهر مقعد خلفي · احتل مناكب رجل سحرتني ضخامتها وجعلتني أجزم بقدرتها الخارقة على احتواء جسد حرون كجسدي · ابتسم طفل خبيث فيّ· نعس في سذاجته، وسحب خلفه حبل هواجس غيّب أحداث الفيلم الذي جئت لأجل أن أفتتن ثانية بروعة أداء فناني الأثير فيه، ريتشارد جير، شبيه رجل خنته في زمني البعيد·
الحقيقة، لم تنبهني غير رجة التصفيق الحاد التي جعلت تتعانق وتلتحــم في أهزوجة جند فيها الحضور كل ما ملك من طاقات خارجة عنـه وعـني · استفـقت إذ ذاك على قبضة فولاذية رفيقة الملمس تهز كتفي· شدهت، انتفضت كتفي بحركات لا إرادية متعاقبة كأنما تتحلل من أثر غبار علق بها من صخب الحشود، أو تنفض عن رموشها هلوسات حلم مزعج · وإذّ ذاك رف رمش عيني اليمنى المعلق باستفسار لا تراه العتمة، ولم ألمح خلاف فقاعة رغوة تكبر كلما تأكلها اليقين · تورطت على غير دراية مني برغبة الأسود السابح في تأمل كلما اقترب يهرب إلى القاع · لم أشعر كيف أورق حس الأنثى المرهف فيَّ، وراح يشرب ظمئاً غموضاً لا يشبع ويلتقي بمواطن انفجاره· تعلق ريقه بتخريمات شفاهي واسترخى انشداهي بخطوط كمثراه الصلبة· خلاف هذه الأبجديّة، لم يُجر ريقه مع صمتي أي طقس تعارفي خارج محاولة كلام نثرت سفسطة خائبة · تفرسني ملياً ولم ينبس بظل ابتسامة فتململت كفي المحبوسة في قبضة يده · نخرت عظامي برودة صعبة جعلت تجردني من حيائي قطعة قطعة·
(2)
قال إنه شجريٌّ، وقلت بأنّي عشبية· قال بأن ثورة غضب تشده إلي· قلت إن رغبة الأسود تقبضني من ياقة أنوثتي، فغلبه الحياء· صمت طويلاً ثم انحنى فوق جبيني وقبلني ببراءة ترنح لها المبنى القصي الشاهق أسفل زاوية القلب · انتظرت أن يشد جسده لأشرب نزيفاً يرشح من باطن كفه، فسحبها من تحت شفاهي بتحفز مباغت· اغتمت براعمي مستاءة:
لماذا ؟
مكانها ليس هنا·
إذاً
(3)
مشى على رؤوس انفعالات لهفته إلى صدري، فتراجعت خطوات قلبي وخرمش ما حول كمثراه بعنف براعمي، هشّمها· تخشبت أوصالي وأغرت ببلاهة سكنت أوجاع الذعر· همس بامتنان: لرحيلك نكهة الوطن· تفككت خلف دخان كلماته جملة مرعوبة: بحّتك تشبه مركباً يغرق·
طواني بين ذراعيه، اعتصرني سحقني · تأوهت التذاذاً تشهيته طويلاً ورغبة الأسود تتشاهق شجراً يرسل مع كل تأوّه ثمرة حتى خرّت بحملها أغصان الشجر · لكن الغريب أن عينيه ظلتا تهربان إلى القاع كلما اندفعت لقطف الثمر·
صفحة 3
(4)
أعني ما يجب أن تفهمه، فلا طاقة لي على احتمال هذا الضياع كلما تصلبت بين شفاهي · لقد نضجت عدوى الرغبة فيّ وزكمت أنفي· وأعدك بأن شرارتينا لن تشتعلا في ضوء فانوس أو شمعة، بل في عتمة مطبقة ترانا من شقوق النوافذ المنكمشة·
قبل انتصاف الليل بخمس دقائق دقت حوافر بسطاره الساحة الباطونية· خفتت فجأة مراعية استغراقي في النوم، بهذا أوهمه الصمت · لا بأس من كذبة عابرة ستيسر لي متعة استيعاب فواصل أنوثتي، همست لنفسي وأنا أصفق سماعة الهاتف على تعليماتي · وأظنه خلع بسطاره عند باب العتبة ودخل حافياً، أعلنت لمنامتي· كل ما أرجوه الآن ألا يكون قد ترك ملابسه إلى جانب بسطاره لئلا تنهار بناية حلمي الهش فوق دماغه ودماغي وتفسد ألق المغامرة على الستائر المتضامنة كجدار واقٍ لأضواء السيارات · كانت ساكتة تراقب كيف تتنافس حول ناموسيتها الصفراء·
حركة خافتة للبوابة الحديدية العملاقة· طقة واحدة، اثنتان، وشحطات انفصال القفل عن المفتاح تعلن عن المهمة الصعبة، لكنها ستساعده ما استطاعت·
همست بتواطؤ وهي ترتجف من شدّة الانفعال·
(5)
سكون وعتمة هما كل ما يريد وهي لا بد نائمة لا يسمع سوى حفيف أنفاسها المسترخية في انتظار لحظة التساقط · دخل بخفة الهواء، لم تسمع لجسده صوت ارتطامٍ بالبلاط مثلاً· أغلق باب الغرفة السحّاب ببطءٍ متناهٍ، لم تفسر إحجام الكرات الحديدية عن الاستغاثة كما تفعل حين تهجم عليها في الصباح · عض طرف شفته السفلى لئلا يعكر تهدج لهاثه هدوء مملكته· استرقت النظر إليه من بين فرجة عينها اليسرى التي تبقى مفتوحة، وهي مسترسلة لملاك النوم، فوجدته كما توقعت، بجسدٍ حافٍ· اتسعت عيناها بانبهار وانطبقتا بحركة آلية على هول الأكتشاف، لقد تزاحم لعاب حلقها الناشف وسدّ عن قلبها المنتفض أكياس الهواء· لم تلملم غير بدايات المواء·
الحالة الاولى
اقترب منها تومض عيناه بالتماعات متموّجة الحدّة · حين حاذاها شاهدت زعفلات أنفاسه تطيّر السكون· انقذف جانبها وكشف بنفاد صبر عنها الغطاء· حاول أن يبدو لطيفاً ويستجمع شتات أنفاسه لكن انفعاله أمسك بزمام الموقف· ثم ودون انتظار أو توقع رفرفت قبلاته الحارة فوق تقاسيم وجهها· انزلقت إلى براعمها الغافية بيسر تفتّحها ميسما ًوورقة· هبت نيران شهوته أعلى من أضواء شاحنات الذخيرة على ضفة الشارع · استغاث الميسم، ساح شهده ولم يسمع · بعصبية متناهية فكك أزرار الجسد· بتطير مزّق بعض ملابسها حين خانته يداه· بعثر أزرارها في زوايا الغرفة وأخذها بقسوة· كانت تعاريج الجسد القشدي تتجمع إسفنجاً رخواً بين ساقيه· تتقلب مناخاته بين عصف ومطر · يحدث زلازل أوّاهة الألم·
الحالة الثانية
أغار عاصفة حبلى بالشرر · خيل إليها أنها بطلة وهميّة في مشهد بانتوميمي عصيّ على الأداء · أطفأ الذهول نجوماً أضاءت في جسده· انكمش الإسفنج وسكن · احترق فتيل القنديل الّذي يستبقي الفراشة، وانكسر زجاج النفق· سمعت اصطكاكا تحت أسنانها، كأنما صدر عن امرأة لا تحدثه هي · شهقت صرخة باهتة نسيت لونها، وخبا وهج البصر· احتضن القلب انكماش الزهر وغفا تحت نشوة ووميض شرر· مالت على أذنه تعضها وتهمس: أريد أن أتفتح مرة أخرى · امتص رحيق همسها وحلمتي صدرها المتوهج، وداعب خصلات شعرها الراجفة على سفح صدره، ثمّ سأل: على ماذا ؟ وإذ ذاك همست: على بنفسج لا يكبر في قلبك· ضمّ أطراف أناملها على شكل أيقونة مررها فوق خده الشوكية بطيئة، باردة، لتخرفش بصمت الإجابة·
(6)
صرير البوابة الحديدية خربط فوضاه واستنفره· قفز من السرير الرفّاص وتسارعت حركاته شأن تسارع الثواني · انحشر في ملابسه كيفما اتفق · قبض باليد اليسرى حذاءه وباليمنى وحشة الصمت · دفع نافذة الغرفة الخشبية المطلة على شارع الليل وتدحرج عبره ككرة مطاطية بقيت تطج لمسافة بعيدة· وابتلعته العتمة حين أعلن زامور جرس الباب اقتحاماً وشيكاً لرجال يحرسون أمن جسدها· قطبت ما بين شفتيها وزمت حاجبيها· ضجّة ثرثرة الفراشة العالقة لا تزال بين نهديها· نفخت على رمادها الدقيق، وهمست لنفسها متوعدّة، إذاً ··· كان مخرباً !
حيفا