eKtab
EN ع
الصورة والآخر
اقرأ عينة مجانية

الصورة والآخر

بقلم فريد الزاهي

صفحة 1
مقدمة
 
حين نشرنا كتابينا عن الجسد والصورة والتأويل(1)، وقبلها دراسات عديدة عن الجسد والصورة ومعها ترجماتنا التي تدخل في السياق نفسه(2)، كانت دراسة الجسد والصورة في العالم العربي لا تزال جنينية ولم تحظ بعد بالاهتمام الكبير وأحيانا بالتهافت الذي لحظناه في السنين الأخيرة إلى الحد الذي غدت معه هذه الموضوعات أحيانا عبارة عن صياغات بلاغية لا تسترشد بأي هاجس معرفي أو بحثي أو استكشافي. والحقيقة أن دراسات الجسد باللغة العربية لا تزال لحد الآن فقيرة وهشة نظرا لما يكتسيه هذا المبحث من تشابك وتعقد يتعلق بالطبيعة المتعددة للجسد وتوزعه بين مساعي منهجية ومعرفية مختلفة، ونظرا أيضا لكونه يدخل في الثنائيات الميتافيزيقية المؤسسة والأكثر عرضة للحظر والتهميش والتحريم والتحديد والتنميط. وهي بالأحرى تحظى باهتمام بعض الباحثين القلائل الذين يكتبون باللغات اللاتينية كالفرنسية من قبيل فاطمة المرنيسي في دراساتها عن الحريم والحب ومالك شبيل في سلسلة دراساته عن الجسد والسرايا والحب، وعبد الكبير الخطيبي في كتاباته عن الوشم والجسد الشرقي.
 
ومنذ ذلك الحين صارت موضوعة الجسد هوْسا أدبيا يتردد هنا هناك ويتحول في غالب الأحيان إلى موضوعة أدبية محضة؛ والحال أن التطرق لموضوعات من قبيل الجسد والصورة والمتخيل تتطلب في حدود دنيا تقاطعا معرفيا بين مجموعة من العلوم والمعارف لعل أقلها الفلسفة والتحليل النفسي والأنثربولوجيا، الثقافية منها بالأخص.
 
إن الجسد كيان يتموقع بين هذه الاهتمات التحليلية من غير أن ينحصر فيها، ومدلولاته تتعدد بحيث يصعب أحيانا حصرها أو الإلمام بها. والبحث فيه صار طليعة للبحث في الجماليات الفنية والاجتماعية وفي التحولات القيمية التي تعرفها مجتمعاتنا المعاصرة، في وقت صارت فيه الصورة إحدى مرادفاته التي تلتصق به وتغني معطياته الوجودية بهذا الشكل أو ذاك.
 
ولا يخفي في هذا الإطار أن قضية الجسد الأنثوي منه والذكوري بكل متعلقاته الأنثربولوجية والثقافية، الواقعية منها والمتخيلة، هي أولا وقبل كل شيء قضية الذات بكل حمولاتها النفسانية والفلسفية والاجتماعية. من ثم، فإن توجه الباحث العربي إلى طرق قضايا الجسد والصورة أصبحت اليوم، في ظل التحولات التي تعرفها المجتمعات العربية، تأخذ إضافة إلى الطابع الاستراتيجي طابعا سياسيا، إذ هي تمس مسائل عويصة من قبيل المظاهر الاجتماعية كالحجاب والمظاهر الحميمة كالجنس والحدود بين الأجناس والممارسات الغوائية، والخطابات حول الجسد. كما أنها من ناحية أخرى صارت تجد موقعا أكيدا لها في الممارسات الفنية المعاصرة التي صارت النساء الفنانات فيها بالأخص يعبرن بها عن مسعاهن النقاد تجاه الردات القيمية التي عرفتها المجتمعات العربية في العقود الأخيرة.
 
إن الدراسات التي يتضمنها هذا الكتاب والتي تمتد على زمن يفوق العقد إن كان لها من ميزة فهي تتجلى في تعددية مصادرها وموضوعاتها، وإن كان لها من مزية فهي تتجلى في تآلفها حول موضوعة رباعية تتجلى في الذاتية والغيرية وفي الجسد والصورة وفي المتخيل والواقع وفي النص ونظيره.
 
1 و2. انظر الثبت بمؤلفاتنا وترجماتنا في نهاية هذا الكتاب.
صفحة 2
الذكورة والأنوثة في الثقافة العربية الإسلامية
 
الأصول والحداثة
 
لم تعرف الثقافة العربية أبدا مفهوما مقابلا تمام المقابلة لما يعرف في الإنجليزية بـ: gender للدلالة على الأنثوي والذكوري والعلاقات بينهما؛ فالذكورة والأنوثة مصطلحان مرتبطان بالخلق أكثر من ارتباطهما بالخليقة. وارتباطهما بالخليقة، أي بالتكوين الفيزيولوجي الإنساني، محْدث وعارض ومتصل بالوجود الإنساني لا بالوجود عموما. من ثم، غالبا ما يُستعمل مفهوم الذكورة والأنوثة في الأمور الشرعية المتصلة بالنكاح أو الإرث أو ما شابهها، باعتبار العموم، أي بغض النظر عن السن؛ أما في مجال التواصل الاجتماعي، فإن الحديث عادة ما يتم عن الرجل والمرأة، باعتبار تعيينها للجنس الإنساني. وفي هذا السياق، ربما كان ارتباط المصطلح بالخلق أكثر أصلية منه في الأمور العبادية والاعتقادية. جاء في القرآن الكريم: "إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (سورة الحجرات، الآية 11). ويتبدى طابع العموم هنا واضحا من حيث إنه يحيل إلى التوزيع البشري الأصلي الذي ينبني عليه الاجتماعي كعلاقات تبدأ بالعلاقة الأصلية بين الذكر بالأنثى، لتتفرع عنها التنظيمات الاجتماعية الأخرى.
 
مع ذلك لا يعني هذا أبدا أن الثقافة العربية الإسلامية خلوٌّ من هذا المفهوم. إنها بالأحرى تصوغه وفقا لأولوياتها ومقاصدها الدينية والعبادية، وتدمجه في السيرورة الإيمانية والاجتماعية للمسلم. كما أن الصيغ التي اتخذها في المجتمع العربي الحديث، منذ بدايات القرن العشرين، تأخذ صبغة اجتماعية اتصلت في أغلب الأحوال بعمل المرأة خارج البيت وتقلُّدها لمختلف الوظائف التي ظلت حكرا على الرجل. غير أن هذه الوظائف الجديدة المتصلة بالذكورة والأنوثة كمفهوم اجتماعي كانت ومازالت تفترض مراجعة مجموعة من التقاليد النصية والفقهية بالكثير من الاجتهاد، وبالنظر بالأساس إلى التطورات التي عرفتها المجتمعات العربية، والظواهر الاجتماعية الجديدة التي حتّمت ليس فقط تكييف أحكام النساء، خاصة منها المتعلقة بالجسد والتواصل مع الآخرين، مع المعطيات الجديدة والوظائف الجديدة للمرأة في المجتمع الحديث، وإنما وأيضاً إيجاد الأجوبة الملائمة للدينامية التي بدأت تعرفها المجتمعات العربية، خاصة مع انخراط النساء في العمل السياسي والثقافي والديبلوماسي، ولو بشكل وئيد ومتثاقل.
صفحة 3
جينيالوجيا الذكورة والأنوثة في المجتمع العربي
 
حين ظهر الإسلام في القرن السابع للميلاد، لم يواجه فقط مخلفات الجاهلية الاعتقادية والروحية من عبادةٍ للأصنام وتفاعلٍ هجين ومحلي بين المعتقدات النصرانية واليهودية والمجوسية، وإنما واجه أيضا الكثير من المخلفات الاجتماعية التي كان عليه التعامل معها بالشكل الذي يبْطلها أو يُدخلها في النسيج الثقافي الاجتماعي الجديد. والحقيقة أن الرسالة المحمدية ظهرت في مجتمع كانت المرأة فيه شريكا للرجل في الكثير من قضايا المجتمع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فقد كانت النساء يتمتعن في المجتمع الجاهلي بحق الاسم، أي بالنسبة السُّلالية لهن، مثلهن في ذلك مثل الرجال، وهو الأمر الذي انتفى مع ظهور الإسلام، وكان لهن موقع واضح في المبادلات الرمزية والحركية التجارية التي تتم بين القبائل والمناطق.
 
وإذا كان هذا الدور ليس عاما ولا شاملا، فإن امتداداته الإيجابية في عهد الإسلام ستظل راسخة بالرغم من التحولات التي عرفتها علاقة الرجل بالمرأة. وهي الامتدادات التي سوف تتقوى وتأخذ أبعادا جديدة مع الفتوحات، مانحة للاختلاط العرقي والثقافي والحضاري بين العرب والأمم المحيطة بهم صبغة جديدة سيكون لها أبلغ الأثر في صياغة صور جديدة لهذه العلاقة.
 
لنقرر بدءا أن ما يلاحظ حاليا في البلدان العربية من كبت وتحديد للخطاب حول الجنس والمرأة والجسد يطول عموم الناس، يمكن اعتباره ضربا من التراجع الذي طال الحياة العربية الحديثة والمعاصرة، مقارنةً مع ما عرفه تاريخ الإسلام منذ القرن الأول الهجري (ق.7 الميلادي) وإلى حدود القرن الخامس عشر. وبهذا الصدد يصرح صلاح الدين المنجد، أحد الأوائل الذين طرقوا قضايا الجنس عند العرب: "والعجيب أن أجدادنا العرب لم يكونوا مثلنا. وكان موقفهم من الجنس كله حرية وانطلاق. فما كانوا يتحرجون من الحديث عن المرأة وعن الجنس، ومن التأليف فيهما. وأعتقد أن حريتهم الواسعة تلك هي التي سببت التزمت الذي نجده اليوم"(1). وبالرغم من أننا لا نشاطر المنجد هذه السببية التاريخية في بساطتها، فإننا مع ذلك نقر معه أن الحجْر والحجْز اللذين يمارسان على المرأة وعلى حريتها الخطابية ظاهرة لم تعرفهما بهذه الحدة ولا بهذا المستوى المرأة الأموية أو العباسية ولا حتى المرأة في عهد الخلفاء الراشدين. وتكفي الإطلالة السريعة على ما وصلنا من أخبار عن النساء وعن بلاغاتهن وعن الخلافات التي عاشها الفقهاء في الأمور الحساسة التي تخصهن لكي نتأكد من المواقع والمواقف التي كن يجدن فيها كامل كيانهن ووجودهن.
 
من ثم فالثقافة العربية الإسلامية لم تتطرق، كما أشرنا لذلك قبلا، للذكورة والأنوثة إلا في علاقتها بالقضايا الشرعية كالعورة والنكاح. ومردُّ ذلك في نظرنا إلى كون الإسلام والثقافة العربية التي تطورت في تاريخ البلدان العربية، ثم الثقافة العربية الحديثة لم تواجه أبدا مشكلة الجنس إلا في صيغته النكاحية، اعتبارا بأن مصطلح النكاح يجمع بين النكاح الشرعي والجماع، أو العلاقة الجنسية، واعتبارا أيضا إلى أن كل عناصر الشذوذ والكيانات الاستثنائية عن هذه القاعدة تعتبر هامشية من خصيان وخناثى وغلمان، الخ.
صفحة 4
لقد عرف المجتمع الجاهلي شتى أنواع العلاقة المؤسسية بين الرجل والمرأة في إطار مشروع هو النكاح. غير أن هذه العلاقة الشرعية لم تقف أبدا حائلا بينهما في ممارسة "مشروعة" للاتصال الجنسي والجسدي خارج مؤسسة الزواج الشرعية. لقد كانت المرأة تلجأ إلى اتخاذ خدْن في ممارسة علاقة نكاح سرية مطبوعة بالدوام (نكاح الخِدْن). وكانت تستقبل في خبائها رجالا آخرين، فتمارس معهم الجنس برضاها، وإذا ما حملت من أحدهم تقوم بتعيينه وتلحق به المولود. كما أن الزوج قد يختار أحد الفحول فيرسل له زوجته كي ينكحها طمعا في ذرّية شريفة يفتخر بها. كما كان الرجلان من عرب الجاهلية يتفقان على تبادل زوجتيهما نكاحا (نكاح البدَل). ولتفادي صعوبات المهر يزوج الجاهلي ابنته لآخر على أن يزوجه بدوره ابنته (نكاح الشغار). كما يُذكر أن الرجل منهم قد يتزوج ابنته ومنهم زرارة ابن تميم الذي تزوج ابنته وخلف منها الأولاد. وفي حالات أخرى، كانوا لا يتورعون في الجمع بين الأختين، ويتزوج الواحد منهم زوجة أبيه بعد وفاته(2).
 
إضافة إلى ذلك، عرف المحيط الثقافي والاجتماعي العربي منذ ما قبل الإسلام مختلف أنواع الكيانات والممارسات الهامشية التي أشرنا إليها من غير أن يجعل منها كيانات وسطية بين الذكر والأنثى، أو أن يمنحها تبريرا نظريا قابلا لاحتوائها فكريا. فقد كان التخنث واردا في الجاهلية واتهم به أبو جهل. كما أن السحاق انتشر بين العرب خاصة في الحيرة على عهد المناذرة. وكانت هند بنت النعمان أول امرأة ذكر العرب هواها لزرقاء اليمامة(3).
 
هذه الظواهر اعتبرت في عصر الإسلام مجرد ظواهر غير طبيعية تشذ عن الفطرة ولا تدخل بأي حال في علاقة النكاح باعتبارها علاقة خصوبة واستمرار للنسل. وقد يقوم المرء بمسح لمختلف المصادر الفقهية التي تتناول مختلف أوجه الحياة الاجتماعية من غير أن يجد إلا بعض الأحاديث التي ترمي بالمخنثين خارج المجتمع الإسلامي. فلقد نهى الإسلام عن حديث المخنث ومحادثة المخنث وعن صحبة المخنث وعن إجابة دعوة المخنث، بل لقد جاء في الحديث "لعن الله المخنث" كما رواه البخاري. وبهذا الصدد جاء في المنهيات للترمذي، تعبيرا عن الرفض القاطع لكل خلخلة لثنائية الذكورة والأنوثة:
 
"فالمخنث خلق هائل شأنه، فظيع أمره، فظاهره رجل وباطنه امرأة، فالذي في باطنه حوَّل أحوال الظاهر حتى مدَّه إلى أحوال النساء قولا ومشيا وعملا ولباسا وزيا وهيئة، فقد حلت به اللعنة لأنه مُسخ فنفسُه نفوس النساء وخلقته خلقة الرجال، فلذلك لا يكاد تجد منهم تائبا لأن نفسه الممسوخة قد عبرت قلبه وطبعه إلى أخلاق النساء وكلهن للرجال، وهذا آية من آيات الله عز وجل يعتبر بها المسلمون وليستعيذوا بالله من شرها. فكأنه جعل هذا موعظة للخلق ليشكروه على لباس العافية. وقد كان على عهد رسول الله (ص) عِدة فنفاهم إلى البقيع. فلما كان زمن عمر رضي الله عنه استأذن بعضهم في الدخول إلى المدينة ليسأل الناس فأذن لهم في الجمعة مرة(4)". بيد أن الفقهاء المتأخرين، قد تعمقوا في الأمر فميزوا بين الخنثى الذي تظهر عليه بعض علامات الرجال من نبات لحية أو قدرة على الجماع أو احتلام، أو كان له ثدي مستوٍ، فيكون حكمه حكم الرجال، والخنثى الذي تظهر عليه علامات النساء من حيض وحبل وانكسار ثدي، الخ ويكون حكمه حكم المرأة. أما إن لم تظهر علامات الذكورة أو علامات الأنوثة، أو تعارضت هذه المعالم في الشخص نفسه، فهو مشْكِلٌ لعدم إمكان ترجيح الأنوثة أو الذكورة. وإذا ثبت الإشكال أخذ في الخنثى المشكل بالأحوط فيما يتعلق بالنظر، فيعتبر مع النساء رجلا ومع الرجال امرأة. وتغليبا لجانب الحظْر كما يقول الحنابلة، يكون النظر إليه كالمرأة(5).
صفحة 5
لكن اختلاف الفقهاء ولجوءهم للتوفيق يتبدى واضحا في تحديد عورة الخنثى. فالحنابلة يعتبرون عورة الخنثى المشْكِل كعورة الرجل لأنه اليقين والأنوثة مشكوك فيها، ومنهم حنابلة آخرون اعتبروا عورة الخنثى كعورة المرأة، لأن احتمال كونه امرأةً يوجب الاحتياط. أما الشافعية فاعتبروا أنه لا يجوز للخنثى الاقتصار على ستر عورة الرجل لاحتمال الأنوثة. وإذا تقرر ذلك، فلا يلزمه مع ذلك أن يتشبه في اللباس بالمرأة. كما لا فدية على الخنثى إذا ستر رأسه ووجهه عند الإحرام، لاحتمال أنه امرأة في الصورة الأولى ورجل في الصورة الثانية(6).
 
ولا يمكن قياس هذا الإنكار والإقصاء في العصر الأول للإسلام إلا بما سُنَّ في الإسلام من محاربة للزنا باعتباره فقدانا للتوازن الاجتماعي وسيادة لحرية الرغبة، وللواط والسحاق باعتبارهما قلبا لنظام الشهوة الإسلامي وتجاوزا لثنائية الذكورة والأنوثة. بيد أن الفقهاء في ما بعد تنبهوا إلى كون الخنثى ولو كان خنثى مشكلا جزء من المجتمع لا يمكن إقصاؤه، وإلا شكَّل ذلك ثغرة في النظام الفقهي الإسلامي. من ثم فإن ذلك لا يمنعه أبدا من ممارسة الشريعة، غير أن أحكامه وما ينبغي عليه القيام به من اختصاص الفقهاء وأئمة الإسلام.
 
وإذا كان المجتمع العربي الوسيط قد عاش الكثير من الحرية الخطابية والثقافية التي جعلت اللواط المحرم تحريما قاطعا، ومباشرة الغلمان ظاهرة مقبولة ثقافيا لا في أوساط الشعر و"المجون" وإنما أيضا في الأوساط الصوفية(7)، وفي الكثير من الكتابات الأدبية والأخبارية فإن تلك الظاهرة قد ترتبت أصلا عن المستوى الحضاري والثقافي الذي بلغته المجتمعات العربية الإسلامية آنذاك والحرية الفكرية التي كانت قد غدت واقعا لا تكدره التحولات الطارئة. إن ظاهرة اللواط لا تهمنا هنا في حد ذاتها، وإنما بالقدر الذي تخلخل به ثنائية الذكورة والأنوثة وتضعها موضع تساؤل. فهي تظهر لنا القوى الليبيدية في تعددها وتاريخيتها، وتمكننا من ثم من الوقوف على هوامش الثنائية التي أرسيت أسطوريا ولاهوتيا بين الذكورة والأنوثة، بل تجعلنا ندرك بأن تلك الثنائية ذات طابع ثقافي أنثربولوجي بالقدر نفسه الذي تشكل فيه أشكال خلخلتها بدورها ظواهر ثقافية وأنثربولوجية. إن الممارسة الهامشية (من سحاق ولواط وشبقية...) تعيد طرح مسألة الهوية الجنسية (الذكورة والأنوثة) وتزرع الآخر باعتباره كيانا ممكنا يقوض مبدأ الأحادية أو الثنائية التي تنبني عليها القيم الجنسية المرتبطة بالذات الإنسانية. لهذا يمكن القول بأن الذكورة والأنوثة بناء ثقافي عليه ينهض صرح الشرائع، وأن الحدود الفاصلة بينهما ليست بتلك الإطلاقية التي تنبني عليها كل ثنائية ميتافيزيقية.
صفحة 6
بيد أن هذه الظواهر لم تكن تشكل خطرا يهدّد البنية الثنائية التقليدية للذكورة والأنوثة بقدر ما تمس فقط مظاهرها. وليس أيضا من قبيل الصدفة أن تكون المظاهر التزيينية قد تطورت في العصر العربي الكلاسيكي، بحيث تحدثنا المصادر القديمة عن تطور زينة الرجل وزينة المرأة في آن واحد، مما يؤكد انتقالها من الارتباط بالمقدس إلى التفاعل الاجتماعي والشخصي الحميمي.
 
أما في العصر الحديث، ومنذ ما كتبه قاسم أمين عن تحرير المرأة، ثم ظهور الكتابات النسوية الأولى ذات الطابع المنهجي خاصة مع نوال السعداوي، وفي ما بعد مع الجمعيات النسوية ذات المنحى التحريري، فإن قضية العلاقة بين الرجل والمرأة قد بدأت تأخذ أبعاد جديدة ومتحولة. فمن الطابع التحديثي المنادي بنوع من المساواة الاجتماعية إلى المناداة بالمساواة حتى في القضايا ذات المرجعية الفقهية (كما حدث في تونس وفي السنين الأخيرة بالمغرب)، مرورا بكل الكتابات التي شجبت القهر الذكوري التاريخي للمرأة العربية ونادت بديمقراطية اجتماعية تكون فيها المرأة ممثلة فيها لمصيرها التاريخي (فاطمة المرنيسي)(8)، تعرف هذه الحركة مسارين:
 
ـ ذلك المتعلق بإعادة قراءة التراث وتأويله انطلاقا من مرجعية تحررية راهنة تستهدف تبيان موقع المرأة في التاريخ والتراث العربيين وهو ما قامت به فاطمة المرنيسي مثلا خاصة في الحريم السياسي، وسلطانات منسيات.
 
ـ ثم ذلك المتعلق بخلق حركية في المجتمعات المدنية العربية هادفة إلى الدفاع عن حقوق النساء وتغيير وضعيتهن الاجتماعية والحقوقية الدونية.
 
هذان المساران كثيرا ما يتقاطعان ليأخذا أيضا تمثيلية معينة على المستوى الثقافي من خلال بلورة خطاب نسوي متمحور حول المساهمة الثقافية والأدبية للمرأة في الثقافة العربية سواء في مجال الكتابة الروائية أو الشعرية أو البحثية. إن هذه الخطوات بالرغم من كثافتها تندرج في مسعى عام ذي بعد سياسي ورمزي واضح: ربط النضال الديمقراطي والتحديثي في المجتمعات العربية المعاصرة بتمثيلية المرأة سياسيا في السلطة وإدارة دواليب الدولة. بيد أن هذه المقصدية السياسية لا تعلن عن نفسها في كل الأحوال، فهي تارة خطاب واضح وفي غالب الأحيان تأخذ بعدا اجتماعيا وثقافيا يتمكن من خلاله رواد هذه الحركة من الانخراط في الحركية العامة التي تميز الكثير من المجتمعات العربية راهنا.
صفحة 7
المفهوم والخصوصية
 
يقوم التصور الإسلامي للكائن الإنساني، كما حاولنا تحليل ذلك، على مبدأين متكاملين: وحدة الكائن الإنساني في عمومها وفي علاقتها المباشرة بالله، والثنائية القاضية بالتفرقة الجازمة بين الذكورة والأنوثة، خاصة في المجال العملي للعبادات والإرث والشهادة وغيرها. فالذات الإنسانية لا توجد في وحدتها إلا باعتبار ارتباطها بواجباتها الدينية، لا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى. من ثم فقيمتها الأحادية الشاملة هذه تكتسبها بالأساس بمدى قدرتها على تمثل هذا الارتباط وتحويله إلى قيمة عملية ("يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا ونساء...." (سورة النساء، 1). لهذا، فإن نظرة خاطفة على حياة الرسول (ص) وعلاقته بالنساء وكذا على موقع المرأة في صدر الإسلام تبين إلى أي حد يتداخل المبدآن من غير أن يلغي أحدهما الآخر ويتمازجان في السيرورة نفسها.
 
لقد كانت المرأة المسلمة راوية حديث ومجاهدة إلى جانب الرجل ورأيها يؤخذ به بالشكل نفسه الذي يؤخذ برأي الرجل. وهي إلى جانب ذلك كانت ذات بلاغة وفصاحة. ويكفي بهذا الصدد الرجوع إلى مصنفات من قبيل بلاغات النساء لابن طيفور(9) أو أخبار النساء لابن القيم(10) أو غيرها من المصادر العربية التي تتضمن أخبارا عن النساء كالأغاني للأصفهاني والإماء الشواعر للسيوطي، للوقوف على موقع المرأة في المجتمع والثقافة العربيين الإسلاميين، والدور الذي لعبته سواء في مضمار السياسة أو الأدب أو الحياة العامة.
 
تخترق ثنائية الذكورة والأنوثة، إذن، كل مظاهر الحياة الإسلامية كما قعّد لها النص الديني. والجنسان يشتركان في كل مظاهر العبادات من صلاة وصيام وحج؛ غير أن المرأة نظرا لاختلافها الجسدي وطبيعتها المختلفة تحظى في النص الديني بمجموعة من الاعتبارات الاستثنائية التي تخصها: فالمرأة الحائض والنفيس مثلا غير طاهرة. وهي بذلك لا يمكن أن تمارس عباداتها الشرعية الواجبة إلا بعد انتهاء مرحلة الحيض والنفاس والتطهر منهما بالغسل(11). هذه الاعتبارات الجسدية تنبني عليها مجموعة من الاعتبارات الأخرى ذات طبيعة ثقافية واجتماعية؛ فالرجال قوامون على النساء، والتراتبية المعلنة هنا تخص بالأساس قضية المسؤولية والمبادرة والحق في اتخاذ القرار. الرجل هو المعيل اجتماعيا، وهو بالتالي صاحب القرار في الزواج والطلاق. وتتم ترجمة ذلك بشكل واضح في الطلاق. فالرجل هو الذي يعلنه، ومن ثم فهو الذي يتحمل نفقة الأولاد بعد الطلاق.
 
إن هذه المعطيات الجسدية وانعكاساتها على المستوى الاجتماعي تقسم فضاءات الذكورة والأنوثة وتمس أيضا طبيعة التعامل مع الجسد من الناحية القيمة والمظهرية. فالبيت (أي الداخل) هو فضاء الحرية الوحيد للكيان الأنثوي، الذي يمكن أن تعيش فيه حميميتها وعلاقتها الشخصية بجسدها. وقد ركزت أغلب الأحاديث النبوية والفتاوى الفقهية على جانب الزينة وعلاقة المرأة بجسدها بشكل يمكن من القول بأن الجسد الأنثوي، مقارنة مع الجسد الذكوري، قد شكل مجالا لتقنين يسعى إلى الإحاطة بمختلف جوانبه.
صفحة 8
بيد أن هذا التقسيم الفضائي لا يحد من حرية المرأة إلا باعتبارها جسدا مثيرا للشهوة. وهو ينبني على اعتبار الأنثى عورة(12) أي جسما محظورا على نظر الآخر ومثيرا للشهوة والفتنة. المرأة كيان يلزم حجب طابعه الشهواني، وكل عنصر جسماني من كيانها مصدر لا ينضب لشهوة الرجل. وبهذا الصدد، تشبّه المرأة بالشيطان في كونها مصدر الرغبة. فقد جاء في سنن النسائي أن الرسول خرج فبصُر بامرأة، فرجع فدخل إلى زينب، فقضى حاجته، ثم خرج على أصحابه، فقال: "إن المرأة تُقْبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فمن أبصر منكم من ذلك من شيء، فليأت أهله، فإن ذلك له وِجاء"(13). لذا يتم تخصيص جانب من المساجد خاص لصلاة المرأة؛ بل إن صوت المرأة نفسه يخضع للتقنين. ويطالب الفقهاء المرأة بالحديث إلى الآخرين بصوت خال من كل نبرة أنثوية وذي طابع جدي. كما تختص الإمامة في الإسلام بالرجل بالرغم من الاختلافات الفقهية التي أثيرت حول هذه القضايا. يقول ابن رشد في شرح هذه الاختلافات: "اختلفوا في إمامة المرأة، فالجمهور على أنه لا يجوز أن تؤم الرجال. واختلفوا في إمامتها النساء، فأجاز ذلك الشافعي، ومنع ذلك مالك، وشذ أبو ثور والطبري فأجازا إمامتها على الإطلاق. وإنما اتفق الجمهور على منعها أن تؤم الرجال لأنه لو كان جائزا لنقل ذلك عن الصدر الأول، ولأنه لما كانت سنّته في الصلاة التأخير عن الرجال، عُلم أنه ليس يجوز لهن التقدم عليهم لقوله عليه السلام: أخّروهن من حيث أخرهن الله. ولذلك أجاز بعضهم إمامتها النساء إذا كن متساويات في المرتبة في الصلاة..." (14). إن هذه الاختلافات، بالرغم من أنها لا تؤثر على موقف الوحدة في التفكير الإسلامي تجاه المرأة، إلا أنها تُبين عن التعدد النظري الذي طال بنية التفكير الإسلامي في إحدى أعوص القضايا وأكثرها حساسية. بيد أن المرأة، كما سنرى، ستجد لها موطنا خصبا في التراث التصوفي. فما تم كبته وكبحه في القضايا العملية الفقهية قد وجد مرتعا آخر في الأدب والتصوف، مفصحا بذلك عن جدلية الخفاء والتجلي التي تمارسها الثقافات على مكوناتها الاجتماعية.
 
وإذا كان للمرأة بعض الحرية في الحركة خارج فضائها المحدود فإن هذه الحرية المشروطة ترتبط أوثق ارتباط بمظهرها الحجابي من جهة وبقدرتها على تمثل عنصر الغياب. إن المطلوب منها هو ألا تثير الانتباه إلى أنوثتها وجمالها وألا تقوم بما من شأنه خلخلة الفضاء الذكوري العام أو أن تكون مصحوبة بأي شخص كفيل بحمايتها من نفسها ورغباتها. بهذا المعنى، وبالرغم من اعتراف المجتمع العربي الإسلامي للمرأة ببعض من استقلاليتها، إلا أنه يجعل الرجل واسطة علاقتها بالعالم الخارجي ووكيلا لها في المعاملات والعلاقات العامة، من بيع وشراء وغيره.
صفحة 9
يمكّن المحدد الفضائي من التعرف على موقع المرأة الوجودي والاجتماعي، بالشكل نفسه الذي يشير إلى القيم الاجتماعية المتداولة في الفضاءين. فإذا كان محيط المرأة عائلي فإن محيط الرجل اجتماعي عام. وبالرغم من أن الكثير من النساء في الإسلام عُرفن بكونهن شخصيات عمومية بلغتنا المعاصرة، لهن مواقع اجتماعية وسياسية ودينية وتصوفية تجعل من علاقاتهن بالآخرين علاقات متساوية، فإن هذه المخالطة كانت مشروطة ومقننة. وربما كانت الشواعر والمغنيات والقيان يشكلن نواة المرأة العربية المعاصرة أو على الأقل سليلاتها في التحرر والمشاركة في العملية الاجتماعية والثقافية. ولكي يكون هذا الاستنتاج وجيها علينا طبعا التشكيك في مبدأ التراتبية الاجتماعية التي أقامها المجتمع العربي بين الأحرار والموالي والقيان. فقد كان هؤلاء الأخيرون، كما هو معروف، يتمتعون بحقوق مدنية تتجاوز في الكثير من الأحيان الحقوق التي لمالكيهم أو حماتهم، باعتبار أن "دونيتهم" الاجتماعية تلك كانت مصدرا لحرية حركتهم داخل الحياة الاجتماعية.
 
هذا الترابط هو ما يؤدي إلى أولوية الوظيفة الاجتماعية للمرأة على كيانها الشخصي. فالمرأة المثلى في الإسلام هي الولود، أي تلك القادرة على تأدية وظيفتها الاجتماعية المتمثلة في التكاثر. وحين سئل الرسول عن قيمتي الجمال والتناسل فضل بشكل واضح القيمة الثانية على الأولى(15). إن كيان المرأة الجسدي بهذا المعنى يغدو عرضيا إذا ما هو قورن بقيمتي الخصوبة والعقل، لذا فإن المرأة العاقر وإن كانت جميلة تشَبَّه بالأرض الجذباء أو الشجرة الجميلة غير المثمرة.
 
تتحكم هذه الغائية في تنظيم المؤسسة الأسروية والاجتماعية إلى درجة يغدو معها كيان المرأة باعتبارها أنثى محصورا في مدى قدرتها على تحقيق استمرارية الوجود للآخر. وبالرغم من أن الإسلام حرّم وأد الفتيات كما مورس ذلك في الجاهلية، وحث على تربية البنات والاعتناء بهن، فإن المتخيل الأسروي العربي الإسلامي ظل يمنح دائما قيمة للمولود الذكر على الأنثى، خاصة وأن نظام الإرث في الإسلام يقوم كما هو معروف على أولوية الذكر على الأنثى (للذكر حظ الأنثيين)، مما يجعل من الذكر ضامنا لاستمرار القيم الاجتماعية المادية منها والمعنوية.
 
من ناحية أخرى يمكن القول بأن تحديد هذه الوظيفة الاجتماعية يجد أصله في التراتبية الأصلية التي للذكر على الأنثى وللزوج على الزوجة. ويسوق البيهقي حديثا يكاد يجعل الرجل معبود زوجته، ويحول التعبير المجازي "رب البيت" للتعبير عن الرجل إلى قيمة حقيقية: "قد مضى في كتاب السنن حديث أبي هريرة وغيره أن النبي (ص) قال: "لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، لما عظّم الله من حقه عليها"". كما يسوق أحاديث أخرى يعتبر أحدهما أن الرجل جنة المرأة ونارها، وأنها إن هي أعرضت عنه فبات غضبانا لعنتها الملائكة حتى تصبح(16).
صفحة 10
الإسلام والجنس
 
ليس من قبيل الصدف أن يلح نبي الأمة ومن جاء بعده من صحابة وفقهاء على مبدأ الزواج باعتباره مبدأ شرعيا وواجبا اجتماعيا؛ فالعلاقة بين الرجل والمرأة علاقة مقدسة، ولذة الجماع لذة مشروعة وإنسانية ومقدسة بدورها. من ثم فإن قداسة العلاقة الجنسية تأتي من كونها تعبيرا عن دورة الحياة والاستمرار الوجودي والتوازن الاجتماعي. إنها بشكل ما درْء للشهوات وللزنا، وتعبير أسمى عن العلاقة الذاتية بين الرجل والمرأة. ذلك أن الزواج سكنٌ في الآخر واستكانة إليه وإقامةٌ فيه من حيث هو شريك مفترض وحماية اجتماعية وذاتية. ومن غير الزواج تكثر المعاشرة الحرة ومخاطر الشهوات المباحة ومعها تغدو الرغبة الإنسانية خارج مدار المقدس.
 
الزواج بهذا المعنى استمرار للمقدس والأصل، واستعادة للزوج الأول الذي منه انحدرت الخليقة. وهو إلى جانب ذلك تقنين لحرية الشهوات والنزوات، ودرْء لكل عناصر الزيغ والضلال، وإدخال لمبدأ اللذة في العلاقة الاجتماعية. لذلك أحيط الزواج بالكثير من النواهي، وسعى الفقهاء باستمرار إلى حل معضلاته القديمة والجديدة، سواء المتعلق منها بالعلاقة الذاتية أو العلاقة الاجتماعية بين الزوجين. كما أن الإسلام النصي قد حدّد نموذجا معينا للمرأة الزوجة. فقد نهى الرسول عن الزواج بالزرقاء البدينة والطويلة الهزيلة والعجوز، أو القصيرة القبيحة، وذات الولد من غير الرجل، مفضلا المرأة الودود الولود(17). وهو الأمر الذي يخلق نموذجا تقريبيا للمرأة الزوجة، ويجعل من الزواج عملية متصلة بالنظام الاجتماعي لا بالاختيار الذاتي. بيد أن هذا النموذج الإسلامي الأصلي الذي يؤكد أولوية المرمى الاجتماعي في مؤسسة الزواج يخضع كما ذكرنا للقيم الكبرى للأمة الإسلامية آنذاك؛ الشيء الذي سوف يأخذ في ما بعد مناحي أخرى مع تطور الحضارة العربية الإسلامية واختلاط الأجناس في حضنها، وتطور الفنون والآداب والتأثيرات التي سوف تنجم عنها.
 
وإذا كان النموذج الجمالي مثلا في عصر الإسلام هو البدانة فإنه سوف يغدو في العصر الأموي والعباسي الاعتدال. وحين يتحدث الجاحظ عن المرأة المجدولة فإنه بذلك يؤكد على أن النموذج الجمالي هو في الآن نفسه النموذج الشهواني والجنسي(18).
 
وبما أن الزواج مؤسسة إسلامية رئيسة في الكيان الاجتماعي الإسلامي، فإنها قد حظيت لذلك بمجموعة من المحدِّدات التي تجعل من النكاح الشرعي والمجامعة علاقة واضحة المعالم، لا تختلط فيها الأجناس وتعمل خارج كل شذوذ أو استيهامات ممكنة. لقد دعا الرسول إلى عدم المجامعة البهيمية، وهو إن لم يركز على الحب والمحبة إلا أنه قد عبر مرارا وبطرق مختلفة عن حبه لعائشة(19). فالعلاقة الزوجية علاقة إنسانية بامتياز يلزم أن تتسم بالعشرة الطيبة (فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف، البقرة، آية 231). وعلاقة النكاح علاقة ودّ يلزم قبل أن تتم أن يكون بين طرفيها رسل هما القبلة والكلام. كما أن الرسول نهى عن التجرد الكامل من الثياب مشبها المجامعة بهذا الشكل مجامعة العير (الحمير). بل إنه تحدث أيضا عن الأوضاع الجنسية من مجامعة من الدبر في القبل محرما كل مجامعة من الدبر باعتبارها ممارسة تخرج المرأة عن أنوثتها وخصوبتها(20).