eKtab
EN ع
الصراع الطبقي في بلاد الشام
اقرأ عينة مجانية

الصراع الطبقي في بلاد الشام

بقلم شاكر النابلسي

صفحة 1
-1-
 
يلاحظ القارئ، في هذا الكتاب، حجم الاستفادة من المنهاج الجدلي المادي، في تفسير التاريخ، أو ما اُصطلح على تسميته بـالمادية التاريخية في تفسير الظواهر التاريخية، في العالم، وفي العالم العربي، وفي بلاد الشام خاصة· وقد قامت بعض الدراسات التاريخية، التي تناولت بلاد الشام، باستخدام القياس دون المنهاج، في تفسير بعض الظواهر في بلاد الشام؛ أي بردِ هذه الظواهر إلى مثيلاتها في الغرب· وهو ما حذَّر منه المؤرخ المصري عبد العظيم رمضان·(1) ولكن رمضان لاحظ - وهو على خطأ في ذلك في رأينا - أن الصراع الطبقي في مصر يختلف عنه في أوروبا·
 
ففي مصر، كان الصراع الطبقي بين الوطنيين المصريين وبين الاستعمار البريطاني· في حين أن الصراع في أوروبا - حسب النظرية الماركسية - كان بين الفقراء والأغنياء، أو بين من يملكون وبين من لا يملكون· وهذا هو معظم الصراع الطبقي الذي تمَّ في بلاد الشام، ما عدا الصراع الذي تم بين الوطنيين في سوريا ولبنان وبين الاستعمار الفرنسي، وبين الوطنيين في فلسطين والأردن وبين الاستعمار البريطاني والاستيطان الصهيوني·
 
ويقول رمضان، إن الصراع الطبقي في البلاد المستعمَرة وشبه المستعمَرة كان بين الذين يملكون والذين يملكون أيضاً، بالدرجة نفسها التي يكون فيها الصراع بين الذين يملكون والذين لا يملكون·(2)
 
وعلينا أن نلاحظ - عبر هذا الكتاب - أن الصراع لم يكن في بلاد الشام بين الوطنيين والاستعمار، بقدر ما كان قبل الاستقلال في أواخر النصف الأول من القرن العشرين وبعده، بين حاكمين ومحكومين·
صفحة 2
-2-
 
تعبير الصراع الطبقي يثير الفزع عند كثير من القراء· وهو بداية إعلان حرب أهلية في أي بلد، ولدى أي شعب· ومن هنا، يخشى الناس الصراع الطبقي، الذي يمكن أن يهدد المواطنة·(3) ولكن هذا كله، لا ينفي وجود صراع طبقي في بلاد الشام كافة، حيث يسود الفساد المالي والسياسي، وحيث ينهب المال العام، منذ أكثر من خمسة قرون· وبذا، أصبح الصراع الطبقي واقعاً اقتصادياً في بلاد الشام، لا محالة· طرفه الأول، طبقة سياسية مستغلة، وفاسدة، وناهبة· والطرف الثاني، الشعب المستغَل، والمنهوب، والمسروق·
 
وهذا الصراع متأصل منذ أكثر من خمسة قرون، ومنذ عهد الاحتلال المملوكي (1250-1517م)، ثم العثماني، والسيطرة العثمانية على بلاد الشام كافة (1517-1918م)· حيث كان مجتمع بلاد الشام كافة، في ذلك الوقت، يسوده الفساد الإداري، وسرقات المال العام، من قبل المماليك، والولاة العثمانيين·
 
أما الفساد الإداري، فقد وصل حداً، كانت معه الإدارة العثمانية ممثلةً بالسلاطين تُرسل للولاة السارقين الهدايا والعطايا، حتى يُمعنوا في السرقة، والنهب، والظلم· فقد أرسل السلطان عثمان الثالث (1754- 1757م) إلى والي دمشق المنكوب (أسعد باشا العظم) هدايا وفرماناً، فيه تفخيم كثير، ومدَّ له حبل النهب والسلب، فشُغل الباشا ببناء قصره العظيم، ولم يلتفت إلى رعاياه، وتركته الدولة يجمع الأموال، ويبني القصــور، ثم أمرت بقتلــه خنقـــاً في الحمام، ومصادرة أمواله، وأملاكه· ويتحدث المؤرخ أحمد البديري حديثاً طويلاً، عن تصرفات نموذج من الولاة، وهم معظم ولاة بلاد الشام، فيبسط لنا سرقاتهم، وإهمالهم للرعايا، واهتمامهم بجمع المال الحرام، وبناء القصور الفخمة، من أموال الناس التي أُخذت منهم قسراً، وجوراً· ولم تكُ السلطة العثمانية تكتفي بسرقة الشعوب المحكومة لها، من خلال مصادرة المال المسروق من هذه الشعوب، من قبل الولاة، ووضعه في جيب السلطان، وإنما كانت تخدع الشعوب، وتظهر لهم بمظهر السلطة الحريصة على الأمن، والأمانة، الضاربة بيد من حديد على الظلم، والخيانة· فكانت تُنكِّل بالولاة السارقين، بعد أن تكون قد شجعتهم على النهب في ظل غياب المحاسبة، والرقابة، وطغيان الفساد، والرشوة·
صفحة 3
-3-
 
سوف يتم الحديث دائماً في هذا الكتاب، عن بلاد الشام كوحدة جغرافية، وليس كوحدة سياسية· وإن كنا نتمنى، أن يتم الحديث عنها كوحدة سياسية كذلك، كما كان حالها ووضعها أثناء الحكم العثماني· وقبل أن يتم تقسيمها في معاهدة سايكس- بيكو إلى أربع دول (سوريا، لبنان، الأردن، وفلسطين)· ولكن بعد 1948 دخلت إسرائيل على خارطة هذه الدول· فهل تتم وحدة يهودية - عربية مستقبلاً· وتعود بلاد الشام وحدة جغرافية وسياسية، وتصبح إسرائيل جزءاً منها؟
 
إنها كوابيس، واضغاث أحلام ربما تتحقق!
صفحة 4
-4-
 
في العهد العثماني وحتى عام 1918، كانت بلاد الشام وحدة سياسية واحدة· وانفصل عنها لبنان في عام 1920، حيث نشأ كيان مرتبط منذ الأساس بنظام سياسي محدد· ذلك أن فرنسا كانت حريصة على إعطاء العصبية المارونية المتحالفة معها منذ قرون، مجالاً للتعبير السياسي المستقل عن ذاتها في القرن العشرين·(4)
 
وفي نهاية الحرب العالمية الأولى، نال لبنان استقلاله السياسي الكامل من فرنسا، واكتسب السمة الأساسية التي تجعل منه تشكيلة اجتماعية رأسمالية، ذات طراز فريد، مرتبط خصوصاً بموقعه داخل السوق الرأسمالية العالمية·(5)
 
وتمَّ فصل فرنسا للبنان· كما تبع فصل بريطانيا للأردن عن بلاد الشام،، وتأسيس المملكة الأردنية الهاشمية· وتأسيس الأردن الحالي عام 1921، نتيجة لقرار بريطانيا في ذلك، فقد كان قبل ذلك تحت السلطنة العثمانية كقطاع متخلف اقتصادياً· وكان شيوخ القبائل هم الذين يملكون الأرض بمساحات واسعة· وكان معظم الفلاحين يستأجرون الأرض من هؤلاء على أساس المحاصة·
 
وقيام إمارة شرقي الأردن، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمخططات البريطانية - الصهيونية في المشرق العربي، وإحاطة الوطن القومي اليهودي بسلسلة من الدويلات الطائفية والبدوية، التي يسهل على إسرائيل القضاء عليها، والتوسع على حسابها، كما استولت على الضفة الغربية عام 1967·(6)
 
فلم تكن البقعة الجغرافية التي يمثلها الأردن اليوم، إلا ممراً للذهاب إلى مكان آخر· ليس للأردن دولة لها جذور في التاريخ، يُعاد إليها· وكان مؤسس الدولة الأردنية طارئاً على البلاد، ويحكمها بموافقة بريطانية· وكان المؤسس يعتقد، أن عمان محطته إلى مملكة واسعة، وهي مملكة بلاد الشام (سوريا، ولبنان، وفلسطين، والأردن)· لكن المحطة تحوَّلت إلى دولة مستمرة· والأسرة الهاشمية تبدو أحياناً، متأرجحة في تكتيكها السياسي· وكان هذا التأرجح قد حُسم مرةً أولى عند فصل بريطانيا شرق الأردن عن فلسطين،(7) فنشأت في فلسطين معضلة، وحُلت لغير صالح العرب·(8)
 
وظهرت شرقي الأردن كدولة على المسرح العربي، نتيجة ضرورات وتسويات السياسة الدولية· وظلت حقيقة سياسية غير ثابتة، لا حدود واضحة لها خلال العشر سنوات الأولى من عمرها· وبذا، فقيام إمارة شرقي الأردن يتقاطع جذرياً مع المشروع البريطاني لإقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين استناداً إلى وعد بلفور· وبذا أُنشئت إمارة شرق الأردن، لأهداف ترتبط بسياسة بريطانيا، تجاه المشروع الاستيطاني الصهيوني·(9)
صفحة 5
-5-
 
لقد زال العهد العثماني، وزال عهد الاستعمار، وجرَّبنا حكم العسكر الذين كانوا مدنيين وملوكاً في بعض الأحيان، ولكنهم كانوا عسكراً في سلوكهم السياسي· وانتهى بنا الأمر إلى سوريا الآن، والأردن الآن، ولبنان الآن، وفلسطين الآن، وهو آن لا يسرُ عدواً ولا صديقاً· وإن كان يسرُ عدواً ما، فإنه لا يسرُ صديقاً أبداً·
 
ودعوة قيام وحدة بلاد الشام السياسية، في عصر الربيع العربي والثورة السورية الآن، والحشد الشعبي الأردني، لا علاقة لها البتة، بدعوة وحدة الهلال الخصيب التي دعا إليها الحزب السوري القومي الاجتماعي، برئاسة انطون سعادة، الذي أسس هذا الحزب عام 1932 في سوريا ولبنان· وقامت السلطات اللبنانية الخاضعة للانتداب الفرنسي بمحاربة هذا الحزب، الذي يدعو إلى وحدة بلاد الشام مضافاً إليها قبرص وبلدان أخرى· حيث تشير عقيدة الحزب السوري القومي الاجتماعي، إلى أن العراق، والكويت، والأحواز، وسوريا الحالية، ولبنان، والأردن، وفلسطين، وأطراف جغرافية طبيعية من سيناء، وقبرص، وهضبة عينتاب، هي وحدة جغرافية واحدة، تضم أمة واحدة فُرِّقت·
 
ومن المعلوم، أن هذا الحزب دخل في صراع مع السلطات في لبنان، الذي كان لا يزال خاضعاً لسلطات الانتداب الفرنسي، حيث اعتبرته السلطات الفرنسية ثم اللبنانية حزباً غير شرعيّ، لأنه يدعو إلى إعادة جبل لبنان إلى سوريا الآن، وهو ما تمَّ فصله عن سوريا عام 1920 بجهود فرنسية كبيرة·
 
ومن المعلوم، أنه بعد اعتقال سعادة (مؤسس الحزب) وبعض أعضاء الحزب ثلاث مرات بين عامي 1936 و 1938، سافر أنطون سعادة قسرياً إلى أميركا الجنوبية متنقلاً بين البرازيل والأرجنتين لتسع سنوات، نشر فيها عقيدته بين المغتربين السوريين هناك، وعاد إلى لبنان عام 1947، ليصطدم مع السلطات اللبنانية المستقلة حديثاً·
صفحة 6
-6-
 
إن الفرق بين دعوتنا لإعادة وحدة بلاد الشام، ودعوة الحزب السوري القومي الاجتماعي، تتمثل في التالي:
 
1- كان الحزب السوري القومي الاجتماعي، يدعو إلى وحدة سياسية بين مساحات شاسعة وبلدان مختلفة منها: العراق، والكويت، والأحواز، وسوريا الحالية، ولبنان الحالي، والأردن الحالي، وفلسطين، وأطراف جغرافية طبيعية من سيناء، وقبرص، وهضبة عينتاب· بينما نحن ندعو إلى وحدة سياسية بين سوريا الحالية، ولبنان الحالي، والأردن الحالي، وما تبقى من فلسطين· فذلك أكثر واقعية في العصر الحديث، وفي ظل المعادلات الدولية القائمة·
 
2- اصطدمت دعوة الحزب السوري القومي الاجتماعي، بالسياسة الفرنسية التي كانت تحرص - وما زالت - على وضع لبنان إلى ما هو عليه· وكان لفرنسا في العشرينات، وما بعدها من القرن العشرين، سطوة وقوة، لم تعد الآن كما كانت·
 
3- حصل الآن، انقلاب هائل في الجغرافيا السياسية العالمية الذي نتج عن تفكك الكتلة الشرقية 1989· فالمتغيرات النوعية التي عصفت بالوقائع العالمية أسقطت توازنات كثيرة في السياسة والاقتصاد· أقلها عنفاً التوازن الدولي الذي اختل نتيجة لانتهاء الحرب الباردة، فاختلت معه التحالفات التي كانت تقوم في ظل الثنائية القطبية، وضاق بذلك هامش المناورات السياسية· وأكثرها عنفاً، هو الانفجار الهائل للمكبوت الديني والثقافي والعرقي، الذي تأسس بمجمله على الفشل الذريع لسياسات الاندماج الوطني، التي مارستها إيديولوجيات التحرير، ونماذج الأنظمة اليسارية السابقة·(10)
 
4- كانت دعوة الحزب السوري القومي الاجتماعي، تنطلق من حزب سياسي يسعى للسلطة· ويمكن أن تكون الرئاسة والسلطة لسوريا الطبيعية التي كان يدعو لها الحزب السوري القومي الاجتماعي، ومؤسسه انطون سعادة، حلماً من أحلامه، وهدفاً من أهدافه السياسية· أما دعوتنا فلا هدف شخصياً لها، ولا مطمعاً سياسياً فيها، بقدر ما هي دعوة لوضع هذه البلدان في مكانها السياسي الصحيح الذي كانت عليه قبل 1918·
 
5- كانت من بين دوافع دعوة الحزب السوري القومي الاجتماعي، محاربة الاستعمار الفرنسي الطامع في المنطقة، بعد الحرب العالمية الأولى، في حين أن دعوتنا لا دوافع لها من هذا القبيل·
 
6- كانت دعوة الحزب السوري القومي الاجتماعي، في بداية القرن العشرين· وكنا لم نجرب بعد، السلطة الوطنية العربية بعد الاستقلال، والتي جاءت بمصائب وكوارث كثيرة، مثل حكم آل الأسد في سوريا، وحكم زعماء العائلات الطائفية اللبنانية التقليدية، وحكم منظمة التحرير الفلسطينية، وحركة حماس، وغيرها· ولم نرَ الأضرار الكثيرة والدمار الكبير الذي أحدثته هذه النظم السياسية في بلاد الشام· فلم تكن الحماسة ولا العزيمة في ذلك الوقت كبيرة وشديدة لوحدة سوريا الطبيعية، أو ما أُطلق عليه الهلال الخصيب أما اليوم، ونحن في خضم الثورات العربية، وقد تحرر العراق، وتحررت تونس، وليبيا، ومصر، واليمن، من الدكتاتوريات العاتية، وثارت سوريا، وتحرك الأردن حراكاً شعبياً بطيئاً وثابتاً فستكون الدعوة إلى وحدة بلاد الشام أكثر حماسة، وأشد عزيمة، وأعلى صوتاً، وأقوى حجةً، وأوسع قاعدةً، وأصغى آذاناً، من ذي قبل·
 
7- لم يكن الوعي السياسي، الذي أخذ يفجر الثورات العربية الآن، وخاصة في بلاد الشام، موجوداً في بداية القرن العشرين، عندما أنشأ أنطون سعادة الحزب السوري القومي الاجتماعي ولم يكن قد وصل إلى هذا المستوى العالي والفعّال· كما لم تكن الكوادر السياسية الحالية الآن موجودة في ذلك الزمان، لكي تحقق وحدة بلاد الشام التي ننادي بها الآن· وتوفر الوعي السياسي ووجود الكوادر السياسية الشابة، سوف يساعد كثيراً على تحقيق هذا الحلم·
 
8- لقد تعلمت الكوادر السياسية من أخطاء التجارب الوحدوية الكثيرة السابقة· فهناك - حسب يوسف خوري - أكثر من 90 مشروعاً واتفاقية وبياناً للوحدةالعربية من عام 1913- 1989، وكلها فشلت فشلاً قاتلاً وذريعاً·(11) وكانت كلها حبراً على ورق، ومن أجل التزويق السياسي فقط·
صفحة 7
ففيما يخص بلاد الشام وحدها، كان هناك الميثاق الذي وضعه أعضاء جمعيتي العهد و الفتاة في 1916· وكان هناك قرار فصل لوائي نابلس وعكا عن ولايةبيروت عام 1918· وقرار اتحاد الدول السورية المؤلف من دولة دمشق، ودولة حلب،(12) ودولة العلويين عام 1922· وكان هناك قرار تنظيم الدولة السورية من دولتي دمشق وحلب عام 1924· ومشروع سوريا الكبرى، أو وحدة سوريا الطبيعية· كما كان هناك قرار مجلس الوزراء الأردني رقم 237 لتحقيق الوحدة السورية· وخطاب العرش الأردني الذي تناول فيه الملك عبد الله الأول وحدة سوريا الطبيعية عام 1946· ومقترحات عبد الله بن الحسين لتوحيد الأردن والعراق عام 1950· ومشروع فاضل الجمالي للاتحاد العربي بين الأردن والعراق عام 1954· ومشاريع وحدوية من ناظم القدسي عام1951، ومن خالد العظم عام 1955، ومن ادمون رباط عام1955، ومن محمد دروزة عام 1957، ومن الضباط السوريين لعبد الناصر عام 1958· الخ· وما قام به المقبور معمر القذافي في سنوات مختلفة مع مصر وسوريا والسودان· وما قدمه الملك حسين من مشروع المملكة العربية المتحدة عام 1972، وذهاب هذا المشروع مع الريح· وما قدمه المحامي عصام نعمان عام 1978 من مشروع إقامة دولة الاتحاد العربي وما قدمه صدام حسين من إعلان قومي عام 1980·· الخ·
 
9- لن أستطيع وضع مبادىء دستور دولة بلاد الشام، ولا نظامها الداخلي ولا تشكيلاتها السياسية، والتنفيذية، والتشريعية، والقضائية، وهذا كله أتركه للمتخصصين وللقانونيين، وزعماء الأحزاب اليمينية، واليسارية، والوسطية، في بلاد الشام· فأنا جاهل بها، ولا أجيد الحديث فيها· وإن تحدثت بها أخشى (التخبيص) الذي يضرُّ أكثر مما يفيد·
 
10- وأخيراً، أعلم أن كلامي عن وحدة بلاد الشام سيذهب مع الريح، ولن يستمع إليه أحد الآن، لأنه لا ينطلق من قوة السياسة، ولكن من قوة الفكر والثقافة· على عكس ما كان من الحزب السوري القومي الاجتماعي، عندما اقترح مؤسسه أنطون سعادة (1904-1949) مشروع سوريا الكبرى، أو سوريا الطبيعية، أو الهلال الخصيب فقد أقام الحزب السوري القومي الاجتماعي الدنيا ولم يقعدها في النصف الأول من القرن العشرين· واقتحم الحزب السوري القومي الاجتماعي، بوابة الإرهاب السياسي عندما اتُهم باغتيال رياض الصلح (1894-1951) في عمان، انتقاماً من إعدام أنطون سعادة عام 1949· حيث يقال إن مجموعة من الحزب السوري القومي الاجتماعي، قامت باغتيال رياض الصلح، وهو في طريقه إلى مطار عمان للعودة لبيروت·
صفحة 8
-7-
 
ولم تقتصر سرقة الولاة، ونهبهم لأبناء الشام· بل تعدى ذلك إلى سرقة التجار الأجانب الذين كانوا يمارسون التجارة بين بلاد الشام وأوروبا· فولاة الشام هم الذين أدخلوا في قاموس التجارة العالمية كلمة البَلْص، أو السَلْبَطَة، أو الأتاوة، كما هي عند المصريين، أو ما يُسمى بالفرنسية Avanies· وهي كلمة تعني أخذ المال بدون وجه حق· وكان البَلْص في قاموس باشوات الشام، يعني مقدار المال الذي يطلبه الباشا من التجار الأوروبيين، ويلزمهم به، متذرعاً بحجج وأسباب واهية· وكان التجار الأوروبيون يذهبون إلى قنصلهم، ويشكون الباشا· فيذهب القنصل إلى الباشا، ويهدده بتقديم شكوى للباب العالي· إلا أن كثيراً من الباشوات كانوا لا يكترثون لهذا التهديد، لعلاقتهم الوثيقة بالصـدر الأعظـم· والباشوات الذين كانت لهم علاقة وثيقة بالباب العالي هم من كانوا يضاعفون كميات أموال البَلْص أضعافاً مضاعفة· وعندما يفلح السفير أو القنصل الأجنبي في الشام، في إيصال شكوى رعاياه إلى الباب العالي، فإن عليه الانتظار طويلاً حتى يأتيه الرد من الآستانة· ويضطر السفير لكي يأتيه الرد، إلى توزيع الرشا والعطايا والهبات على الديوان السلطاني· ولكن حتى لو صدر أمر السلطان برد ما انتُهب، وإعادة ما سُرق، فإن تنفيذ هذا الأمر كان من الصعوبة بمكان· لذا، فقد أمعن الولاة في بلاد الشام في عمليات البَلْص كيفما شاءوا، لأنهم كانوا يعلمون تمام العلم أنهم لن يعاقَبوا ولن يحاسَبوا·(13)
صفحة 9
-8-
 
كما كان بعض الولاة في بلاد الشام يستدينون من كبار التجار الأوروبيين أموالاً ولا يردونها، أو يردون جزءاً بسيطاً منها في حالات قليلة· وشطَّ الولاة شططاً كبيراً في فن السرقة والنهب· فكانوا يعتبرون بعض المراكب المحملة بالبضائع الراسية في أحد الموانىء، مراكب قراصنة لكي تكون لهم حجة في الاستيلاء عليها، وعلى البضائع التي تحملها، وسجن طاقمها· وفي هذه الحالة، كان على القنصل أن يعرف ما يجب عمله، ودفعه للباشا لكي يُفرج عن المراكب، وطاقمها·(14)
 
وتكررت مظاهر البَلْص عند الباشوات، وتعددت وجوهها· فكان الباشوات يستغلون إفلاسات التجار الأوروبيين، ويختلقون الحوادث الغريبة، ويفرضون الغرامات غير المبررة، لمزيد من الحصول على الأموال بطريق البَلْص·
 
بل إن فساد الولاة في بلاد الشام دفعهم في بعض الأحيان إلى السكوت عن تجاوز رجال الدين المسيحيين للقوانين، التي وضعتها الإدارة العثمانية لتنظيم عملية التبشير والدعوة الدينية المسيحية، مقابل بعض المنافع المادية· فكان الولاة يقبضون على رجال الدين المسيحي والمبشرين لمخالفتهم القوانين، ولكنهم لا يلبثون أن يفرجوا عنهم، مقابل مبلغ من المال بعد المساومة والوساطة، في ظل حب السلطات الحاكمة للمال·(15)
صفحة 10
-9-
 
أما مناصب الولاة والباشوات، فكانت تُباع وتُشترى في العهد العثماني رسمياً· وقد لجأت الإدارة العثمانية في كثير من الأحيان إلى إعادة تقسيم البلدان الخاضعة لها إلى مزيد من الباشويات لزيادة المبالغ المحصَّلة من بيع هذه المناصب· فقسَّمت بلاد الشام على سبيل المثال في القرن الثامن عشر إلى خمس باشويات، بعد أن كانت ثلاث باشويات لشدة الطلب على الباشويات، وارتفاع سعرها!
 
وتفشَّى استخدام الرشا بشكل كبير وفاضح، للحصول على المناصب الدينية العليا المختلفة، ومنها منصب شيخ الإسلام، أو المفتي الأكبر، الذي كان مركزه الآستانة، ومناصب القضاة، ووكلاء القضاة، ومناصب الإفتاء· (16) وقد سُمح للمفتين بقبض أجور الإفتاء من الناس، حسب نوع الفتوى، ونتائجها، والسائلين، ومقدرتهم المالية· كما سُمح للقضاة، ونوابهم، وموظفيهم رسمياً، بقبض أجورهم كذلك من الجمهور، مقابل ما يقدمون له من خدمات شتى، وذلك بعد أن عجزت الدولة العثمانية عن الوفاء برواتب هؤلاء· وكان جزء من هذه الأجور يذهب إلى قاضي القضاة أو شيخ الإسلام مع كثير من الهدايا الثمينة· (17) وقد أراحت هذه الظاهرة الخزينة العثمانية من أحمال مالية ثقال، وقُننت الرشا في الوقت نفسه، حيث أصبحت قانوناً رسمياً·(18)