eKtab
EN ع
السياحة الدينية الإسلامية في المملكة الأردنية الهاشمية
اقرأ عينة مجانية

السياحة الدينية الإسلامية في المملكة الأردنية الهاشمية

بقلم د. نوح مصطفى الفقير

صفحة 1
مقدمة

الحمد لله؛ والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه وأتباعه، منارات الهدى....وبعد؛
فقد حظي الأردن بأنه بلد مبارك؛ لأنه من أكنافِ بيت المقدس؛ وفي بيت المقدس وفيما حوله قال الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}1، واسم الأردن بذاته شريف؛ فأهل اللغة يقولون: سمّي الأردن بذلك لطيب هوائه، وشدة وغلبة أهله؛ والذي يعيش في الأعالي لا شك يطيبُ هواؤه، وينمو فكرُه، ويغدو أرحبَ وأشملَ.
إن أرض الأردن طهور مباركة، وإن سماءه نقيةٌ، وتاريخه ناصعٌ، وجذوره ضاربة في عمق التاريخ لأمتنا الماجدةِ، فلنا فيه من شواهدِ التاريخِ الإسلامي الكثيرُ من الذكريات.
ولقد عاش على أرضه أنبياء ومرسلون؛ منهم رسولُ الله لوط عليه السلام؛ الذي أرسله الله تعالى إلى المؤتفكات، وسكن أرض سدوم حول البحر الميت، وسميت بعض المدن والقرى باسم أبنائه وبناته؛ ومن ذلك الربة في الكرك سميت باسم ابنته ربة؛ وزُغَر في (غور الصافي) سميت باسم الثانية من بناته، وهي القرية المباركة التي نجّاه الله سبحانه وتعالى فيها، قال الله تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إلى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ}2، وعمان مسماة باسم عمان بن لوط عليه السلام؛ وهي طرف الكوثر؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (حوضي من عدن إلى عمّان البلقاء)3، ومآب مسماة باسم مؤاب بن لوط عليه السلام.
ومن الرسل الذين سكنوا الأردن رسولُ الله شعيبٌ عليه السلام؛ الذي أرسله الله إلى مدين وأصحاب الأيكة وأصحاب الرس؛ وهي القبائل التي سكنت البلقاء؛ والبلقاء في التاريخ من إربد إلى معان؛ فبلقاوية هي التي جاءت تمشي على استحياء وقالت لأبيها: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ}4، وماء مدين مشهور في مؤتة حيث شهدت أن موسى عليه السلام قوي أمين.
ورسولُ الله هارون وموسى عليهما السلام الذين عاشا بين مأدبا والبتراء، وفي وادي موسى الشماء يوجد الحجر الذي ضربه رسول الله موسى عليه السلام؛ فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، وآثار رسول الله يحيى في قلعة مكاور، ورسول الله إلياس عليه السلام؛ الذي انتقل من بعلبك إلى لستب في عجلون، وهي إلى اليوم تسمى باسمه مار إلياس، وفي اربد قبرُ أم موسى بن عمران عليه السلام، وقبور أربعة من أولاد يعقوب عليه السلام، وفي الأردن مقامان منسوبان لنبيين؛ هما مقام رسول الله نوح عليه السلام في الكرك، ومقام رسول الله هود عليه السلام في جرش.
وأما خاتم النبيين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فمن أشهر آثاره في الأردن:
1. شجرة الباقوعية في الصفاوي التي تهصرت أغصانهـــا عليه قبل نبوته صلى الله عليه وسلم ، ولقد تضوّع عطره تحتها.
2. جرش التي دخلها صلى الله عليه وسلم مرتين قبل النبوة؛ أثناء تجارته لخديجة رضي الله عنها؛ كما روى البيهقي في السنن الكبرى5.
3. صومعة الراهب بحيرى في مأدبا في أم الرصاص؛ التي طعِم فيها مع عمه أبي طالب.
4. ثلاثة مواقع أردنية؛ فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الشريفة؛ هي:
أ‌. أيلة (العقبة): قال المقريزي6: (سُميت: بأيلة بنت مدين بن إبراهيم عليه السلام)، ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه يحنة ابن رؤبة؛ فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وأعطاه بردة مع كتاب؛ أماناً لأهلها، والعقبة هي بلد لقمان الحكيم المذكور في القرآن الكريم.
ب‌. أذرح والجرباء، وما بينهما حوض الكوثر؛ ففي حديث مسلم: (إِنَّ أَمَامَكُمْ حَوْضاً، مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْهِ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ)7وفيهما حدث التحكيم المشهور.
وفي الأردن سكن بعض أتباع الأنبياء؛ كأهلِ الكهف، والثلاثة الذين أغلق عليهم الغار، وتقربوا إلى الله تعالى بالطاعات في الرجيب (الرقيم) قرب عمان، وسكن يوشع بن نون عليه السلام في البلقاء.
ودخل الإسلامُ أرض الأردن بدخول ثلة من الصحابةِ الأطهار الكرام؛ وانبعثت اشراقاتُهم في الأرجاء؛ ومن أولهم سفير النبي صلى الله عليه وسلم الحارث بن عمير الأزدي رضي الله عنه ؛ ومقامه بجانب الطفيلة، وفيها الشهداء كعب بن عمير الغفاري وأصحابه رضي الله عنهم.
وعلى الثرى الطهور جرت سرايا وغزوات ومعارك؛ فسرية ذات أطلاح في الطفيلة، وغزوة مُؤْتة التي تابعها رسول الله بنفسه الشريفة، وخطط لها القادة الصحابة الشهداء، وما زال الأردن يزدهي بمقامات حب رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدٍ، وذي الجناحين جعفَر، والنقيب الشاعر ابنِ رواحة، بالإضافة إلى أحد عشر صحابياً هم باقي شهداء مؤتة، لا تُعرف مقاماتهم في مؤتة في المزار الجنوبي؛ رضي الله عن شهداء مؤتة أجمعين، ولقد زار الأردن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمير المؤمنين وهو في طريقه إلى فتح بيت المقدس.
صفحة 2
وفي شمال الأردن آثار معركة اليرموك، وعطر شهدائها الأبرار، ومنهم أربعة شهداء بنوا تمثال الإيثار فيه، ومقام الراكب المهاجر عكرمة رضي الله عنه بجوار الهاشمية في عجلون، ومنهم عشرون صحابياً هم باقي شهداء اليرموك؛ وقد ذكروا في كتب التاريخ الإسلامي، وتشهد أرض فحل في الأغوار الشمالية بمجريات معركة فحل الشهيرة.
والأردنيون يتنسمون عطرَ الصحابة شهداء طاعون عمواس، وقائدهم أمين الأمةِ أبو عبيدة، ويلتمسون البركَة من شهيد الأقحوانة8، وأعلمِ الأمةِ بالحلالِ والحرامِ معاذِ بن جبل وابنه عبد الرحمن رضي الله عنهما بجوار الشونة الشمالية، ويتنافسون في حُسنِ القيادة، متأثرينَ بفاتحِ الأردن وقائد معركة فحل شرحبيلَ بنِ حسنة رضي الله عنه ، ومقامه في المشارع في الغور الشمالي، وضريح الصحابي الجليل ضرار بن الأزور رضي الله عنه في دير علا، وضريح الصحابي الجليل عامر ابن أبي وقاص رضي الله عنه في بلدة وقاص، وغيرهم من الأفذاذ الأطهار الأبطال.
ولقد ولد بعض الصحابة الكرام في الأردن، وعاصروا العهد الزاهر؛ عصر النبوةِ الأغر؛ ومنهم فروة الجذامي رضي الله عنه ، وسيمونةُ البلقاوي رضي الله عنه ، وعبدُالله بن حوالة الأردني رضي الله عنه ، وغيرهم ممن سطعت أنوارهم فيه، وأشرقت بوجودهم سماؤه؛ وتزينت بهم أرضه.
وفي وادي السير مقام منسوب للصحابي الجليل بلال بن رباح رضي الله عنه ، وقد سميت القرية باسمه (بلال)، وفي الطفيلة مقام الصحابي جابر الأنصاري رضي الله عنه والقلعتان غرندل والسلع، وحمامات عفرا.
ومن التابعين المنسوبين للأردن التابعي الجليل عبادة بن نُسَي قائد جنود الأردن، والتابعي الجليل نعيم بن سلامة السبائي؛ كاتب الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، والتابعيان الجليلان عروة بن رويم اللخمي عتبة بن حكيم الهمداني.
ولقد تأسست في الأردن مدارسٌ للقرآن وللحديث؛ منها مدرسةُ الأيليين في العقبة، التي فتحها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، ومنها رواة الحديث النبوي الشريف، وقلعتها مدرسة إسلامية؛ أستاذها المحدّث الزهري رحمه الله، ومدرسة معان ومنها الأزدي المعاني، ومدرسةُ القرآن في رحاب المفرق؛ وفيها مسجد أيوبي، وقد أنجبت قرية رحاب ابنَ عامر اليحصبي؛ وهو أحد القراءِ السبعة، وشهابَ الدين الدجاني من الدجنية، وقلعة القطرانة مدرسة علمية؛ وفيها مقام الشيخ حامد العطار، ومحطتها لرعاية حجاج بيت الله، والحسا سكنها الفقيه ابن سحمان الشريشي، وقلعتها محطة استراحة للحجاج، وحصن لحمايتهم.
ومدرسةُ عجلون أنجبت العجلوني الجراحي؛ صاحب كتاب كشف الخفاء، ومن قُرَى عجلون برز العلماء؛ فابنُ خطيب عذراء ولد في لستب، وشهاب الدين الباعوني في باعون، ومحمد بن خليل الجعفري في عين جنة.
ومدرسةُ الكرك ومنها البرهان الكركي، وقلعتها جوهرة الصحراء مليئة بالآثار عامرة بالمشاهد، ومدرسة الشوبك، ومنها يوسف بن دانيال الشوبكي، وابن أبي الهيجاء، وقلعتها حصينة.
واربد بها قبر أمّ موسى بن عمران، وقبور أربعة من أولاد يعقوب، وقلعة دار السرايا التي بناها العثمانيون، والرمثا، ومن علمائها الحسن بن علي بن سرور، وأحمد بن موسى الرمثاوي، وهي إحدى محطات الحج.
ومدرسة البلقاء؛ والعلماء البلقاويون منهم صحابةٌ وتابعون، ومن الصحابة الصحابيان الجليلان سيمونة وعطية السعدي رضي الله عنهما، وولده التابعي الجليل محمد بن عطية، وحفيده عروة بن محمد الذي كان والياً على اليمن في عهد الخليفة الراشد محمد بن عبد العزيز، ومن العلماء البلقاويين العلامة محمد بن عبدالله الصلتي، والشيخ نعمة الصفدي من علماء بني صخر.
ومدرسة إربد؛ ومنها شرف الدين القاضي قاسم بن محمد الإربدي، وشهابُ الدين الجمّال الملكاوي، من بلدة ملكا، والزراعي الحُبراصي من حبراص، وعلاء الدين الحَبكي من حَبَكا، وعبد الغني الجُمْحي من جمحى، ومن علماء الطيبة عبدالرحمن الطََيبي، والمهندس محمد الطيبي، وهو الذي بنى مقام معاذ رضي الله عنه ، والعز القدسي من علماء كفر الماء في دير أبي سعيد.
ومنهم من نسب إلى الأردن؛ كالتابعي الجليل نعيم بن سلامة الأردني، ومنهم نسب إلى عشيرته كالجذامي، أو إلى مهنته كعبادة بن نُسي قاضي طبرية، وقائد جيوش الأردن.
ولقد تميّز بعض العلماء الأردنيين بالقيادة السياسية والعسكرية؛ كالذين ولدوا أو عاشوا في الحميمة؛ وبها قبر الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، وهي منطلق الدولة العباسية، التي سكنها التابعي الجليل علي ابن حبر الأمة عبدالله بن عباس، رضي الله عنهم، ووُلد له فيها أكثر الخلفاء والقادة العباسيين؛ كالسفاح وأبي جعفر المنصور، وفيها المسجد العباسي؛ والموقر وبها مقام الخليفة يزيد بن عبدالملك؛ فيشهد التاريخ بعظم هذا المكان المنيف.
والقلاع الإسلامية في الأردن كثيرة شهيرة؛ كالقصور الإسلامية في الصحراء الأردنية، ومنها قصر المشتى؛ وواجهته إلى اليوم في برلين، وقصر الخرانة، وقصر عمرة، وعين السل، وقلعة الكرك والمعروفة بجوهرة الصحراء، وقلعة عز الدين أسامة الرابضة على جبل عوف في عجلون، وقلعة القطرانة، وقلعة العقبة، ذات التاريخ العريق، وفي الزرقاء مسجد قديم داخل قصر الحلابات، وفي الأزرق قصر بناه القائد الإسلامي عز الدين أيبك الأيوبي.
وأما مدن الديكابولس العشر فمنها ثمان مدن أردنية، وهي غنية بالمعالم الإسلامية؛ ففي العاصمة عمّان الفيض الكثير، وجرش زارها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتحها شرحبيل رضي الله عنه ، وازدهرت في العصر الأموي، وفي إيدون والحصن مدرسة علمية، وفي أم الجمال - الواحة السوداء - سكن الأمويون والعباسيون، وفي بيت راس تل الخضر عليه السلام، وأم قيس (جدارا) فتحها شرحبيل رضي الله عنه ، وحافظ على آثارها، وحرثا قويلبة (أبيلا) فيها آثار إسلامية.
إنه لا يمكن للشجرة أن ترتفع في السماء فروعها إلا إذا ضربت في الأرض جذورها، ولذلك رأينا الهاشميين بتلك الأمجاد والآثار محتفين محتفلين، يرفعون المآذن والقباب، ويشيّدون المقامات والآثار، ويرسمون السير والأمجاد، ويسطرون البطولات بماء الذهب، ويفتخرون بالثلة الطاهرة النقية، استنطاقاً لبطولات الأجداد، وتشيداً لصروح المجد التي بدت جلية في الأردن؛ يحكون حالهم، وينطقون بألسنتهم، ويكتبون بأقلامهم، ليكون كلٌ منهم نبراساً يسير عليه مبتغو الهداية، وطالبو الاسترشاد إلى سواء السبيل، وليكون فخراً للمفتخرين، ونموذجاً للمقتدين.
إن الأردن كشجرة؛ لا شرقية ولا غربية؛ باسقة في الطول؛ سيقانها صنوان وغير صنوان، تسقى بماء واحد، طيبة العطر، وارفة الظل، عمادُها النبوة، وشرفُها الأصالة، وأوراقها شمائلُ مَن تحت القبة الخضراء ثوى، ثمرها، وظلّها يعجب الزراع، ويغيظ الكافرين، ويسر الناظرين، فتبارك الله أحسن الخالقين.
لقد آن الأوان أن تظهر مكنوزاتُ الأردن؛ فهلا انبرى طالب علم؛ يربط الجديد بالقديم؛ ويبرز ما كاد يندرس من تاريخنا العريق؛ وفاءً لحقهم، وتجديداً للعهد، وتشييداً للبنيان، وإعادة رسمه إلى الأذهان؛ ولا يمكن للأردنيين أن يستوردوا الثقافات، وأجدادهم سطروا التاريخ بأحرف من نور، أضاء ما ادلهمّ من الخطوب.
صفحة 3
أرض الأردن مباركة

الأُرْدنُّ في لغة العرب المكان طيب الهواء؛ فقد ذكر الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات9الأردن؛ وقال: (قال أهل العلم: إنما سُمي بذلك في قولهم للنعاس الثقيل: أردن؛ فسُمي بذلك؛ لثقل هوائه)، وها هو ياقوت الحموي يذكر الأردن10؛ ويذكر بعضاً من المعاني اللغوية لهذا الاسم الأنيق، ويناقش تلك المعاني ويحلّلها، ويرجّح فيقول: (والظاهر أن الأردن الشدة والغلبة؛ ومنه سمي الأردن بهذا الاسم، وأهل السير يقولون: إن الأردن وفلسطين ابنا سام بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام، والأردن أحد أجناد الشام، وأهل السير يطلقون الأردن على مناطق شاسعة واسعة؛ منها الغور وطبرية وصور وعكا، وما بين ذلك، قال أحمد بن الطيب السرخسي الفيلسوف: هما أردنان؛ أردن الكبير وأردن الصغير؛ فأما الكبير فهو نهر يصب إلى بحيرة طبرية، بينه وبين طبرية لمن عبر البحيرة في زورق اثنا عشر ميلاً، تجتمع فيه المياه من جبال وعيون، فتجري في هذا النهر، فتسقي أكثر ضياع الأردن، مما يلي ساحل الشام وطريق صور، ثم تنصب تلك المياه إلى البحيرة التي عند طبرية، وطبرية على طرف جبل يشرف على هذه البحيرة، فهذا النهر -أعني الأردن الكبير- بينه وبين طبرية البحيرة، وأما الأردن الصغير فهو نهر يأخذ من بحيرة طبرية، ويمر نحو الجنوب في وسط الغور، فيسقي ضياع الغور، وأكثر مُستغلتِهم السكر، ومنها يحمل إلى سائر بلاد الشرق، وعليه قرى كثيرة؛ منها بيسان وأريحا والعوجاء وغير ذلك، وعلى هذا النهر قرب طبرية قنطرة عظيمة، ذات طاقات كثيرة، تزيد على العشرين، ويجتمع هذا النهر ونهر اليرموك، فيصيران نهراً واحداً، فيسقي ضياع الغور، وللأردن عدة كُور؛ منها: كورة طبرية، وكورة بيسان، وكورة بيت رأس، وكورة صور، وكورة عكا، وغير ذلك، وللأردن ذكر كثير في كتب الفتوح).
يحتل الأردن في وسط العالمين الإسلامي والعربي مركزاً استراتيجياً مرموقاً، كدأبه في جميع العصور، منذ أن افتتح النبي صلى الله عليه وسلم العقبة وأذرح والجرباء بنفسه، وافتتح شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه باقي مدن وقرى الأردن في العام الثالث عشر من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ؛ ففي خلافة الصديق رضي الله عنه افتتح الأردن شرحبيل عنوة، ما خلا طبرية، فإن أهلها صالحوه، وكان فتحه طبرية بعد أن حاصر أهلها أياماً فآمنهم على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم، إلا ما جلوا عنه وخلّوه، واستثنى لمسجد المسلمين موضعاً، ثم إنهم نقضوا في خلافة عمر رضي الله عنه ، واجتمع إليهم قوم من سواد الروم وغيرهم، فسيّر إليهم أبو عبيدة جيشاً في أربعة آلاف بقيادة عَمرو بن العاص رضي الله عنه ؛ ففتحها على مثل صلح شرحبيل رضي الله عنه ، وكذلك جميع مدن الأردن وحصونها على هذا الصلح، فتحاً يسيراً بغير قتال.
وزار الأردن الخليفة عمر بن الخطاب أمير المؤمنين في طريقه إلى بيت المقدس، وبرزت أهمية الأردن خاصة إبان الحروب الصليبية، فنشأت بها دويلات، وحصون، ومعاقل تبادلها الصليبيون والمسلمون11.
والحاصل أن الأردن من الأرض المباركة، التي تقررت بركتها في القرآن الكريم؛ إذ قال سبحانه وتعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}12، والأردن حول الأقصى، والأقصى مع سائر فلسطين من الأردن في التاريخ.
لقد جاء في البخاري: باب غزوة مؤتة من أرض الشام13؛ فضمت في أحضانها من الأنبياء والشهداء ما لا يعلم عددهم إلا الله سبحانه وتعالى، وأُغدق عليها الخيرات، التي كانت سبباً في الطمع فيها، فتناهشها الاستعمار، وتكالب عليها الحاسدون.
وفي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام قال الله تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إلى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ}14، والأرض هنا أبواب بيت المقدس وما حولها، وفي الحديث: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حولها لا يضرهم خذلان من خذلهم ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة)15.
صفحة 4

أضرحة ومقامات الأنبياء في الأردن

آثار رسول الله لوط عليه السلام

في البحر الميت ومآب والربة وفيها مقام أبي عبدالله الهاشمي
وزغر المباركة ومن علمائها القارئ الزغري
رسول الله لوط بن هاران، ابن أخ رسول الله إبراهيم الخليل عليه السلام، عاصره، وعاش في كنفه، وآمن به؛ قال الله تعالى: {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}16، وهاجر لوط مع عمه عليهما السلام إلى الأردن؛ قال الله تعالى: { وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إلى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ}17، ثم نزح عن محلة عمه الخليل عليه السلام بأمره وإذنه، فنزل بمدينة سدوم18، وهي منطقة حول البحر الميت في الأردن اليوم.
وليس لرسول الله لوط عليه السلام مقام معروف في الأردن، ولكن البحر الميت يسمى باسمه؛ فيقال: (بحيرة لوط)، وما جاورها من الأرض هي أرض سدوم، وهي التي كان يسكنها قومه عليه السلام، ولقد سميت بعض الأماكن بأسماء أبنائه وبناته؛ ومن ذلك:

1. زغر قرية مباركة في غور الكرك نجّى الله فيها رسوله لوطاً عليه السلام: زُغَرُ تقع في غور الأردن الجنوبي (غور الصافي)، غرب مدينة الكرك، وبالقرب من مصب وادي الحسا، قال ياقوت19: (قرية بمشارف الشام.. وقيل: زُغَرُ اسم بنت لوط عليه السلام؛ نزلت بهذه القرية فسميت باسمها20)، وقال النووي: (وهي بلدة معروفة في الجانب القبلي من الشام)، وقيل: عين بالبلقاء21، وقيل إن فيها الحجر الذي ضربه موسى فانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً22.
وفي زغر عين صغيرة ضئيلة، ويُخبر من حولها من السكان أنها كانت فيما مضى دفاقة الماء قوية الجريان، ويسميها أهلها بلهجتهم: (العين الزغيرة)؛ أي الصغيرة، وقد جاءَ ذكر عين زُغَر في حديث الجساسة، وأنها تغور في آخر الزمان، وغورها من علامات الساعة23، وقد وردت القصة في صحيح مسلم24، عاش في زغر القارئ محمد بن الحسن أبو الطيب الزغري25، فلها في التاريخ ذكر طيب.
2. قرية الرّبة مرّ منها رسول الله لوط عليه السلام ودفن ابنته فيها وفيها مقام أبي عبدالله الهاشمي وآثار القلعة التاريخية: الربة بلدة في محافظة الكرك؛ قال ياقوت الحموي: (الربة قرية في طرف الغور بين أرض الأردن والبلقاءِ)26، كان اسمها "رّبة مؤاب" أي عاصمة مؤاب؛ حيث تعني ربة المدينة الرئيسة أو العاصمة.
يقال: إنها سميت بهذا الاسم بسبب دفن ربة بنت رسول الله لوط عليه السلام؛ قال ابن أبي حاتم: (خَرَجَ لُوطٌ عليه السلام مِنْهَا بِبِنَاتِهِ وَهُنَّ ثَلاثٌ، فَلَمَّا بَلَغَ مَكَانًا مِنَ الشَّامِ مَاتَتِ الْكُبْرَى فَدَفَنَهَا، فَخَرَجَ عِنْدَهَا عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا: عَيْنُ الرَّبَةِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى إِذْ بَلَغَ مَكَانًا آخَرَ مَاتَتِ الصُّغْرَى فَدَفَنَهَا، فَخَرَجَ عِنْدَهَا عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا: الزّغْرِيَّةُ، وَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الْوُسْطَى)27، ومثل هذا قال ياقوت الحموي في معجم البلدان28، وهذا يدل دلالة واضحة على أن رسول الله لوط عليه السلام قد مرّ منها، ودفن ابنته فيها.
ولقد عاش في الربة من العلماء أبو عبد الله بن عبد الله بن الحسن ابن الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي29.
ومن آثار الربة مقام ينسب للإمام زيد بن علي الحسين بن علي بن أبي طالب، وهو عبارة عن كومة من الحجارة، يظهر فوقها نقش كتب عليه: (هذا القبر المبارك قبر زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عمله العبد الفقير إلى الله تعالى سليمان القانوني)، وقد استشهد زيد رضي الله عنه في عهد الخلفية الأموي هشام بن عبدالملك، وقد يعود هذا النقش في تاريخه إلى العهد التركي، وقد تم نقل هذا النقش إلى متحف المزار الإسلامي في مزار الكرك، ومعروف أن زيد بن علي رحمه الله هو الذي يُنسب إليه الزيدية؛ ففي نسبة المقام إليه شك، والذي يظهر لي أن هذا هو مقام أبو عبد الله الهاشمي، والله تعالى أعلم.
وفي بلدة الربة موقع أثري؛ ويدل ما بقي من البناء على أن الموقع هو أساس قلعة قديمة؛ ويتألف من سقف، وتحت السقف ينحدر حائط من ثلاث طبقات فيها شبابيك مستطيلة، وعلى جانبيها سراديب بالإضافة إلى برك لجمع المياه، هذا ما تبقى من آثار الربة، وما تحت الثرى أكثر بلا شك؛ والله تعالى أعلم.
3. مآب سميت باسم مؤاب بن لوط عليه السلام: مَآب، ويقال: مؤاب؛ بِلادٌ شَرْقِيَّ الْبَحْرَ الْمَيِّتَ، وَيُقَالُ: إنَّ مُؤَابًا اسْمٌ لابْنِ لُوطٍ عليه السلام، ومن نسله شَعْبُ مُؤَابٍ، الَّذِي أُعْطِيَ اسْمُهُ لِهَذِهِ الْبُقْعَةِ، ومِنْ هنا نَعْرِفُ أَنَّ مَآبَ هِيَ السَّرَاةُ – الشراة- الَّتِي تَمْتَدُّ بِمُحَاذَاةِ الْغَوْرِ الأُرْدُنِّيِّ مِنْ الشَّرْقِ، وَتَقَعُعَلَيْهَا مُدُنُ كثيرة؛ منها الْبَتْرَاءُ، وَالْكَرْكُ، وَالسَّلْطُ، وَعَجْلُون، وَرُبَّمَا جُرَشٌ وَعَمَّانُ، قال المقدسي البشاري30: (أما الشراة فجعلنا قصبتها زغر، ومدنها مآب، ومعان، وتبوك، وأذرح، وأيلة، ومدين)، ومن مدنها صَرَفَةُ؛ قال ياقوت31: (صَرَفَةُ: قرية من نواحي مَآب قرب البلقاء يقال: بها قبر يوشع بن نون)، وقال ياقوت32: (مَآبُ في اللغة المرجع، وهي مدينة في طرف الشام من نواحي البلقاء)، ويقال لها مُؤَابٌ؛ ففِي الْمُنْجِدِ33مُؤَابٌ، بِلادٌ شَرْقِيَّ بَحْرِ لُوطٍ، وَبَحْرُ لُوطٍ، ويُسَمَّى الْيَوْمَ الْبَحْرَ الْمَيِّتَ.
تتميز مآب بأنها جبلية غالباً، وهي كثيرة القرى، وكثيرة أشجار اللوز والأعناب، وقريبة من البادية، وَمِيَاهُ هَذِهِ السَّرَاةِ تَنْحَدِرُ غَرْبًا عَلَى الْبَحْرِ الْمَيِّتِ وَنَهْرِ الأُرْدُنِّ، وَأَوْدِيَتُهَا الشَّرْقِيَّةُ تَعُودُ مَرَّةً أُخْرَى إلَى الْغَوْر، وَهِيَ سَرَاةٌ جَبَلِيَّةٌ كَثِيرَةُ الْقُرَى وَالزَّرْعِ، وَتُغَطِّي قِمَمَهَا الأَشْجَارُ.
قال ابن جرير الطبري34: (أول صلح كان بالشام صلح مآب، مرّ أبو عبيدة بها في طريقه، وهي قرية من البلقاء، فقاتلوه، ثم سألوه الصلح فصالحهم)، وذلك أنه لما خرج أبو عبيدة والمسلمون إلى الشام مروا بوادي القرى، ثم أخذوا على الحِجر أرض صالح النبي عليه السلام، ثم ذات المنار، ثم على زيزاء، ثم ساروا إلى مآب بمعان، فخرج إليهم الروم، فلم يلبثهم المسلمون من أن هزموهم حتى دخلوا مدينتهم، فحاصروهم فيها، وصالح أهل مآب عليها، فكانت أول مدائن الشام صلحاً.
صفحة 5
ضريح رسول الله شعيب النبي العربي

في وادٍ يسمى باسمه في البلقاء

رسول الله شعيب عليه السلام، من نسل مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام، ورد اسمه في القرآن الكريم إحدى عشرة مرة، في أربع سور؛ هي: آل عمران وهود والشعراء والعنكبوت، وهو من أنبياء العرب مع هود وصالح ومحمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين.
أرسله الله تعالى إلى مدين، قال سبحانه وتعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا}35، وكانوا قوماً عرباً يسكنون مدينتهم مدين؛ والتي هي قرية من أرض معان في الأردن، تقع قريباً من بحيرة لوط (البحر الميت).
ينسب قومه إلى جدهم مدين، وهو ممن هاجر مع إبراهيم عليه السلام إلى ارض الشام36، ويقال: أُرسل شعيب إلى أمتين مختلفتين؛ أصحاب مدين وأصحاب الأيكة، والجمهور على أن أصحاب مدين هم أصحاب الأيكة؛ والأيك شجر ملتف؛ فقد نسبوا إلى غيضة كانوا يسكنونها37.
ولرسول الله شعيب عليه السلام مقام مشهور في البلقاء38؛ يقع على الطريق المؤدي إلى الأغوار الوسطى إلى الجنوب الغربي من مدينة السلط في منطقة وادي شعيب.
ويذكر أن لرسول الله شعيب مقاماً في حطين، ويقال أيضاً: إنه دفن بالحطيم في مكة39، والظاهر أن مقامه بالأردن حيث تدل المسميات بجوار ضريحه على أنه عاش في هذه المنطقة، كما في الأيكة وهي الشجر الملتف الكثيف، ومدين وهي قبائل سكنت معان وما حولها، ومجيء رسول الله موسى عليه السلام من مصر إلى معان أوفق في الرحلة من مصر إلى حطين، والله تعالى أعلم.
صفحة 6
معالم البتراء ووادي موسى
ضريح النبي هارون عليه السلام ومقامات العلماء


رسول الله هارون بن عمران عليه الصلاة والسلام هو شقيق رسول الله موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، ولد في عام المسامحة، إذ كان فرعون يقتل أولاد بني إسرائيل عاماً، ويدع القتل عاماً آخر، فإذا ترك القتل سُمي ذلك العام بعام المسامحة.
ورد اسم هارون عليه السلام في القرآن الكريم عشرين مرة، في ثلاث عشرة سورة، منها تسع عشرة مرة يُراد بها نبي الله هارون عليه السلام بالاتفاق، وواحدة في أخي مريم، وهو قوله تعالى: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا}40، وليس المراد به نبي الله هارون عليه السلام؛ إذ بينه وبين مريم أم عيسى عليه السلام قرون كثيرة، وفي صحيح الإمام مسلم عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: (لَمّا قَدِمْتُ نَجْرَانَ سَأَلُونِي؛ فَقَالُوا: إنّكُمْ تَقْرَؤُونَ: {يَا أُخْتَ هَرُونَ}، وَمُوسَىَ قَبْلَ عِيسَىَ بِكَذَا وَكَذَا، فَلَمّا قَدِمْتُ عَلَىَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إِنّهُمْ كَانُوا يُسَمّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَالصّالِحِينَ قَبْلَهُمْ)41، فالمراد أنهم شبهوها بعابد من عُباد زمانهم، كانت مريم تساميه في العبادة، وكان اسمه هارون.
أرسله الله تعالى إلى أهل مصر، إلى فرعون وبني إسرائيل، ولم يكن مستقلاً في رسالته، وإنما كان معاوناً لموسى عليه السلام ووزيراً له، ذلك أن موسى عليه السلام لمّا أمره الله سبحانه وتعالى بدعوة فرعون؛ قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا}42.
وفي وادي موسى على قمة جبل من جبال البتراء يوجد مقام ومسجد النبي هارون عليه السلام، ويبعد حوالي 250 كم عن العاصمة عمان، قرب مدينة البتراء التاريخية، ويقع في أعلى نقطة في البتراء وعلى ارتفاع (135) متراً، ومن بلغ المكان انكشف أمام ناظريه مشهد غني بالمناظر الطبيعية المتنوعة.
ويرجع تاريخ بناء المقام إلى بداية القرن الثامن الهجري، فقد كتب على أعلى باب المقام (تاريخ تجديده سنة 709 هجرية)، قال ابن فضل الله العمري43: (قبر هارون في السيق ببلاد الشَّوبَك)، والمقام على قمة جبل ، ويتألف البناء من مسجد تعلوه قبة، وهو المقام الذي تتناقله الأجيال هناك أنه مقام رسول الله هارون عليه السلام.
 
كانت البتراء عاصمة الأنباط ، قال المقريزي: (لم يتخذ الأنباط دمشق قصبة لهم؛ لبعدها عن محور المملكة، فكانت عاصمتهم سلع، في وادي موسى)44؛ والمراد بسلع البتراء؛ وسمي وادي موسى بهذا الاسم نسبة إلى رسول الله موسى عليه السلام؛ قال ياقوت الحموي45: (وادي مُوسى منسوب إلى موسى بن عمران عليه السلام؛ وهو واد في قبلي بيت المقدس؛ بينه وبين أرض الحجاز؛ وهو واد حسن كثير الزيتون، وإنما سمي وادي موسى لأنه عليه السلام لما خرج من التيه ومعه بنو إسرائيل كان معه الحجر الذي ذكره الله تعالى في القرآن، وكان إذا ارتحل حمله معه وخرج، فإذا نزل ألقاه على الأرض، فخرجت منه اثنتا عشرة عيناً؛ تتفرق على اثني عشر سبطاً، قد علم كل أناس مشربهم فلما وصل إلى هذا الوادي، وعلم بقرب أجله عمد إلى ذلك الحجر فسمّره في الجبل هناك، فخرجت منه اثنتا عشرة عيناً وتفرقت على اثنتي عشرة قرية؛ كل قرية لسبط من الأسباط ثم مات موسى عليه السلام، وبقي الحجر على أمره هناك، وحدثني القاضي جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف أدام الله علوَه أنه رآه هناك، وأنه في قدر رأس العَنز، وأنه ليس في هذا الجبل شيء يشبهه)، انتهى كلام ياقوت، والمراد بالعالم جمال الدين هو الشيباني القُفطي الذي عاش بين ( 568 هـ) و (646 هـ) وهي الفترة الموافقة 1172 م- 1248 م، وذكر ياقوت أن الشوبك كانت خراباً وعمرّها أحد ملوك الفرس، ولعله يريد بالخراب ما يعرف اليوم بالبتراء.
وفي التاريخ يطلقون اسم الشوبك على وادي موسى؛ قال ياقوت46في الشوبك: (قلعة حصينة في أطراف الشام بين عُمَان وأيلة والقلزم قرب الكرك، وذكر يحيى بن علي التنوخي في تاريخه أن يقدور الذي ملك الفرس سار في سنة 509 إلى بلاد ربيعة من طيئ وهي ياق والشراة والبلقاءُ والجبال ووادي موسى ونزل على حصن قديم خراب يعرف بالشوبك بقرب وادي موسى، فعمره ورتب فيه رجاله، وبطل السفر من مصر إلىِ الشام بطريق البرية مع العرب بعمارة هذا الحصن).
ولقد نسب إلى وادي موسى الشيخ يوسف بن إبراهيم الصُهيبي، الذي رحل إلى مروَ وتفقه بها وسمع أبا منصور محمد بن علي بن محمد المروزي وكان متقشفاً، وكان شافعياً، وبلغني أنه قتل بمرو سنة 535 هـ47.
صفحة 7
مار إلياس (لستب) في اشتفينا
بلد رسول الله إلياس عليه السلام

ومن علمائها ابن خطيب عذراء

رسول الله إلياس ذكر في القرآن الكريم مرتين بهذا الاسم، في سورة الأنعام، وفي سورة الصافات ذكر باسم إلياسين.
وهو من نسل رسول الله هارون عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك وردت قصته بعد قصة موسى وهارون عليهما السلام في سورة الصافات الشريفة.
إن مار إلياس - وتسمى أيضاً لستب - قرية جبلية جميلة، ذات خضرة دائمة، بسبب كثرة شجر البلوط، وهو شجر معروف بعدم تأثير الخريف على تساقط أوراقه، وهي بلدة أثرية قديمة، وكثيرة الأرضيات الفسيفسائية والنقوش الكتابية والآبار القديمة التي تعود إلى الفترة البيزنطية (القرن السابع الميلادي)، سميت مار إلياس بهذا الاسم نسبة إلى رسول الله إلياس عليه السلام؛ قال ابن عاشور48: (أما إلياس فهو المعروف في كتب الإسرائيليين باسم إيليا، ويسمى في بلاد العرب باسم إلياس أو مار إلياس)، ولعلها سميت باسمه عليه السلام لأنه لجأ إليها لمّا هاجر من بلده بعلبك؛ ومما يعزز هذه التسمية العثور على نص كتابي باللغة اليونانية فوق أرضية الفسيفساء, حيث يذكر النص الكتابي النبي إلياس عليه السلام بالاسم، وتعتبر مار إلياس واحدة من خمسة مواقع مقدسة عند المسيحيين في العالم، ووجد فيها قطع عملة إسلامية، وعاش فيها علماء مسلمون؛ يذكرون في سجل العلماء الأردنيين.
كانت لستب غنية بالسكان، وكان فيها مدرسة دينية، وبرز منها بعض العلماء المسلمين؛ ومن المشهورين منها العجلوني ابن خطيب عذراء رحمه الله49، وقال ابن قاضي شهبة: (في سنة ست وخمسين وسبعمائة (756هـ)، بقرية من تلال عجلون؛ يقال لها: الإستب، بقرب باعون، وعذراء قرية بالمرج من دمشق، قدم وهو صغير مع والده خطيب عذراء إلى دمشق).
هكذا كانت لستب، والتاريخ لم يذكر لنا الكثير من تاريخها، وما برز من تاريخها لا يغني عن المطمور تحت آثارها.
صفحة 8
قلعة مكاور وقصة رسول الله يحيى عليه السلام


رسول الله يحيى بن رسول الله زكريا، عليهما الصلاة والسلام، يتصل نسبه بوالده اتصالاً ثابتاً في القرآن الكريم، إذ اقترن اسمه باسم والده فيه، كما اقترنت قصته بقصته أيضاً.
وقرية مكاور هي قرية صغيرة تقع في الجنوب الشرقي من حمامات ماعين، في محافظة مأدبا التاريخية، وعلى بعد 32 كم جنوب غرب مدينة مأدبا، وتقع القلعة على تلة متوسطة ترتفع 730 م عن سطح البحر، وتطل على البحر الميت، ضمن منطقة مترامية بالتلال والهضاب والوديان.
بنيت القلعة سنة 90 قبل الميلاد؛ لتكون حصناً منيعاً؛ لصد غزو الأنباط العرب، اتخذها هيرودس بداية القرن الأول للميلاد قصراً للاستجمام والراحة، ولم يبق اليوم غير بقايا القلعة، وأسوارها، وأبراجها، وقنواتها، وأعمدتها، وضخامة حجارتها على قمة التلة، وقد عثر فيه على أقدم قطعة فسيفسائية في الأردن، ويعود تاريخها إلى أواخر القرن الأول قبل الميلاد، مما يدل على عظمة المكان.
تعود شهرة هذه القلعة إلى الاعتقاد بكونها المكان الذي سجن فيه النبي يحيى عليه السلام - يوحنا المعمدان- وقطع هيرودس رأسه، فكانت نهاية حياة النبي يحيى في بلدة مكاور أو ما يعرف بـ"المشنقة".
لقد تعددت الدلائل النبوية عن رسول الله يحيى عليه السلام، وهو ابن خالة عيسى عليه السلام، بدأ بدعوته من منطقة المغطس شرقي نهر الأردن حيث كان يقيم عليه السلام.
وأما قصته عليه السلام مع القلعة فقد كان مسجوناً بداخلها قبل وقوع جريمة قتله المحزنة، والتي كانت عبارة عن هدية، ووعدٍ!! لم يستطع الملك هيرودس التراجع عنه، وملخص القصة أن هيرودس - وهو من ملوك ذلك الزمان - كان يريد أن يتزوج ببعض محارمه، أو من لا يحل له أن يتزوجها، وكان بينها وبين الملك ما يُحب منها، فأبى رسول الله يحيى عليه السلام، فغضبت واستوهبت من الملك دم يحيى، فوهبه لها، فبعث إليه من قتله، وجاء برأسه، وفار دمه، وظلّ دمه يفور حتى قُتل عليه من بني إسرائيل الكثير، وانتقم الله منهم، ولعل هذه القصة مذكورة في أكثر كتب التاريخ، ولا حول ولا قوة إلا بالله50.
وعن ابن عباس، قال: بعث عيسى بن مريم يحيى بن زكريا في اثني عشر من الحواريين يعَلِّمُون الناس، وكان فيما نهوْهم عنه نكاح ابنة الأخ، وكان لملَكِهِم ابنة أخٍ تُعجبه يريد أن يتزوَجها، وكان لها كل يوم حاجة يقضيها، فبلغ ذلك أمها، فقالت لها: إذا دخلتِ على المَلِك فسألك ما حاجتك، فقولي: حاجتي أن تذبح لي يحيى، فقالت له: فقال: سَلي غير هذا، قالت: ما أسأل غَيْره، فدعي يحيى، ودعا بطست، فذبحه، فندرت قطرة من دَمِهِ على الأرض، فلم تَزَلْ تغلي حتى بعث اللّه بخت نصّر عليهم، فجاءته عجوز من بني إسرائيل فدلته على ذلك الدم، فألقى اللّه عز وجل في قلبه أن يقتل عليه حتى يسكن، فقتل سبعين ألفاً منهم، فسكَن51، ويقال: إن الله خسف بها الأرض، ولم يبق إلا رأسها، فقطعوه في الحال.
اختلف في مكان دفنه عليه السلام، قال ابن كثير52: ( اختلف في مقتل يحيى بن زكريا هل كان في المسجد الأقصى؟ أم بغيره على قولين؛ فقال الثوري عن الأعمش عن شمر بن عطية قال: قتل على الصخرة التي ببيت المقدس سبعون نبياً؛ منهم يحيى بن زكريا عليه السلام، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: قدم بخت نصر دمشق فإذا هو بدم يحيى ابن زكريا يغلي، فسأل عنه فأخبروه، فقتل على دمه سبعين ألفاً، فسكن، وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب، وهو يقتضي أنه قتل بدمشق وأن قصة بخت نصر كانت بعد المسيح كما قاله عطاء والحسن البصري فالله أعلم).
وقد رفض الطبري53وقوع قصة بختنصر أيام المسيح، ورجّح أن غزوه دمشق كان عند قتلهم نبيهم شعيا في عهد أرميا، وبين عهد أرميا ويحيى أربعمائة وإحدى وستون سنة.
وهذا الاختلاف لا ينفي أن تكون قصة الذبح قد حدثت في مكاور، كما لا تنفي أن يكون عاش في مكاور أو فيما جاورها، والله تعالى أعلم.
صفحة 9
مقامان منسوبان لنوح وهود عليهما السلام

يوجد في الأردن مقامات منسوبة لأنبياء؛ كنبي الله نوح وهود عليهما السلام؛ وأهل التاريخ يتفقون أنهما لم يبعثا في هذه المنطقة؛ ولكن قرب الأردن من بيت المقدس هو الذي يؤكد لنا مرور هاذين النبيين من الأردن؛ وقد يكون كل منهما قد قضى فترة فيها؛ ومن هذه المقامات:
1. مقام يُنسب لرسول الله نوح في الكرك: رسول الله نوح حفيد إدريس عليه السلام، وبُعث بعده، أو هو ابن حفيده، يقال: كان بينه وبين آدم عشرة قرون54.

وفي محافظة الكرك مقام لنبي الله نوح عليه السلام؛ ويرجع تاريخ هذا البناء إلى العهد المملوكي، وقد تهدم المقام أكثر من مرة، وأعيد ترميمه بشكل كامل عام 1920م، ومما تجدر الإشارة إليه وجود مقام لنبي الله نوح في الشام؛ في بلد يقال لها (كرك نوح) والله أعلم.
2. مقام ينسب لرسول الله هود عليه السلام في جرش:

رسول الله هود أرسله الله تعالى بعد نوح عليه السلام، وبينه وبين رسول الله نوح عليه السلام ثلاثة آباء، أرسله الله تعالى إلى عاد، وهم قوم تسموا باسم أبيهم، قال الله تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ}55، وقد وردت كلمة هود في القرآن الكريم سبع مرات، وسميت سورة في القرآن باسمه، وأكثر قصته فيها، والباقي في سورتي الأعراف والشعراء.
وأما قوم عادٍ الذين أرسل الله إليهم هوداً عليه السلام فهم الذين كانوا يسكنون الأحقاف، وهي جبال من الرمل باليمن، وكانوا كثيراً ما يسكنون الخيام ذوات الأعمدة الضخام؛ كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ}56، وهي من قبائل العرب العاربة، وأما العرب المستعربة فهم ولد إسماعيل عليه السلام.
ومقام رسول الله هود على ظهر رابية في جرش؛ والله تعالى أعلم.
صفحة 10
مقام يوشع بن نون عليه السلام في البلقاء


يوشع بن نون عليه السلام؛ وهو فتى رسول الله موسى عليه السلام، واختلف في نبوته، والظاهر أنه نبي، وقد وردت قصتهما في القرآن الكريم؛ في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا}57، وهو الذي فتح أريحا بعد وفاة رسول الله موسى عليه السلام.
وهو الذي ورد ذكره في حديث رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم : (غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لاَ يَتْبَعْنِي رَجُلٌ قَدْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا، وَلَمَّا يَبْنِ، وَلاَ آخَرُ قَدْ بَنَىَ بُنْيَاناً، وَلَمَّا يَرْفَعْ سُقُفَهَا، وَلاَ آخَرُ قَدِ اشْتَرَىَ غَنَماً أَوْ خَلِفَاتٍ، وَهُوَ مُنْتَظِرٌ وِلاَدَهَا، فَغَزَا، فَأَدْنَىَ لِلْقَرْيَةِ حِينَ صَلاَةِ الْعَصْرِ، أَوْ قَرِيباً مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: أَنْتِ مَأْمُورَةٌ، وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئاً، فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّىَ فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ)58؛ قال النووي: قوله صلى الله عليه وسلم : (فَقَالَ لِلشَّمْسِ: أَنْتِ مَأْمُورَةٌ، وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئاً، فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّىَ فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ)، وقد اختلف في حبس الشَّمس المذكور هنا: فقيل: ردَّت على أدراجها، وقيل: وقفت ولم تردّ، وقيل: أبطئ بحركتها، وكلُّ ذلك من معجزات النُّبوَّة، قال: ويقال: إنَّ الَّذي حبست عليه الشَّمس: يوشع بن نون.
يقع المسجد على روابي مدينة السلط محافظة البلقاء؛ قال ياقوت59: (صَرَفَةُ: قرية من نواحي مَآب قرب البلقاء يقال: بها قبر يوشع بن نون). ويبعد حوالي 25 كم إلى الغرب من عمان، ويشتمل على مصلى للرجال وآخـر للنساء، وغرفة المقام وهو بناء قديم يرجع تاريخه إلى العصر العثماني، قاعة متعددة الأغراض، ومكتبة، وسكن للإمام والمؤذن، وأروقة، بالإضافة إلى المتوضآت، بمساحة إجمالية (1400م2).