eKtab
EN ع
السياسة الإسرائيلية تجاه دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بعد انتهاء الحرب الباردة
اقرأ عينة مجانية

السياسة الإسرائيلية تجاه دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بعد انتهاء الحرب الباردة

بقلم د. جاسم يونس الحريري

صفحة 1

مكانــة دول مجلـس التعـاون فـي الإدراك السياســي الإســرائيلــي

تُعرف "السياسة" Policy بأنها "مجموعة مبادئ، وقواعد، واتجاهات عريضة تسهل الوصول إلى الأغراض المطلوبة، ومن ثم فهي تحدد جزئيًا طريقة العمل، وطرق اختيار الأساليب"([1]).

أما "السياسة الخارجية" فإنها ظاهرة متعددة الأبعاد تستلزم صياغة مجموعة من الأهداف، وتحديد مجموعة من القرارات، والسلوكيات، التي تشكل في مجموعها السياسة الخارجية لوحدة دولية ما، والتي تشكل اتجاهًا تتسم به في مرحلة معينة، ويقصد بالاتجاه الطابع العام والخصائص الأساسية لسياسة الوحدة الدولية عبر فترة زمنية طويلة نسبيا([2]).

وتبعًا لذلك فإن السياسة الخارجية للدولة تكون بمثابة منهاج يحدد ممارستها في طريقة التعامل مع غيرها من الدول، انعكاسًا من المبادئ التي تعتنقها، وسعيا للأهداف التي تبغي تحقيقها من أجل تأمين سيادتها، ووحدة أراضيها، وضمان مصالحها، بالتعاون مع غيرها من الدول تحت ظل المنافع والأهداف المشتركة([3]).

ولهذا ينظر إلى السياسة الخارجية على أنها ذلك الفعل (بمعنى السلوك) الهادف نحو تحقيق غرض معين([4]).

وإذا كان مفهوم "التصور" يراد به إدراك صناع القرار لموضوع، أو لحالة، أو لحقيقة معينة، وتقويمهم له من خلال الجودة أو الرداءة، والصداقة أو العداء أو المنفعة والأضرار، أو المعاني المشتقة منها، فـ "الإدراك" يقصد به عملية استقبال المثيرات الخارجية وتفسيرها بواسطة النظام السلوكي تمهيدا لترجمتها إلى معان ومفاهيم تعاون في اختيار السلوك. ولهذا فإن الإدراك ليس معرفة الواقع، بل هو ترجمة فعلية على أسس معرفية وقيمية لذلك الواقع إلى رؤى محددة للسلوك، ولمساره تجاه الآخر([5]).

وعليه فإن فهم واستيعاب مكانة دول مجلس التعاون الخليجي في الإدراك السياسي الإسرائيلي يتجلى عبر تحليل التصور والإدراك الإسرائيلي حيال الوطن العربي بصورة عامة، والخليج العربي بصورة خاصة، لأنه يرتكز على معطيات استراتيجية، تنطلق من الأهمية الجغرافية للمنطقة، ومعطيات اقتصادية للسيطرة على الموارد الذاتية لها، لتمكين إسرائيل من رفدها بالقوة الاقتصادية، فضلا عن التصورات التي وردت في إرهاصات الفكر الصهيوني للتطلع نحو السيطرة على الخليج العربي تحت ذرائع دينية أو تاريخية([6]).

وفي الوقت الذي ظل جوهر السياسة الخارجية الإسرائيلية هو القضاء على الرفض العربي العام لوجودها بالمنطقة، وفرض الظروف المؤدية لسيادة (السلام الإسرائيلي)([7])، فإن السياسة الخارجية للدولة الإسرائيلية تبدو محكومة بالظروف الخاصة للتكوين التاريخي لها الذي هو جماع عدة مكونات، أهمها الأيديولوجية الصهيونية، والميراث التاريخي اليهودي، والمشكلة الأمنية التي تشتمل بدورها على مكونات أيديولوجية وتراثية، لكنها تتضمن أيضا مكونات جغرافية واقتصادية، فضلا عن المكون العسكري. ومن ثم يبدو أن الدراسة المنهجية لهذه السياسة تظل في حاجة إلى تطوير نموذج يأخذ في اعتباره هذه الخصوصية([8]). وتبعا لذلك سيحاول هذا الفصل في المبحث الأول إعطاء صورة موجزة ومقتضبة للمرتكزات والوسائل التي سخرتها إسرائيل تجاه الوطن العربي ليكون القارئ على بينة من التوجهات الإسرائيلية تجاه الوطن العربي بصورة عامة، وبيان أهمية منطقة الخليج العربي في الإدراك اليهودي والصهيوني بكونه حيزًا جيوبوليتيكيًا، ونسيجًا ديمغرافيًا في المبحث الثاني، ومن ثم خصص المبحث الثالث لبيان الدور الإسرائيلي في توجهات السياسة الأمريكية تجاه منطقة الخليج العربي بسبب كون الولايات المتحدة الطرف الدولي البارز الذي تلاقت سياسته الخارجية في منطقة الخليج العربي مع السياسة الإسرائيلية كنوع من التماثل المصلحي المشترك بينهما لتحقيق أهدافهما الاستراتيجية تجاهها في المستقبل المنظور على أقل تقدير.

صفحة 2

المبحث الأول :مرتكـــزات السياســــة الإسرائيليـــة تجـاه الوطن العربي ووسائلها

ثمة علاقة وثيقة بين مرتكزات سياسة الحركة الصهيونية تجاه الوطن العربي عامة، ومنطقة الخليج العربي خاصة، وبين الوسائل المنتقاة لتأمين الأهداف الاستراتيجية التي تبنى عليها هذه المرتكزات في الإدراك والتصور الإسرائيلي.

ورغم أن هذه المرتكزات تبدو منفصلة عند التناول، إلا أنها مترابطة عند تحليلها في غاياتها أو الوسائل المتبعة لتنفيذها. فالمرتكز بوصفه حقيقة مادية وكمضمون تصوري يرتبط بطبيعة الغاية أو الهدف، ويعتمد على وسائل قد تختلف في مضامينها، إلا أنها مترابطة من حيث الغايات التي ترمي إلى الوصول إليها([9]). ولأغراض تحليلية علمية فسوف تعالج المرتكزات أولاً وصولاً إلى الوسائل المتبعة في تأمينها ثانيًا لنصل بعد ذلك إلى الأهداف الحقيقية لسياسة الحركة الصهيونية في هذه المنطقة الحيوية من العالم.

وعليه، فإن استعراض وتحليل مرتكزات ووسائل السياسة الإسرائيلية إزاء الوطن العربي يعد أمرًا مهمًا لأن معرفة آفاق هذه السياسة تساعد على التنبؤ بمستقبلها، كما تساعد على كشف الوسائل التي تستعملها إسرائيل لتنفيذ سياستها، وتحديد أساليب مواجهتها([10]).

مرتكزات السياسة الإسرائيلية تجاه الوطن العربي:

يمكن الإشارة إلى أبرز وأهم الخصائص العامة للسياسة الإسرائيلية منذ قيام إسرائيل عام 1948 وحتى الآن كما يلي:

صفحة 3

أولاً: المرتكز التوسعي:

ينطلق هذا المرتكز من تلاقي أهمية المكانة الاستراتيجية للوطن العربي مع الإدراك الصهيوني له لإقامة إسرائيل فيه. وتأسيسًا على ذلك حظي الوطن العربي بعناصر استراتيجية كانت ماثلة في عملية تشجيع وإنضاج أسس إسرائيل في الوطن العربي([11]). وفحوى ذلك يتلخص في إيجاد موطئ قدم لها خارج أوروبا، أي بمعنى آخر (وجود تجمع عضوي منبوذ لا نفع له، يتم نقله خارج أوروبا ليتحول إلى عنصر نافع يقوم على خدمة المصالح الغربية في إطار الدولة الوظيفية، في مقابل أن تقوم الدول الغربية بدعمه، وضمان بقائه واستمراره)([12]).

ويؤكد صحة هذه الفرضية (ناحوم جولدمان) رئيس المجلس اليهودي العالمي في عام 1970 عندما يعرف "الصهيونية" بأنها حركة استهدفت أمرين، الأول إنقاذ اليهود الذين يعانون التفرقة والاضطهاد بإتاحة فرصة الحياة اللائقة ذات المعنى لهم في وطن خاص بهم. والثاني كفالة بقاء "الشعب اليهودي" حيًا في مواجهة التهديد بالتفتت والذوبان في تلك البلاد من العالم التي يتمتع فيها بالمساواة التامة في الحقوق([13]).

إننا نعتقد أن ذلك التبرير لإقامة إسرائيل يدخل في إطار منهج "الصهيونية" الدائم للقفز على الحقائق التاريخية التي تؤكد أن إسرائيل أقيمت أصلاً باعتبارها مستعمرة غربية استيطانية في وسط الوطن العربي([14]). ويؤكد هذه الحقيقة هيربرت سايد بوثام Herbert Side Botham الخبير العسكري في صحيفة (الغارديان) البريطانية المؤيدة لإسرائيل في وقت من الأوقات، وصاحب النفوذ والاتصالات الواسعة في الدوائر الانجليزية الحاكمة في مطلع القرن العشرين قائلا "إن فلسطين هي مصلحتنا الرئيسية، لا أحد غير اليهود يمكن أن يكون مستعمر فلسطين، فتشكل في آن واحد عنصر وقاية من الشرق القريب، ووسيطًا بينه وبيننا، حضارة متميزة عن حضارتنا، ولكن مشبعة بأفكارنا السياسية"([15]).

ويؤيد ما طرحه بوثام الإسرائيلي (ماكس نورداو) في احتفال أقيم في لندن عام 1919 في تصور مفاده أن "الحركة الصهيونية" تقوم بمهمة عسكرية نيابة عن القوى الاستعمارية الكبرى قائلا "نعرف ما تتوقعونه منا، وتريدون أن نكون حرس قناة السويس، وحراس طريقكم إلى الهند عبر "الشرق الأوسط". نحن على استعداد لأن نقوم بهذه الخدمة العسكرية، ولكن من الضروري تمكيننا أن نصبح قوة حتى نقدر على القيام بهذه المهمة"([16]).

وتبعًا لما ذكر نرى أن السياسة الصهيونية قبل قيام إسرائيل، كانت تتحرك بموجب عقلية توسعية تتوافق مع التوجهات البريطانية، إلا أن الأمر تطور بعد ولادتها ليتولى قادة إسرائيل وضع استراتيجية ذاتية، دون إهمال العامل الدولي في حركتها السياسية الخارجية الإقليمية.

صفحة 4

ثانيًا: المرتكز التطبيقي المرحلي:

وتجسد ذلك في المراحل الأولى لاستيطان أرض فلسطين، من خلال خلق مستعمرات ومراكز استيطانية زراعية لليهود الوافدين من أرجاء العالم، بوصفها مرحلة أولى للتكيف مع الأرض والشعب عبر تجمع بشري غريب، وإبعاد السكان العرب أصحاب الأرض والتاريخ الذين لمسوا أن خلق إسرائيل في أرضهم يعد عملاً عدوانيًا واضحًا تمثل بضم أراض عربية بالقوة([17]). وتأكيدًا لذلك يقول (ثيودور هرتزل) في يومياته "عندما نحتل البلاد، يجب أن نستخلص ملكية الأرض التي ستعطى لنا، ولكن باللف والتدريج، سنحاول أن نشجع فقراء السكان على النزوح إلى البلدان المجاورة، وذلك بتأمين أشغال لهم هناك، ورفض إعطائهم أي عمل في بلدنا"([18]).

ويبدو أن إسرائيل وظفت سياسة اتباع المراحل، وكسب الوقت في عدة اتجاهات وفقا لقاعدة أنه لا توجد مواعيد مقدسة([19])، من هذه الاتجاهات مجال المفاوضات مع العرب وذلك لاعتبارات تخدم إعادة ترتيب وتنظيم أوضاعها الداخلية عسكريًا وماديًا، وكما يوضح ذلك الباحث الإسرائيلي (يوئيل ماركوس) من خلال تقييمه للحكومات الإسرائيلية قائلاً: "إن حكومة رابين سعت لربح الوقت، بجانب إيمان موشي دايان ومناداته بنفس السياسة، لكن حكومة جولدا مائير فرطت بهذا الوقت"([20]).

صفحة 5

ثالثًا: المرتكز التنظيمي:

لابد من الإشارة إلى حقيقة مهمة مفادها أن التخطيط كان ماثلاً في صلب العمل الصهيوني على مدار التاريخ الاستيطاني لأرض فلسطين، إذ اشتركت فيه جماعات عمل، فضلاً عن توافر الجدية والإرادة السياسية، والوضوح والتبلور حول هدف سياسي، ناهيك عن دور المنظمات والهيئات الصهيونية الأخرى([21])، التي تأسست تباعًا منها على سبيل المثال لا الحصر، "جمعية الاستعمار اليهودي، المنظمة الصهيونية العالمية، صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار…الخ"([22]).

ومنذ انعقاد مؤتمر بازل عام 1897 عرفت الصهيونية بمعناها الحديث على أنها هي التنظيم والتخطيط اللذان يستهدفان حمل اليهود في العالم على الهجرة إلى فلسطين([23]).

وقد أدركت إسرائيل أهمية الدراسات والأبحاث في الشؤون العربية والدولية لأن المعرفة التامة والشاملة لكل هدف هي الأساس في النجاح لتحقيق هذا الهدف. وبات من المعروف أن إسرائيل على سبيل المثال تتابع باهتمام كل تطور عربي في كل مجال اقتصادي أو سياسي، أو اجتماعي، أو عسكري وليس ذلك فحسب، بل إنها تتابع حتى السيرة الشخصية للعناصر القيادية في كل مجال وعلى مختلف المستويات، إذ كانت هذه المعرفة مفيدة خلال حربها الإعلامية أثناء تصعيد التوتر أو الانتقال إلى الصراع المسلح مع العرب([24]).

وتأسيسًا على ذلك شهدت مدينة القدس في أبريل 1977 اجتماعًا دوليًا لبحث شؤون يهود شمال أفريقيا في معهد (بن تسني) بالقدس استغرق أربعة أيام وحضره أساتذة جامعات، وباحثون من إسرائيل وخارجها، واتخذ المؤتمر في ختام اجتماعاته قرارا بإنشاء (مركز للبحوث خاص للتحقيق في شؤون شمال أفريقيا على ألا يقتصر عمله على التحقيق بتاريخ اليهود فقط، بل سيعمل في بحث تأثيرهم على المجتمع الإسلامي والعربي والبربري وبتأثير هذه المجتمعات على اليهود هناك)([25]).

صفحة 6

رابعًا: المرتكز الأمني:

ترى إسرائيل إن مهمة الحفاظ على أمنها تعد عنصرًا رئيسيًا في تحركها السياسي الخارجي الإقليمي والدولي، وهذا ما أكده الباحث الإسرائيلي (د. أفنير يانيف) قائلا "تعد سياسة الحفاظ على أمن "إسرائيل" من أنجح السياسات"([26]). ويؤيد الباحث الإسرائيلي (دان هوروفيتيز) ما طرحه د. يانيف عبر توظيف حالة من اللاحرب واللاسلم لحماية الأمن الإسرائيلي قائلا "إن مخططي نظرية أمن "إسرائيل" ليسوا أتباعا لمدرسة الدراسات الاستراتيجية الأمريكية، بل إنهم قد سبقوها في تبني الفرضيات المتصلة بأوضاع الصراع، وعملوا على تعتيم الحدود بين الحرب والسلم"([27]).

ويعرض د. (أفنير) عدة متغيرات للمحافظة على الأمن الإسرائيلي، منها العمل على استمرار بناء القوة([28])، لاستغلال اختلال التوازن العسكري مع القوة العربية وتشتيت طاقات العرب. كما يؤكد أن هذه الخطوات سوف تضفي تقييمًا متوازنًا على إسرائيل لإعطاء نوع من الدعم الذاتي كشكل من أشكال التعزيز الداخلي للقرارات السياسية الإقليمية والدولية للحكومات الإسرائيلية في معالجتها لكثير من الملفات مع العرب سواء كانت تشمل زيادة حجم المستوطنات أو التسوية، أو استخدام العمل العسكري ضد الأقطار العربية. ويعكس وجهة النظر سالفة الذكر البروفيسور الأمريكي (نعوم تشومسكي) أحد المتعاطفين مع العرب بالقول مستنكرًا "إن المساعدات الأمريكية "لإسرائيل" غير معينة أو مخصصة، وغير قابلة للتصديق، ونقول لهم افعلوا بها ما يحلو لكم فاستخدموها من أجل الاستيطان، والهجوم على لبنان"([29]).

صفحة 7

خامسًا: المرتكز التفتيتي (فرق تسد):

تتعامل إسرائيل مع الوطن العربي على أساس أنه ينقسم إلى أربع دوائر جيوبوليتيكية تمنع التقاءها أو تعاونها وهي:

أ - دائرة الهلال الخصيب، وتشمل سوريا والعراق.

ب - دائرة وادي النيل وتمثل مصر الدولة الرائدة فيها.

جـ - دائرة المغرب العربي وعلى رأسها المغرب والجزائر.

د - دائرة شبه الجزيرة العربية وتمثل السعودية الدولة القائدة فيها حيث ترى إسرائيل أن تعاون هذه الدوائر يمثل خطرا على أمنها بسبب إمكاناتها المادية والديمغرافية([30]).

فضلاً عن ذلك لم تتأخر إسرائيل عن وضع المخططات التقسيمية والتجزيئية والتفتيتية بهدف تنمية روح الانفصال والتعصب الإثني والطائفي في النسيج الديمغرافي العربي والفلسطيني. والشواهد كثيرة لإثبات ذلك، منها الخطة "الصهيونية" التي وضعها (إلياهو ساسون) والتي صيغت بهيئة مذكرة رفعت إلى (موشي شاريت) رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بهدف وضع خطة عمل سرية شاملة وموسعة في فلسطين والبلدان العربية المجاورة لإشاعة البلبلة فيها والتمهيد لإقامة (دولة يهودية) في فلسطين. ونشرت المذكرة في العشرين من نوفمبر 1946([31]).

وفي عام 1969 أصدر أبا إيبان وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق كتابه الموسوم (صوت "إسرائيل") يكشف فيه عن نوايا بلاده لتجذير التجزئة السياسية العربية، وجعلها أمرًا واقعًا، وتبرير الدور الغربي الاستعماري في إنضاج مخططات تفتيتية تستهدف الوطن العربي، وتعليلها بكونها متغيرًا تاريخيًا وثقافيًا، واللغة وفق نظره لا تشكل عاملاً للوحدة العربية؛ إذ يقول "إن العرب عاشوا في فرقة عن بعضهم بعضا، وإن فترات الوحدة بينهم كانت قصيرة وتمت بقوة السلاح، وإن التجزئة السياسية الراهنة لم يحدثها الاستعمار، وإنما أرادها العرب أنفسهم، أو لم يعترضوا عليها، كما أن الثقافة والتراث اللذين يجمعان البلاد العربية لا يكفيان لتكون أساسا لوحدة سياسية"([32]).

وكذلك يمكن الإشارة إلى ما نشره الكاتب (ديفيد كاما) في الفصل الخامس من كتابه المنشور باللغة العبرية، والذي صدر عام 1975 في القدس بعنوان "النزاع لماذا وإلى متى؟" حيث طرح ملخصًا عن خطته التفتيتية قائلا "يمكن شطر العالم العربي الموجود شرقي "إسرائيل" إلى شطرين: سورية ولبنان في الشطر الشمالي، والعراق والأردن والسعودية (وفلسطين إذا ما قامت) وبقية الدول في الشطر الثاني الجنوبي، يفصل في الوسط أي بين الشطرين قطاع واسع من الأرض يمتد من البحر المتوسط حتى إيران وتكون فيه سلطة غير عربية، ونقيم فيه من الغرب إلى الشرق "دولة إسرائيل"، ثم الدولة الدرزية في جنوب سورية مرتكزةً على جبل الدروز، والدولة الكردية مستقلة في الشرق من سورية وشمالي العراق على أن تضم ولاية آشورية"([33]).

ويبدو مما ذكر أن إسرائيل ركزت في مخططاتها التفتيتية على تقويض الجبهة الشرقية الشمالية بكل الأساليب والتي تتشكل من سورية والأردن والعراق والسعودية في كتلة جغرافية واحدة وهي تشكل وفق تصوراتها وتقديراتها العسكرية تهديدًا قائمًا([34]).

وقد حاولت إسرائيل في عقد التسعينيات من القرن الماضي اتباع سياسة عزل منطقة الخليج العربي بثقلها الاستراتيجي عن كل معطيات الصراع العربي - الإسرائيلي كأحد أوجه سياسة التفتيت التي تتبعها؛ إذ لم يتطرق الخطاب الإسرائيلي إزاء دول الخليج من قريب أو بعيد لموضوع الصراع العربي - الإسرائيلي وتطوراته، بل ينزع إلى الحديث عن علاقات تجارية، ومشاريع سياحية وكأنهم يتحدثون عن جزر في الباسفيك، شرابها من جوز الهند، وخبزها اليومي يتحصل من أمتاع فلول السياح الغربيين، لكن بين الجدران وفي تكتم شديد كان هؤلاء: رابين، وبيريز، ودوري غولد، وديفيد زوهار، وغيرهم من المسؤولين الإسرائيليين يتحدثون مع المسؤولين الرسميين في الخليج بشأن إقامة علاقات تجارية، وبيئية وسياحية في إطار احتواء وتطويع دول مجلس التعاون في المشروع الشرقي أوسطي في المستقبل المنظور([35]).

وتكشف دراسات أكاديمية حديثة عن اتجاهات متنوعة لإسرائيل في محاولاتها التفتيتية ضد الوطن العربي ومنها على سبيل المثال لا الحصر تغذية النزعات الفرعونية في مصر، والفينيقية في سوريا ولبنان وفلسطين، والبربرية في المغرب العربي، وتعميق الخلافات بين التكتلات العربية المناوئة لبعضها البعض وتأجيج نارها([36]).

صفحة 8

سادسًا: المرتكز التاريخي:

تتحرك إسرائيل في تنفيذ سياستها تجاه الوطن العربي من منطلق روح التمايز على غير اليهود (الجوييم) التي تصفهم كتب اليهود (التلمود) بأنهم ليسوا بشرًا. ويعكس هذا التصور الكاتب (شراجا دافني)؛ إذ يقول حول ذلك "العيش مع العرب على أرضنا مستحيل، لأن كل عربي في ضميره وصلواته ورغباته يتطلع إلى مكة في حين يتطلع اليهودي إلى القدس، والذي يتطلع إلى القدس وحده يمثل ابن الأرض الحقيقي"([37]).

ويبرر رواد الحركة الصهيونية أسباب انتهاجهم لروح التمايز وخاصة على العرب بحجة شعورهم بالتهديد والفناء من قبلهم، وكما يوضح ذلك الكاتب (غروسمان) إذ يقول "نحن حملة ثقافة الموت، والشك لا يزال يخيم على مستقبلنا، فجيراننا العرب لا يحبوننا، لا يريدون أن نكون حيث نحن، ولم يتقبلوا أن تكون "إسرائيل" جزءًا منهم"([38]).

وفضلاً عن ذلك يقف إسرائيليون آخرون موقفًا أكثر تعصبًا ضد العرب لا يقتصر على مجرد تصور فكري، بل إنهم يوصون باتباع سياسة مواجهة العرب من خلال دراساتهم وبحوثهم الأكاديمية. والمثال القريب حول ذلك ما صدر عن (هيلين كلين) رئيسة مكتب كاليفورنيا من أجل سلامة (إسرائيل) والعضو في هيئة المديرين من مركز (فريمان) للدراسات الاستراتيجية، من وصايا عشر قدمها المركز للحكومة الإسرائيلية تحت عنوان "كيف تتجنب تدمير "إسرائيل"؛ حيث طالبت هذه الوصايا "بإعادة تنظيم وتدريب الجيش الإسرائيلي لحماية المواطنين، ولردع أي عربي يحاول التعدي على دولتهم، وتلقين كل جندي بأن له الحق بالدفاع عن نفسه، والبدء بالهجوم على العرب لأن ذلك خير وسيلة للدفاع"([39]). وجدد الحاخام (عوفاديا يوسف) الزعيم الروحي لحزب (شاس) المتشدد لليهود الشرقيين (السفارديم) حملاته ضد العرب في خطاب وجههه إلى ناشطي الحزب وبثته الإذاعة الرسمية الإسرائيلية في الرابع والعشرين من يناير عام 2001؛ حيث قال في لقاء لدعم زعيم المعارضة اليمينية (إريل شارون) وقتئذ "عندما وصفتهم بالثعابين (أي العرب) استغرب الجميع؛ إن العرب أسوأ من الثعابين، إنهم أفاعٍ سامة"([40]).

صفحة 9

سابعًا: المرتكز الدولي:

أدرك مخططو السياسة الخارجية للحركة الصهيونية أن أمن الدولة الوليدة لا يتأتى من خلال الاعتماد على قوتها الذاتية فحسب، وإنما لابد من استثمار الموقف الدولي المتعاطف معها وكأنها قد أخذت بالمثل الهندي المشهور "إذا أحاط بك الأعداء، فانظر إلى ما بعدهم واربح أصدقاءك هناك"([41]). والنتيجة المتأتية من ذلك هي: الاستفادة من تشابك المصالح وتعارضها في علاقات الدول الكبرى في المنطقة لصالح إسرائيل ([42])، وتبرز هنا بريطانيا والولايات المتحدة ([43]) كأمثلة حول ذلك. غير أن الأخيرة انفردت في تقوية علاقاتها الاستراتيجية مع إسرائيل منذ بداية عقد الثمانينيات في نوفمبر 1981 وحتى الآن، خاصة بعد توقيع الاتفاق، وهو ما عُد الجبهة الأمامية للغرب في الوطن العربي لتقاسم المصالح بين الاثتنين في الهيمنة على موارد العرب وخاصة النفط، وتعزيز فعالية الوجود الإسرائيلي في فلسطين، وتزويدها بالمعدات والأسلحة المتطورة لجعلها متفوقة بشكل نوعي عسكريًا وتسليحيًا. وتأسيسًا على ذلك عقدت الولايات المتحدة معها في العاشر من أغسطس عام 2000 محادثات ولثلاثة أيام لغرض تنمية علاقاتهما الاستراتيجية، وخاصة حمايتها من الصواريخ الباليستية، والجرثومية، والكيمياوية، وتأمين حدودها مع لبنان. وقد عمل الطرفان على توقيع مذكرة التفاهم التي تنسق العلاقات الاستراتيجية، والتأكيد على التعاون فيما يخص توسيع الأراضي، وكذلك ضمان ما يحتاجه الجيش الإسرائيلي من المعدات ولمدة عشر سنوات إلى عام 2010([44]).

صفحة 10

ثامنًا: المرتكز الاستيطاني والديني:

أخذت إسرائيل بالرؤية الملهمة التي تشمل العقيدة، والقيم، والموجبات الدينية المنطلقة من الكتب والنصوص، وبخاصة التوراة والتلمود، وما نشأ على أرضها وحولهما من أساطير، وحوافز وممارسات وما رافق هذه الرؤية من توافق غربي استيطاني مؤيد وداعم للسيطرة على فلسطين وتحركها صوب هذا الغرض أو العودة إلى "أرض الميعاد"([45]). وأدت القيم والرموز الدينية دورًا مهمًا منذ نشأة الحركة الصهيونية في تغذية الأيديولوجية التي تبنتها، إذ كان هدف هذه الحركة الأول هو السعي لإنشاء (دولة) تجمع يهود العالم([46]). إلا أن الطرح العلماني لمفهوم (الدولة) لدى الرواد الأوائل للحركة ومنهم (ثيودور هرتزل) لم يكن يعني استبعاد الدين والثقافة اليهودية التقليدية تمامًا من هذه الأيديولوجية، فقد اعتبرت الدين أحد الروافد التي تشكل الميراث والشخصية اليهودية، وسعت إلى استيعاب الاتجاهات والتيارات الدينية بداخلها، من خلال الدور المحدد الذي رسمته للعامل الديني، وتوظيفه لخدمة أهدافها السياسية خاصة في مجال تشجيع عملية الهجرة إلى فلسطين، وتشجيع الاستيطان في بداية تأسيس الدولة دون أن يعني ذلك تغليب هذا العامل على الأساس القومي العلماني الذي بنيت عليه الحركة([47]).

وقد وظفت إسرائيل الأساطير الدينية في صراعها بهدف تبرير السيطرة على الأراضي العربية، وتجسيدها في مفاوضات السلام مع العرب في إطار استراتيجيتها السياسية، وقد عكس ذلك التوجه أكثر من مسؤول إسرائيلي، إذ يؤكد الحاخام (ملفوفتش) بقوله "الطريق الوحيد للسلام هو من خلال التصرف بموجب تعليمات التوراة التي تحرم التنازل عن أي شبر من الأرض المقدسة، وأن أي تنازل عن مناطق ليس من شأنه سوى أن يزيد من خطر الحرب، ولهذا يجب على "إسرائيل" الاحتفاظ بالأراضي التي احتلتها"([48]).