مقدمة:
هناك معطيات سياسية وثقافية تعكس نمط إدراك السياسة الأمريكية لحركة حماس، وخاصة منذ فترة التسعينيات، فالبعد الديني وتأثيره على صانع القرار في السياسة الأمريكية تجاه حركة حماس، وبقية القوى الإسلامية المقاومة كانت دلالاته واضحة، لكون هذه السياسة توضع وفقاً للرؤية المتشددة في أي إدارة أمريكية ديمقراطية كانت أو جمهورية، ولم تستفد الحركة من رؤية واتجاهات التيارات المعتدلة التي تحاول التمييز بين الحركات الإسلامية وتصنيفها إلى حركات معتدلة وأخرى متشددة، لأسباب تتعلق بإسرائيل.
ومع وصول بوش الابن إلى البيت الأبيض في عام 2001م انتهجت إدارته سياسة أكثر تشدداً وعدوانية تجاه حركة حماس، هذه السياسة جاءت متوافقة مع التيار الداعي إلى استخدام العنف ضد الإسلاميين والأصولية الإسلامية، واتسم هذا الفريق بطابع متشدد له بعد أيدلوجي (ديني) في سياسته الخارجية بحجة أن هذه السياسة تأتي في إطار المصلحة الأيدلوجية الأمريكية والإسرائيلية على السواء. هذه الأيدلوجيا تساعد في جعل تلك القرارات مساغة أكثر للجمهور أو للنخبة المتنفذة مهما كانت غير نفعية، ولهذا فإن الغاية الأيديولوجية توجه السياسة(1). بحيث يمكن من خلال هذا المنهج تفسير هذه السياسة من زاوية إثبات حجة مقولات أيدلوجية(2). من منطلق أن الدول ترسم سياستها الخارجية وفقاً لأولوياتها ومصالحها، لهذا فإن الإدارة الأمريكية تنطلق في سياستها تجاه حركة حماس في إطار أيدلوجي تأكيداً على حماية وتعزيز القيم والأفكار الدينية(3). التي اعتنقها معظم الأمريكيين والقوى الفاعلة في المجتمع الأمريكي، ويعتقدون بصلاحيتها عالمياً.
ولهذا فإن رفض حركة حماس لمشروع التسوية واستحقاقاته التي تقتضي الاعتراف بإسرائيل، ونبذ المقاومة وتسليم أسلحتها والدخول في مفاوضات، إضافة إلى أن الحركة تعمل على عرقلة جهود السلام، ووصولها إلى السلطة يشكل تهديداً مباشراً لإسرائيل وله تداعيات إستراتيجية على استقرار النظم الصديقة للولايات المتحدة في المنطقة.
ورغم أن هناك عوامل عديدة تظافرت في صنع السياسة الأمريكية تجاه حركة حماس، لكن البحث والتحليل يبقى في طبيعة العامل الإسرائيلي باعتباره المتغير الأساس الذي يحكم علاقة أمريكا بحركة حماس، والذي بات فاعلاً محورياً في التأثير على الإدارة الأمريكية وسياستها تجاه الحركات الإسلامية عموماً وحركة حماس على وجه التحديد، وهذا المتغير الإسرائيلي سوف يكون محلاً لاهتمام الباحث من خلال محاولة تحليل تأثير البعد الديني للتيار الإنجيلي واللوبي الصهيوني في السياسة الأمريكية تجاه حركة حماس، وموقع المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية في حسابات الإدارة الأمريكية تجاه حركة حماس.
وإدراكاً للأهمية التي يكتسبها البعد الديني في تشكيل وبلورة الوعي الأمريكي ومدى تأثيره في أوساط المجتمع الأمريكي وحضوره الفاعل في مؤسسات صنع القرار الأمريكية التي يتواجد فيها ويربض فيها غلاة اليمين المحسوبين على الحزب الجمهوري ومدى تأثير الأفكار والمعتقدات على صانع القرار في السياسة الخارجية الأمريكية.
محددات وأهداف السياسة الخارجية الأمريكية تجاه حركة حماس
المحافظون بشكل عام وبمختلف تياراتهم شعروا بعد نهاية الحرب الباردة بأنهم قد فقدوا المبدأ المحوري الذي يوحد صفوفهم، والمتمثل بالخطر السوفياتي، وعولمة النموذج الأمريكي الليبرالي ثقافياً واقتصادياً في ظل إدارة كلينتون لم تَحل دون خروج "صمويل هنتنجتون" بنبوءة صراع الحضارات بين العالمين العربي والإسلامي من جانب، والغربي من جانب آخر، بناء على بعض الأحداث والنزاعات العرقية والأثنية هنا وهناك، لكن كلينتون رفض مفهوم أن يكون الإسلام عدو للغرب، بل وسعى في الفترة الأخيرة من رئاسته لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وإن كان هذا الحل يأتي وفق الرؤية الإسرائيلية لكي يقضي على عوامل عدم الاستقرار في المنطقة، والتي لم يكن منها غياب الديمقراطية والحرية عن المنطقة العربية(4).
هذه السياسة الخارجية لكلينتون هي وفقاً للجدل الدائم بين المحافظين والواقعيين، وتأتي في إطار تعزيز منهج الواقعيين الذين يرون أن السياسة الخارجية تنشأ عن جدل دائم بين المصالح والأخلاق، وبين البراغماتية والأيدلوجية، وبين العمل والفكر(5).
الإستراتيجية الأمريكية التي استمر العمل بها لمدة 50 عاماً، تم استبدالها بعد أحداث 11سبتمبر 2001م بإستراتيجية جديدة من قبل المحافظين الجدد الذين رأوا في هذه الأحداث فرصة حقيقية لطرح كل فكرهم وتوجهاتهم السياسية ومعتقداتهم وأيدلوجياتهم موضع التنفيذ، عندما انطلق التيار الديني الإنجيلي واللوبي الصهيوني في حشد وتعبئة الرأي العام ضد كل ما هو إسلامي، وضرورة وقوف الولايات المتحدة بكل إمكانياتها إلى جوار إسرائيل في حربها ضد الحركات الإسلامية التي تهددها.
وتحت تأثير الصدمة أصبح جزء كبير من الشعب الأمريكي معبأ تقوده الإدارة الأمريكية وفقاً لأفكار ومعتقدات سياسية كانت معلنة من قبل تيار المحافظين الجدد الذي يسيطر في حكومة الرئيس بوش على السياسة الخارجية، وتحول أفكار هذا الجناح المتشدد إلى أهداف إستراتيجية لصالح إسرائيل، هذا التيار في معظمه هم رجال إسرائيل ومستشاروها السياسيون الذين أصبحوا في الصف الأول في إدارة بوش الابن، هذا التيار قدم إطاراً فكرياً متكاملاً لسياسة الولايات المتحدة بعد 11سبتمبر، وهو ما عجزت القوىالمحافظة الأخرى عن تقدم بديل له، ويقوم هذا الإطار على استبدال خطر الشيوعية بخطر الإرهاب، باعتباره التحدي الأساسي الذي يواجه الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل(6).
وفي الحقبة ذاتها زادت الصلة قوة بين العناصر المعروفة بنشاطها في دعم إسرائيل، ولها سجل طويل في خدمة إسرائيل، وبين دوائر صنع القرار، بعد أن شغلت مواقع الصف الأول في وزارة الدفاع والبيت الأبيض، مثل إليوت إبرامز، وبول وولفيتز، و ريتشارد بيرل(7)، وغيرهم من أصحاب الولاء المزدوج، والذين أمضوا سنوات عملهم في إسرائيل في تقديم المشورة السياسية للحكومة اليمينية في إسرائيل، واستمروا يقدمون نفس المشورة للحكومة الأمريكية بعد أن أصبحوا أعضاء في حكومة بوش.
كما شهدت إدارة جورج بوش الابن تصاعد نفوذ التيار المحافظ الديني، وتحالفه مع التيار المحافظ الجديد بخصوص العديد من قضايا السياسة الخارجية وخاصة قضايا الشرق الأوسط مثل القضية الفلسطينية والعراق وغيرها من القضايا الأخرى، وفي المقابل انحسار تأثير التيار المحافظ التقليدي والانعزالي، والذي أصبح على هامش الحياة السياسية في الحزب الجمهوري.
ومن أمثال هؤلاء وزيرا الخارجية الأمريكية "كولن باول" و"كوندليزا رايس" وهذه الأخيرة انتقلت إلى جانب ما يسمون الصقور في حكومة بوش عندما وجدت أن الميزان يميل إلى جانبهم، وأن الصراع بينهم وبين باول قد حسم لصالحهم(8).
إذاً نحن أمام فريق متجانس من أنصار إسرائيل تكشف كتاباتهم وأقوالهم المنشورة والمعلنة أن إسرائيل توجد دائماً كنقطة مرجعية لهم، وفي مراكز تفكيرهم.
المبحث الأول :محددات السياسة الأمريكية تجاه حركة حماس
إن نجاح اليمين الأمريكي بشقيه السياسي المعروف اصطلاحاً باليمين المحافظ الجديد، والديني المعروف اصطلاحاً باليمين المسيحي الجديد في الوصول إلى أعلى مؤسسات السلطة والحكم في الولايات المتحدة، وكلاهما معروف بتطرفه ونظرته الأيدلوجية خصوصاً للقضايا المتعلقة بالأمن الإسرائيلي، فالسيطرة الواضحة للجمهوريين بقيادة المحافظين الجدد على الكونجرس، والبيت الأبيض أضعف آليات الضبط والرقابة، وأطلق يد السلطة التنفيذية في صنع وتنفيذ السياسة الخارجية، وهو الأمر الذي أعطى المحافظين الجدد فرصة لتنفيذ أجندتهم السياسية الخارجية(9)، المتأثرة بأفكار اليمين الديني الداعمة لإسرائيل، لهذا يمكن القول أن السياسة الأمريكية تقع تحت سطوة اليمين الديني والسياسي، المؤيدة لإسرائيل والمعادية للعرب والمسلمين. إضافة إلى ذلك فإن الإدارة الأمريكية تبالغ في الاهتمام بالأمن الإسرائيلي لضمان دعم اللوبي ذو القدرات الهائلة والتأثير الكبير على مجريات الحياة السياسية، فالنفوذ الهائل وتأثيراته على سياسة الإدارة الأمريكية تجاه الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي موجه بصورة عامة إلى خدمة مصالح إسرائيل من منطلق أن دعم إسرائيل هو الخيار السياسي الذكي. لذلك فإن الالتزام الكبير بالمصلحة الإسرائيلية يخلف ضرراً بالغاً بالمصلحة الأمريكية، وأنه لولا نفوذ اللوبي الإسرائيلي لما كانت كذلك. كما أن الأمن الإسرائيلي يقع في قلب المصالح الحيوية الأمريكية وحركة حماس هي تهديد مباشر للأمن الإسرائيلي، وعملية التسوية برمتها نتيجة لموقفها الواضح حول طبيعة الصراع ومطالبها المستحيلة من وجهة نظر إسرائيل وأمريكا، وهي جزء من مشروع إسلامي يتهدد الكثير من الأنظمة الصديقة، وخطر يتهدد الدول العربية التابعة للولايات المتحدة. ولهذا لا يمكن أن تقبل الولايات المتحدة بأي مرونة أو تكيف تظهرها حركة حماس سواء وهي في المعارضة، أو عند تسلمها السلطة وتشكيل الحكومة، إلا إذا نزلت عند رغبة إسرائيل وأطماعها، وأبدت استعدادها للسير في طريق أوسلو، والاستجابة لشروط اللجنة الرباعية.
البعد الديني في السياسة الأمريكية
ظل الدين في الجانب الأكبر من استخداماته أداة من أدوات السياسة الخارجية الأمريكية طوال مرحلة الحرب الباردة، لكن وتيرته ازدادت في السنوات التالية لانتهائها، ومع تصاعد تأثير تيارات اليمين الديني والسياسي في صياغة ورسم شكل هذه السياسة، أصبح يمثل إطاراً مرجعياً لها، ويدعم ذلك الموقف الأمريكي من إسرائيل والقوى المناهضة لها، وهو نموذج واضح ومميز لاختلاط الدين بالسياسة. وقد أدى هذا الخلط إلى وجود نوع من الانفعالية الدينية الباطنة التي تدخل في صلب البيانات والتصريحات التي يلقيها القادة السياسيون والزعماء المدنيون، فقد درجوا على استخدام رموز خطابية دينية تستقي عادة من "العهد القديم" التوراة، الذي يدور في غالبيته حول تاريخ إسرائيل ومستقبلها، إضافة إلى قضايا اضطهاد المسيحيين في العالم، وتحديداً الدول الإسلامية. فعلى مدى تاريخ الإدارات الأمريكية المتعاقبة، لم يحدث أن وصل اليمين ببعديه السياسي والديني إلى المشاركة في السلطة في آن واحد(10).
وفي هذا الإطار يمكن توضيح موقع البعد الديني في السياسة الخارجية الأمريكية ومدى تأثيره في صنع هذه السياسة.
أولاً- البعد الديني أداة أم مرجعية؟
احتل الدين مكان الصدارة ولاقى اهتماماً كبيراً من قبل الإدارة الأمريكية مع تصاعد دور اليمين المسيحي وتأثيره الكبير في المجتمع، ويمكن اعتبار عام 1976م، بداية نهوض الحركة الصهيونية المسيحية كعامل سياسي رئيسي في الولايات المتحدة الأمريكية، وعلاقة فاصلة في تزايد قوة هذه الحركة عدداً وعدة، وتأثيرها في مواقع صنع القرار، فقد سجلت بداية ذلك العام حماساً سياسياً وتنظيمياً وشعبياً داعماً للصهيونية السياسية مثلما كانت في أيام "وليام بلاكستون" في الربع الأخير من القرن التاسع عشر(11).
وبحلول عام 1980م كان ثلاثة من المرشحين لرئاسة الجمهورية يرفعون شعار الدين وأهميته في المجتمع الأمريكي، وفي 23 تموز أغسطس 1984م، عبر الرئيس ريغان في خطاب ألقاه في مدينة تكساس عن إيمانه بدور الدين في المجتمع الأمريكي، رغم الاعتراف بمبدأ الفصل بين الدين والدولة، ومما جاء في خطابه (يلعب الدين دوراً حاسماً في الحياة السياسية لأمتنا).
وقد عقدت الحركة المسيحية الأصولية العديد من التحالفات مع اليمين السياسي داخل الحزب الجمهوري الحاكم في إدارة الرئيس ريغان، واحتلت مواقع مهمة في الحزب الجمهوري، كما أسس قادة هذه الحركة جمعيات ومنظمات ومراكز بحث سياسية ضمت يهوداً وبروتستانت وشملت رجال دين ورجال أعمال ومفكرين واستراتيجيين، تؤمن جميعها وتعمل وفق مبادئ وأيدلوجيات الحركة المسيحية الأصولية، سواء في الشئون الداخلية، أو السياسة الخارجية، وفي هذه الأخيرة احتلت مسألة دعم إسرائيل حجر الأساس في صلب توجهاتها(12)، ولكن اليمين الديني كان يمارس دوره آنذاك كجماعة ضغط من خارج السلطة، أو يقدم الدعم المطلوب فيما يخص المواقف المختلفة التي تتعرض لها إدارة ريجان.
وعلى الرغم أن القرن العشرين قد شهد رؤساء من ذوي الإيمان العميق، مثل ويلسون وكارتر وريغان، ولكن هؤلاء لم يحاولوا الحكم على القضايا السياسية من منظور ديني، بمعنى أنه لم يكن مرجعية يحكم تصور كل قضايا السياسة الخارجية. ومع وصول بوش إلى الرئاسة تبنت إدارته مجموعة من السياسات التي تعكس في معظمها رؤية دينية محافظة تجاه القضايا التي تتعامل معها الولايات المتحدة داخلياً وخارجياً، بيد أن أحداث 11سبتمبر 2001م، كشفت عن عمق تأثير اليمين الديني والسياسي على مصطلحاتمثل: "أن أمتنا شهدت الشر"، "وإنهم يكرهون قيمنا"، "ومسئوليته أمام التأريخ الرد على الهجوم والتخلص من الشر، إنه نوع جديد من الشر وحملتنا الصليبية سوف تأخذ وقتاً"، "وإنها (حرب حضارات)"، "وأنها حرب صليبية جديدة"(13). ومثل هذه المصطلحات الدينية توضح بجلاء أن الدين يمثل مكوناً جوهرياً ومهماً في ميدان السياسة والخارجية، ويظهر مدى تمكن الديني من التحكم في السياسي وإخضاعه لمعتقداته(14).
لذلك لا يمكن أن نستغرب استثمار السياسي الأمريكي وعلى وجه الخصوص، الإدارة الحالية في استثمار الدفاع عن (إسرائيل) في السياسة واستعمال الرأسمال الديني في الحقل السياسي، كما أنه ولأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة تقوم مؤسسة الرئاسة على أساس الدين، وتمارس الأيديولوجية الدينية تأثيراً مباشراً في الحياة العامة، فإذا كان في أمريكا رؤساء متدينون من قبل، فإن بوش هو أول رئيس يفتتح حملته الانتخابية بدعوة ألفين من القساوسة والقادة الدينيين إلى حفلة كبرى، ويخطب فيهم كما لو أنه راع وليس رئيساً أو مرشحاً لفترة ثانية، وظهوره بصبغة دينية أثناء حفلة تنصيبه، ومن ثنايا حديثه تتأكد النزعة الدينية لدى الإدارة بما يعزز القول أن اليمين الحاكم يسير إلى الاتجاه الأصولي اليميني المتشدد في أفكاره تجاه الثقافات الأخرى، وتكريس القيم والأفكار الأصولية(15).
والقلق من هذا التوجه ليس من أصوله الدينية ولكن في النظرة الإقصائية للديانات والحضارات الأخرى، لمجرد الاختلاف والتمايز الفطري والاعتقادي، وممارسته سلوكاً متشدداً تجلى في مجموعة من السياسات، تعكس في المجمل رؤيةً محافظة ذات مرجعيةٍ دينيةٍ، وتتوالى المؤشرات الدالة على تضخم دور الدين في السياسية الأمريكية من خلال وعض الإنجيليين وتكرار كلمة حرية بما يشبه الإيمان الروحي أكثر منه التحديد الدقيق للغايات السياسية من قبل الرئيس جورج بوش.
وفي إطار هذه المقولات وغيرها يمكن القول إن العامل الديني قد انتقل في المرحلة الراهنة من السياسة الخارجية الأمريكية، وتوظيفه كأداة من أدوات تنفيذ هذه السياسة وتحقيق أهدافها إلى إطار مرجعي يرسم توجهاتها، ويحدد قضاياها ويؤثر في صنع سياساتها، وأن هذا الدور الجديد لن يشهد تراجعاً في ظل إدارة بوش الثانية، بل إنه مرشح لمزيد من التصاعد في ظل المعتقدات الدينية والقيمية التي يتبناها بوش.
ثانياً- اليمين الأمريكي وتأثيره في السياسة الخارجية الأمريكية
اليمين الأمريكي ليس كتلة واحدة صماء، وبمعنى آخر ليس نسخة واحدة فكراً وتنظيماً، بل هو تحالف يضم عدداً كبيراً من القوى والجماعات التي يصعب وربما يستحيل حصرها حصراً دقيقاً. وينقسم اليمين الأمريكي إلى جماعتين رئيسيتين: الجماعة الأولى تضم قوى اليمين الرئيسية أو الأصولية، والجماعة الثانية تضم القوى المتحالفة معها أو المتسلقة على اليمين الأمريكي الأصولي سعياً للوصول إلى السلطة، وما يميز قوى اليمين الأصولية (الجماعة الأولى) إيمانها القوي بأفكار أيدلوجية معينة مما يجعلها ترفض الأمريكيين غير المؤمنين بأفكارها، كما ترفض النظر والتدقيق في مدى صحة هذه الأفكار على الرغم مما قد يعتريها من سطحية وتطرف في أحيان كثيرة(16).
ويضم تحالف القوى الأمريكية الأصولية جماعات كثيرة، أهمها الجماعات الدينية والتي تمثلها جماهيرياً منظمات اليمين المسيحي وقياداته مثل فرانكلين جرام وبات روبرتسون وجيري فالويل، ويمثلها سياسياً بعض السياسيين المؤمنين بأفكار تلك الجماعات ومن أشهرهم جون أشكروفت وزير العدل الأمريكي في إدارة جورج دبليو بوش وبول وولفيتز وإليوت إبرامز وغيرهم.
كما أن الترابط الوثيق بين التجمعات الأصولية في أمريكا، واكتسابها الشكل المؤسسي والتسييس أتاح لها القدرة على التأثير والضغط خصوصاً على السلطتين التشريعية والتنفيذية بفعل الانتشار القاعدي المنظم مؤسسياً والانخراط في شبكة من العلاقات مع الاقتصاديين والسياسيين المؤثرين(17).
وقد شكلت الحركة اليمينية الأصولية (المسيحية) العديد من جماعات الضغط، ولاسيما بعد أن امتلكت وأدارت بفعالية عالية "الكنيسة المرئية" ومنظماتها، وبعد أن أصبحت قوة مهمة ومؤثرة في الثقافة الأمريكية وواثقة من نفسها، وقد تعاونت جماعات الضغط المسيحية الأصولية مع جماعات أخرى، كحركة اليمين المحافظ في عهد الرئيس رونالد ريغان، ومن المعلوم أن برامج هذه الحركة السياسية شملت مبادئ دينية، فضلاً عن حماستها ودعمها الكبيرين لإسرائيل. وبذلك صار من الصعب فصل جماعات اليمين المحافظ السياسية عن الحركة المسيحية الأصولية وجماعات ضغطها(18).
ثالثاً- تأثير الأصولية المسيحية في إدارة الرئيس بوش والكونغرس
يقول دانييل بايبس الذي عينه الرئيس بوش مؤخراً عضواً لمجلس إدارة معهد الولايات المتحدة للسلام، لمن يستغرب اتّباع الولايات المتحدة سياسات مختلفة جذرياً عن تلك التي تتبعها الدول الأوربية. يقول إن قسماً أساسياً من الجواب في هذه الأيام يعود إلى نفوذ المسيحيين الأصوليين القوي في ظل وجود رئيس محافظ كالرئيس جورج بوش، وهناك معلومات مؤكدة عن تزايد حجم تواجد اليمين الأصولي (المسيحي).
وفي العام 2002م عقد التحالف المسيحي مؤتمر (الطريق إلى النصر)، وتم خلاله إطلاق شعار (التضامن المسيحي مع إسرائيل) تم فيه دعوة عدد من الوجوه السياسية والاجتماعية الأمريكية والإسرائيلية مثل بات روبرتسون، ووزير التجارة الإسرائيلي ورئيس الوزراء الحالي الذي كان حينها عمدة القدس السابق يهود أولمرت، وضابط البحرية السابق أوليفرنورث والسناتور ديك آرمي، والسناتور روي بلانت. وأعضاء مجلس النواب، جيمس اتهوف وسام براونباك والن كييس عضو الوفد الأمريكي السابق في الأمم المتحدة.
وقد خاطب أولمرت ذاك الحشد الذي قدر بـ 10000 مشارك بقوله: "أحيي المؤمنين بصهيون، الله معنا في دعم حكومة إسرائيل، وأنتم أيها المسيحيون العظماء في الولايات المتحدة معنا".
وقد عقب روبرتسون على ذلك بقوله: (علينا أن لا نسأل إسرائيل الانسحاب مما يسمى الأراضي المحتلة، علينا الوقوف معها والحرب من أجلها، ومواجهة كل المنظمات المتطرفة التي على شاكلة حركة حماس)(19).
كما أن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد الأسبق يتبنى عملياً مواقف المسيحيين الصهاينة من القضية الفلسطينية لدرجة أنه يرفض إطلاق صفة الأرض المحتلة على الضفة الغربية وقطاع غزة، أما الجنرال وليم جيفري بويكين نائب وزير الدفاع لشئون الاستخبارات، فقد صرح بأن الحرب ضد الإرهاب هي نوع من حرب مقدسة تشنها اليهودية بالتحالف مع المسيحية ضد الشيطان(20).
وقد شكلت الحركة المسيحية الأصولية العديد من جماعات الضغط، للتأثير على صانعي القرارات في النظام السياسي الأمريكي، من أجل تحقيق أغراضها ومصالحها المتعددة آخذة في الاعتبار أولوية المصلحة الإسرائيلية.
رابعاً- أبرز المنظمات المسيحية الصهيونية ورموزها:
تقدر عدد المنظمات التابعة للمسيحيين الصهاينة في أمريكا والعالم بما يزيد على 250منظمة، وتحصل هذه المنظمات على المساعدات المالية من أفرادها عن طريق جمع التبرعات، وتنظيم لقاءات جماهيرية في مناسبات خاصة، إضافة إلى الاتصال بكبار رجال المال والأعمال وعن طريق تسويق منتوجات إسرائيلية ونشر الكتب والأفلام الدعائية، وتلعب منظمات الكنائس المرئية دوراً مهماً جداً في جمع التبرعات، إذ يقدر عدد المشتركين في مثل هذه القنوات بعشرات الملايين تصب أموالهم بطريقة غير مباشرة في إسرائيل، أما أبرز هذه المنظمات فهي:
1- منظمة الأغلبية الأخلاقية
برز جيري فولويل كرجل ديني إنجيلي في أواخر الخمسينات وله برامج سياسية دينية كثيرة تبث عبر محطات التلفزة.
ويعتبر فولويل أول سياسي أمريكي يتطرف في قول إن "دعم الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل ليس من أجل مصلحة إسرائيل، ولكن من أجل مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية نفسها". ويلخص موقفه من إسرائيل في ترديد جملة لا تفارقه في كتبه ومنشوراته وبرامجه يقول فيها : "إن الوقوف ضد إسرائيل هو معارضة لله".
ولا يجد زعيم منظمة "الأغلبية الأخلاقية" حرجاً في الإعلان عن صهيونيته فيقول: "إنني صهيوني، وأؤمن نظرياً ونبوءة وسياسياً بأن أرض فلسطين والأردن هي للشعب الإسرائيلي، ولا أحبذ أن تتخذ إسرائيل أي قرار بإعادة أي أرض لجيرانها العرب، فإذا لم تكن إسرائيل موجودة فإن المصالح الغربية ستكون مهددة من قبل العرب، ولذلك فلابد أن تكون إسرائيل قوية".
وقد كان لنشاط الجماعات المسيحية الأصولية ومنها "الأغلبية الأخلاقية"، تأثير في اتجاهات الإدارة الأمريكية في النصف الأول من الثمانينيات، في تقديم أكبر عون لإسرائيل، ودعم لسياساتها وممارسة الضغوط المنظمة على الكونغرس، والإدارة الأمريكية، والتأثير في الرأي العام لمصلحتها.
وتؤمن منظمة "الأغلبية الأخلاقية" بأن أفضل مال تنفقه الولايات المتحدة الأمريكية هو المال الذي تقدمه إلى إسرائيل.
وقد عبرت المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية، وحكومة إسرائيل عن إعجابها وتقديرها للقس جيري فولويل ومؤسسته الإعلامية ومنظمته السياسية(21).