eKtab
EN ع
السيرة النبوية لابن كثير الجزء الخامس
اقرأ عينة مجانية

السيرة النبوية لابن كثير الجزء الخامس

بقلم أبن كثير

صفحة 1
قال: ولقيهم الصبيان يشتدون ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل مع القوم على دابة، فقال: " خذوا الصبيان فاحملوهم وأعطوني ابن جعفر " فأتى بعبد الله بن جعفر فحمله بين يديه، قال: وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فرار فررتم في سبيل الله ! قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله ".
 
وهذا مرسل.
 
وقد قال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا عاصم، عن مؤرق العجلى، عن عبدالله بن جعفر، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر تلقى
 
الصبيان من أهل بيته، وإنه قدم من سفر فسبق بى إليه، قال: فحملني بين يديه ثم قال: " جئ بأحد بنى فاطمة " إما حسن وإما حسين، فأردفه خلفه فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة.
 
وقد رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عاصم الاحول عن مؤرق به.
 
وقال الامام أحمد: حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، حدثنا خالد بن سارة، أن أباه أخبره أن عبدالله بن جعفر قال: لو رأيتنى وقثما وعبيد الله ابني العباس ونحن صبيان نلعب إذ مر النبي صلى الله عليه وسلم على دابة فقال: " ارفعوا هذا إلى " فحملني أمامه وقال لقثم: " ارفعوا هذا إلى " فجعله وراءه، وكان عبيد الله أحب إلى عباس من قثم، فما استحى من عمه أن حمل قثما وتركه.
 
قال: ثم مسح على رأسه ثلاثا وقال كلما مسح: " اللهم اخلف جعفرا في ولده ".
 
قال: قلت لعبد الله: ما فعل قثم ؟ قال: استشهد ؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم بالخير.
 
قال: أجل.
 
ورواه النسائي في اليوم والليلة من حديث ابن جريج به.
 
[ وهذا كان بعد الفتح، فإن العباس إنما قدم المدينة بعد الفتح، فأما الحديث الذى رواه الامام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا حبيب بن الشهيد، عن عبدالله بن أبى مليكة، قال: قال عبدالله بن جعفر لابن الزبير: أتذكر إذ تلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأنت وابن عباس ؟ قال: نعم فحملنا وتركك.
 
وبهذا اللفظ أخرجه البخاري ومسلم من حديث حبيب بن الشهيد وهذا يعد من الاجوبة المسكتة، ويروى أن عبدالله بن عباس أجاب به ابن الزبير أيضا، وهذه القصة قصة أخرى كانت بعد الفتح كما قدمنا بيانه.
 
والله أعلم (1) ].
 
فصل في فضل هؤلاء الامراء الثلاثة: زيد وجعفر و عبدالله رضى الله عنهم أما زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر ابن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف ابن قضاعة الكلبى القضاعى، [ فهو ] مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن أمه ذهبت تزور أهلها فأغارت عليهم خيل فأخذوه، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد، وقيل اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، فوهبته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، فوجده أبوه فاختار المقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه وتبناه، فكان يقال له زيد بن محمد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه حبا شديدا.
صفحة 2
وكان أول من أسلم من الموالى، ونزل فيه آيات من القرآن منها قوله تعالى: " وما جعل أدعياءكم أبناءكم " وقوله تعالى: " ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله " وقوله تعالى: " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم " وقوله: " وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها " الآية.
 
أجمعوا أن هذه الآيات أنزلت فيه، ومعنى: " أنعم الله عليه " أي بالاسلام " وأنعمت عليه " أي بالعتق، وقد تكلمنا عليها في التفسير.
 
والمقصود أن الله تعالى لم يسم أحدا من الصحابة في القرآن غيره، وهداه إلى الاسلام، وأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجه مولاته أم أيمن واسمها بركة
 
فولدت له أسامة بن زيد، فكان يقال له الحب بن الحب، ثم زوجه بابنة عمته زينب بنت جحش، وآخى بينه وبين عمه حمزة بن عبدالمطلب وقدمه في الامرة على ابن عمه جعفر بن أبى طالب يوم مؤتة كما ذكرناه.
 
وقد قال الامام أحمد والامام الحافظ أبو بكر بن أبى شيبة - وهذا لفظه -: حدثنا محمد بن عبيد، عن وائل بن داود: سمعت البهى يحدث أن عائشة كانت تقول: ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليهم، ولو بقى بعد لاستخلفه.
 
ورواه النسائي عن أحمد بن سلمان، عن محمد بن عبيد الطنافسى به.
 
وهذا إسناد جيد قوى على شرط الصحيح، وهو غريب جدا.
 
والله أعلم.
 
وقال الامام أحمد: حدثنا سليمان، حدثنا إسماعيل، أخبرني ابن دينار، عن ابن عمر رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد،
 
فطعن بعض الناس في إمرته، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إن تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقا للامارة وإن كان لمن أحب الناس إلى، وإن هذا لمن أحب الناس إلى بعده ".
 
وأخرجاه في الصحيحين، عن قتيبة عن إسماعيل - هو ابن جعفر بن أبى كثير المدنى - عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر فذكره.
صفحة 3
ورواه البخاري من حديث موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه.
 
ورواه البزار من حديث عاصم بن عمر، عن عبيد الله بن عمر العمرى، عن نافع، عن ابن عمر، ثم استغربه من هذا الوجه.
 
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمر بن إسماعيل، عن مجالد، عن الشعبى، عن مسروق، عن عائشة قالت: لما أصيب زيد بن حارثة وجئ بأسامة بن زيد وأوقف بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه
 
وسلم فأخر، ثم عاد من الغد فوقف بين يديه فقال: " ألاقى منك اليوم ما لقيت منك أمس ".
 
وهذا الحديث فيه غرابة والله أعلم.
 
وقد تقدم في الصحيحين أنه لما ذكر مصابهم وهو عليه السلام فوق المنبر جعل يقول " أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبدالله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها سيف من سيوف الله ففتح الله عليه ".
 
قال: وإن عينيه لتذرفان، وقال: " وما يسرهم أنهم عندنا " وفى الحديث الآخر أنه شهد لهم بالشهادة، فهم ممن يقطع لهم بالجنة.
 
وقد قال حسان بن ثابت يرثى زيد بن حارثة وابن رواحة: عين جودى بدمعك المبزور * واذكري في الرخاء أهل القبور واذكري مؤتة وما كان فيها * يوم راحوا في وقعة التغوير
 
حين راحوا وغادروا ثم زيدا * نعم مأوى الضريك والمأسور (1) حب خير الانام طرا جميعا * سيد الناس حبه في الصدور ذاكم أحمد الذى لا سواه * ذاك حزنى له معا وسروري إن زيدا قد كان منا بأمر * ليس أمر المكذب المغرور ثم جودى للخزرجي بدمع * سيدا كان ثم غير نزور قد أتانا من قتلهم ما كفانا * فبحزن نبيت غير سرور * * * وأما جعفر بن أبى طالب بن عبدالمطلب بن هاشم، فهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أكبر من أخيه عليه بعشر سنين، وكان عقيل أسن من جعفر بعشر سنين، وكان طالب أسن من عقيل بعشر سنين.
 
أسلم جعفر قديما وهاجر إلى الحبشة وكانت له هناك مواقف مشهورة، ومقامات محمودة، وأجوبة سديدة، وأحوال رشيدة، وقد قدمنا ذلك في هجرة الحبشة (2) ولله الحمد.
 
وقد قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر فقال عليه الصلاة والسلام: " ما أدرى أنا بأيهما أسر، أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر " وقام إليه واعتنقه وقبل بين عينيه، وقال له يوم خرجوا من عمرة القضية: " أشبهت خلقي وخلقي " فيقال: إنه حجل عند ذلك فرحا.
 
كما تقدم في موضعه ولله الحمد والمنة.
 
ولما بعثه إلى مؤتة جعل في الامرة مصليا - أي نائبا - لزيد بن حارثة، ولما قتل وجدوا فيه بضعا وتسعين ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وهو في
صفحة 4
ذلك كله مقبل غير مدبر، وكانت قد طعنت يده اليمنى ثم اليسرى وهو ممسك للواء، فلما فقدهما احتضنه حتى قتل وهو كذلك.
 
فيقال: إن رجلا من الروم ضربه بسيف فقطعه باثنتين، رضى الله عن جعفر ولعن قاتله.
 
وقد أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه شهيد فهو ممن يقطع له بالجنة.
 
وجاء بالاحاديث تسميته بذى الجناحين.
 
وروى البخاري عن ابن عمر، أنه كان إذا سلم على ابنه عبدالله بن جعفر يقول: السلام عليك يابن ذى الجناحين.
 
وبعضهم يرويه عن عمر بن الخطاب نفسه، والصحيح ما في الصحيح عن ابن عمر.
 
قالوا: لان الله تعالى عوضه عن يديه بجناحين في الجنة وقد تقدم بعض ما روى
 
في ذلك.
 
قال الحافظ أبو عيسى الترمذي: حدثنا على بن حجر، حدثنا عبدالله بن جعفر، عن العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبى هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: " رأيت جعفرا يطير في الجنة مع الملائكة ".
 
وتقدم في حديث أنه رضى الله عنه قتل وعمره ثلاث وثلاثون سنة.
 
وقال ابن لاثير في الغابة: كان عمره يوم قتل إحدى وأربعين.
 
قال: وقيل غير ذلك.
 
قلت: وعلى ما قيل إنه كان أسن من على بعشر سنين، يقتضى أن عمره يوم قتل تسع وثلاثون سنة، لان عليا أسلم وهو ابن ثمانى سنين على المشهور فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وهاجر وعمره إحدى وعشرون سنة، ويوم مؤتة كان في سنة ثمان من الهجرة والله أعلم.
 
وقد كان يقال لجعفر بعد قتله الطيار، لما ذكرنا، وكان كريما جوادا ممدحا، وكان لكرمه يقال له: أبا المساكين، لاحسانه إليهم.
 
قال الامام أحمد: وحدثنا عفان بن وهيب، حدثنا خالد، عن عكرمة، عن أبى هريرة، قال: ما احتذى النعال ولا انتعل، ولا ركب المطايا ولا لبس الثياب من رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبى طالب.
 
وهذا إسناد جيد إلى أبى هريرة، وكأنه إنما يفضله في الكرم، فأما في الفضيلة الدينية فمعلوم أن الصديق والفاروق بل وعثمان بن عفان أفضل منه، وأما أخوه على رضى الله عنهما فالظاهر أنهما متكافئان أو على أفضل منه.
 
وإنما أراد أبو هريرة تفضيله في الكرم، بدليل ما رواه البخاري: حدثنا أحمد بن أبى بكر، حدثنا محمد بن إبراهيم بن دينار أبو عبد الله الجهنى، عن ابن أبى ذئب، عن سعيد المقبرى، عن أبى هريرة، أن الناس كانوا يقولون: أكثر أبو هريرة وإنى كنت
 
ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطني خبزا لا آكل الخمير ولا ألبس الحرير ولا يخدمني فلان وفلانة، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لاستقرئ الرجل الآية هي معى كى ينقلب بى فيطعمني، وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبى طالب، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التى ليس فيها شئ فنشقها فنلعق ما فيها.
صفحة 5
تفرد به البخاري.
 
وقال حسان بن ثابت يرثى جعفرا: ولقد بكيت وعز مهلك جعفر * حب النبي على البرية كلها ولقد جزعت وقلت حين نعيت لى * من للجلاد لدى العقاب وظلها بالبيض حين تسل من أغمادها * ضربا وإنهال الرماح وعلها
 
بعد ابن فاطمة المبارك جعفر * خير البرية كلها وأجلها رزءا وأكرمها جميعا محتدا * وأعزها متظلما وأذلها للحق حين ينوب غير تنحل * كذبا وأنداها يدا وأقلها فحشا وأكثرها إذا ما يجتدى * فضلا وأنداها يدا وأبلها بالعرف غير محمد لا مثله * حى من احياء البرية كلها * * * وأما ابن رواحة فهو عبدالله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الاكبر بن مالك بن الاغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، أبو محمد ويقال: أبو رواحة، ويقال: أبو عمرو، الانصاري الخزرجي، وهو خال النعمان بن بشير، أخته عمرة بنت رواحة.
 
أسلم قديما وشهد العقبة، وكان أحد النقباء ليلتئذ لبنى الحارث بن الخزرج، وشهد
 
بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر وكان يبعثه على خرصها، كما قدمنا، وشهد عمرة القضاء ودخل يومئذ وهو ممسك بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل بغرزها - يعنى الركاب - وهو يقول: * خلوا بنى الكفار عن سبيله * الابيات كما تقدم.
 
وكان أحد الامراء الشهداء يوم مؤتة كما تقدم، وقد شجع المسلمين للقاء الروم حين اشتوروا في ذلك، وشجع نفسه أيضا حتى نزل بعد ما قتل صاحباه، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهادة فهو ممن يقطع له بدخول الجنة.
 
ويروى أنه لما أنشد النبي صلى الله عليه وسلم شعره حين ودعه الذى يقول فيه: فثبت الله ما آتاك من حسن * تثبيت موسى ونصرا كالذى نصروا
 
قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وأنت فثبتك الله " قال.
 
هشام بن عروة: فثبته الله حتى قتل شهيدا ودخل الجنة.
 
وروى حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبدالرحمن بن أبى ليلى، أن عبدالله بن رواحة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فسمعه يقول: " اجلسوا ".
 
فجلس مكانه خارجا من المسجد حتى فرغ الناس من خطبته، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " زادك الله حرصا على طواعية الله وطواعية رسوله ".
 
وقال البخاري في صحيحه: وقال معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة (1).
 
وقد ورد الحديث المرفوع في ذلك عن عبدالله بن رواحة بنحو ذلك، فقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، عن عمارة، عن زياد النحوي، عن أنس قال: كان عبدالله ابن رواحة إذا لقى الرجل من أصحابه يقول: تعالى نؤمن بربنا ساعة.
 
فقال ذات يوم لرجل، فغضب الرجل فجاء فقال: يا رسول الله ألا ترى ابن رواحة ؟ يرغب عن إيمانك
 
إلى إيمان ساعة ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " رحم الله ابن رواحة، إنه يحب المجالس التى تتباهى بها الملائكة ".
 
وهذا حديث غريب جدا.
 
وقال البيهقى: حدثنا الحاكم، حدثنا أبو بكر، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا أحمد ابن يونس، حدثنا شيخ من أهل المدينة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، أن عبدالله بن رواحة قال لصاحب له: تعال حتى نؤمن ساعة، قال: أو لسنا بمؤمنين ؟ قال: بلى ولكنا نذكر الله فنزداد إيمانا.
 
وقد روى الحافظ أبو القاسم اللكى (2) من حديث أبى اليمان، عن صفوان بن سليم، عن شريح بن عبيد، أن عبدالله بن رواحة كان يأخذ بيد الرجل من أصحابه
صفحة 6
شئ ريحا كأن ريحهم المراحيض، قلت: من هؤلاء ؟ قالا: هؤلاء الزانون.
 
والزوانى.
 
ثم انطلقا بى فإذا بنساء ينهش ثديهن الحيات، فقلت: ما بال هؤلاء ؟ قالا: هؤلاء اللاتى يمنعن أولادهن ألبانهن.
 
ثم انطلقا بى فإذا بغلمان يلعبون بين بحرين قلت: من هؤلاء ؟ قالا: هؤلاء ذرارى المؤمنين.
 
ثم أشرفا بى شرفا فإذا بنفر ثلاثة يشربون من خمر لهم فقلت: من هؤلاء ؟ قالا: هذا جعفر بن أبى طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة.
 
ثم أشرفا بى شرفا آخر فإذا أنا بنفر ثلاثة، فقلت: من هؤلاء ؟ قالا: هذا إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام وهم ينتظرونك.
 
فصل فيما قيل من الاشعار في غزوة مؤتة قال ابن إسحاق: وكان مما بكى به أصحاب مؤتة قول حسان: تأوبنى ليل بيثرب أعسر * وهم إذا ما نوم الناس مسهر
 
لذكرى حبيب هيجت لى عبرة * سفوحا وأسباب البكاء التذكر بلى إن فقدان الحبيب بلية * وكم من كريم يبتلى ثم يصبر رأيت خيار المسلمين تواردوا * شعوبا وخلفا بعدهم يتأخر فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا (1) * بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر وزيد وعبد الله حين تتابعوا (1) * جميعا وأسباب المنية تخطر غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم * إلى الموت ميمون النقيبة أزهر أغر كضوء البدر من آل هاشم * أبى إذا سيم الظلامة مجسر فطاعن حتى مال غير مؤسد * بمعترك فيه القنا متكسر
صفحة 7
فصار مع المستشهدين ثوابه * جنان وملتف الحدائق أخضر وكنا نرى في جعفر من محمد * وفاء وأمرا حازما حين يأمر وما زال في الاسلام من آل هاشم * دعائم عز لا يزلن ومفخر هم جبل الاسلام والناس حولهم * رضام (1) إلى طود يروق ويبهر (2) بهاليل منهم جعفر وابن أمه * على ومنهم أحمد المتخير وحمزة والعباس منهم ومنهم * عقيل وماء العود من حيث يعصر بهم تفرج اللاواء في كل مأزق * عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر (3) هم أولياء الله أنزل حكمه * عليهم وفيهم ذا الكتاب المطهر وقال كعب بن مالك رضى الله عنه: نام العيون ودمع عينك يهمل * سحا كما وكف الطباب المخضل (4) في ليلة وردت على همومها * طورا أحن وتارة أتململ واعتادني حزن فبت كأننى * ببنات نعش والسماك (5) موكل
 
وكأنما بين الجوانح والحشا * مما تأوبنى شهاب مدخل وجدا على النفر الذين تتابعوا * يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا صلى الاله عليهم من فتية * وسقى عظامهم الغمام المسبل صبروا بمؤتة للاله نفوسهم * حذر الردى ومخافة أن ينكلوا فمضوا أمام المسلمين كأنهم * فنق عليهن الحديد المرفل (6) إذ يهتدون بجعفر ولوائه * قدام أولهم فنعم الاول
صفحة 8
حتى تفرجت الصفوف وجعفر * حيث التقى وعث الصفوف مجدل (1) فتغير القمر المنير لفقده * والشمس قد كسفت وكادت تأفل قرم علا بنيانه من هاشم * فرعا أشم وسؤددا ما ينقل قوم بهم عصم الاله عباده * وعليهم نزل الكتاب المنزل فضلوا المعاشر عزة وتكرما * وتغمدت أحلامهم من يجهل لا يطلقون إلى السفاه حباهم * ويرى خطيبهم بحق يفصل (2) بيض الوجوه ترى بطون أكفهم * تندى إذا اعتذر الزمان الممحل وبهديهم رضى الاله لخلقه * وبحدهم نصر النبي المرسل
صفحة 9
بسم الله الرحمن الرحيم
 
كتاب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الآفاق وكتبه إليهم يدعوهم إلى الله عزوجل وإلى الدخول في دين الاسلام ذكر الواقدي أن ذلك كان في آخر سنة ست في ذى الحجة بعد عمرة الحديبية، وذكر البيهقى هذا الفصل في هذا الموضع بعد غزوة مؤتة.
 
والله أعلم.
 
ولا خلاف بينهم أن بدء ذلك كان قبل فتح مكة وبعد الحديبية، لقول أبى سفيان لهرقل حين سأله: هل يغدر ؟ فقال: لا، ونحن منه في مدة لا ندرى ما هو صانع فيها.
 
وفى لفظ البخاري: وذلك في المدة التى ماد فيها أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
وقال محمد بن إسحاق: كان ذلك ما بين الحديبية ووفاته عليه السلام.
 
ونحن نذكر ذلك هاهنا وإن كان قول الواقدي محتملا.
 
والله أعلم.
 
وقد روى مسلم عن يوسف بن حماد المعنى، عن عبدالاعلى، عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب قبل مؤتة إلى كسرى وقيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله عزوجل، وليس بالنجاشى الذى صلى عليه.
 
وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، حدثنى الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن عبدالله بن عباس، حدثنى أبو سفيان من فيه إلى في قال:
 
كنا قوما تجارا، وكانت الحرب قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا، فلما كانت الهدنة - هدنة الحديبية - بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لم (1) نأمن إن وجدنا أمنا، فخرجت تاجرا إلى الشام مع رهط من قريش، فوالله ما علمت بمكة امرأة ولا رجلا إلا وقد حملني بضاعة، وكان وجه متجرنا من الشام غزة من أرض فلسطين.
 
فخرجنا حتى قدمناها وذلك حين ظهر قيصر صاحب الروم على من كان في بلاده من الفرس فأخرجهم منها، ورد عليه صليبه الاعظم وقد كان استلبوه إياه، فلما أن بلغه ذلك وقد كان منزله بحمص من الشام فخرج منها يمشى متشكرا إلى بيت المقدس ليصلى فيه تبسط له البسط ويطرح عليها الرياحين، حتى انتهى إلى إيلياء فصلى بها.
 
فأصبح ذات غداة وهو مهموم يقلب طرفه إلى السماء، فقالت [ له ] (2) بطارقته: أيها الملك لقد أصبحت مهموما ؟ فقال: أجل.
 
فقالوا: وما ذاك ؟ فقال: أريت في هذه الليلة أن ملك الختان ظاهر، فقالوا: والله ما نعلم أمة من الامم تختتن إلا اليهود وهم تحت يديك وفى سلطانك فإن كان قد وقع [ ذلك ] (3) في نفسك منهم فابعث في مملكتك كلها فلا يبقى يهودى إلا ضربت عنقه، فتستريح من هذا الهم.
 
فإنهم في ذلك من رأيهم يديرونه بينهم إذ أتاهم رسول صاحب بصرى برجل من العرب قد وقع إليهم، فقال: أيها الملك إن هذا الرجل من العرب من أهل الشاء والابل يحدثك عن حدث كان ببلاده فاسأله عنه.
 
فلما انتهى إليه قال لترجمانه: سله ما هذا الخبر الذى كان في بلاده ؟ فسأله فقال: هو رجل من العرب من قريش خرج يزعم أنه نبى وقد اتبعه أقوام وخالفه آخرون، وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن، فخرجت من بلادي وهم على ذلك.
صفحة 10
فلما أخبره الخبر قال: جردوه.
 
فإذا هو مختتن فقال: هذا والله الذى قد أريت لا ما تقولون، أعطه ثوبه، انطلق لشأنك.
 
ثم إنه دعا صاحب شرطته فقال له: قلب لى الشام ظهرا لبطن حتى تأتى برجل من قوم هذا أسأله (1) عن شأنه.
 
* * * قال أبو سفيان: فوالله إنى وأصحابي لبغزة إذ هجم علينا فسألنا: ممن أنتم ؟ فأخبرناه، فساقنا إليه جميعا.
 
فلما انتهينا إليه قال أبو سفيان: فوالله ما رأيت من رجل قط أزعم أنه كان أدهى من ذلك الاغلف - يريد هرقل - قال: فلما انتهينا إليه قال: أيكم أمس به رحما ؟ فقلت: أنا.
 
قال: أدنوه منى.
 
قال: فأجلسني بين يديه ثم أمر أصحابي فأجلسهم خلفي وقال: إن كذب فردوا عليه، قال أبو سفيان: فلقد عرفت أنى لو كذبت ما ردوا على، ولكني كنت امرءا سيدا أتكرم وأستحي من الكذب، وعرفت أن أدنى ما يكون في ذلك أن يرووه عنى ثم يتحدثوا به عنى بمكة، فلم أكذبه.
 
فقال: أخبرني عن هذا الرجل الذى خرج فيكم.
 
فزهدت له شأنه وصغرت له أمره [ فوالله ما التفت إلى ذلك منى وقال لى: أخبرني عما أسألك عنه من أمره (2) ] فقلت: سلنى عما بدا لك.
 
فقال: كيف نسبه فيكم ؟ فقلت: محضا من أوسطنا نسبا.
 
قال: فأخبرني، هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله فهو يتشبه به ؟ فقلت: لا.