صفحة 1
ذكر من كان آخر الناس به عهدا عليه الصلاة والسلام قال الامام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبى، عن ابن إسحاق، حدثنى أبى إسحاق ابن يسار، عن مقسم أبى القاسم مولى عبدالله بن الحارث بن نوفل، عن مولاه عبدالله بن الحارث، قال: اعتمرت مع على في زمان عمر أو زمان عثمان، فنزل على أخته أم هانئ بنت أبى طالب، فلما فرغ من عمرته رجع فسكبت له غسلا فاغتسل.
فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق فقالوا: يا أبا حسن جئناك نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا عنه.
قال: أظن المغيرة بن شعبة يحدثكم أنه كان أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: أجل.
عن ذلك جئنا نسألك.
قال: أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم قثم بن عباس.
تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقد رواه يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق به مثله سواء، إلا أنه قال قبله عن ابن إسحاق قال: وكان المغيرة بن شعبة يقول: أخذت خاتمي فألقيته في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت حين خرج القوم: إن خاتمي قد سقط في القبر.
وإنما طرحته عمدا لامس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون آخر الناس عهدا به.
قال ابن إسحاق: فحدثني والدى إسحاق بن يسار، عن مقسم، عن مولاه عبدالله بن الحارث، قال: اعتمرت مع على.
فذكر ما تقدم.
وهذا الذى ذكر عن المغيرة بن شعبة لا يقتضى أنه حصل له ما أمله، فإنه قد يكون على رضى الله عنه لم يمكنه من النزول في القبر بل أمر غيره فناوله أياه، وعلى ما تقدم يكون الذى أمره بمناولته له قثم بن عباس.
وقد قال الواقدي: حدثنى عبدالرحمن بن أبى الزناد، عن أبيه، عن عبيدالله بن
عبدالله بن عتبة، قال: ألقى المغيرة بن شعبة خاتمه في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال على: إنما ألقيته لتقول: نزلت في قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
فنزل فأعطاه.
أو أمر رجلا فأعطاه.
وقد قال الامام أحمد حدثنا بهز وأبو كامل، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبى عمران الجونى، عن أبى عسيب أو أبى عسيم قال بهز: إنه شهد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: كيف نصلى، قال: ادخلوا أرسالا أرسالا، فكانوا يدخلون من هذا الباب فيصلون عليه ثم يخرجون من الباب الآخر.
صفحة 2
قال: فلما وضع في لحده قال المغيرة: قد بقى من رجليه شئ لم تصلحوه.
قالوا: فادخل فأصلحه.
فدخل وأدخل يده فمس قدميه عليه السلام.
فقال: أهيلوا على التراب.
فأهالوا عليه حتى بلغ إلى أنصاف ساقيه، ثم خرج فكان يقول: أنا أحدثكم عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم ! متى وقع دفنه عليه الصلاة والسلام وقال يونس عن ابن إسحاق: حدثتني فاطمة بنت محمد امرأة عبدالله بن أبى بكر وأدخلني عليها حتى سمعته (1) منها، عن عمرة، عن عائشة، أنها قالت: ما علمنا بدفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحى في جوف ليلة الاربعاء.
وقال الواقدي: حدثنا ابن أبى سبرة، عن الحليس بن هشام، عن عبدالله بن وهب، عن أم سلمة، قالت: بينا نحن مجتمعون نبكى لم ننم ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيوتنا
ونحن نتسلى برؤيته على السرير، إذ سمعنا صوت الكرازين (2) في السحر.
قالت أم سلمة: فصحنا وصاح أهل المسجد، فارتجت المدينة صيحة واحدة، وأذن بلال بالفجر، فلما ذكر
صفحة 3
النبي صلى الله عليه وسلم بكى وانتحب، فزادنا حزنا وعالج الناس الدخول إلى قبره فغلق دونهم، فيالها من مصيبة ما أصبنا بعدها بمصيبة إلا هانت إذا ذكرنا مصيبتنا به صلى الله عليه وسلم.
وقد روى الامام أحمد من حديث محمد بن إسحاق، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى يوم الاثنين ودفن ليلة الاربعاء.
وقد تقدم مثله في غير ما حديث.
وهو الذى نص عليه غير واحد من الائمة سلفا وخلفا ; منهم سليمان بن طرخان التيمى، وجعفر بن محمد الصادق، وابن إسحاق، وموسى ابن عقبة وغيرهم.
وقد روى يعقوب بن سفيان، عن عبدالحميد، عن بكار، عن محمد بن شعيب، عن الاوزاعي أنه قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين قبل أن ينتصف النهار، ودفن يوم الثلاثاء.
وهكذا روى الامام أحمد عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات في الضحى يوم الاثنين ودفن من الغد في الضحى.
* * * وقال يعقوب: حدثنا سفيان، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا سفيان، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه و [ عن ] (1) ابن جريج، عن أبى جعفر، أن رسول الله توفى يوم
الاثنين، فلبث ذلك اليوم وتلك الليلة ويوم الثلاثاء إلى آخر النهار.
فهو قول غريب، والمشهور عن الجمهور ما أسلفناه من أنه عليه السلام توفى يوم الاثنين، ودفن ليلة الاربعاء.
صفحة 4
ومن الاقوال الغريبة في هذا أيضا ما رواه يعقوب بن سفيان عن عبدالحميد بن بكار، عن محمد بن شعيب، عن أبى النعمان، عن مكحول، قال: ولد رسول الله يوم الاثنين، وأوحى إليه يوم الاثنين، وهاجر يوم الاثنين، وتوفى يوم الاثنين لثنتين وستين سنة ونصف، ومكث ثلاثة أيام لا يدفن، يدخل عليه الناس أرسالا أرسالا يصلون لا يصفون ولا يؤمهم عليه أحد.
فقوله: إنه مكث ثلاثة أيام لا يدفن.
غريب، والصحيح أنه مكث بقية يوم الاثنين ويوم الثلاثاء بكماله، ودفن ليلة الاربعاء كما قدمنا.
والله أعلم.
وضده ما رواه سيف، عن هشام، عن أبيه، قال: توفى رسول الله يوم الاثنين.
[ وغسل يوم الاثنين ] (1) ودفن ليلة الثلاثاء.
قال سيف: وحدثنا يحيى بن سعيد مرة بجميعه عن عائشة به.
وهذا غريب جدا.
وقال الواقدي: حدثنا عبدالله بن جعفر، عن ابن أبى عون، عن أبى عتيق، عن جابر بن عبدالله، قال: رش على قبر النبي صلى الله عليه وسلم الماء رشا، وكان الذى رشه بلال بن رباح بقربة، بدأ من قبل رأسه من شقه الايمن حتى انتهى إلى رجليه، ثم ضرب بالماء إلى الجدار لم يقدر على أن يدور من الجدار.
وقال سعيد بن منصور، عن الدراوردى عن يزيد بن عبدالله بن أبى يمن، عن أم سلمة، قالت: توفى رسول الله يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء.
وقال ابن خزيمة: حدثنا مسلم بن حماد، عن أبيه، عن عبدالله بن عمر، عن كريب، عن ابن عباس، قال: توفى رسول الله يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء.
وقال الواقدي: حدثنى أبى بن عياش بن سهل بن سعد، عن أبيه، قال: توفى رسول الله
صفحة 5
صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ودفن ليلة الثلاثاء.
وقال أبو بكر بن أبى الدنيا عن محمد بن سعد: توفى رسول الله يوم الاثنين لثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الاول، ودفن يوم الثلاثاء.
وقال عبدالله بن محمد بن أبى الدنيا: حدثنا الحسن بن إسرائيل أبو محمد النهرتيرى (1)، حدثنا عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن أبى خالد، سمعت عبدالله بن أبى أوفى يقول: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ; فلم يدفن إلا يوم الثلاثاء.
وهكذا قال سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبدالرحمن، وأبو جعفر الباقر.
فصل في صفة قبره عليه الصلاة والسلام قد علم بالتواتر أنه عليه الصلاة والسلام دفن في حجرة عائشة التى كانت تختص بها شرقي مسجده في الزاوية الغربية القبليه من الحجرة.
ثم دفن بعده فيها أبو بكر ثم عمر رضى الله عنهما.
وقد قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن سفيان التمار، أنه حدثه أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما (2).
تفرد به البخاري.
وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن أبى فديك، أخبرني عمرو بن عثمان بن هانئ، عن القاسم، قال: دخلت على عائشة وقلت لها: يا أمه اكشفي لى عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه.
فكشفت لى عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا
لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء النبي صلى الله عليه وسلم.
أبو بكر رضى الله عنه عمر رضى الله عنه
صفحة 6
[ تفرد به أبو داود ] (1).
وقد رواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن أبى فديك، عن عمرو بن عثمان، عن القاسم، قال فرأيت النبي عليه السلام مقدما، وأبو بكر رأسه بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، وعمر رأسه عند رجل النبي صلى الله عليه وسلم.
قال البيهقى: وهذه الرواية تدل على أن قبورهم مسطحة لان الحصباء لا تثبت إلا على المسطح.
وهذا عجيب من البيهقى رحمه الله، فإنه ليس في الرواية ذكر الحصباء بالكلية، وبتقدير ذلك فيمكن أن يكون مسنما وعليه الحصباء مغروزة بالطين ونحوه.
وقد روى الواقدي عن الدراوردى، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: جعل قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسطحا.
وقال البخاري: حدثنا فروة بن أبى المغراء، حدثنا على بن مسهر، عن هشام، عن عروة، عن أبيه، قال: لما سقط عليهم الحائط في زمان الوليد بن عبدالملك أخذوا في بنائه فبدت لهم قدم ففزعوا فظنوا أنها قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فما وجد واحد يعلم ذلك حتى قال لهم عروة: لا والله ماهى قدم النبي صلى الله عليه وسلم ; ما هي إلا قدم عمر.
وعن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أنها أوصت عبدالله بن الزبير: لا تدفني معهم وادفني مع صواحبي بالبقيع، لا أزكى به أبدا.
قلت: كان الوليد بن عبدالملك حين ولى الامارة في سنة ست وثمانين قد شرع
في بناء جامع دمشق وكتب إلى نائبه بالمدينة ابن عمه عمر بن عبد العزيز أن يوسع في مسجد المدينة، فوسعه حتى من ناحية الشرق (2) فدخلت الحجرة النبوية فيه.
وقد روى الحافظ ابن عساكر بسنده عن زاذان مولى الفرافصة، وهو الذى بنى المسجد النبوى أيام [ ولاية ] عمر بن عبد العزيز على المدينة، فذكر عن سالم بن عبدالله نحو ما ذكره البخاري، وحكى صفة القبور كما رواه أبو داود.
صفحة 7
ذكر ما أصاب المسلمين من المصيبة العظيمة بوفاته عليه الصلاة والسلام قال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا ثابت، عن أنس، قال: لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب.
فقالت فاطمة: واكرب أبتاه.
فقال لها: " ليس على أبيك كرب بعد اليوم ".
فلما مات قالت: وأبتاه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه.
فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب ؟ ! تفرد به البخاري رحمه الله.
وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا ثابت البنانى، قال أنس: فلما دفن النبي صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة: يا أنس أطابت أنفسكم أن دفنتم رسول الله صلى الله عليه وسلم في التراب ورجعتم ؟ وهكذا رواه ابن ماجه مختصرا من حديث حماد بن زيد به.
وعنده قال حماد: فكان ثابت إذا حدث بهذا الحديث بكى حتى تختلف أضلاعه.
وهذا لا يعد نياحة بل هو من باب ذكر فضائله الحق عليه أفضل الصلاة والسلام،
وإنما قلنا هذا لان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النياحة.
وقد روى الامام أحمد والنسائي من حديث شعبة، سمعت قتادة، سمعت مطرفا يحدث عن حكيم بن قيس بن عاصم، عن أبيه - فيما أوصى به إلى بنيه - أنه قال: ولا تنوحوا على فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه.
وقد رواه إسماعيل بن إسحاق القاضى في النوادر، عن عمرو بن ميمون عن شعبة به.
ثم رواه عن على بن المدينى، عن المغيرة بن سلمة، عن الصعق بن حزن، عن القاسم بن مطيب، عن الحسن البصري، عن قيس بن عاصم به.
قال: لا تنوحوا على فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه، وقد سمعته ينهى عن النياحة.
ثم رواه عن على عن محمد بن الفضل، عن الصعق، عن القاسم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن عن عاصم به.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عقبة بن سنان، حدثنا عثمان بن عثمان، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه.
وقال الامام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا ثابت، عن أنس قال: لما كان اليوم الذى قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شئ، فلما كان اليوم الذى مات فيه أظلم منها كل شئ.
قال: وما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الايدى حتى أنكرنا قلوبنا.
وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه جميعا، عن بشر بن هلال الصواف، عن جعفر بن سليمان الضبعى به.
صفحة 8
وقال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب.
قلت.
وإسناده على شرط الصحيحين، ومحفوظ من حديث جعفر بن سليمان، وقد
أخرج له الجماعة، ورواه الناس عنه كذلك.
* * * وقد أغرب الكديمى، وهو محمد بن يونس رحمه الله في روايته له حيث قال: حدثنا أبو الوليد هشام بن عبدالملك الطيالسي، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعى، عن ثابت عن أنس، قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أظلمت المدينة حتى لم ينظر بعضنا
إلى بعض، وكان أحدنا يبسط يده فلا يراها أو لا يبصرها، وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا.
رواه البيهقى من طريقه كذلك.
وقد رواه من طريق غيره من الحفاظ عن أبى الوليد الطيالسي، كما قدمنا، وهو المحفوظ والله أعلم.
وقد روى الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر من طريق أبى حفص بن شاهين، حدثنا حسين ابن أحمد بن بسطام بالابله، حدثنا محمد بن يزيد الرؤاسى، حدثنا مسلمة ابن علقمة، عن داود بن أبى هند، عن أبى نضرة، عن أبى سعيد الخدرى، قال: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شئ، فلما كان اليوم الذى مات فيه أظلم منها كل شئ.
وقال ابن ماجه: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا عبد الوهاب ابن عطاء العجلى، عن ابن عون، عن الحسن، عن أبى بن كعب، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما وجهنا واحد، فلما قبض نظرنا هكذا وهكذا.
وقال أيضا: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامى، حدثنا خالي محمد بن إبراهيم بن المطلب بن السائب بن أبى وداعة السهمى، حدثنى موسى بن عبدالله بن أبى أمية المخزومى، حدثنى مصعب بن عبدالله، عن أم سلمة بنت أبى أمية زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أنها
قالت: كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام المصلى يصلى لم يعد بصر أحدهم موضع قدميه، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلى لم يعد بصر أحدهم موضع جبينه، فتوفى أبو بكر وكان عمر، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلى لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة، فتوفى عمر وكان عثمان وكانت الفتنة، فتلفت الناس يمينا وشمالا.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن ثابت عن أنس ; أن أم أيمن بكت لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لها ما يبكيك على النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت: إن قد علمت أن رسول الله سيموت، ولكني إنما أبكى على الوحى الذى رفع عنا.
هكذا رواه مختصرا.
صفحة 9
وقد قال البيهقى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن نعيم ومحمد بن النضر الجارودي، قالا: حدثنا الحسن بن على الخولانى (1)، حدثنا عمرو بن عاصم الكلابي، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، قال: ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم أيمن زائرا وذهبت معه، فقربت إليه شرابا.
فإما كان صائما وإما كان لا يريده فرده، فأقبلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم تضاحكه.
فقال أبو بكر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها.
فلما انتهينا إليها بكت.
فقالا لها: ما يبكيك ؟ ما عند الله خير لرسوله.
قالت: والله ما أبكى ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله، ولكن أبكى أن الوحى انقطع من السماء.
فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان.
ورواه مسلم منفردا به عن زهير بن حرب، عن عمرو بن عاصم به.
* * * وقال موسى بن عقبة في قصة وفاة رسول صلى الله عليه وسلم وخطبة أبى بكر فيها: قال: ورجع الناس حين فرغ أبو بكر من الخطبة وأم أيمن قاعدة تبكى، فقيل لها: ما يبكيك ؟ قد أكرم الله نبيه صلى الله عليه وسلم فأدخله جنته، وأراحه من نصب الدنيا.
صفحة 10
فقالت: إنما أبكى على خبر السماء كان يأتينا غضا جديدا كل يوم وليلة، فقد انقطع ورفع، فعليه أبكى.
فعجب الناس من قولها.
وقد قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: وحدثت عن أبى أسامة، وممن روى ذلك عنه إبراهيم بن سعيد الجوهرى، حدثنا أبو أسامة، حدثنى بريد بن عبدالله عن أبى بردة، عن أبى موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " إن الله إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا وسلفا يشهد لها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حى فأهلكها وهو ينظر إليها فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره ".
تفرد به مسلم إسنادا ومتنا.
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبدالمجيد بن عبد العزيز بن أبى رواد، عن سفيان، عن عبدالله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله - هو ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتى السلام ".
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتى خير لكم تعرض على أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه،
وما رأيت من شر استغفرت الله لكم ".
ثم قال البزار: لا نعرف آخره يروى عن عبدالله إلا من هذا الوجه.
قلت: وأما أوله وهو قوله عليه السلام: " إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتى السلام " فقد رواه النسائي من طرق متعددة، عن سفيان الثوري وعن الاعمش، كلاهما عن عبدالله بن السائب، عن أبيه به.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا حسين بن على الجعفي، عن عبدالرحمن بن يزيد ابن جابر، عن أبى الاشعث الصنعانى، عن أوس بن أوس، قال قال رسول الله صلى الله