eKtab
EN ع
السيرك
اقرأ عينة مجانية

السيرك

بقلم علاء حليحل

صفحة 1
الدال نقطة ابن الزانية يفتتح معرضًا فنيًا
 
الافتتاح لم يكن بالحدث الرائع. البعض القليل من المدعوين غالبيتهم الساحقة من معارفه. كلمات الافتتاح كانت طويلة ومنهكة، والنبيذ كان رخيصًا وسيء الطعم. حتى مكيف الهواء لم يعمل تلك الليلة، وخيل له أنّ تيار الكهرباء سينقطع الآن وأنّ المبنى سيقع وأنّ لوحاته ستتمزق تحت أنقاض المبنى. بل خُيل له للحظة أنه سيُبدل الابتسامة الصفراء التي رسمها على وجهه منذ بداية المساء بتقاطيع غاضبة ستحمل الحضور على الهرب طلبًا للنجاة. "معرض جميل." "شكرًا، أنتِ أجمل." وضحكا قليلا. كانت تمرّ بسبابتها على حافة كأسها البلاستيكية وتصطنع التأمل باللوحات من حولها. ما الذي تفهمينه بالفن أنت لتقولي إنّ المعرض جميل- انفجر بينه وبين نفسه. زانية مثلك لا تحسن سوى النوم على ظهرها والتوسّل لقليل من الاهتمام بعد دقيقة من الولوج والخروج. "يُخيل إليّ أنّ الألوان في هذه اللوحة حية أكثر من الأخريات"، التفتت نحوه متسائلة. "بهذه الوتيرة ستتحولين إلى ناقدة فنية فذة"، أجاب مبتسمًا. كان يودّ للسخرية أن تطغى على جملته، فأطال النظر إليها مبتسمًا. "بالفعل. أنظر إلى الأزرق هنا"، وتقدمت نحو اللوحة موضوع الحديث، "كأنك عانيتَ وأنت تخلطه وتضعه بريشتك على القماش. مذهل حقًا." "أجل"، واقترب من اللوحة من باب الأدب. "وكأنك لم تكتفِ بذلك فأضفتَ إليه الأصفر قليلا، وقليلا من الأحمر هنا."
 
مدّت يدها مُشيرة إلى طرف اللوحة بسبابتها. "عظيم"، افتعل الانفعال، "لدينا هنا ناقدة فنية جديدة"، صاح بمسرحية وتطلع نحو الحضور مبتسمًا. هي بدورها ضحكت واحمرّت وجنتاها ورشفت من كأسها قليلاً من النبيذ الرخيص. في الأيام الجيدة لا يكون مضطرًا إلى التواجد مع هذا الحشد الهائل من الأشخاص الذين يجمعهم بشكل عجيب الكثير من التملق والاحتقار المتبادل. أنور وسامية مثلا. يقفان معًا في الزاوية قرب لوحة كبيرة ويتجاذبان أطراف الحديث والضحك. لم يمضِ أسبوع على حديثه المطوّل مع أنور عن سامية وكم هي حقيرة: "لا يمكنك أن تتصوّر مدى رخصها وسخافتها"، اشتكى أنور وهو ماضٍ بسرعة إلى السّكر.
 
"ليس أنها أرادت قطع العلاقة بيننا فقط، بل أرادت مصارحتي بالصفات السلبية التي تغمرني وتطغى على حياتي.. أتصدق؟"
صفحة 2
كان يهزّ رأسه دلالة التفهّم ويصبّ له المزيد من البراندي الرخيص. أنور يخلد إلى النوم رأسًا إذا سكر- وهذه كأس أخرى. "هاي سمير.." كانت عبلة وخالد حمزة يتجهان نحوه وكانت ابتسامة المنتصر (تعرفونها) توسّع من عرض شاربيْ العريس الجديد. "أهلا، أهلا.." ابتسم وصافح الاثنين. "متى عدتما؟.." "قبل يومين"، أجابت عبلة باحتفالية وسرور، "لقد كان شهر عسل رائعًا، لا يمكنك أن تتخيل مدى روعة أمستردام في المساء.."
 
"أسمح لنفسي بالتخيل"، قال سمير مبتسمًا. "هل سافرتَ إلى اوروبا مرة؟"، سأل خالد وهو يشعل سيجارة. "أجل، أكثر من مرة. كان ذلك"- "أما ڤيينا"، قالت عبلة وكأنّ سمير وخالد لم يتحدثا مطلقا، "فهي شيء لا يُصدّق. دار الأوبرا هناك تسحر الألباب. أليس كذلك حبيبي؟"
 
شبكت ذراعها بذراع خالد الموضوعة في جيب بنطاله. "بالطبع، بالطبع.."، هزّ رأسه مبتسمًا. "سمير، سمير"، جاء صوت د. حكيم من طرف القاعة المقابل. "حالا"، أشار سمير بيده، "أعذروني." "تفضل"، أجاب خالد. في طريقه إلى الدكتور حكيم انضمت إليه "الناقدة الفنية". "لقد تزوجتْه عبلة إذًا؟" "نعم." "كيف تشعر؟" توقف عن المشي. "ماذا تقصدين؟" "يعني، الكل يعرف عن قصة حبكما." "لم يكن حبًا." "علينا؟"، قالت بدلع. "لا عليكم ولا على حدا." "إذًا ماذا كان؟" "جنسًا صافيًا"، قال وهو يتجه نحو الدكتور. حاولت "الناقدة الفنية" ألا تنظر إلى الواقفين بجانبها وهم يتطلعون باستفسار إليها بما يعني: أيّ جنس؟ كان د. حكيم يقف مع شابين وصبية يدرسون الفنّ في الجامعة. ومما سمعه سمير حين وصوله خمّن أنّ المحاضرة التي كان د. حكيم (كان يحب تسميته حين يستغيبه: الدال نقطة ابن الزانية) مُسترسلا فيها لم تكن على وشك الانتهاء. "تعال يا سمير"، قال د. حكيم وهو يمصّ غليونه بتلذذ، "الجيل الجديد بحاجة إلى سماعك." "يكفيهم أنت يا دكتور"، قال مبتسمًا. ضحك الدكتور بلذة وتوجه نحو الثلاثة: "الفن الحديث لم يُولد من فراغ. أسُسه وبراعمه الثورية ابتدأت منذ أواسط القرن السابع عشر. أتذكر يا سمير ذلك، أم أنّ ما علمتك إياه في الدروس يتبخر مع الكحول التي تشربها؟" "أبدًا، أبدًا دكتور"، قال مبتسمًا بصعوبة، "من ينسى دروسك الشيقة؟" "ها ها"، قهقه الدال نقطة (ابن الزانية) بتلذذ. في تلك الأثناء كانت "الناقدة الفنية" قد اقتربت هي الأخرى من اللمة حول الدال نقطة. لم تمضِ برهة وإذ بالدال نقطة يقطع محاضرته فجأة كالملسوع ويلوّح بيده بحرارة كقميص مُبلل على حبل في مهب الريح. "جولي.. جولي.. جولي!" كانت جولي امرأة جميلة (جميلة جدًا، لاحظ سمير بعد قليل)، في أواخر الثلاثينات من عمرها، شقراء بعض الشيء، طويلة بما فيه الكفاية لئلا تشترك في قبلة هوليوودية كلاسيكية. لاحقًا، لاحظ أنها بدينة بعض الشيء في الأماكن المخفية تحت ستراتها الطويلة أبدًا. "جولي، بحق السّماء، ماذا تفعلين هنا؟"، قال بإنجليزية تليق بشرقيّ. "دوكتور هاكيم.. يا لها من صدفة رائعة.." ردّت بإنجليزية تليق بفرنسية. إنها المرة الأولى التي يرى فيها سمير الدال نقطة يعانق امرأة، وجميلة أيضًا. يبدو المشهد مسليًا بعض الشيء: الدال نقطة ابن الزانية قصير القامة، شديد البدانة ومنتظم الشاربين، يعانق امرأة أطول منه بما لا يقل عن 20 سنتيمترًا ويحاول قدر الإمكان الوصول إلى خديها من دون مضايقتها بكرشه العملاقة. "ماذا تفعلين هنا؟.. متى جئت؟.. كيف لم تخبريني؟.. متى ستغادرين؟.. هل عرفتك على سمير؟.." "مهلا"، ضحكت جولي، "أيّ جواب تريد أولا؟" "كلهم!".. قهقَهَ الدال نقطة ابن الزانية بمرح طفوليّ صافٍ. لا يذكر سمير الدال نقطة في لحظة انتعاش كتلك. "أوه دوكتور.. أنت لا تتغير." "دعيني إذًا أعرّفك أولا على سمير الخالدي. فنان شاب ولامع.. تحفة فنية بحدّ ذاته.. تذكّري هذا الاسم جيدًا."
صفحة 3
"أونشنطيه مسيو هاليدي." "يمكنك مناداتي بسمير." "إذًا ما الذي تفعلينه هنا؟.. جئتِ تبتاعين أعمالا جديدة؟" "يمكنك قول ذلك. أنا هنا بالأساس للراحة قليلا وللهروب من المونديال أكثر. لقد رجعت البارحة من إيلات. لا تسأل كم أحببتُ الشمس هناك." "إنتظري لتري شمس حيفا"، قهقَهَ الدال نقطة. "هذه المهمة عليك"، بادلته جولي الضحك. "ما رأيكِ في الأعمال؟"، سأل الدال نقطة مشيرًا إلى حيطان المعرض، "أليست عظيمة؟..أليس سمير فنانًا قديرًا؟" "على مهلك يا دكتور"، احتجّ سمير مبتسمًا، "دع السيدة تقرّر وحدها." "سمير على حق، دعني أقرر وحدي.. من يدري فربما اشتريت المعرض كله." "سمير الخالدي، فناننا العظيم!" جاء الصوت عاليًا من جهة المدخل. كان عباس الجنوبي يهرول نحوه فاتحًا يديه والسّكر يُشعّ من عينيْه. استدار سمير إليه وفتح ذراعيه لتلقيه وإذ بعباس يقع أرضًا متلقيا ضربة قوية في وجهه. هرول سمير وآخرون إليه، وحين رفع رأسه كان الدم ينزف من منخاريه بغزارة. "يا إلهي عباس، ألا تحذر أبدًا؟" "هذا السّجاد اللعين"، قال عباس وهو يحاول القيام من دون نجاح. "على مهلك، على مهلك، إرفع رأسك للخلف... هكذا. هل يحضر أحدكم منديلا أو منشفة؟" كان جميع الحاضرين قد تجمّعوا حول عباس النازف يتطلعون من فوق أكتاف بعضهم البعض إلى وجهه.
 
"دعني قليلا"، قال عباس وأزاح يد سمير عن أنفه، "أنا بخير." "لا عليك، لا عليك"، قال سمير بعطف. "دعني أقوم، دعني أقوم، لن أفسد هذه الليلة السعيدة." شدّ سمير عباس من يديه وأعانه على الوقوف. كانت "الناقدة الفنية" قد عادت بمنشفة بيضاء، سرعان ما تحوّلت إلى حمراء بين يدي عباس. "تعال آخذك للاغتسال." عندما خرجا من القاعة باتجاه المراحيض علت الهمهمة تدريجيًا حتى تحوّلت إلى جدال صاخب سعيد تخللته، من دقيقة إلى أخرى، ضحكات وقهقهات صاخبة سرعان ما خفتت بعد إشارة من الحاضرين إلى المراحيض، بما معناه: "حذارِ، قد يسمعنا!"
 
*
 
"يسعدني أن اقف اليوم هنا وأن أفتتح المعرض الثالث لفناننا المبدع والواعد سمير الخالدي. في طريقي إلى هنا عاودتني الصّور والأشكال التي شاهدناها في المعرضين السابقين وكنت تواقا أشدّ التوق إلى الوصول إلى هنا ومشاهدة الأعمال الجديدة، وصدّقوني- لم يخب أملي. لقد أتحفنا سمير بأعماله السّابقة وهو يتحفنا الآن وسيتحفنا لاحقا بقدراته الفنية المتميّزة والتي تشكّل اليوم واحة ومرتعًا للحداثة والاختلاف والطلائعية. سمير يا سادتي الكرام يضع وسيضع أسس ومبادئ فننا التشكيلي الحديث في هذا الوطن. "ولا أخالني مبالغًا إبدًا إذا قلتُ إنّ ما يقوم به سمير الخالدي، في المتسع الضيق المتاح للفن والإبداع، سينهض حتمًا بالمسيرة الفنية المحلية وسيفتح الطريق أمام العديد من فنانينا الشباب إلى حذو حذوه وطرق طرقه. نحن اليوم بحاجة -أكثر من أيّ وقت مضى- إلى الفنّ وإلى التفكير الواعي والناضج لتجاوز أزمتنا التي نحياها، إن كان على نطاق الفرد وإن كان على نطاق المجموع. الهوية، جماعية كانت أم فردية، تتبلور وتنصقل بالتأثر الواعي من البيئة 
صفحة 4
المحيطة ومن التاريخ والذاكرة. "هذه اللوحات المعروضة اليوم تعبّر عن اختلاجات سمير وأفكاره، عن اختلاجات كل عربي في هذا الوطن. لا اعلم ما إذا انتبهتم، ولكنّ الأحمر والأخضر والأسود تطغى على الأعمال وتكون في اللاوعي الراية التي توحّدنا. وحتى لو كانت المسيرة السلمية تمرّ اليوم بأزمة كبيرة إلا أننا جميعًا واثقون من نجاحها وواثقون من أنّ الدولة العتيدة قائمة لا محالة. "يمكننا أن نختلف في الآراء وأن ننقسم إلى أحزاب كثيرة، ولكن وحدتنا -صدقوني- أقوى من كلّ الاختلافات وأرسخ من كل الجدالات. سمير اليوم يعطينا الاشارة بألوانه إلى حتمية وجودنا واستمرارنا في هذا الوطن، ويدعّم بعزم وإرادة أسس بقائنا العنيد. إسمحوا لي بأن أسمّي سمير بالمناضل. أجل، مناضل. مناضل عنيد أصيل يسخّر ريشته وألوانه لخدمة القضية وخدمة الجماهير العربية".
 
*
 
"قليل فقط، قليل آخر فقط.." كان سمير يقول وهو يمسح بقايا الدم عن وجه عباس. "دعني يا رجل، من يراك يظن أنها المرة الأولى التي أقع فيها." "إجلس هنا. استرح." واستراحا على الأرض. "أعذرني لأني تأخرت، آخ يا رأسي، دماغي ستنفجر.. طارت السكرة." "لا تقلق، سنعيدها بعد قليل." "لقد أخّرتني أميرة.. أين هي؟"، وهمّ بالوقوف. "لا تقلق، إنها في القاعة تحيي الموجودين." "لا أعرف ما الذي يشدك إلى هؤلاء الناس..." "لن نبدأ الآن!" "لا، لن نبدأ"، قال عباس ضاحكًا. مدّ يده إلى جيب السترة وأخرج علبة كبريت ولوّح بها. "صنف جيد؟"، سأل سمير. "جيد؟.. ولا في الأحلام."
 
أخرج عباس علبة سجائره وأخرج سيجارة وأفرغها من التبغ. كان سمير يرقب عباس بصمت وهو يخلط الماريحوانا بالتبغ ويعيد الخلطة إلى ورقة السيجارة ببطءٍ وبتلذذ. بعد أن صلُبَ عود السيجارة أخرج عباس "الفلتر" وسحب من علبة الدخان قطعة كرتون، دحرجها وأدخلها مكان "الفلتر". "لعيونك"، مدّ بالسيجارة إلى سمير مبتسمًا. أخرج سمير قداحته وأشعل السيجارة ثم سحب نفسيْن متتالييْن. "على كيفك"، قال لعباس وسحب نفسًا آخر. الأنفاس المتتابعة والسيجارة المتنقلة من إصبعين إلى إصبعين جعلتهما يسترخيان ويحدقان في باب المراحيض المغلق كأنهما ينتظران أحدًا سيدخل فجأة- وليس أنّ هذا 
صفحة 5
الاحتمال عكّر شيئا من صفو هدوئهما. "أميرة"، قال عباس بهدوء. كان سمير يعيد في تلك الأثناء السيجارة إلى عباس، فمرّت لحظة أو اثنتان نظر خلالهما مليًا إلى عباس مغلق العينين. لم ينتبه عباس إلى يد سمير الممدودة بالسيجارة فلمس سمير كتفه وهزّه هزة صغيرة. استدار عباس ناظرًا إلى سمير الذي سارع إلى إرجاع رأسه إلى الوراء والنظر صوب الباب. "ما بها؟" "تحيّرني كثيرًا"، أجاب قبل أن يسحب نفسًا طويلا سقطت يده اليمنى على أثره إلى الأرض. لم يستحثه سمير على الاستمرار لانشغاله بسحب الأنفاس الأخيرة من السيجارة. "تحيّرني كثيرًا"، قال عباس ملتفتا إلى سمير، "فساعة تراها فرحة سعيدة تقفز عليّ بين الحين والآخر تعضّني وتستفزني وساعات أخرى كثيرة تقضيها أمام التلفاز صامتة باردة كأنّ ثورًا مثلي لا يشاطرها الغرفة.. أتفهم ما أعني؟" "أجل أفهم، أعتقد"- "وليس هذا فقط. لقد أصبحت أسئلتها عن الزواج مربكة حقا. فمرة تسألني عن المتجر الذي سنشتري منه البدل ومرة تفقعني محاضرة طويلة عن اللاجدوى الكامنة في صلب أكثر مشاريع الإنسانية فشلا على الاطلاق: الزواج." "أعتقد أنّ ذلك"- "هل ملّتني؟"، قال عباس ناظرًا إلى سمير بحزن. كان كمن يستجدي الكلمة "لا" منه. سمير لم يجبه. "هل تعتقد أنها لم تعد تحبّني، ربما لأنّ وزني زاد بعض الشيء؟" نظر الاثنان رأسًا إلى بطن عباس. كانت بوادر كرش قد برزت من تحت القميص. "لا أعتقد ذلك"، همهَمَ سمير، "على كل لا تبدو لي سمينا بالمرة." نظر عباس مرة أخرى إلى كرشه الصغيرة. أعاد رأسه إلى الوراء ساندًا إياه إلى الحائط. سحب نفسًا لذع شفتيه وحمله على السّعال بشدّة. احتقن وجهه وجحظت عيناه واحمرّتا. مرّت فترة حتى استعاد تنفسّه الطبيعيّ وضرب على رجل سمير بشدّة، كعادته الأزلية. "ألن تعود إلى ضيوفك؟"، سأل عباس وهو يلقي ببقايا السيجارة إلى المغسلة. كان الاثنان جالسيْن على البلاط البارد يسندان ظهريهما إلى الحائط ويبتسمان. "ضيوفي؟.. أنت ضيفي العزيز"، وخبط رجل عباس بيده. ضحكا بصوتٍ عالٍ. "لو أنك سمعت الدال نقطة ابن الزانية الذي افتتح معرضي.. لقد تحدّث عني كمناضل، أسمعت؟.. سمير مناضل!" وانفجر ضاحكًا. قام عباس بصعوبة، وقف متّزنا ما استطاع ثم رفع يده اليمنى إلى جبينه وصاح: "سلام مربّع لقائد الثورة العربية." قام سمير بصعوبة، وقف قبالة عباس وقال وهو يكتم ضحكته بصعوبة، رافعًا يده اليمنى إلى جبينه: "سلام مربّع!" "أميرة، أنظري، لقد جُنّ الاثنان"، قالت سلمى علي وأشارت نحو عباس وسمير. كان عباس يتقدم سمير وكلاهما يمثلان جنديًا يحمل بارودة ويخبط رجليه في الأرض بشدة؛ كانا يضحكان كمن راحا في غيبوبة...
صفحة 6
غريغوري يختفي و"الناقدة الفنية" تغضب
 
الباب يُطرق بشدّة وإصرار. انقلب سمير على جانبه الآخر وحاول أن ينام ثانية. الباب يُطرق بشدّة. فتح عينيْه وجفل للحظة. كانت "الناقدة الفنية" نائمة بجانبه عارية من دون غطاء. رفع الغطاء عنه قليلا. هو أيضًا عارٍ. أعاد رأسه إلى الوسادة وحاول أن يتذكّر الليلة الماضية. عباس، دم، ماريحوانا... لم يمهله الطرق على الباب الهدوء الكافي ليسترجع الأحداث فانقلب على جانبه الآخر وغطى رأسه بالوسادة. "ألن تفتح؟"، سألت "الناقدة الفنية" بصوت أجشّ. لم يردّ. الطرق لم تخفت شدته ولم تخفّ وتيرته. قام متثاقلا وارتدى بنطاله الملطخ ببقع دم متناثرة واتّجه نحو الباب. رنّ الهاتف. توقّف في منتصف الطريق بين الباب والهاتف. عظيم، بشّر نفسه وأسرع نحو الباب. كانت ليليان، جارته الروسية من الشقة المقابلة. أبقى الباب مفتوحًا وأشار إليها بيده علامة الدخول وهو يتجه نحو الهاتف. "آلو.. نعم.. أهلا.. شكرًا.. لا بالطبع، عذرك معك.. لكلّ واحد ظروفه... بالطبع، بالطبع... كان جيدًا، تعرف... كالعادة... شكرًا.. لا شكّ.. لا أدري، ما زال الوقت مبكرًا.. كم الساعة؟.. يا إلهي، لقد ولى النهار." كانت الجارة قد جلست قبالته. كانت تنظر إلى بنطاله الملطخ بالدم تارة وتارة إلى صدره المعشوشب بالشعر. شعر كهذا لم ترَ في روسيا. "اتفقنا... أكيد، إلى اللقاء.. باي باي." وضع السماعة وفرك وجهه بيديه ببطء وكسل وودّ لو بقي هكذا ساعة. "أهلا، كيف الحال؟"، قال بالعبرية، "أعذريني فأنا استيقظتُ للتوّ." "غريغوري لم يعد إلى البيت منذ أسبوع"، قالت ليليان بحزن. "أسبوع؟.. هذا سيء." إقترب وجلس قبالتها. انتبه إلى أن سحّاب بنطاله مفتوح فسارع إلى إغلاقه، ولمداراة حرجه سارع إلى السؤال: "هل غضب من شيء؟.. ربما تشاجر مع أولغا." "لست أدري." "هل اتصلتم بالشرطة؟" "لا." "لِمَ لا؟"، قال بلهجة غاضبة بعض الشيء. ارتبكت ليليان بعض الشيء وتمتمت ثم قالت: "لست أدري. أولغا لم تكلّف نفسها عناء ذلك وقالت إنّ غيابه أفضل من وجوده، لها وللأولاد، وإنني إذا أردت البحث عنه وإعادته فالأفضل أن أترك البيت أنا أيضًا لأنها ليست مجبرة على إسكان أخت النغل في بيتها أيضًا." "هذا فظيع"، قال سمير وأطرق للحظات. "هل تودين شرب القهوة؟" "لا، شكرًا." "أعذريني ولكني أودّ إعداد القهوة لي، سأعود سريعًا"، وهمّ بالقيام. "لا بأس، سأعود لاحقًا"، وقامت بسرعة. "لا، لا، لم أقصد. يمكنك البقاء، إنما أنا استيقظت الآن." كانت ليليان في تلك الأثناء قد توجهت إلى الباب وخرجت. تبعها سمير ببطء. كان يسمع وقع أقدامها وهي تنزل الدرج راكضة حتى خفت الصوت ثم اختفى. أغلق الباب واتجه نحو المطبخ. وضع الماء في غلايته الزرقاء، بحث عن الكبريتة لثوانٍ ثم أشعل النار ووضع الغلاية فوقها وجلس إلى الطاولة المكدّسة بالأوراق والفناجين المُتسخة. "ما الامر؟" انتفض مذعورًا ثم عاود الجلوس رأسًا عندما رأى "الناقدة الفنية" تقف في باب المطبخ وقد ارتدت قميصه. 
صفحة 7
"هل أفزعتك؟"... اقتربت منه وجلست إلى الطاولة قبالته. "نعم." "متأسفة." "لا بأس، أنا معتاد على هذا." صمتٌ. كانت "الناقدة الفنية" تفكر في سؤاله عن الصبية ولكنها خشيت من جوابٍ جافّ. كان هو يفكر بأن يسألها عن حيثيات وجودها في فراشه عارية ولكنه خشي من غضبها لأنه لا يتذكر ذلك. الماء يغلي. قام ووضع الغلاية على الرخام المهترئ وأنزل علبتيْ السّكر والقهوة وانغمس في صنع القهوة. رنّ الهاتف. "ليس الآن"، قال متذمرًا. "لا عليك، إذهب أنت، أنا سأكمل صنعها." "شكرًا." هرول إلى الصالة. "آلو... أهلا عباس، أين أنت؟.. لماذا في الجريدة، ما الساعة؟... نعم، تذكرتُ أنّ الساعة الثالثة... ماذا؟.. لا أبدًا، ماذا حصل؟.. لا أدري... إهدأ أنت ولا تتسرع بتخيلاتك هذه.. ربما نامت عند صديقة لها... ما المانع يا أخي، ألم تنم أنت عندي مئات المرات؟ ماذا؟ آه، الآن تقول لي، ولِمَ تشاجرتما؟... ماذا؟ لا أصدق! أنا لا أفهمكما أبدًا.. إعمل ريجيم يا أخي إذا كانت بدايات سمنتك تضايقها... حسنا، إسمع، سآتي إليك إلى الجريدة، ساعة على الأكثر. حسنًا.. باي." كان سمير معتادًا على هذه المواقف. بين الحين والآخر يتحوّل إلى "جاهة صلح" للزوج الأكثر إشكالية على الإطلاق، لكنه لم يكن معتادًا على زيارة عباس في الجريدة، وعباس لم يطلب منه ذلك إلا نادرًا، وهذه المرة الأولى التي يطلب فيها عباس ذلك يوم الخميس، يوم إغلاق الملحق. فعباس لا يملك الوقت "ليحكّ رأسه". "مشاكل؟"، كانت "الناقدة الفنية" تحمل صينية القهوة. "آه"، تنهّد جامعًا رأسه بيديه وانكبّ على الكنبة. "ما به عباس؟" "لا شيء، مجرد سوء تفاهم مع أميرة، لم يدرِ أين نامت الليلة." "فهمت." صبّت القهوة في الفنجانين الكبيرين. ارتشف كل منهما القهوة بهدوء وكلٌ ساهِم في الأرض. بعد دقيقتين أو ثلاث: "ما رأيك فيما حصل؟" "لا أدري. مشاكلهما كثرت في الآونة الأخيرة." "لم أقصد ذلك.. إنما ما حصل بيني وبينك"- وأطرقتْ خجلاً. "أيه.. في الحقيقة..." "أيخجلك الحديث عن ذلك؟" "بعض الشيء." "لم تبدُ لي خجولا أبدًا ليلة أمس"، وأطرقتْ خجلاً ثانية. "فهمتُ"، قال كالهمس. "لم أعتقد أنّ الأمور قد تصل بيننا إلى هذا الحد." إنفجر سمير ضاحكًا كالأبله. بالرغم من المفاجأة التي سيطرت على "الناقدة الفنية" والذهول الذي اعترى وجهها، استمرّ في الضحك واشتدّ حتى تحوّل إلى قهقهة وقحة. "لا.. لا.. لا تفهميني خطأ.."، أخرج الكلمات بصعوبة بالغة وهو يلوّح بيديه نافيًا. "أفهم ماذا؟" كانت عيناه قد دمعتا واسترخى في الكنبة حتى التشنج. لم يسمع السّؤال وربما سمعه. ولكنه لم يستطع الإجابة على أية حال. قامت هي ودارت حول الكنبة ثم توجّهت إلى غرفة النوم وعادت وقد ارتدت ملابسها وربطت شعرها بسرعة، وهو ما زال مستغرقا في الضحك. "لقد.. لقد.. لقد تذكرتُ"... كان يخرج الكلمات بصعوبة بالغة. لم تحتمل هي المزيد فاتجهت نحو الباب وفتحته. انتظرت قليلا وهي تنظر إليه تلك النظرة التي تعني: أتسكت أم أذهب؟! ذهبتْ. طرقتِ الباب بشدة. استمرّ هو في الضحك حتى أنهك تمامًا وآلمته خاصرتاه وفكّاه فصبّ لنفسه المزيد من القهوة وقام يبحث عن نظارته وسجائره. في طريقه من الغرفة إلى الصالة شغّل سخان الماء ومرّر كفه على ذقنه أمام المرآة، توجّه إلى الباب، فتحه ونزل الدرج إلى مدخل البناية، أخذ الجريدة وعاد إلى شقته واقتعد الكرسي في الشرفة وفتح الجريدة ليقرأها. بعد دقائق رنّ الهاتف. "آلو.. أهلا.. أين أنتِ بحقّ السّماء، أين اختفيت؟ ماذا؟.. لقد اتصل بي قبل قليل غاضبًا وخائفًا.. سأذهب إليه بعد أن أستحمّ.. هو في الجريدة الآن.. أرجوك أميرة بحقّ السماء، ماذا لو زاد وزنه قليلا؟.. إذًا قولي له بصراحة إنك مللتِ الحياة معه، أنتما ستتزوّجان قريبًا كما تعلمين، فلا داعي.. أعلم ذلك.. أعلم.. طيب وما دخلي أنا؟.. ماذا؟.. لا أعلم كيف تورّطنا بهذا، لا تبكي الآن.. لا لا لا تأتي الآن، عليّ أن أذهب إليه.. أفضل ما تفعلينه الآن الاتصال به... لحظة، إسمعيني.. هذه صبيانية لا داعيَ لها... اتصلي به وطمئنيه وسأذهب إليه بعد أن أستـ.. لا إصنعي لي معروفا، لا يمكنك أن تأتي.. آه يا الهي كيف استنتجتِ أنني أكرهك الآن؟.. بالطبع وإلا لما كنتُ معكِ.. أعلم أن علاقتنا مُتعِبة ولكن ما الذي يمكننا عمله؟.. وعباس؟.. لا مستحيل! ليست المسألة مسألة تضحية، لستُ دون كيشوت وليست هناك حاجة لأن أكون دون... وليس هذا جبنًا.. أنتِ عصبية الآن، إهدئي وسنتكلم هذا المساء.. يمكنك المجيء هذا المساء.. نعم، عباس يعمل حتى منتصف الليل، اليوم دوريته في المناوبة ويوم إغلاق الملاحق.. ماذا؟.. أحمر، لا، أحمر.. تكفي قنينتان.. باي.. وأنا أيضًا." اتجه إلى الحمام ووضع صابون الحلاقة على وجهه، وأخذ يمرّر السكين عليه بحذر. طُرق الباب. "أهلا ليليان، أين ذهبت؟" "أولغا تصرّ على طردي إذا بلّغت الشرطة." "لا عليك، تعالي أدخلي لنفكّر قليلا." "لا، ليس لديّ الوقت الكافي، عليّ الذهاب إلى الكلية الآن." "حسنا، تعالي عندما تعودين وسنتدبّر الأمر." "شكرًا، باي." عاد إلى الحمام وأخذ يكمل حلاقة ذقنه. أين اختفى غريغوري بحقّ السماء، فكّر وهو يدقّق في إزالة الشعر من تحت أنفه. هل ملّ وقرر الهروب أو الرجوع إلى روسيا؟ لماذا أحضروهم إلى هنا وقذفوا بهم إلى هذه الدنيا الزانية؟.. أين المنشفة؟..
صفحة 8
عباس لن يصير فدائيا
 
حتى رائحة الكحول الحادة المنبعثة من فيه دومًا لم تكن لتمنعه من التمتع برائحة الشتاء الرطب المنبعثة من صفو صحو بعد منتصف ليلة ماطرة. الوقت: الواحدة بعد منتصف الليل في حيفا. أية ليلة. وعباس الجنوبيّ يصنع طريقه متكّئًا على سمير نحو شقته، عائديْن من بارهما المفضل. كان عباس أكثر ما يحبّه في تلك اللحظات الغناء. والغناء في تلك الظروف كان عبارة عن صراخ بشع يجمع بين جُمل وألحان عديدة جمعَها دماغ عباس المتعطل في وصلة واحدة طويلة كانت تصمّ آذان سمير. آل الجنوبي لم يأتوا من الجنوب كما يليق باسمهم، لا من جنوب البلاد ولا من جنوب الكون. جاءوا -كما اعتاد مصباح الجنوبي السّرد على مسامع حفيده عباس- من البحر. أين من البحر، لا أحد يدري. ولا أحد يدري أيضًا الوجهة التي قدموا منها. ولكنهم جاءوا. قبل الرحيل الكبير بقليل. استوطنوا الجبال وعمّروها، وبأقلّ من عشرين عامًا كانت خيامهم الأولى قد تحوّلت إلى قرية عامرة، أهدت وطنهم الجديد أربعة من فدائيي هذا الوطن إبّان الحكم العسكريّ. عباس لم يتحوّل إلى فدائيّ، كما ودّ له جده مصباح الجنوبي، ولكنه تحوّل إلى صحفي سكّير. الطريق من البار إلى شقته ليست بالطويلة، لذلك يحلو له أحيانًا وهو مائل على كتف سمير من جهة وملتصق بالجدار من جهة أخرى، أن ينتظر بعض النقاط لتضرب جبينه فجأة فيطلع بموال. في إحدى الليالي أثارت فيه النقاط عطشًا غير مسبوق للماء. كانت كل نقطة تشعل فيه جحيمًا جديدًا وقيظًا ملتهبًا. حثّ سمير على الهرولة وكان يقع بين خطوة وأخرى ثم يقوم لاعنا أبَ وأم الرصيف وموبّخا سمير على غفلته. مرة، قبل وصولهما الشقة ببضع خطوات توقف عباس وفتح ذراعيه ومعطفه وصاح بأعلى صوته: "الحنفية!.. ستقتلني الحنفية!"
 
اقترب منه سمير بحذر وأمسك بيده اليسرى محاولا إنزالها. ركّز عباس نظره في عيني سمير ثم أمسك بتلابيبه ورفعه في الهواء، فهويا سوية على الأرض وتدحرجا قليلا. لم يحِدْ عباس بعيدًا عن آل الجنوبي في الكثير من عاداته وصفاته رغم بعده المتعمّد عنهم. أكثر ما يذكّره بهم هرولته. ظهر مُنحن ويدان تتناوبان الجيئة والذهاب، للخلف وللأمام، كبندول الساعة المعلقة في ديوان جده. الحديث لمصباح الجنوبي: "إعلم يا عباس أنّ الرجال لا تهرول إلا لشأن. فإن كان خيرًا فالهرولة متناسقة وإن كان شرًا فالهرولة مختلة.. فلا تقرب المختلين تسلم!" "قم يا أخي، كفاكَ عربدة"، قال سمير وهو يحاول إزاحة عباس عنه. "ألا ترى أنّ الحنفية ستقتلني؟.. عجيب أمرك.. أنظر إليّ، أنظر إلى فمي وشفتيّ.. ألن تقتلني الحنفية؟" "ولِمَ تقتلك؟" "لأنني رجل الصحراء.. لأنني رجل الصحراء.." "أية صحراء هذه؟" قام عباس وأخذ يعدو في الشارع مشيرًا بيده إلى البحر: "هناك.. هناك.. الصحراء هناك والحنفية فوق ستقتلني." "لا تقترب منها ولن تؤذيك." صمت عباس. تفكّر قليلا، ترنّح ثم اتكأ على سيارة واقفة. "كيف يمكنني ألا اقترب منها؟ وجدّي مصباح هل سيغفر لي ذلك؟" "يغفر لك ماذا؟" "أنني لن أصير فدائيًا..."
صفحة 9
عباس يستشيط غضبًا ويكتب عن الدعارة
 
الجريدة التي يعمل فيها عباس تقع في "الواد" في حيفا السفلى. العلاقة والارتباط بين الجريدة والمكان أدّيا في انسياب مثاليّ تلفه الألفة والرضا من الطرفيْن إلى وحدة مصير عجيبة ("وما هي الجريدة؟.. ها.. حدث مجرد؟.. ظاهرة ثورية مستقلة؟..الجريدة ليست إلا الناس العاملين فيها، إذا تغيروا تغيرت وإذا تبدلوا تبدلت"، كان عباس يصرخ على سمير عادة والسكر قد تعتعه، في جدالاتهما اللانهائية حول الصحافة والناس). فعندما تواجه الجريدة أزمة مالية خانقة تحسّ بأنّ "الواد" يوشك على الانفجار. قد يكون التأويل مختلفا كل مرة (خطوط المجاري العطبة، إغلاق بسطات غير مرخصة، تأجيل البدء بمشروع تعبيد الشوارع المشققة، مجددًا)، وعندما تُفرج في الجريدة وتُدفع المعاشات المتأخرة ويتلقى صاحب البقالة المجاورة حساب القهوة الشهري وتتلقى أم منير حساب الفول والحمص، الشهريّ أيضًا، تدبّ الحياة في السّوق، فلا تعرف من أين يأتي الخلق ولا متى سيرحلون. حتى الحمص والفول اليوميان أو الفلافل الشقيق يصبحون من الحاجيات صعبة المنال. المعظم ينكرون هذه العلاقة الغريبة التي لا تحصل ولا حتى في الأفلام، ولكن ليس باستطاعة أحد إنكار التزامن الغريب والمثابر في آن الحاصل بين الجريدة و"الواد". "أهلا سمير، لماذا تأخرت؟" "تأخرت؟.. ما بك، لم يستغرقني أكثر من ساعة." "هل تكلمت أميرة معك؟"، قال وهو يجرّ سمير من يده خارج غرفة التحرير الرئيسة الكبيرة، حيث تجمهر الكثير من موظفي الجريدة أمام التلفاز لمتابعة مباراة حامية من مباريات المونديال الداهم، إلى غرفة جانبية تخصّ عباس، محرر ملحق الجريدة وأحد أعضاء هيئة التحرير. "هل تكلمت أميرة معك؟"، قال واقفا بقرب الباب. "نعم. بعد حديثي معك بدقائق." "وماذا قالت؟" أطرق سمير برهة ثم قام يتجوّل في الغرفة الصغيرة فتفحّص الكتب الملقاة بإهمال يليق بعباس ثم اتكأ على حافة الشباك المُطلّ على "الواد". "أنطق يا أخي، ماذا دهاك؟.. سمير!" خُيّل لسمير أنّ عباس كان يصرخ. والأرجح أنه كان يصرخ بالفعل. إستدار ونظر إليه تلك النظرة التي لا تقول شيئا وتقول كلّ شيء. "عباس، تعالَ نتكلم بصراحة." "طبعًا، ومتى كان غير ذلك؟" "متى تحادثتَ أنت وأميرة عنكما آخر مرة؟" "البارحة." "لا أعني شجاراتكما اليومية. أعني حديثًا هادئًا وعميقًا." "ماذا تقصد؟" "وماذا فهمت؟" "ماذا جرى لك؟"، استشاط عباس غضبًا هذه المرة، "هل أتيتَ إلى هنا لمقارعتي؟" "إسمع عباس، أعتقد أنّ عليك الحديث مع أميرة سريعًا، ولا أعني مجرّد الحديث. أصغِ إليها جيدًا، حاول أن تسمعها إلى النهاية.. أعتقد أنّ هذا أفضل ما يمكنك فعله الآن." "ماذا قالت لك؟.. ها؟.. ماذا قالت لك لتقول لي ما قلته الآن؟" "من الأفضل أن تتحدث أنت إليها 
صفحة 10
 بنفسك." "أنا لا أفهم شيئًا." "المهم الآن.." قطع صوت الهاتف كلام سمير. "آلو، نعم إنه هنا.. لك.." "لي؟"، استغرب سمير.. "آلو"، انتقل للإنجليزية، "نعم أنا هو.. أهلا، جيد كيف أنت؟.. اليوم؟.. طبعًا.. لنقل في الثامنة، في "المقهى الصغير"، حسنًا إلى اللقاء." كان عباس في تلك الأثناء قد اقتعد كرسيّه بجانب النافذة وأطرق مليًا. لم ينتبه إلى أنّ سمير أنهى مكالمته وسمير لم يودّ إزعاجه. مرّت لحظات من الصمت قطعها دخول رئيس التحرير إلى الغرفة. "عباس، هل تأتي إليّ حالما تنتهي؟" "حسنا"، تمتم عباس. يلم يكن هذا الوضع مريحًا للإثنين. ربما هذا ما حدا بعباس إلى الاستئذان قليلاً. تناول سمير بعض الصّور والأوراق المليئة بالكلمات المطبوعة، إتضح أنها تقرير يُعدّه عباس عن بيوت الدعارة في حيفا. "مثير جدًا"، ابتسم سمير لنفسه. "لا يمرّ يوم في الآونة الأخيرة إلا ونسمع عن مداهمة لبيت دعارة في حيفا، وعلى الأغلب في الهَدار. حيفا، مدينة العمال، لم تعد تلجأ للنوم في التاسعة ولم تعد تهتم كثيرًا بساعة الاستيقاظ صباحًا ككلّ مدن العمال في العالم. ربما أحسّت هذه المدينة بتقدّمها في السنّ أو ربما بعزوف أبنائها الشباب عنها فشمّرت عن ساعديها -والأصحّ عن ساقيْها. الهَدار الكسول الخالي من أيّ روح بعد السابعة أو الثامنة مساءً تحوّل إلى قبلة الحجيج في المدينة. ففيه تتركّز غالبية بيوت الدعارة في المدينة وفيه تجد أية فتاة تبغيها نفسك وتطلبها. التقرير الذي بين أيديكم سيلاحق هذه الظاهرة ابتداءً من بعض الزبائن الدائمين الذين وافقوا على الحديث، مرورًا بالبيوت نفسها وبفتاة عاملة في إحداها، وانتهاءً بأمر الطرد من البلاد الصادر بحقّ كلّ فتاة يُقبض عليها. "وبين هذا وذاك اكتشفنا في بحثنا هذا شبكة رشاوى ضخمة يشترك فيها رجال شرطة كبار وصغار مع قواد ورجال عصابات يديرون بيوت الدعارة في المدينة. الكثير من التفاصيل المثيرة والأمور الخطيرة ستنكشف لكم بعد قراءة هذا التقرير، ولن تعود حيفا لتكون في نظركم كما كانت قبل ذلك أبدًا!.. شدّوا الأحزمة". على ورقة أخرى قرأ سمير ما رجّح أنه مُسوّدة العناوين للتقرير الذي ما زال في أوله: "حُكلّي... بحُكّلّك"، وتحت هذا عناوين فرعية: "الكشف عن شبكة رشاوى ضخمة نُسجت خيوطها بين رجال شرطة كبار وصغار في المدينة وبين قواد ورجال عصابات يديرون الأغلبية الساحقة من بيوت الدعارة في حيفا"، وبعض الكلمات المبعثرة والمشطبة. كانت الصور المرفقة بالأوراق لفتيات جميلات ذوات أجساد "تجارية" مُثلى. قلّب الصور على عجل عندما أحسّ بقدوم عباس ثم أعادها إلى مكانها وأخذ كتابًا وفتحه. "أعذرني عزيزي." "لا عليك، على كلّ حال أعتقد أنّ عليّ الذهاب الآن. تعرف أين تجدني." "ألن تظلّ لأعدّ القهوة؟" "أنت مشغول جدًا اليوم ولا أودّ تعطيلك. بالمناسبة، سمحتُ لنفسي بقراءة بداية التقرير"، وأشار برأسه إلى الاوراق الموضوعة على الطاولة. "لا عليك. هذه مسوّدة، التقرير سينشر غدًا بصيغته النهائية." "عظيم. هناك ما يقرؤه المرء غدًا... ثم قل لي، من أين لك هذا الضلوع في عالم الدعارة والعصابات؟" "أطلب تجد"، قال مبتسمًا. "وأيّ طلب!"