مفهوم التعلم المتمازج
إن التعلم المتمازج ليس مفهومًا جديدًا بل هو جديد قديم؛ إذ له جذور قديمة تشير في معظمها إلى مزج طرق التعلم واستراتيجياته مع الوسائل المتنوعة، وتستخدم له مصطلحات من مثل: التعلم المتمازج (Blended Learning)، والتعلم الهجين (Hybrid learning)، والتعلم المختلط (Mixed Learning) (Orey,2002)، وهو بالتالي قد يتنوع بشكل كبير جدًا، لأن حدوث التعلم من خلاله يعتمد على عناصر متعددة، منها على سبيل المثال: الخبرة، والسياق، والطلبة، وأهداف التعلم، والمصادر. وهذا يعني أنه ليس هناك إستراتيجية واحدة للمزج ولأن المهارة في دمج عناصر مختلفة بشكل ملائم وعملي، والتعلم المتمازج الناجح مثل وصفة طهي ناجحة أو معزوفة موسيقية ناجحة، فبمقدار ما يتم خلط مكونات مكملة تدعم عناصر مختلفة بشكل ملائم وعملي، يكون التعلم متمازجًا.
وهناك عدد من الدراسات التي تناولت تعريف التعلم المتمازج منها دراسة دريسكول (Driscoll, 2002) حيث أشارت إلى أن هناك أربعة معانٍ مختلفة لمعنى التعلم المتمازج وهي:
· المزج بين أنماط مختلفة من التكنولوجيا المعتمدة على الإنترنت لإنجاز هدف تربوي مثل: (الصفوف الافتراضية المباشرة، والتدريس المعتمد على السرعة الذاتية، والتعلم التعاوني، والفيديو، والصوت، والنصوص) وقد أيّد ساين (Singh, 2003) هذا التعريف.
· مزج طرق التدريس المختلفة والمبنية على نظريات متعددة مثل: (البنائية، السلوكية، المعرفية) لإنتاج تعلم مثالي مع أو بدون استخدام التقنية.
· مزج أي شكل من أشكال التقنية، مثال على ذلك: (شريط الفيديو، CD، التدريب المعتمد على الويب، أفلام) مع التدريس من قبل المدرس وجهًا لوجه.
· مزج التقنية في التدريس مع مهمات عمل حقيقية لعمل إبداعات فعلية تؤثّر على الانسجام بين التعلم والعمل وقد أشار بيرسن (Bersin, 2004) كذلك إلى أن هذا هو تعريف التعلم المتمازج.
في حين أشار إساكسون (Isackson, 2002) إلى أنه يجب عند تعريف التعلم المتمازج التركيز على كلمة مزج (Blended) وأخذ التعريف اللغوي لها من قاموس أكسفورد وهي تعني " شكل متجانس من المكونات، لتصبح واحدة "وبالتالي فإن التعلم المتمازج هو مزج استراتيجيات وطرق التعلم لتصبح إستراتيجية واحدة.
وأما دراسة كوتريل روبس (Cottrell & Robison, 2003) فقد أشارت إلى أن التعلم المتمازج عبارة عن استعمال اثنتين أو أكثر من طرق التدريس المميزة بحيث تصبح متشاركة معًا، ومثال ذلك: مزج التدريس الصفي باستخدام الإنترنت في التدريس؛ والمزج بين الوصول للإنترنت إلى الوصول إلى المدارس؛ والمزج بين المحاكاة وتركيب الدروس.
وهناك من يعرف التعلم المتمازج بأنه التعلم الذي يوظف (30%- 75%) من أنشطته للتطبيق عبر الإنترنت، ويخفض فيـه وقت التعلــم التقليــدي في الصـفوف الدراســية. (New Jersey Institute of Technology, 2005) ، في حين ترى المجموعة الاستشارية للتعلم المرن (Flexible Learning Advisory Group 2004) أن التعلم المتمازج هو: طرق التعلم التي تدمج التعلم الإلكتروني بأشكال مختلفة من التعلم المرن، والأشكال الأكثر تقليدية من التعلم.
ويرى كل من وايتلوك وجلف (Whitelock and Jelfe, 2003) أن هناك ثلاثة معانٍ للتعلم المتمازج هي:
· الاشتراك الكامل بين التعلم التقليدي مع التعلم المعتمد على الإنترنت.
· الاشتراك بين الوسائط وتوظيف أدوات في بيئات التعلم الإلكتروني.
· اشتراك عدد من طرق وأساليب التدريس بغض النظر عن استخدام التكنولوجيا.
وأما فالياذان فيرى (Valiathan 2002) أن التعلم المتمازج يقصد به نوع التعلم الأتي:
· التعلم المقاد بالمهارة Skill-Driven Learning)) والمراد منه الجمع بين التعلم بالسرعة الذاتية مع المدرس أو تسهيل الدعم لتطوير المعرفة والمهارات الخاصة.
· التعلم المقاد بالاتجاهات (Attitude-Driven Learning)وهو الذي يخلط بين الأحداث المختلفة والوسائط التنفيذية لتطوير سلوكات محددة.
· التعلم المقاد بالكفايات(Competency-Driven Learning) الذي يمزج بين أدوار الدعم بمصادر إدارة المعرفة والمراقبة لتطوير كفايات العمل.
وأما في دراسة سيليكس (Selix,2001) فقد قصر التعلم المتمازج على المزج بين التعلم عن طريق الاتصال المتزامن والاتصال اللامتزامن بين المعلم والطالب. وهناك من وسّع هذا التعريف كما في تعريف أوسجيثوربي (Osguthorpe,2003) حيث عرف التعلم المتمازج بأنه المزج بين طرق التواصل عبر شبكة الإنترنت وبين لقاء المدرسين والمتعلمين وجهًا لوجه.
أمّا في الدراسة التي قامت بها جراهام، وألن، ويور (Graham, Allen, and Ure, 2003) فقد أشارت عند سؤالها ما الذي يُمزج في التعلم المتمازج؟ إلى أن هناك ثلاثة أشياء يتم التفكير فيها للمزج وهي: مزج نماذج التدريس أو وسائط التنفيذ، ومزج طرق التدريس ومزج التدريس عبر الإنترنت ووجهًا لوجه.
وقد قام سميلسر (Smelser,2002) بتعريف التعلم المتمازج بأنه عبارة عن تكامل إدارة المعرفة وإدارة التعلم. أما فاليري (Valerie, 2005) فقد عرَّف التعلم المتمازج بأنه النظام الذي يركز على تحسين إنجاز أهداف التعلم، بواسطة تطبيق تكنولوجيا التعليم المناسبة، لمطابقة أسلوب التعلم الفردي المناسب، من أجل تحويلها لمهارات مناسبة للشخص المناسب وفي الوقت المناسب.
ووصفه جوردون (Gordon,2005) بأنه اشتراك طرق عدة في التنفيذ، مثل: البرامج التعاونية، والدروس المعتمدة على الويب، وممارسة إدارة المعرفة. ويعترض أولفر وتريجويل على هذا المفهوم (Oliver & Trigwel, 2005) إذ يقولا: بأن مصطلح التعلم المتمازج خادع لأنه ليس هو التعلم بحد ذاته، والتعبير الأدق هو أساليب التدريس المتمازجةBlended pedagogies) ) أو التدريس المتمازج (Blended Teachings) أو حتى التعلم بواسطة أساليب التدريس المتمازجة Learning with Blended Pedagogies) ) وذلك حتى يبقى التركيز فيها وبؤرة اهتمامها هو الطالب.
من خلال ما مرّ من معانٍ سابقة، يمكن استنتاج أن التعلم المتمازج هو التعلم الذي يمزج ما بين كل من:
1. التعلم الإلكتروني والتعلم التقليدي
2. التعلم المبني على الاتصال بشبكة الإنترنت والتعلم وجهًا لوجه.
3. التعلم القائم على الاتصال المتزامن والتعلم القائم على الاتصال اللامتزامن
التعلم المتمازج وأثره على التعلم
تشير كثير من الدراسات إلى أثر التعلم المتمازج على التحصيل فعلى سبيل المثال الدراسة التي قامت بها جامعة فلوريدا المركزية (University of Central Florida, 2001) والتي توصلت إلى أن الطلبة الذين قاموا بالتعلم من خلال أسلوب التعلم المتمازج كان تحصيلهم أعلى من الطلبة الذين تعلموا بواسطة التعلم التقليدي (وجهًا لوجه) والتعلم الإلكتروني الكامل. وإلى زيادة نسبة الاحتفاظ بالتعلم لدى الطلبة في التعلم المتمازج عن الطلبة في التعلم التقليدي (وجهًا لوجه) والتعلم الإلكتروني الكامل.
علاوة على ذلك فقد أشارت دراسة ساينج (Singh, 2001) والتي جرت على طلبة جامعة ستانفورد (Stanford) وتضمنت تضمين بعض الأنشطة الإلكترونية المتزامنة، إلى منهاج المادة التي كانت تقدم بشكل تقليدي، إلى زيادة نسبة الاحتفاظ إلى 94%. وفي دراسة أندرسون(Anderson, 2002) والتي أجريت على (4000) طالب وطالبة باستخدام التعلم المتمازج فقد أظهرت نتائجها أن التعلم المتمازج أدى إلى تحسين مستوى تحصيل الطلبة.
وفي دراسة ديان (Dean, 2001) والتي قام بها في جامعة تينسيس (Tennessee’s) فقد بينت نتائجها أن برامج التعلم المتمازج قد اختصرت تقريبًا نصف وقت التعلم، وكذلك نصف التكلفة من خلال الخلط بين التعلم الإلكتروني المباشر، والتقدم الذاتي والتعلم الصفي وجهًا لوجه.
وقد أوضحت نتائج دراسة كوليس (Collis, 2003) إلى سهولة وصول الطلبة إلى التعلم من خلال التعلم المتمازج وبالذات الطلبة الذين لا يستطيعون الوصول إلى الغرف الصفية التقليدية لأسباب متعددة قد يكون منها: طلبة المناطق الريفية والتجمعات الصغيرة، وطلبة المنازل الذين يتلقون تعليمهم في منازلهم من خلال آبائهم، وقد تكون هناك بعض المواضيع التي لا يستطيع آباؤهم تعليمهم إياها، وكذلك الطلبة المعاقين ونزلاء المستشفيات، والطلبة المفصولين من الدراسة أو المطرودين والذين لا يستطيعون دخول الغرف الصفية حتى لا يصبحوا متخلفين أكاديميًا عن زملائهم.
وأشارت دراسة آيرونز ووادوبس (Irons, 2002; Waddoups, 2003) إلى أن التعلم المتمازج قد أدى إلى تقليل تكلفة التعلم بشكل عام.
وفي دراسة جوب (Job, 2003) والتي قام من خلالها بمقارنة ثلاث مجموعات: مجموعة ضابطة لم تتلق أي تعليم ومجموعة تلقت التعليم الإلكترونيّ الكامل، ومجموعة تلقت التعليم باستراتيجية التعلم المتمازج فقد أظهرت نتائج الدراسة أن التعلم المتمازج قد أظهر زيادة في سرعة الأداء على المهمات بنسبة 41%، وزيادة في دقة الأداء بنسبة 30% على المجموعات الأخرى، واتفقت دراسة(Thomson, 2003) مع دراسة جوب في أن التعلم المتمازج يؤدي إلى زيادة في سرعة الأداء على المهمات.
وأشارت دراسة رووني (Rooney, 2003) التي أجراها حول رأي المعلمين في استخدام التعلم المتمازج في تدريب المعلمين، إلى أنه قد أدى إلى المحافظة على إيصال أحدث المعلومات للمعلمين، وإلى أنه قد أدى إلى التقليل من كلفة التنقل من قبل المعلمين للحصول على المعلومات وعلى الدورات التدريبية، وكذلك فقد أدى إلى تقليل أوقات الابتعاد عن العائلة، وخسارة مصادر أماكن العمل
وفي دراسة الحالة التي قام بها كل من أوسغثورب وجراهام (Osguthorpe and Graham, 2003) والتي تبحث عن مقترحات للأسباب التي تدفع إلى استخدام التعلم المتمازج، وجد بأنها تتمثل في: غنى أساليب التدريس، والوصل إلى المعرفة، والتفاعل الاجتماعي، وقوة الشخصية، وفاعلية الكلفة، وسهولة المراجعة أو التنقيح.
وتوصلت دراسة روفاي و جوردن (Rovai and Jordan, 2004) إلى أن الدروس المتمازجة تنتج إحساسًا مجتمعيًّا أقوى لدى الطلبة عند مقارنتهم مع الطلبة الذين يتلقون التعلم من خلال التعلم الاعتيادي فقط أو مع الطلبة الذين يتلقون التعلم عبر التعلم الإلكتروني الكامل.
وساهم التعلم المتمازج في زيادة نسبة الانتظام في الدوام المدرسي، حيث بلغت نسبة الطلبة المنتظمين في الدوام المدرسي كما في دراسة أُبليندير (Oblender, 2002) حوالي 99% من عدد الطلبة بشكل عام.
أشارت دراسة وينغراد (Wingard, 2005) إلى زيادة التفاعل بين الطلبة بعضهم مع بعض، وبين المعلم والطلبة، وزيادة نسبة التعلم لدى الطلبة، بينما تشير دراسة ساندس (Sands, 2002) إلى أن المحادثة في التعلم التقليدي متأثرة سلباً بالجدول الأكاديمي؛ فلو أن طالبًا لدية فكرة يوم الأربعاء، مثلاً، وأراد عرضها على المعلم أو الطلبة ولكن حصته تكون يوم الثلاثاء فإنه يضطر إلى الانتظار ستة أيام متتالية لمناقشة الفكرة، ولكن في التعلم المتمازج يستطيع الطالب أن يناقش الفكرة مباشرة مع الطلبة والمعلم.
وأما كولين(Colin, 2005) فقد أشار إلى أن التعلم المتمازج يجمع وينظم المحتوى الرقمي الذي يساعد على إمكانية زوال الكتب المدرسية الثقيلة من قاعة الدروس؛ وذلك عندما يتم استبدال الكتب المقررة بمحتوى إلكتروني ومصادر إلكترونية؛ مما يؤدي إلى تقليل كلفة شراء الكتب المدرسية، وكذلك يزيل المخاوف الطبية من حمل الطلبة - وخصوصًا الصغار منهم - للكتب الثقيلة.
أما دراسة فاليري (Valerie, 2005) فاعتبرت التعلم المتمازج استراتيجية قوية تؤدي إلى توسع وتحسين خبرات التعلم عند المتعلمين.
وتوصلت دراسة معهد نيوجيرسي للتكنولوجيا (New Jersey Institute of Technology, 2005) إلى أن دمج أفضل ميزات التعلم وجهًا لوجه مع خيارات التعلم على الإنترنت تؤدي إلى التعلم النشط، والمستقل، وكذلك إلى التقليل من وقت الجلوس -غير المحبذ- عند الطلبة على مقاعد الصفوف.
وفي التقرير الذي أصدرته مؤسسة سباروو(Sparrow, 2003) - وتمت الإجابة عليه عبر الإنترنت - حول المبررات التي تدفع لتطوير التعلم المتمازج واستخدام هذه الاستراتيجية في التعليم والتدريب، كانت الإجابات على النحو الآتي: القدرة على مطابقة أساليب التعلم (80%). الحلول المضبوطة بشكل منفرد (70%). تحسين نسبة التعلم (62%). استغلال الاستثمارات التي وقعت في مصادر التدريب الصالحة للاستخدام مرة أخرى (59%). تقليل الوقت المخصص على الأحداث في الغرف الصفية (57%).
وأما في دراسة جراهام وألن ويوري (Graham, Allen, & Ure, 2005) التي تبحث عن أسباب اختيار الطلبة للتعلم المتمازج، وجد أن أسباب الطلبة تتمثل في ثلاثة، وهي: تحسين أساليب التدريس: حيث يصبح التعلم بواسطة التعلم المتمازج معتمدًا أكثر على استراتيجيات التفاعل في التعلم، استراتيجيات تعلم الزميل لزميله، واستخدام الاستراتيجيات المركزة حول المتعلم. وزيادة المرونة. وتأثير فاعلية الكلفة.
وأشار كل من دزيوبان، وهارتمان، وموسكال (Dziuban; Hartman; and Moskal, 2004) إلى أن التعلم المتمازج ساعد المعلمين لكي يتطوروا كمصممي بيئات تعلم نشطة، وأن يصبحوا أكثر تسهيلاً في تعليمهم للطلبة وبشكل مثير للانتباه.
أجرى الإبراهيم (2005) دراسة هدفت إلى استقصاء أثر طريقة التدريس المدعمة بالحاسوب على تحصيل طلبة الصف الثامن في الرياضيات واتجاهاتهم نحو الطريقة التدريسية. تكونت عينة الدراسة من (115) طالبا وطالبة من الصف الثامن الأساسي في مدارس تابعة لمديرية اربد الثانية، وقسمت المجموعات عشوائيا إلى مجموعتين (تجريبية، ضابطة)، تم تدريس المجموعة التجريبية باستخدام الكتاب المقرر ومادة مبرمجة من قبل الباحث، في حين درست المجموعة الضابطة بالطريقة الاعتيادية، أظهرت نتائج الدراسة وجود فرق ذو دلالة إحصائية بين متوسطي تحصيل المجموعتين ولصالح المجموعة التجريبية، كما خلصت النتائج إلى وجود أثر للتفاعل بين الجنس وطريقة التدريس ولصالح المجموعة التجريبية، وكذلك أشارت النتائج إلى عدم وجود فروق في التحصيل تعزى للجنس بين المجموعتين، وأخيرا أظهرت النتائج وجود فرق ذو دلالة إحصائية في اتجاهات الطلبة نحو الإستراتيجية المستخدمة ولصالح المجموعة التجريبية.
وفي دراسة لشديفات (2007) هدف فيها إلى استقصاء أثر استخدام الانترنت في تحصيل طلبة مساق التخطيط التربوي في جامعة آل البيت. وتكونت عينة الدراسة من جميع الطلبة المسجلين في مساق التخطيط التربوي في جامعة آل البيت في الفصل الدراسي الثاني للعام الدراسي 2005/2006 م. وعددهم (59) طالبا وطالبة. منهم (15) طالبا و (14) طالبة في المجموعة الضابطة درسوا باستخدام الطريقة التقليدية، و (18) طالبا و (12) طالبة في المجموعة التجريبية درسوا باستخدام شبكة الانترنت. وتم إعطاء أفراد مجموعتي الدراسة اختبارا تحصيليا من الاختيار من متعدد، وتم التأكد من صدق الاختبار بعرضه على عدد من المحكمين وتم التأكد من ثبات الاختبار وفق معادلة كيودر ريتشاردوسون (KR-20). وتوصلت الدراسة إلى النتائج التالية: وجد فرق دال إحصائيا في تحصيل الطلبة يعزى إلى طريقة التدريس، ولصالح المجموعة التجريبية. كما توصلت الدارسة إلى عدم وجود فرق دال إحصائيا في تحصيل الطلبة يعزى إلى الجنس. كما أظهرت الدراسة عدم وجود تفاعل بين متغيري الجنس والطريقة. وقد خلصت الدراسة إلى العديد من التوصيات من أهمها: استخدام طريقة التدريس باستخدام الانترنت من قبل أعضاء هيئة التدريس في مؤسسات التعلم العالي مما قد يسهم في زيادة تحصيل الطلبة، والقيام بدراسات مماثلة لإظهار أثر استخدام الانترنت في المواد العلمية الأخرى.
وفي دراسة لويليمز (Williams, 2006) صنف خلالها رتبا لكل من الإداريين وأعضاء هيئة التدريس تخصص الرياضيات في كلية العلوم التابعة لجامعة فلوريدا والتي تعتمد التعلم عن بعد. أخذ الباحث بعين الاعتبار الكفايات المحورية والأدوار التي يمارسها أعضاء هيئة التدريس في المساقات التي تعتمد هذا النوع من التعلم وحاجاتهم للتطوير المهني الذي يعزز كفاياتهم. استخدم الباحث أسلوب المسح الشامل لكفايات أعضاء هيئة التدريس في التعلم عن بعد. وقد تكونت الاستبانة المستخدمة كأداة للدراسة من (23) فقرة من إعداد الباحث، قدمت الاستبانة إلى (28) عضوا إداريا من اتحاد فلوريدا للتعليم عن بعد (FDLC) باستخدام البريد الإلكتروني، ولـ (100) عضو من أعضاء هيئة التدريس للرياضيات والإحصاء في الفصل الثاني من العام الجامعي 2006-2007. وقد بلغ عدد الأفراد الذين أجابوا عن تلك الاستبانة (20) عضوا إداريا، و (52) عضوا من أعضاء هيئة التدريس بمعدل 71%، 52% على الترتيب. أظهرت نتائج الدراسة اتفاق كل من الإداريين وأعضاء هيئة التدريس على أهمية الكفايات المحورية والأدوار لأعضاء الهيئة التدريسية في نظام التعلم عن بعد. وحددت الدراسة عددا من الكفايات التي يجب أن يتمتع بها عضو هيئة التدريس في نظام التعلم عن بعد وهي: تقديم تغذية راجعة للمتعلم وتزويده بالدرجات، وبناء تعيينات ومهمات للطلبة باستخدام الوسائط المتعددة، ومعرفة بتكتيكات وتقنيات التعلم عن بعد، والتخطيط للتدريس والمهارات في تلك البيئة. لم تظهر النتائج أية فروق بين الإداريين وأعضاء هيئة التدريس تعزى للجنس أو العمر. وأوصت بإجراء المزيد من الدراسات تتناول مواضيع معرفية مختلفة وباعتبار متغيرات أخرى.
وفي دراسة لتروتر Trotter, 2007)) هدفت لاختبار أثر منهاج الرياضيات المحوسب والتقويم التكويني على تحصيل طلبة المرحلة الثانوية في مدرسة سان ماركوس. لاحظ الباحث معاناة معلمي الرياضيات في محاولة جسر الهوة بين الكتاب المدرسي والمنهاج المحوسب. استخدم معلمو الرياضيات أدوات التقويم التكويني المرفقة مع المنهاج المحوسب لاكتشاف نقاط الضعف عند الطلبة ولتخطيط تدريسهم. أظهرت نتائج الدراسة تحسنا في تحصيل الطلبة، بالإضافة إلى معرفة بالفوائد التي يجنيها المعلمون من تحليل نتائج الطلبة وتطوير الاختبارات.
وفي دراسة (أبو موسى، 2009) والتي هدفت إلى تقصي أثر استخدام إستراتيجية التعلم المزيج على تحصيل طلبة التربية في الجامعة العربية المفتوحة في مقرر التدريس بمساعدة الحاسوب واتجاهاتهم نحوها، حيث تناول المقرر معلومات متنوعة وشاملة عن تطور الحاسوب وأجياله، والكيفية التي توظف بها برمجيات مايكروسوفت أوفيس (بوربوينت، اكسل، وورد، اكسس) في التدريس. تكونت عينة الدراسة من طلبة كلية التربية في الجامعة العربية المفتوحة فرع الأردن والمسجلين في الفصل الصيفي للعام الدراسي 2006/2007 في مقرر التدريس بمساعدة الحاسوب، حيث بلغ عددهم (35) طالبا وطالبة. وبالاختيار العشوائي درست إحدى الشعب باستراتيجية التعلم المزيج (مجموعة تجريبية)؛ حيث درس هؤلاء الطلبة المقرر بحضور محاضرات وبدراسة الكتاب المقرر وبمواد إلكترونية قدمت لهم على شكل CD وبلغ عددهم (20) طالبا وطالبة، ودرست الشعبة الثانية بإستراتيجية المحاضرة (مجموعة ضابطة)؛ درسوا المقرر بحضور محاضرات وبدراسة الكتاب المقرر فقط وبلغ عددهم (15) طالبا وطالبة. استمر التدريس في المقرر مدة ثمانية أسابيع بواقع لقاء واحد أسبوعيا، كما تلقى طلبة المجموعة التجريبية (تعلم مزيج) تدريبا عمليا في ثلاثة لقاءات. وظفت الدراسة الأدوات التالية:
1. المادة التعلمية: تتكون المادة التعلمية لمقرر التدريس بمساعدة الحاسوب من كتاب مقرر يتألف من سبع وحدات دراسية، كما زود طلبة المجموعة التجريبية (تعلم مزيج) بملفات بوربوينت عددها سبعة تلخص وحدات الكتاب المقرر.
2. تعيين دراسي واحد ينجزه الطلبة (كلا المجموعتين) خارج أوقات اللقاءات الرسمية ويسلموه عبر موقع إدارة التعلم الخاص بالجامعة. (بما أن الجامعة تتبع نظام التعلم المفتوح فتسليم التعيين عبر الموقع شرط أساسي لجميع الطلبة، ولا علاقة للمقرر موضوع البحث في هذه العملية). حيث يلج الطالب إلى موقع إدارة التعلم على العنوان http://elearn.edu.jo ويطلب منه إدخال اسم المستخدم وكلمة السر ومن خلال تلك العملية يرسل التعيين المطلوب إلكترونيا ليصار إلى تقييمه ويشكل هذا التعيين نسبة 20% من العلامة الكلية للمقرر.
3. اختبارين تحصيلين قصيرين (وزن كل اختبار 15% من العلامة الكلية) حيث اختبر طلبة المجموعة التجريبية (التعلم المزيج) إلكترونيا من خلال موقع إدارة التعلم؛ موقع إدارة التعلم منشأ باستخدام برمجية Moodle والذي يمكن المدرس من بناء فقرات اختبارية توزع عشوائيا على الطلبة. في حين اختبر طلبة المجموعة الضابطة (المحاضرة) باستخدام الورقة والقلم. تم التأكد من صدق الاختبارين بطريقتين: الطريقة الأولى: الصدق الظاهري وذلك بعرضها على لجنة من المحكمين ذوي الاختصاص لإبداء الرأي وتعديل ما يرونه مناسبا، وقد كان التوافق بينهم عاليا. أما الطريقة الثانية: فهي الصدق المرتبط بالمحتوى، حيث أعد جدول مواصفات لكل اختبار تحصيلي. في حين تم التأكد من ثبات الاختبارات باستخدام الطريقة النصفية واستخدمت معادلة رولان كتمان للتصحيح فبلغ معامل الثبات للاختبارين على الترتيب 80%، 85% واعتبرت النسب مناسبة لأغراض الدراسة.
4. تزويد طلبة المجموعة التجريبية (التعلم المزيج) بـ CDs يتضمن ملفات فيديو من امتداد avi تحتوي شرحا وافيا (صوت وصورة) للعديد من المهارات المتقدمة المتعلقة بالبوربوينت واكسل واكسس وورد وكيفية توظيفها في الأعمال الإدارية الخاصة بالمعلم أو تلك الخاصة بالشرح في الحصص الصفية.
5. اختبار نهائي (وزن الاختبار 50% من العلامة الكلية) باستخدام الورقة والقلم لكلا المجموعتين وهو اختبار موحد من مركز الجامعة في الكويت. وقد اختبر ثبات الاختبار بحساب معامل الارتباط بينه وبين الاختبار التحصيلي الثاني فكانت النسبة 0.75 . أما صدق المحتوى فقد كان عاليا مقارنة بجدول المواصفات المعد من قبل الباحث.
6. استبانة لقياس اتجاهات الطلبة نحو الإستراتيجية التدريسية القائمة على التعلم المزيج. وقد تم بناء الاستبانة بالرجوع إلى الأدب السابق المتعلق بدراسة الاتجاهات. وقد تم التأكد من صدق الاستبانة من خلال عرضها على نفس لجنة المحكمين، وقد عدلت خمس فقرات بناء على رأيهم. أما ثبات الاستبانة فقد تم التأكد منه باستخدام معادلة كرونباخ ألفا حيث بلغ معامل الثبات للاستبانة 79% واعتبرت هذه النسبة مقبولة لأغرضا الدراسة.
أظهرت نتائج الدراسة فروقا ذات دلالة إحصائية عند مستوى (α ≤ 0.05 ) بين تحصيل الطلبة الذين درسوا بإستراتيجية التعلم المزيج والطلبة الذي درسوا بطريقة المحاضرة ولصالح المجموعة التجريبية، كما أظهرت النتائج فروقا ذات دلالة إحصائية عند مستوى (α ≤ 0.05 ) في اتجاهات الطلبة نحو الإستراتيجية المستخدمة ولصالح المجموعة التجريبية أيضا. وأوصت الدراسة بأن تعمم إستراتيجية التعلم المزيج في تدريس المساقات الجامعية في الجامعة العربية المفتوحة.
التحديات والصعوبات التي تواجه التعلم المتمازج
لقد أشارت دراسة بانك وجراهام (Bank, Graham, 2004) إلى أن هناك ست صعوبات تواجه استخدام أسلوب التعلم المتمازج، وهي:
1. أهمية التفاعل الحي
2. أهمية اختيارات المتعلم/ الضبط الذاتي: من حيث هل سيقوم الطلبة باختيار أنواع المزج المختلفة
3. نماذج للدعم والتدريب: هناك عدة قضايا تتعلق بالدعم والتدريب في بيئات التعلم منها: زيادة الطلب على وقت المدرس، ووجوب تزويد المتعلمين بالمهارات التقنية اللازمة للنجاح في كل من التعلم التقليدي والتعلم عبر الإنترنت، تغير الثقافة التنظيمية لقبول وجهات نظر التعلم المتمازج، والتطوير المحترف للمدرسين.
4. الفجوة الرقمية في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بين سكان العالم، فالتعلم المتمازج يجب أن يوزع على مستوى العالم والفجوة الرقمية تمنع ذلك.
5. التكيف الثقافي: حيث أن التعلم المتمازج في الغالب يوضع كي يراعي حاجات الطلبة في المجتمع المحلي وليس العالمي.
6. التوازن بين الإبداع والإنتاج.
تصميم دروس التعلم المتمازج
1. أشار كل من دزيبان وهارتمان وموسكال (Dziuban, Hartman, and Moskal, 2004) إلى أن هناك خطوات للقيام بتصميم دروس معتمدة على التعلم المتمازج، وهي:
أولاً: تحديد نوع برنامج التعلم المتمازج الذي يجب القيام به، هل هو تحويلي أم إبداعي: بمعنى هل سيقوم المصمم بتحويل البرنامج الموجود أصلاً من برنامج تقليدي إلى برنامج ممزوج ويريد تحسينه بإضافة بعض طرق التعلم الإلكتروني له؟ أم يريد أن يوجد برنامجًا منذ البداية معتمدًا على التعلم المتمازج؟
ثانيًا: تحديد طرق المزج وأنواعه وكيفيته: وهذه تعتمد على الإجابة عن الأسئلة الآتية:
- ما أفضل طريقة تعليمية لتنفيذ تعلم المحتوى بشكل جيد؟
- ما أفضل طريقة لتوجيه تعلم الطلبة؟
- ما أفضل طريقة لتوفير المتطلبات والقيود المؤسسية في التعلم المتمازج؟
وبناءً على ذلك يجب على مصمم الدروس المعتمدة على التعلم المتمازج أن ينفذ التعلم المتمازج بناءً على أربع مراحل حسب الآتي:
المرحلة الأولى: تحليل المحتوى: ويمكن أن تتضمن كذلك:
· الأهداف العامة وأهداف التعلم: وهي البوصلة التي توجه المعلم في كافة أنحاء الدرس.
· المدة الزمنية: يجب تحديد جدول زمني، وبما أن هناك أنشطة تعتمد على الإنترنت وأنشطة تعتمد على التعلم وجهًا لوجه فإنه يجب أن يكون هناك توازن بينها، وكذلك يجب أن تبقى ضمن أوقات محددة ومعقولة، ويجب الانتباه إلى عدم الإفراط في أي نوع منها، وإعطاء وقتٍ كافٍ لإتمام الأنشطة والانتباه إلى أن وقت الحصة لابد أن يتم تغطيته بأنشطة صفية وأن لا يبقى هناك وقت فراغ إضافي، لذلك فعلى المصمم أن يوجد أنشطة إضافية وأن يعطي للمعلم حرية الاختيار بين إعطائها وبين الاحتفاظ بها لوقت أخر.
· المتطلبات السابقة: وهي مطلوبة من المعلم والطالب معًا، ولكن لابد من التركيز على المهارات الأكاديمية الخاصة بموضوع الدرس أكثر من المهارات التقنية.
· تحديد المهارات المتعددة المتوافرة في هذا المحتوى، مثل: المعرفية؛ والإجرائية؛ والعقلية؛ والشخصية؛ الحركية؛ والوجدانية.
المرحلة الثانية: تحديد طريقة تنفيذ كل جزئية من جزئيات المحتوى، ويتم ذلك بشكل عام من خلال ثلاث طرق:
· غير متصلة ( وجهًا لوجه) (Offline) (face–to–face & work–based) مثل: (المحاضرات، العروض، التدريس المباشر، ورشات العمل، لعب الدور، المحاكاة، المؤتمرات، التدريب، المراقبة، التغذية الراجعة، تعلم المهام، المشاريع، زيارة المواقع)
· غير متصلة ( عمل فردي) (Offline) (Inpidual work) مثل: الكتب، المجلات، الجرائد، كتب الوظائف، ملفات الحفظ، المراجعة، أشرطة الكاسيت، أشرطة الفيديو، التلفاز، الراديو، (DVD CDs)
· متصلة بالإنترنت ووسائط التفاعل (Online & interactive media) مثل: (مصادر التعلم البسيطة، المحتويات التفاعلية، دعم الكفايات، المحاكاة، التدريس الإلكتروني، التدريب الإلكتروني، المراقبة الإلكترونية، التغذية الراجعة، البريد الإلكتروني، لوحات الإعلانات، المحادثة، المؤتمرات الصوتية، مؤتمرات الفيديو، الصفوف الافتراضية، المعرفة المعتمدة على البحث، سؤال الخبراء، محركات البحث، مواقع الإنترنت، مجموعات الأخبار).
المرحلة الثالثة: تحليل حاجات الطلبة.
المرحلة الرابعة: تنظيم المتطلبات والقيود لتنظيم العمل بشكل عام.
وقد أشار ساندس (Sands, 2002) إلى أن هناك مجموعة من المبادئ والاستراتيجيات التي يجب الاهتمام بها عند تصميم التعلم المتمازج، وهي:
1. رسم مخططٍ على شكل مخطط فن (Venn diagram) كما في الشكل (3) الآتي:
2. وضع استراتيجيات تصلح لكل مجموعة من المجموعات لتنفيذ المحتوى في مكانها المناسب.
3. مراجعة هذا المخطط بعد كل مرحلة من مراحل العمل الأربع السابقة وإعادة بنائه.
4. الابتداء بشكل بسيط والتركيز على الأهداف النهائية للتعلم.
5. تصور التفاعل أكثر من التنفيذ: فقد يؤدي نقل المعلومات عبر الإنترنت إلى أن يكون أكثر فاعلية ولكنه لا يضمن تعلم الطلبة، لذا فالمعلم يحتاج إلى أن يعمل أنشطة تتطلب من الطلبة أداء مهام أكاديمية أساسية، مثل التلخيص والتحليل، والتحدث مع بعضهم البعض.
6. على المعلم أن يكون واضحا في قضايا إدارة الوقت، وأن يكون مستعدًا لتعليم مهارات جديدة.
وأشار كل من دزيبان وهارتمان وموسكال (Dziuban; Hartman; and Moskal, 2004) إلى أن التعلم المتمازج يجب أن يتضمن ما يأتي:
1. جعل الطالب محور العملية التعليمية.
2. زيادة التفاعل بين كل من: الطالب - المدرس؛ الطالب - الطالب؛ الطالب - المحتوى؛ الطالب - المصادر الخارجية.
3. تكامل آليات الواجبات البنائية والختامية لكل من الطالب والمعلم.
كما لابد من الإشارة إلى أن مفهوم التعلم المتمازج لا يعني الاستغناء عن الكتاب أو المعلم؛ لأن المقصود بالمزج هو مزج جميع العناصر التربوية وما يخدمها في العملية التعليمية التعلمية. فبناء على ذلك فإننا نختلف مع وجهة النظر المشار إليها في بعض الدراسات مثل دراسة كولين (Colins,2005) التي أشارت إلى إمكانية الاستغناء عن الكتب المدرسية واستبدالها بمحتوى إلكتروني فالتعلم الإلكتروني؛ يعدّ جزءًا من التعلم المتمازج لا بديلا عنه، والتعلم الإلكتروني يمكن فيه الاستغناء عن المدرس وعن فعاليات الوجه لوجه، أما التعلم المتمازج فإنه يحافظ على جميع عناصر العملية التعليمية التعلمية، ومن الجدير ذكره أن بعض الدراسات أشارت إلى أن التعلم المتمازج زاد من تفاعل الطلبة مع بعضهم بعض وكذلك بين الطلبة ومعلميهم كما في دراسة وينغارد (Wingrad, 2005) وساهم في المحافظة على الانتظام في الدوام المدرسي كما في دراسة أُبليندر (Oblender, 2002).
التعليم المتمازج وإعداد المعلمين
"التغيير رحلة وليس برنامجا ثابتا" (Fullen)
" لتكون معلما فإنك تحتاج إلى معرفة كثيرة ومنظمة ( Shulman, 1985,P.47 ) .
في مدرسة ما يقف معلم - لموضوع معرفي وليكن على سبيل المثال الرياضيات- أمام مجموعة من التلاميذ ويحمل بيده طبشورة، يبدأ بالسؤال عن الواجب الذي أعطي للطلبة في اليوم السابق، يحل الأسئلة على السبورة أو يطلب من بعض الطلبة حل بعضها أمام الجميع، يشرح بعضا من مسائل الواجب وقد لا يشرح شيئا منها، بل يكتفي بحلها أمام الجميع، ينقل الطلبة الحلول، يشرح الدرس الجديد، وتقدم مسائل ليتم حل بعضها في الصف وبعضها كواجب في البيت، يتنقل المعلم بين الطلبة ليتأكد من قيامهم بحل المسائل ويقدم المساعدة لمن لا يستطيع الحل.
لعل الصورة السابقة صورة مشتركة بين أغلب المعلمين في مختلف فروع المعرفة، وتعبر عما يجري في الغرف الصفية في مختلف الحصص. هذا ما خبره الكاتب منذ أن كان طالبا في المدرسة وحين كان معلما، وعندما عمل مشرفا تربويا يحضر الحصص عند المعلمين، ولعل من أفضل الطرق لفهم القضايا المتعلقة بممارسات المعلمين ومعرفتهم واعتقاداتهم حول الموضوع المعرفي الذي يدرسونه وطرق تدريسهم لذلك الموضوع، يتركز في القيام باستقصاء منظم يتوجه لفهم عميق للممارسات الصفية، ولمعرفة الأحداث التي تدور داخل تلك الغرف، واكتشاف معتقدات ومعارف المعلمين التي قد تكون الدافع وراء تلك الممارسات.
" إن إدراك المعلم لماهية الموضوع المعرفي الذي يريد تدريسه تؤثر في إدراكه للكيفية التي يجب أن يقدم بها ذلك الموضوع، وإن الكيفية التي يقدم بها المعلم الموضوع المعرفي الذي سيدرسه تشير لمعتقداته ... فالقضية إذا ليست ما هي أفضل طريقة للتدريس ؟ ولكن ما هي حقيقة ما يدور حوله الموضوع المعرفي ؟ " (Hersh,1986, P.13) .
تشير الفقرة السابقة إلى نوعين من المعرفة يجب أن يمتلكهما المعلم كي يتمكن من التدريس ألا وهما معرفته بالمحتوى المعرفي للمادة التي يدرسها (Subject Matter) ومعرفته بطرق تدريس تلك المادة المعرفية. كما تشير إلى أهمية المعتقدات التي يمتلكها المعلم حول المادة المعرفية التي يدرسها. ولكن هل تكفي تلك المعرفة لقيام المعلم بمهامه؟
يرى بولستر (1983) Bolster "أن معظم التأثيرات المهمة في معرفة المعلمين بمهنتهم تتكون وتصاغ داخل الغرفة الصفية، ويتطلب ذلك أصنافا محددة من المعرفة المشتقة من الاستخدامات التي يتوجب على هذه المعرفة أن تؤديها" (ص 295). إن القول السابق يوضح مفهوما مفاده أن التعليم نشاط مقصود في بيئة اجتماعية معقدة.
عندما يبدأ المعلم حياته المهنية بالتدريس فإنه يمتلك الرغبة في القيام بهذا العمل، ولكنه أيضا يحمل في فكره العديد من التصورات حول ماهية التدريس بتأثير من خبرته السابقة كطالب في المدرسة، ومن تجاربه الخاصة، ومن الإعداد الجامعي الذي حصل عليه، ومن البيئة المدرسية التي سيمارس بها مهنته، ومن أقرانه في التدريس، ومن طلبته الذين سيقوم بتدريسهم. إن جميع المؤثرات السابقة تدعو المعلم ليعتقد بأنه يعرف الكيفية التي يتم بها التدريس، وعليه فإنه سيقاوم أي إرشاد أو توجيه يقدم له من قبل الآخرين وبالذات المشرفين الرسميين، فعند أغلب المعلمين يعد التدريس شيئا تقوم به وليس شيئا تفكر به أو تدرسه دراسة أكاديمية، وعند الأغلبية لا يعتبر التدريس مشكلة حيث يستطيع الفرد تعلم التدريس من خلال المحاولة والخطأ باعتبار أن المهمة الأساسية للتدريس هي فقط نقل المعلومات للطلبة بصورة سلسة وبسيطة (Mayer, 1999).
ركزت أغلب الدراسات في الستينيات من القرن الماضي على تعريف معرفة المعلم بالمحتوى المعرفي من خلال عدد المساقات الخاصة بالموضوع المعرفي (معرفته بالرياضيات، معرفته باللغة العربية، معرفته بالفيزياء...) التي درسها في الجامعة، وأثبت الكثير من الأبحاث (Fennema,1992 )، (Alba, 2001)، (Brewer, 1997) عدم وجود علاقة قوية بين ما يعرفه المعلم من المحتوى المعرفي وبين تحصيل الطلبة مقيسا بالاختبارات المعيارية. وبعد أن تغير الاتجاه البحثي نحو الوصف أكدت الأبحاث أن معرفة المعلم بالمحتوى المعرفي لا تؤثر بالقرارات التي سيتخذها في الغرفة الصفية، وأن طبيعة الأثر الذي تحدثه معرفة المعلم لمحتوى معرفي معين لا زال غير واضح المعالم. فمثلا معلمة الأول الأساسي ذات المعرفة الغنية بأصول التدريس وفنونه وصاحبة المعرفة الجيدة بحقائق الجمع والطرح مثلا تنوع في الأمثلة المطروحة والمسائل المقدمة وتحاور الطلبة وتشركهم في الحصة بشكل كبير وواضح ولكنها في المقابل تحجم عند تدريسها لموضوع الكسور ولا تسلك نفس السلوكات. وعندما تسأل من قبل الطلبة عن مسألة لا تتوقع أن تسأل عنها فإنها تحول السؤال لمسألة إثرائية وتتنصل من الإجابة عنها. في حين يركز المعلم المعد أكاديميا بشكل جيد على فهم الطلبة للعمليات والعلاقات الداخلية التبادلية بين المفاهيم والتعميمات الواردة في المحتوى المعرفي المخصص (Fennema,1992).
لا يوجد اتفاق عام بين الباحثين التربويين حول ماهية مكونات التدريس الجيد، لذا يشير تومسون إلى أن طريقة التدريس التي يتبناها معلم ما تعتمد بشكل أساسي على مفهومه لما تعنيه المادة المعرفية التي سيدرسها (Thompson,1992).
وتوضيحا للفكرة السابقة نأخذ مثلا موضوع معرفي وليكن الرياضيات، فالرياضيات عند العديد من المتعلمين فرع معرفي يتميز بالدقة في نتائجه، وصحة إجراءاته، وأن عناصره الأساسية: العمليات الحسابية، والخوارزميات الجبرية، والنظريات الهندسية، وهم يرون أن معرفة شخص ما للرياضيات تكافئ مهارته في إجراء الخوارزميات، و قدرته على تحديد المفاهيم الأساسية لذلك الفرع المعرفي، وعليه فإن هذا الاتجاه يرى أن معرفة الرياضيات هي ابتكار الرياضيات (knowing mathematics is making mathematics) أي أن الرياضيات نشاط خلاق أو عملية منتجة مولدة للمعرفة الجديدة. وعليه فإن مفهوم التدريس الجيد التابع لمثل هذه النظرة يتمثل بعرض المفاهيم والإجراءات بصورة مختصرة وواضحة ومنح الطلبة الفرصة الكافية لممارسة الإجراءات وتمييز المفاهيم (Thompson,1992).
يمكن تعميم النظرة السابقة على جميع فروع المعرفة العلمية أو الأدبية فحسب تلك النظرة يركز معلم اللغة العربية مثلا على عرض القواعد والأصول اللغوية كوسيلة وحيدة يرى أنها تدريس اللغة العربية. وهذه النظرة تتفق والنظرية السلوكية في التدريس وترى أن المحاضرة وعرض المفاهيم والتعميمات والمهارات المتعلقة بالموضوع بشكل مباشر هو أفضل وأقصر الطرق لشرحها وتوصيلها للمتعلم.
أما النظرة الأخرى لطبيعة الموضوع المعرفي فتنبع من التحليل الاجتماعي للمعرفة معتمدا على الممارسة المستمرة لمختصي الموضوع المعرفي وممارسي تدريسها، فيصف هؤلاء الرياضيات مثلا بأنها نوع من النشاطات الذهنية، وبأنها بناء اجتماعي يتعلق بالحدس والبراهين ودحضها، وأن التغيرات في هذه البراهين ودحضها يرتبط بالتغيرات الثقافية والاجتماعية، وعند هؤلاء فإن معرفة الرياضيات هي العمل بالرياضيات (knowing mathematics is doing mathematics)، ومفهوم تدريس الرياضيات في هذه النظرة يتمثل في إشراك الطلبة بنشاطات ذات مغزى وهذه النشاطات نابعة من موقف مسألة، يتطلب حل هذا الموقف التفكير بأنواعه، وجمع المعلومات وتطبيق المعرفة والاكتشاف للأفكار الجديدة وتبادل تلك الأفكار واختبارها بالتأمل بطريقة الحل والنقاش مع بقية المجموعة (Thompson,1992). ويمكن تعميم النظرة السابقة على جميع الموضوعات المعرفية الأخرى بنفس الطريقة. وهذه النظرة تتفق والنظرية البنائية أو بالتحديد النظرية البنائية الاجتماعية.
إن وجهة النظر الثانية قد تقودنا للنظر إلى المعلم بأنه مدير للأزمات ومتصد للمشاكل التي تحدث داخل الغرفة الصفية، فيتعامل المعلم مع التناقضات المختلفة في الغرفة الصفية ويقوم بحلها وعلاجها (Brown & Baird, 1993). إن وجهة النظر الثانية لا تنكر أهمية المفاهيم والإجراءات والمهارات والتعميمات المعرفية، بل ترى أن عملية التدريس لا يجب أن تقتصر على نقل تلك المعرفة وممارسة الإجراءات بطريقة آلية ليست ذات معنى للطلبة، إن السؤال الذي يستمر الطلبة في طرحة على معلميهم ما فائدة الموضوع الذي درسناه في حياتنا هل سأستخدم س ، ص عندما أذهب لشراء الأشياء أم هل سأستخدم قانون نيوتن عندما أقود سيارتي!! وغالبا ما يجيب المعلمون بأن المادة المعرفية التي تتعلمونها الآن مهمة في المستقبل وأن استخداماتها سيظهر لكم في حياتكم وفي العلوم الأخرى عندما تذهبون إلى الجامعة، ولعل القصة التالية تؤكد الفكرة السابقة: في الصف الرابع الأساسي كان الدرس حول تقدير الجمع، وكان الدرس كما ورد في الكتاب المدرسي وقامت المعلمة بتنفيذه كما يلي: يجمع الطلبة عددين، ثم يقوموا بتدوير العددين ويقوموا بالجمع ومن ثم يتحققوا من صحة الجمع بطرح أحد العددين من الناتج. وعند سؤال الطالبات عن سر القيام بعملية التدوير في حين أننا حصلنا على الإجابة بشكل دقيق وتأكدنا منها بإجراء العملية العكسية كانت الإجابة: عندما نكبر يا أستاذ سنستخدم التدوير!!!
لعل مثل هذه الإجابة قد تفسر جزءا من المشكلات عند الطلبة. لعل من المسلم به أن ما يعرفه المعلم أو يعتقده، له أثر كبير في ما سيدور في غرفة الصف وفي ما سيتعلمه الطلبة، وأن ما لا يعرفه الشخص لا يستطيع أن يعلمه، ولعل بناء برنامج إعداد المعلمين وتأهيلهم وتدريبهم انطلاقا من المنهاج المدرسي وما يدور حوله هذا المنهاج، يساعد على تمكين المعلمين من امتلاك المعرفة المهمة التي تلزمهم لتنفيذ المنهاج بطريقة فاعلة.
إن البحث التربوي في مجال معرفة المعلم يؤكد عدم وجود اتفاق على ماهية المعرفة التي يجب أن يمتلكها المعلم لكي نضمن تعلم الطلبة، كما أنه لا توجد نظرية واحدة توضح الكيفية التي يتعلم بها الشخص كيفية التدريس، أو الكيفية التي يتعلم فيها فن التدريس وأصوله، وتبرير ذلك أن عملية تعلم فن التدريس هي عملية شخصية ومرتبطة بالسياق الذي توجد به، أي أنه يمكن النظر لعملية تعلم التدريس على أنها زوج مرتب من (الشخصية، السياق)، (personalized, contextualized)، (Mayer, 1999). لعل هذا الزوج ليس مرتبا كما ذكره ماير (Mayer) فالزوج المرتب (س، ص) يختلف عن الزوج المرتب (ص، س) وهذا قد لا ينطبق على وصف عملية التدريس بأنها فقط زوج من (الشخصية، السياق)، فقد تكون أيضا زوجا من (السياق، الشخصية).
لقد أسهمت الجهود الحثيثة المختلفة في توضيح ماهية المعرفة التي يجب أن يمتلكها المعلم لكي يتمكن من التدريس. إن معرفة المعلم بالرياضيات على سبيل المثال كحقل معرفي ضرورية جدا، ولا يكفي أن يعرف المعلم الرياضيات الواردة في المناهج المدرسية فقط، إنما يجب أن يعرف شيئا كثيرا عن الرياضيات التي سيتعلمها الطلبة مستقبلا، فالمعلم بحاجة إلى كم هائل من المعرفة الرياضية لكي يستمر في تدريس طلابه، كما أنه يجب أن يعرف عن ثقافة المجتمع والتعدديات الإثنية فيه ليكون معلما فعالا، بالإضافة لمعرفته بالطلبة وطرق تفكيرهم والكيفية التي يتعلمون، وأن يعرف طرق التدريس ومبادئه (Fennema,1992). ولعل الفكرة السابقة تنطبق على جميع حقول المعرفة.
أكد العديد من الباحثين مثل فينيما وتمسون وكارتر (Fennema,1992)، (Thompson,1992)، (Carter,1990) حداثة مجال البحث التربوي المتعلق بمعتقدات المعلمين والمعرفة الأساسية التي يجب أن يمتلكها المعلم ليتمكن من التدريس، وأنه مجال معقد غير معرف بشكل جيد، ولم يدرس بشكل كاف، حيث أن معرفة المعلم منوعة، وكبيرة، ومتكاملة، ويمكن وصفها بأنها نظام عملي وظيفي، لا يمكن فصل بعضه عن البعض الآخر، كما أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار أنه لا يمكن فصل معرفة المعلم عن اعتقاداته. وقام الباحثون في مجال معرفة المعلم واعتقاداته بأبحاث منفصلة ركزت على جوانب معينة من المعرفة والاعتقادات، ولكن قليلا من الدراسات بحثت تلك الجوانب مجتمعة.
بدأ الاهتمام بطبيعة المعتقدات وأثرها في أفعال الناس منذ بداية القرن الماضي، ثم عاد الاهتمام بذلك الموضوع في الستينيات من القرن الماضي من قبل علماء النفس المعرفيون (cognitive) حيث درس هؤلاء نظام المعتقدات والجوانب المعرفية الأخرى، وفي الثمانينيات من القرن الماضي تزايد الاهتمام بنظام المعتقدات بين صفوف التربويين (Thompson, 1992).
لم تعرف المعتقدات بشكل واضح وكاف في معظم البحوث والدراسات التي تناولت معرفة المعلم واعتقاداته، واعتمد الباحثون على معرفة القارئ لمعنى كلمة معتقدات، وأحد التفسيرات التي قدمت لتبرير عدم الخوض في توضيح معنى المعتقدات، صعوبة التفريق بين المعتقدات والمعرفة، ولقد لاحظ العديد من الباحثين أن المعلمين يعاملون معتقداتهم كمعرفة، ومن الحجج التي سيقت في عدم التفريق بين المعتقدات والمعرفة أن هذا التفريق جدلي بين التربويين وقيمته فلسفية فقط، وأن البحث التربوي يجب أن ينصب على الكيفية التي تؤثر بها معتقدات المعلمين ومعرفتهم في خبراتهم وممارستهم الفعلية (Thompson, 1992). لعل الخوض في مسألة التفريق بين المعتقدات والمعرفة بحاجة لاستقصاء فلسفي مستقل قد يقود لتوضيح تلك المصطلحات ويضع للباحثين لغة تقنية يتحدثون بها، وقد نوقشت تلك المسألة مرة أخرى في الفصل الثاني من هذا البحث بتفصيل أكبر.
فُرِّق في الأبحاث بين المعتقدات والمعرفة بطرق عديدة، وليس الهدف هنا دراسة فلسفية لتلك الفروق، ولعل من أبرز ما ذكر في مجال التفريق بين المعتقد والمعرفة بأن المعتقد لشيء ما يكون واعيا بأن الآخرين يفكرون بطريقة مختلفة، ومثال ذلك: أن يعتقد شخص بوجود عضويات مجهرية على المريخ. إن مثل هذا الاعتقاد مغيب عن النظام المعرفي للشخص نفسه، فهو لا يستطيع أن يقول بأن العضويات المجهرية موجودة على المريخ كحقيقة معلومة، فمن يحمل في تصوره مثل هذا الاعتقاد يدرك بأن الآخرين قد يختلفون في تصوراتهم عنه ولا يحتاج المعتقد أن يبرر ما يؤمن به. مع أنه قد يحكم على معتقده بأنه غير صحيح. أما المعرفة فتتضمن الحقيقة والتأكد من المعلومة فالقول بأن شخص ما يعرف معلومة معينة فإنه لا يحكم عليه بالخطأ أو الصواب، فالمعرفة بناء على هذا المفهوم تعتمد على وجود اتفاق عام على إجراءات معينة للتقييم والحكم على صدق المعرفة، في حين تبرر المعتقدات دون الرجوع لتلك الإجراءات أو الحكم على صدق المعرفة. إن المعتقد يلتزم عاطفيا وجهة نظر معينة. كما يجب الأخذ بعين الاعتبار أن الدليل على صدق المعرفة قد يتغير مع الزمن وقد تتغير النظرية التي تقود الحصول على تلك المعرفة، وقد تحل محل النظرية القديمة نظرية حديثة تغير المعرفة التي حصلت من المعرفة القديمة، وعليه فإن ما يعد معرفة في زمن معين قد يصبح معتقدا في زمن آخر (Thompson, 1992).
إن هناك ازديادا في الأدب البحثي حول موضوع معرفة المعلم واعتقاداته وممارساته، ويؤكد كثيرون أن الاستقصاء المنظم لم يقدم كثيرا عن طبيعة التدريس، وعن حجم الأساس المعرفي الذي يجب أن يمتلكه المعلم ليقوم بتدريس فعال (Tom ,Alan & Valli,Linda,1990).
من خلال الاستعراض التاريخي السريع لتطور البحث في مجال تربية المعلمين عموما (Fennema,1992) و (Carter,1990) و (Tom & Valli 1990)، فإنه يمكن القول إن هذا المجال لا زال حديثا (منذ الستينات، وقبل ذلك لم تكن هناك أبحاث يمكن تصنيفها ضمن هذا الميدان) نسبيا ولم تتشكل قواعده بعد بشكل واضح، فقد اتسمت الدارسات في الستينات بالصفة الإحصائية (Process, Product) والدراسات الارتباطية (Correlation Studies)، وانصب الاهتمام على معرفة أثر تدريب ما، أو تعلم ما، في سلوك المعلم وتحصيل الطلبة، وكان الطموح للوصول لتعميمات نظرية وعلاقات سببية.
ثم تحول الاتجاه البحثي الحديث نحو الفهم، والوصف، والبحث عن المعني المرتبط بالفهم الذاتي، والفهم الاجتماعي لحياة الأفراد، معتمدا على السياق الذي تواجد فيه، من هنا بدأ النظر للتدريس نفسه وما يفعله المعلم فعليا داخل الصف من خلال الوصف الثري للموقف الصفي (Fennema,1992) و (Carter,1990) و (Tom & Valli, 1990) .
إن التركيز البحثي الحالي في مجال معرفة المعلم واعتقاداته منصب على الفهم والإدراك والسياق التدريسي، أي أن هناك تحولا في الابستومولوجيا التي تقود البحث في موضوع تربية المعلمين عامة ومعرفة المعلم واعتقاداته وممارساته خاصة من المدرسة الوضعية (Positivist) التي تنادي بتزويد المعلم بالكفايات التي يمكن أن تقاس سلوكيا، وتتبنى المنحى السلوكي في التدريس، إلى المدرسة التفسيرية (Interpretive) التي تنادي بتغيير الاتجاه السابق إلى الاتجاه الحديث، (Tom & Valli 1990)، (Cooney,1994)، (Carter,1990)، إن الاتجاه الحديث يعرف المشكلة البحثية بالرجوع إلى مفهوم الفرد الذاتي خلال السياق الذي يعيش فيه، ويستدل على هذا الفهم من خلال الملاحظة المباشرة، أو من خلال سماع القصص اليومية التي تحدث مع المعلم، أو من خلال المقابلة الفردية للسؤال عن قضايا معينة، وعليه فإن النتيجة الطبيعة لمثل هذه النظرة الاعتماد على دارسة الحالة (Case Study) كمنهجية من خلال تفحص القصص المروية حول الأشخاص موضوع الدراسة ، ويؤكد هذا الاتجاه ما عرض من أوراق عمل عام 1993 في الاجتماع الدوري لـ( PME-NA)([1]) التي ركزت على مفهوم الممارس المتأمل (Reflective Practitioner)، وتركيز البحث الحديث على إدراك المعلم ومعرفته والعوامل التي تؤثر في ذلك (Cooney,1994) .
في الستينات والسبعينيات من القرن الماضي كان التركيز منصبا على معرفة المعلم المحتوى المعرفي فقط، وكان الافتراض أنه إذا زودنا المعلم بالمواد والأدوات للتغير فإنه سيقوم بتحسين تدريسه، ولكننا الآن ندرك خطأ هذا الافتراض. حيث لم يكن هناك اهتمام بقضية أن المعلم سيعلم بالكيفية التي تعلم بها. إن إدراكنا لهذه القضية لا زال حديثا (Cooney,1994).
ولعل ما قدمه شولمان Shulman (1986) من استخدام لمصطلح المعرفة البيداغوجية للمحتوى (Pedagogical Content Knowledge) (انظر شكل (4)) جاء نتيجة للإجابة عن السؤال التالي: ما المعرفة التي يحتاجها المعلم ليتمكن من تعليم الطلبة؟ وقد أصبح استخدام مصطلح المعرفة البيداغوجية للمحتوى مرادفا لما يجب أن نعرفه ونفهمه لجعل موضوع معين سهلا أو صعبا (Evan & Tirosh, 2002).
علما بأنه يوجد هناك نماذج أخرى مثل: نموذج (Peterson,1988) ونموذج (Leinhard,1985) ونموذج (Elbaz,1983)، (Grossman,1990)، ومن خلال مراجعة تلك النماذج فإنه يمكن القول أن كل نموذج يزودنا برؤية وبصيرة جديدة لتعريف " معرفة المعلم " وتزودنا بطرق جديدة للتفكير حولها، إن ما قام به شولمان (Shulman) وبيترسون (Peterson) (كل على حده مع اعتماد بيترسون على شولمان) هو طريقة لتصنيف معرفة المعلم ووصفها بعديدة الأبعاد، وركزا على أهمية المحتوى الذي يجب تدريسه كجزء أساسي من معرفة المعلم، كما ركزا على أهمية معرفة المعلم لإدراكات المتعلمين حول المادة التعليمية ، ولعل أهم معرفة بحثها شولمان ما عرف بالمعرفة البيداغوجية للمحتوى Pedagogical Content Knowledge (PCK) التي تشمل أفضل أشكال التمثيل للأفكار المتضمنة في المحتوى، وأقوى التناظرات (analogies)،والشروح، والأمثلة، والتوضيحات، أي أنها تشمل طرق عرض المادة، وإعادة تشكيل المادة التعليمية بصورة تجعلها قابلة للفهم عند الآخرين، كما تتضمن فهما للأمور التي تجعل تعلم موضوع ما سهلا أو صعبا. ومثال ذلك أن يعرف المعلم الكيفية التي يعرض بها مفهوم الكسر بطريقة تجعل الطلبة يدركون معنى البسط والمقام، كما تتضمن معرفة المعلم بطرق تفكير الطلبة في مجال رياضي محدد، كأن يعرف طريقة تفكير الطلبة بالاقتران الرياضي. إن المعرفة المهمة للمعلم تكمن في منطقة التقاطع بين المحتوى والبيداغوجيا وفي قدرة المعلم على نقل المحتوى المعرفي والأفكار الواردة خلاله باستخدام البيداغوجيا إلى شكل يمكن تكيفيه لمستوى الطلبة وإداركاتهم ومفاهيمهم السابقة. أما ما قامت به لينهارد (Leinhard) فهو التركيز على معرفة المحتوى الرياضي وقد أعطته أهمية كبرى، ولاحظت أن الفرق الأساسي بين المعلم الحاذق (Expert) والمعلم المبتدئ (Novice) هو في معرفة المحتوى المعرفي، فالخبير ذو معرفة منظمة هرمية، ويمتلك أنظمة متعددة لتقديم المادة المعرفية، ولديه القدرة على تقديم معرفة مفاهيمية وإجرائية مفصلة، بينما لا يمتاز المعلم حديث الخبرة بمثل هذه المميزات، أما نموذج إلباز (Elbaz) فقد ركز على فكرة دينامية المعرفة وتطورها وأن هذه المعرفة مستمدة من الممارسة الفعلية المتجددة للتدريس، إن الدمج بين النماذج سيثري المعرفة الشخصية العملية ويزودنا بإطار للاستمرارية في تأطير وقياس المعرفة الموقفية للمعلم .
إن مفهوم الـ (PCK) الذي أطلقه شولمان عام 1986 أوجد لغة تقنية للتربويين للحديث بها، فهذا المصطلح يشير إلى أن معرفة المعلم منوعة ومتداخلة وتتضمن العديد من المعارف هي: معرفة المعلم بالمحتوى المعرفي لموضوع معين، ومعرفة الطرق الفعالة في عرض ذلك الموضوع لجعله سهلا على الطلبة، وبصيرة بالإشكاليات التي تواجه الطلبة في ذلك الموضوع وخبرة بما يحضره الطلبة معهم من أفكار حول الموضوع وذلك من خلال تكرار تدريس الموضوع نفس للطلبة (Alagic & Langrall & Aikins,1999 ).
خلاصة:
يمكن القول أن هناك نظرتان أساسيتان لمهنة التدريس أولاهما تلك النظرة التي ترى أن المعلم ناقل للمعرفة وموصل للمعلومة وبذلك يجب أن يتسلح المعلم بالمعلومة فقط ويعمل على إلقاءها ونقلها بأيسر وأقصر الطرق للطلبة، وأن عمله في الميدان التربوي كفيل بصقل موهبته في نقل المعرفة. ولعل هذه النظرة تنظر لمهنة التعليم على أنها صنعة (Craft) وليس عملا محترفا يحتاج إلى مهنية عالية ومهارات عقلية عليا. فلا فرق في هذه النظرة بين الصانع الحرفي والمعلم.
في حين أن النظرة الثانية تنظر للمعلم على أنه محترف (professional) وصانع قرار ومتميز في عمله، وبهذا لا يمكن النظر إلى دور المعلم على أنه ناقل للمعرفة فقط، بل المهمة الأساسية للمعلم تكمن في خلق البيئة والجو المناسب للتفاعل الفاعل الذي يؤدي إلى التعلم وتغيير السلوك عند المتعلمين.