الإهداء
إلى قمريّ..
مصطفى
و
يمنى
توأم روحي
الإهداء
إلى قمريّ..
مصطفى
و
يمنى
توأم روحي
المقدمة
الحمِد لله رب العالمين الذي علم الإنسان ما لم يعلم، ورفعه على سائر مخلوقاته بالعلم ليعلم، وجعل من الفهم والتفسير والتأويل أداواته التي يكشف فيها حقائق معجزاته ولطائف أحكامه ومقاصد شرائعه ليحفظ الأمانة التي أبت الجبال على حملها،والصلاة والسلام على رسوله الذي بلغ رسالة ربه، والذي حمل مشاعل النور و الهداية للبشرية جمعاء وعلى اله الطيبين الطاهرين وأصحابه أجمعين.
أمّا بعد فإن اختياري لموضوع التأويلية وتطبيقها على الشعر من منظورها الغربي لم يكن بدافع من الانحياز الأعمى للفكر الغربي، إنما هو انفتاح على حقل معرفي يحقق تواصلا وتحاورا معرفيا يمد جسور ا بين ثقافتين مختلفتين مما يمنح القارئ والباحث العربي إمكانية الاطلاع على النتاجات الفكرية والمعرفية الغربية التي تساعده على اكتساب مخزون معرفي جديد يسمح له بان ينظر بعين الموضوعية إلى مورثه المعرفي، وإنتاجه الأدبي، ولاسيما القصيدة الحديثة التي استحضرت قيما فنية وجمالية ارتبطت بالإبعاد الفلسفية والصوفية والأسطورية والرمزية والسريالية التي وسمت النص الشعري الحديث أبهامية وغموضا مما احدث فجوات واعتباطات دلالية بعثرت وشتت الدلالة إلى عبثية لانهائية، وقد أحتاج هذا الغموض والإبهام في الشعر الحديث إلى مقاربات تكشف المعنى وتنتجه و توضح الدلالة، فكان الاختيار للمقاربة التأويلية بوصفها مقاربة للنص الشعري الحديث تساعد على فهم المقاصد النصية والإبداعية المتجلية في فهم النص، و الوجود، والحياة، والذات المؤولة، ولكون التأويلية تقارب المبهم والغامض والواضح في الشعر الحديث فقد وقع أختياري على شعر العزاوي المعروف بميله إلى التجريب والتغريب وبحثه الدائم عن العوالم الشعرية المختلفة والغريبة، وتجاوزه المستمر وتمرده على المألوف، وتشكيله للصور الرمزية والسريالية التي تنسجم مع روح الشاعر التي بصمتها روح الستينيات بكل تحولاتها وأنعتاقها في العراق، وفضلا عن الإبهام والغموض في شعره، فإنه يتمتع بغزارة إنتاجه الإبداعي وتنوع تجربته الشعرية مما أتاح مرونة في أختيار الشواهد الشعرية التي وضعت تحت مجهر المقاربة التأويلية، فكانت المحاور الأساسية للكتاب قائمة على تمهيد وثلاثة فصول:
تناول التمهيد (إشكالية مصطلح التأويل وسيرورته التاريخية) كاشفا عن حالة التداخل والتشابك بين مصطلح التأويل عند العرب والغرب، فعند العرب يدخل المصطلح في علاقة إشكالية ومتداخلة مع مصطلح التفسير في لحظة الأختلاف والائتلاف وموضوعية التفسير وعقلانية التأويل التي ترسخت في مدرسة النقل والرأي، و عند الغرب فإن الرافد الفلسفي والديني مثل خلفية معرفية وثقافية وجهت مسار التأويل على وفق الفكر الهرمسي والضغوط المعرفية للمراحل التاريخية المختلفة التي أنتهت إلى لحظة الثبات للمصطلح عند الغرب، والتي قابلها سمة الخلط والغموض والارتباك في الثقافة العربية المعاصرة بين الأصالة والتبعية وتنوع ترجمة المصطلح الغربي بين النحت والأصالة وفي تقديرنا أن مصطلح التأويلية يمثل هوية متطابقة لمصطلح الهرمينوطيقا، ولا سيما في توجهاته المعرفية والسياقية في التاريخ العربي، ثم تطرق التمهيد الى سيرورة مفهوم ومصطلح التأويلية تاريخيا عند الغرب متلمسا بعض الفلسفة النظرية عند أهم فلاسفة التأويلية الغربية لتساعدنا على فهم المقاربة التطبيقية للشعر فكانت السيرورة التاريخية تبدأ بالهرمسية، والغنوصية والدينية، وأفلاطونية فيلون، واوريجين، وأفلوطين، أوغسطين، و أرسطوية الأكويني، ولوثر متطورة إلى تأويلية ابستومولوجية عند شلايرماخر ودلثاي، وانطولوجية فلسفية في وجودية مارتن هدغير وغادامير وريكور، و استراتيجيات التأويل عند امبرتو إيكو وفيش، و ازدواجية المغزى والمعنى النصي عند هيرش.
وعرض الفصل الأول ابستومولوجيا التأويل على ثلاثة مباحث: الأول تطرق منها إلى كهنوتية المؤول وتجربة السجن على وفق المقاربة الشلايرية بجانبيها اللغوي والنفسي محاولا فهم تجربة السجن في النصوص الشعرية، وحددنا في المبحث الثاني منها تجربة الحياة وسفر الأبدية مؤولا النص بفكرة تجربة الحياة عند دالثاي كاشفة عن تمرد الروح عند العزاوي من خلال فكرة الأبدية الزمانية والخلود والعود الأبدي، فيما أشار المبحث الثالث منها إلى مقصدية المؤلف وتجربة النفي عند العزاوي.
وأشتمل الفصل الثاني (انطولوجيا الفهم) على ثلاثة مباحث: الأول قارب منها نص العزاوي على أساس الحقيقة الهدغرية في جدلية الأرض والعالم التي تجلت في حدثية الأثر وفكرة المحو والبقاء، وكان المبحث الثاني منها ينطوي على فن الحوار الغاداميري الذي حاور القناع الذي تلبسه الشاعر المتبلور في انصهار أفق النص وأفق المؤول، وحاول المبحث الثالث منها الولوج الى رموز العزاوي وفهمها لغرض فهم ذات المؤول ومحايثته.
أما الفصل الثالث فقد خصص لإستراتيجية المؤول وإنتاج المعنى مقسما الى مبحثين: الأول وضح دوغمائية السلطة وعلاقة المثقف معها على وفق المقاربة الايكوية، ثم أستعرض المبحث الثاني علاقة الشاعر بالمكان وإنتاج تجربة المكان وقلقه على أساس الجماعة المفسرة.
وقفينا خطة الكتاب بخاتمة توصلنا بها الى جملة من النتائج التي كانت خلاصة لما تناوله الكتاب، وأنتهينا بقائمة ضمت أهم المصادر والمراجع التي أستعان بها الباحث.
لابد من الإشارة الى أن إشكالية المسار الابستمولوجي والانطولوجي للتأويلية أدخلها في إحراج منهجي أو ضبابية مفاهيمية متنقلة بين المنهج والفلسفة والإستراتيجية التي لم يتفق فيها التأويليون على مسار واحد يؤسسون فيه بناء منهجيا متماسكا على وفق نظرية أو علم؛لذلك ارتأينا في العمل على أن تكون ممارسة التأويلية قائمة على أساس مقاربة تجمع بين المؤتلف والمتشابه من المقصديات في سيرورة المسار الابستمولوجي والانطولوجي والإستراتيجي، فكانت فصول الكتاب جامعة لثلاث مقصديات المؤلف، والنص،و المؤول، فقصدية المؤلف ابستمولوجية شلايرماخر ودلثاي وهيرش، وقصدية النص في انطولوجيا هيدغر وغادامير وريكور، وقصدية المؤول في استتراتيجية امبرتو ايكو وفش.
وقد أعتمد الكتاب في مقاربة نصوص العزاوي على مبدأ الحلقة التأويلية التي لم تتبع طريقة ترابط الكل مع الجزء والجزء مع الكل في النص الواحد، إنما عملت على أن تكون علاقة الجزء بالكل على أساس الثيمة أو الموضوع الواحد.
والجدير بالذكر أن كثرة المصادر العربية والغربية والآراء وتضاربها وتناقضها وتشابكها وأنفتاحها على حقول معرفية متنوعة وعدم الوصول الى حد معين نتوقف عنده أدى كل ذلك إلى أن يكون التمهيد طويلا محتويا على الجانب النظري من فلسفات التأويليين لتمثل خلفية فلسفية يمكن من خلالها الولوج الى الجانب التطبيقي في فصول الكتاب الثلاثة.
وسيتناول هذا الكتاب عددا من نصوص العزاوي الواضحة، فإن التأويلية لا تمنع من مقاربة النصوص غامضة وواضحة؛لأن ما يكون واضحا يحمل أحيانا في بنيته العميقة دلالات ومعاني غامضة مختبئة في فجوات النص وفراغاته.
وتجدر الإشارة إلى أن للمؤول سلطة في إنتاج المعنى والدلالة في جميع فصول الكتاب و مقصدياته، وإن كانت بنسب متفاوتة تبعا لمقصدية لمؤلف، و مقصدية النص، ومقصدية المؤول.
وختاما فإنني أتوجه إلى الله الكريم الذي وفقني لإنجاز هذه الكتاب بالحمد والشكر والثناء، وأتوجه بالشكر إلى الأستاذ الفاضل الدكتور المشرف علي كمال الدين الفهادي، والدكتورة بتول حمدي البستاني،و الدكتور حسين يوسف، والدكتور أحمد جار الله.
وإن الوفاء يحتم عليّ الاعتراف بالجميل للدكتورة الشاعرة بشرى حمدي البستاني التي مثلت لي منعطفا علميا وتاريخيا منذ كنت طالبا تتلمذ على يديها ولما احاطتني به من الحنان والاهتمام الذي فتح لي عتبات المذاهب والمناهج الغربية التي ساعدتني على مقاربة نص العزاوي.
ولايفوتني أن اعبر عن شكري ومتناني لزوجتي التي ساعدتني على اكمال هذا الكتاب في توفير الجو المناسب من الراحة والوقت الذي ساعدني على الانتهاء منه ، وهناك شكر لكل الأصدقاء المخلصين الذين وقفوا إلى جانبنا في رحلة العلمي ولاسيما شريف هزاع شريف، وأخيرا لا يدعي هذا الكتاب الكمال فالكمال لله وحده، وما كان صواباً فهو منة الباري المتكبر وما كان خطأ فمن ضعفي وقلة حيلتي.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وصحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
د.محمود خليف خضير
الموصل / العراق
التمهيد
إشكالية مصطلح التأويل وسيرورته التاريخية
...تنطوي الهرمينوطيقا على دلالة اشتقاقية ميثالوجية
مرتبطة بأسطورة هرمس اليونانية الذي عرف بوصفه
رسولا للآلهة...
الكاتب
أ ـ إشكالية المصطلح
إن هدف الكتاب تأويل شعر العزاوي لذلك يجدر بها التنقيب في الدلالات اللغوية والاصطلاحية لمصطلح من أكثر المصطلحات النقدية ترددا في الممارسات النقدية الحديثة بشتى ضروبها ألا وهو التأويل طامحة إلى الكشف عن الأهمية التاريخية والمعرفية للمصطلح في سياق الفكر الإنساني كما تجلى في الثقافات القديمة والحديثة في شقيها (العربي/ الغربي) وما ذلك إلا لنكشف مقدار الانزياح الذي لحق به بفعل الأثر الذي الحقته الثقافة الغربية فيه، وكشف طبيعة التأثر والتأثير والحوار والامتصاص والتفاعل الذي تمارسه الثقافة الغربية بالمظاهر الثقافية ولاسيما في النقد الأدبي.
1. جنيالوجيا التأويل:
لكون مصطلح التأويل يثير إشكالات لا في الثقافة العربية حسب إنما في اللغات والثقافات الأخرى بسبب تعدد مناشئه أو اصطلاحاته من جهة، ولكثرة اضطرابه في الفكر العربي المعاصر والتشتت في إستعمال مفاهيم التأويل من جهة أخرى، وهذا مما اقتضى ضرورة إجراء مراجعتين أحداهما عربية والأخرى غربية للتحقق من المصطلح.
أ. جنيالوجيا التأويل في الأصول العربية:
يتصل معنى التأويل في الثقافة العربية بعلاقة جدلية بمصطلح التفسير الذي يمثل بالنسبة للأول الحضور أو الغياب، وذلك في دائرة علائقية تستدعي إحداهما الأخرى في حدودية الارتباط بحقل الأصول الدينية في تفسير و تأويل نص (القرآن الكريم)، وفي ضوء ذلك فإن دلالتيهما مقيدتان بإجراءات هذا الحقل بصورة مباشرة، ولصعوبة حصر الممارسة التأويلية(Hermeneutics) بسبب ضخامة الموروث الأصولي الديني وتعدده واتصاله بحقول وعلوم وقضايا ترتبط بالخطاب المعرفي الإسلامي في وجوهه المتعددة من علوم القرآن والحديث واللغة وعلم الكلام والمذاهب والفرق الإسلامية وغيرها من العلوم المرتبطة بالدراسات القرآنية، فضلا عن أنه أصبح بفعل التطور الحضاري حقلا أصطدم فيه كثير من المواقف والرؤى وإنفتح على ثقافات تركت بصماتها في الجهاز الاصطلاحي لدلالات التفسير والتأويل.
وانطلاقا من الأصل و الحقل المعرفي الواحد، يجدر بنا الفصل بين الإشارة اللغوية أو المصطلحية بين هذين المصطلحين (التفسير والتأويل)، ويحسن أن نتعرض أولا لشيء من التفصيل والتدقيق لحياة وتطور كل منهما منذ أن كانا مفهومين لغويين دارجين عند اللغويين العرب الى أن أصبحا مصطلحين فنيين مستعملين في حقول معرفية متنوعة.
فقد أختلف العلماء في جذور كلمة التفسير على أقوال عدة فمنهم من قال أصلها " الفَسْرُ:البيان. فَسَر الشيء يفِسره بالكسر، ويفسُرُه، بالضم، فَسْراً وفَسَّرَه: أبانه "(1)، ومنهم من يعود به الى الأصل "الفَسْر: نظر الطبيب الى الماء، وكذلك. .. التَّفْسِرةُ البول الذي يُستدلّ به على المرض، وينظر فيه الأطباء يستدلون بلونه على علة العليل، وهو اسم كالتّنهية، وكل شيء يُعرف به تفسير الشيء معناه، فهو تَفْسِرتَهُ "(2)، ومنهم من ذهب الى أنه مقلوب من الجذر اللغوي "سَفَر: ومعناه أيضا الكشف، يقال: سَفَرت المرأة سفورا، ومعناه ألقت خِمارها عن وجهها، وهي سافرة، وأسفر الصبح أضاء "(3)، ولا يذهب بعيدا عن حدود معنى الكشف والبيان عندما يعود ابن الانباري بجذر السفر إلى قول " العرب: فَسرت الدابة وفسرتها، إذا أركضتها محصورة لينطلق حصرها "(4)، ولقد ارتبطت دلالة المعنى اللغوي في المعاجم العربية بـ(البيان والظهور والانتقال) متواشجة مع الأستعمال القرآني لكلمة التفسير بمعنى البيان في قوله تعالى:(وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) (الفرقان: ٣٣)، أي أحسن بيانا وتفصيلا بما نضرب من الأمثال وما نسوقه من الأدلة، ولكن كلمة التفسير شاعت وتواطأت وأنتشرت بين الناس بحيث اذا أطلقت الكلمة يكون المراد منها بيان المعنى الذي يقصده القرآن سواء حقيقة أم مجازا(5)، وهذا مما عمل على تخطي الإشارة اللغوية المعجمية الى مجال المواضعة والشيوع والتواطؤ التي التقت واتفقت عليه الذاكرة الجماعية في وضعيته الاصطلاحية والتي شكلت نوعا من الضبابية والاضطراب في منظومة الجهاز الاصطلاحي، ولا سيما في اصطلاح العلماء مما أدى الى أن الإشارة اللغوية المعجمية تبقى على حالها في فهم الأصوليين و المفسرين لمعاني الظهور والبيان والإنتقال لتحدث نوعا من الإنحراف في دلالة الصورة الذهنية المؤسسة لكينونة المصطلح التي حصل على أثرها تداخل بين إستعمال كلمة التفسير في الحقول المعرفية المختلفة ومن جهة أخرى وقوع اللبس في تداخله أو قربه من تخوم مصطلح التأويل؛ وبذلك لم تحافظ دلالة كلمة التفسير على خصوصية حقلها وكينونتها الاصطلاحية من "وضوح الدلالة وأتساقها داخل الحقل الدلالي والمعرفي الواحد والثابت المحدد مهما أختلف السياق"(6)، ومما أخرج كلمة التفسير بوصفها مصطلحا من سياج المحدودية ليشكل معاني عدة في الأستعمال المصطلحي الذي تجلى في أن ينطلق في أصطلاح التفسير إلى معنيين:
- المعنى الأول: التفسير الذي هو قسم من أقسام البديع الراجع إلى المحسنات المعنوية ويراد به عندهم أن يأتي المتكلم بمعنى لا يستقل الفهم بادراك فحواه ما لم يفسره كلام آخر بعده (7).
- والمعنى الثاني: والذي اختلف المفسرون في تعريفه فهذا الماتريدي يعرف التفسير بأنه " القطع على المراد من اللفظ هذا، والشهادة على الله أنه عني باللفظ هذا "(8)، ويذهب أبو طالب التغلبي في تعريفه التفسير بأنه " وضع اللفظ القرآني إما حقيقة أو مجازا "(9)، وهناك من وسع حدود المصطلح ليشمل سائر العلوم المرتبطة بعلوم الدين في قوله هو " علم نزول الآية وسورتها وأقاصيصها والإشارة النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها ومدنيها، ومحكمها ومتشابهها وناسخها ومنسوخها وخاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها ومجملها ومفسرها "(10) ، ويشرع الأصفهاني في ترسيم تخوم حدود المصطلح في أبعاد ومسافات ميتافيزيقية أو البحث عن ميتا لغوية في المراد في قوله " إعلم أن التفسير في عرف العلماء كشف معاني القرآن وبيان المراد، أعم من أن يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره، وبحسب المعنى الظاهر وغيره "(11)، وهكذا يكون الأصفهاني قد أزاح المدلول المصطلحي للتفسير لدخول حدود ومسارات التأويل في عملية تناسل وتلاحق مسببة نوعا من الالتباس والتناقض في تعريف ورسم حدود التأويل، ولكن قبل أن نبدأ التمييز و التفريق بين مصطلحي التفسير والتأويل وجب علينا أن نعالج دلالة التأويل لغة واصطلاحا لعله يساعدنا على كشف وإظهار الفرق بين التفسير والتأويل، فقد دلت لفظة التأويل في معاجم اللغة العربية على معان عدة نورد منها الدلالات الغالبة في الأستعمال، والتي تمت إلى موضوع الكتاب بصلة:
- أولا: - المرجع والمصير، فقد جاء في لسان العرب " أول: الأوْلُ: الرجوع. آل الشيءُ يَئُول أَولاً ومآلاً: رَجَعَ، وأَوَّل إليه الشيءَ: رَجَعَه. وأُلتُ عن الشيء: أرتددت. وفي الحديث: "من صام الدهر فلا صام ولا آل": أي رجع إلى خير، والأَوْلُ الرجوع. وفي حديث خزيمة السلمي: حَتَّى آل السُّلامِي أي رجع إليه المُخ. .."(12)، ويؤكد الزمـخشري (ت 538هـ) هذا المعنى فيقول ". .. ويقال أول الحكم إلى أهله: رده إليهم وفي الدعاء للمضل أول الله عليك، أي ردّ عليك ضالتك. .. ومن المجاز فلان يؤول إلى كرم، ومالك، تؤول إلى كتفيك اذ أنضم أليهما وأجتمع. .."(13)، .
- وثانيا: التغيير: آل اللبن أي خثر، وآل جسم الرجل إذا نحف وهاتان الدلالتان هما الغالبتان، وإن كانت الثانية لا تبتعد عن الأولى كثيرا ففي معنى التغيير الصيرورة والرجوع إلى كذا، وهنا يمكننا أن نحصر الدلالتين في المعنى اللغوي (المرجع، و المصير، و العاقبة)، وثالثا: الوضوح والظهور، الال الشّخص، وهو ما تراه في أول النهار وآخره ويرفع الشخوص(14)، ورابعا: التفسير والتدبير: التأويل: تفسير ما يؤول إليه الشيء تقول تأولت في فلان الأمر أي تحريت، يقول الزمخشري ". .. وتأملته فتأولت فيه الخير أي توسمته وتحريته "(15)، وهناك من يعود بأصله إلى " الإيالة السّياسة، كأن المؤول للكلام ساسة الكلام ووضع المعنى فيه موضعه "(16).
وهما دلالتان قريبتان فلا يخرج التفسير عن معنى الظهور والوضوح ويمكن إدماجها في دلالة واحدة وهي التفسير والتدبير(17)، وبناء على دلالة المعنى اللغوي الذي يمكن أن نحصره في معان عدة (المرجع والمصير والتفسير والتدبير والتأمل والسياسة).
هذي هي كينونة المصطلح بوصفه وحدة لغوية من حيث الاشتقاق اللفظي لمنطقة عمله في المعجم العربي، التي لا يمكن حصرها في الإشارة اللغوية فقط إلا أن حياة و صيرورة كلمة التأويل استعملت في الدراسات الإسلامية خدمة للنص القرآني (18)، الذي حافظ في مساره الأول على إشارة الكلمة ودلالتها اللغوية؛ لذلك فإن أكثر الباحثين يمرحلونه من خلال قيمته التداولية التي سرعان ما ذابت وإنصهرت في السيرورة التاريخية والظروف الثقافية في ممارسة المخاضات المختلفة التي ساعدت على أرتباطه بقوالب أصطلاحية ترسم حدوده على وفق التطبيقات والمسارات الفكرية في منظومة خطاب العقائد الإسلامية التي ترعرع فيها المصطلح مع تطوره المفهومي الجنيني اللغوي وإصطدامه مع القضايا والإشارات ليصبح مصطلحا مكتملا يقع عليه الاتفاق بين كل الفرقاء والمذاهب، وإن إختلفوا في تطبيقاته. (19)
ولنا أن نتصور أن مرحلته الأولى قد أمتازت بكونه " حمل فيها على دلالته اللغوية الأصلية "(20)، وإن إتسعت دائرة الإشارة اللغوية إليه من خلال الإستعمال القرآني ومقاربة المفسرين وترسيم دلالته و معانيه من خلال سياق النص القرآني " ولقد وردت لفظة التأويل ((Hermeneutics في القرآن الكريم في ستة عشر موضعا(21) ً، على معان مختلفة تكاد تجمع عليها جل المدارس الإسلامية في التفسير على الرغم من إختلافاتها المنهجية ومقاصدها في التفسير "(22)، إذ يشير ابن تيمية رحمه الله إلى أن " التأويل في لفظ السلف له معنيان: أحدهما تفسير الكلام وبيان معناه سواء وافق ظاهره أو خالفه فيكون التأويل عند هؤلاء متقاربا أو مترادفا مع التفسير، وهذا – والله أعلم – هو الذي عناه مجاهد أن العلماء يعلمون تأويله، ومحمد بن جرير الطبري يقول في تفسيره: القول في تأويل كذا وكذا وإختلف أهل التأويل في هذه الآية ونحو ذلك ومراده التفسير، والمعنى الثاني في لفظ السلف هو الثالث من مسمى التأويل مطلقا هو المراد بالكلام نفسه، فإن الكلام إذا كان طلبا كان تأويله نفس الفعل المطلوب، وإن كان خبرا كان تأويله نفس الشيء المخبر به "(23)، ويكشف ابن تيمية أن بين المعنى الأول والثاني عند السلف بونا؛ وذلك لأن التأويل في المعنى الأول هو من باب العلم والكلام كالتفسير والإيضاح ويكون وجوده في القلب واللسان فهو له الوجود الذهني واللفظي والرسمي، أما التأويل في المعنى الثاني فهو الأمور الموجودة في الخارج نفسها، سواء كانت ماضية أم مستقبلية (24)، ولعل هذه النواة الدلالية الواحدة التي جمعت بين التفسير والتأويل بوصفهما مرادفين فرضتها التداخلات والتجاوزات في المنبع و الأصل اللغوي الذي تلتقي فيه بعض مرادفات المعاني المعجمية معا مما أفضى إلى ظاهرة الاضطراب الاصطلاحي في العودة إلى المنبع وحصرهم في فعل دلالي واحد، مما أدى بأبي فارس إلى القول بأن " التأويل والمعنى والتفسير واحد "(25)، وهو أمر لا نوافق عليه؛ لأن التفسير والتأويل مختلفان(26)، ولاسيما في عرف المتأخرين من المتفقهة والمتكلمة والمحدثة والمتصوفة، والتي بدأت بمعية مسائل الخلاف منذ فترة باكرة جدا وارتبط بالتأويل والخلاف " حول المحكم والمتشابه(27) من جهة، وبالخلافات السياسية والعقائدية من جهة أخرى "(28) ، ولعل إشكالية التراكيب النحوية وبلاغة المجاز عند أبي عبيدة،، والفراء، والجاحظ، وابن قتيبة، والقاضي عبد الجبار تعد وسيلة للتأويل (29)؛ لذلك فقد حدد مسار المجاز دائرة مشكل التأويل التي تصدى لها المعتزلة و كانت بمثابة شغل البلاغة القرآنية والعربية ومركز مدار التأويل بسياق دائري تتحكم فيه أنظمة معرفية في منظومة الخطاب الإسلامي، و يمكن أن تتحدد على وفق إتجاهات إرتبطت بصيرورة تاريخية وفكرية وثقافية في آلية و إجرائية التعامل مع النص القرآني فقد كانت في البداية إشكالية " بيان: ويتجه فيه التأويل من أولية اللفظ إلى أولية الدلالة ومركزه اللغة، وعقلي يتجه فيه التأويل من أولية اللفظ إلى أولية المعقول ومركزه المنطق، والصوفي يتجه فيه التأويل من أولية الظاهرة إلى أولية الباطن ومركزه الحقيقة، وباطني ويتجه فيه التأويل من أولية المعنى إلى أولية ما وراء المعنى ومركزه المعرفة "(30)، متبلورة بشكل مسارات في حركية الأنظمة المعرفية التي تطورت في صيرورتها الحضارية والثقافية مشكلة التأويل في صيغة مركزية اللغة والمنطق والحقيقة والمعرفة، والتي وسمت بالتأويل البلاغي (البياني) والتأويل العقلي والصوفي والباطني، وعليه يمكن القول أن تعريف التأويلية(Hermeneutics) تبلور عند الأصوليين والمتكلمين والبلاغيين والفلاسفة في حدود صرف اللفظ من معناه الظاهر إلى الباطن أو معنى يقاربه أو يحتمله(31)، ولو تأملنا تعريف التأويل المذكور آنفا لتجلى لنا عند معظم العلماء بأنه تفسير و تأويل الآية بمعنى غير المعنى الذي يقتضيه ظاهرها بموجب دليل يقتضي صرف معنى ظاهر اللفظ إلى معنى آخر وإلا كان التأويل فاسدا ومن اجل هذا فرق العلماء بين التفسير والتأويل فقال الراغب الأصفهاني " التفسير أعم من التأويل، وأكثر استعماله في الألفاظ وأكثر استعمال التأويل في المعاني كتأويل الرؤيا، وأكثر ما يستعمل في الكتب الإلهية، والتفسير يستعمل في غيرها والتفسير أكثر ما يستعمل في معاني مفردات الألفاظ "(32)، ويشير القشيري إلى أن " التفسير مقصور على الإتباع والسماع، والاستنباط مما يتعلق بالتأويل "(33)، ويزيد بعضهم قدرة التأويل ارتباطه بسياقات تتجاوز المعنى إلى الفهم إذ إن " التفسير يتعلق بالرواية، والتأويل يتعلق بالدراية "(34)، ولعل الفرق بين التفسير والتأويل من خلال أراء العلماء يقدم صورة متناقضة بين من يعدهما (التفسير والتأويل) مترادفين من خلال مرجعية معجمية تتجلى في أحدى دلالات المعنى المعجمي المرتبطة بين التأويل والتفسير ألا وهي المعنى اللغوي (الوضوح) إذ تشير الأوضاع اللغوية في الاشتقاق والتركيب إلى المعنى من غير التوسل بالآليات الاستدلالية الذهنية أو اللغوية، ولقد ذهب ابن تيمية إلى أن هذا هو المقصود من مصطلح التأويل " عند مجاهد والطبري"(35)، وهذا ما حمل أكثر العلماء القدامى، والمحدثين إلى القول إن التفسير، والتأويل مترادفان مؤكدين أن " الفرق السائد بين العلماء هو أن التفسير والتأويل واحد، لأنهم يسمون (التفاسير) جميع الكتب التي تتعرض للقرآن الكريم بتوضيح لفظ أو إظهار معنى لنص قرآني والعمل الذي يقوم به الشخص يطلقون عليه تفسيرا، كما أن مؤلفي التفاسير سموها بأسماء لا تنبئ بالتفرقة بينها فتفسير الزمخشري أسمه (الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الاقأويل في وجوه التأويل) والبيضاوي سمى تفسيره (أنوار التنزيل وأسرار التأويل)، وهذان العنوانان لا يدلان على أن صاحبيهما أقتصرا على معنى من المعاني الذي يمتاز فيه كتاب أي منهما باعتباره تأويلا دون التفسير أو العكس "(36)، ولا نذهب بعيدا في قولنا إن هذا الرأي بعيد عن الصواب؛لأن المعطيات الموضوعية لا تنسجم معه إذ إن كلا من تفسير الزمخشري والبيضاوي مقصود به التأويل وليس التفسير أو الترادف بينهما إذا انطلقنا من مشروعهما العقائدي المعتزلي، والذي كان أكثر علمائه يفرقون بين التأويل والتفسير لينسجم مع مشروعهم في التأويل العقلي الذي كان قائما على أنظمة معرفية وبيانية تنسجم مع العقل، والمجاز المعتزلي منطلقا من المجاز والعقل، و ما يفند هذا التصور أيضا هو ما أنبنى على تصور المعنى المعجمي الذي يرتبط بمعنى الوضوح للمصطلح وليس المعنى الاصطلاحي،فضلا عن أن مصطلح التأويل في الوقت الحاضر قد ارتسمت حدوده في كينونة أصطلاحية تبتعد به عن التفسير، ولاسيما بعد أن تداخل في علوم كثيرة كالفلسفة، والنقد الأدبي، والعلوم الدينية، والفنون، والتاريخ وغيرها، فضلا عن أن العلماء في الوقت الحاضر قد وضعوا حدودا ورسوما يميزون بها بين مصطلحي التأويل والتفسير.
وبناء على ما تقدم من النصوص التي تناولت التفسير والتأويل يمكننا القول بأن العلماء القدامى قد فرقوا بين التفسير والتأويل الذي تحقق في ثلاث ثنائيات متناقضة تنسجم مع حالة التطور والجدل الذي رافق مقاربة النص القرآني والظروف السياسية والاجتماعية التي بلورت ثنائيات الظاهر / الباطن، و النقل / العقل، و العموم / الخصوص، متجلية بصور مرتبطة بالمذاهب والفرق الإسلامية وتوجهاتها الفكرية والعقائدية وأنظمتها المعرفية التي تتماهى على وفق معطيات عتبة الانطلاق من العقل أو من النقل أو تقديم النقل على العقل مما أفضى إلى تكوين مدرستين مختلفتين في معطياتهما المعرفية والدينية هما، مدرسة العقل أو الرأي ومركزها الكوفة ومدرسة النقل ومركزها الحجاز، ويتمخض عن هذه المدارس علاقة تفاعلية جدلية بين الذاتية والموضوعية التفسير، والتأويل ترسم تخوم وحدود أستعمال التفسير والتأويل في علاقة مترابطة لا تتخلى أحداهما عن الأخرى في تركيب تأويلي يتجلى لنا في أن المفسر يقف عند حدود علوم القران (علوم اللغة) معتمدا في معرفته الأولى على الرواية متبعا جهود علماء اللغة لأن لها علاقة مع النص القرآني الذي تتناوله من جوانبه المختلفة(37)، المقترنة بالنص الذي يمثل المرحلة الأولى والتأويل يمثل مرحلة ثانية تلج أبعادا عميقة وباطنية تحتاج إلى حركة الذهن أو العقل إزاء النص (38)، مما يظهر أن التفسير حركة ظاهرية أفقية على سطح النص تعمل على وفق نطاق المتبادر والمعاني المباشرة؛لذلك فإنها فاعلية قطعية وأغلب آلياتها جزء من علم النص (الأدوات اللغوية) الكاشفة عن المعاني المتسطحة في تضاريس النص، أما التأويل (فهو حركة عمودية في طبقات النص وأعماقه تعمل في نطاق ما بعد المتبادر وغير المباشر من المعاني (39)؛ فهو فاعلية اجتهادية أغلب آلياته عقلية وفلسفية ترتبط بالمجاز والتصوف الذي يبحث عن المعاني المتوارية في أعماق النص (40)، مما حدا بالتأويل إلى أن يخضع لضوابط محددة بدقة تمنعه من الانجراف في متاهات قراءات لانهائية وغير محددة تذهب بالتأويل بعيدا عن معطيات النص، والتي تقدمها القراءة التفسيرية التي تعمل على وفق أفقية المسار يدخل التأويل معها في تماس عمودي مع النص و يقطع هندسيا نقطة من سطحه، في مرحلة الاستنباط والتفكير والتأويل الذي لا يعمل ما لم يعتمد على المسار الأفقي للنص؛ لأن التأويل له خصوصية عمودية المسار، ومما تقدم يمكن القول أن التفسير آلية من الآليات في المنظومة التأويلية(Hermeneutics) التي تتحدد بالانطلاق من النص ثم التفسير ثم التأويل في مقاربة تفسيرية تساعد التأويل على ضبط حدوده المنسجمة مع حدود النص.
ب. جنيالوجيا التأويل في الأصل الغربي:
لقد جاء مصطلح التأويلية بالفرنسية ((ermeneutica، والألمانية((hereneutics، والإنكليزية hereneutik))، والإيطالية(Hermeneutique) ، من لفظ إغريقي هو: hermeneuein (41)، أو hermenus الذي يعني " التفسير، التعبير، الإعلام، الترجمة "(42)، ولكن في الحقيقة أن الأصل الاشتقاقي لمصطلح الهرمينوطيقا(hermenseutics) يعود في جذوره إلى " الفعل اليوناني (hermeneuein) الذي يترجم عادة بالفعل يّفسرّ (interpretieren interpret) ومنه الاسم (hermeneia) أو التفسير((Interpretation) interpretation) "(43)، فضلا عن أن هذه الكلمة تنطوي على دلالة اشتقاقية ميثالوجية مرتبطة بأسطورة هرمس الذي عرف بوصفه رسولا للآلهة (44)، والجدير بالذكر أن أسم هرمس " مرتبط بوظيفة محددة هي ترجمة ما يجاوز الفهم الإنساني إلى شكل أو صورة يمكن للعقل الإنساني إدراكها مما يعني أن الصور المختلفة للكلمة تقترح عملية تحويل الشيء أو الموقف خارج نطاق الفهم إلى مجال الفهم، ويرتبط ذلك باكتشاف اللغة والكتابة بوصفهما أداتين يستخدمهما الفهم الإنساني لأدراك المعنى ونقله إلى الآخرين "(45)، وإن أستعمالات الهرمينوطيقا في دلالتها الإغريقية (Hereneutikec) تتمحور في ثلاثة معان أو إتجاهات:
1. تعبير: To say (نطق، كلام، ترجمة) أو التعبير من خلال كلمات.
2. تأويل: To explain (تفسير، إيضاح) كما في توضيح موقف ما.
3. ترجمة: To traenslute (نقل، تعويض الألفاظ) كما في الترجمة من لغة إلى لغة أجنبية(46)
وهذا لا يمنع من أن تحدث علاقات محايثة و متداخلة ما بين التأويل والترجمة في " اللسان الإغريقي، فلهما نفس الدلالة، لأن ترجمة النص واستبدال ألفاظه ومنطوقاته هي بالضرورة تأويل محتوياته، وإيضاح مضامينه، فالمترجم له وظيفة إيضاح وبيان الألفاظ الأجنبية والغريبة "(47)، كما نرى " غالبا _خاصة في الاستعمال الفلسفي_ أن نشاط المؤول هو بالضبط ترجمة(أو نقل وإيضاح) العبارات الغريبة والمبهمة إلى لغة مفهومة مستعابة من طرف الجميع "(48)، أما التعبير فهو " منطوق يكشف عن المقصود والمتواري، بمعنى الكشف عن خبايا النفس وسرائر الضمير عبر الكلام والتصريح "(49)، وإن هذا الارتباط التأويلي بالعبارة قد جرى " التحقق منه بواسطة أحد المعاني التقليدية لكلمة التأويل نفسها وهو المعنى الذي جاءنا من أرسطو "(50)، وإنه مما يثير الدهشة " بالفعل أن نجد عند أرسطو أن الهرمينوطيقا لا تتحدد بالمجاز، ولكنها كل خطاب دال، ويمكن القول أكثر من ذلك، إن الخطاب الدال تأويل، وهو الذي (يؤول) الواقع، ذلك بما أنه يقول (شيئا عن شيء)، وإذا كان ثمة تأويل، فذلك لأن التعبير يعد استحواذا واقعيا بواسطة التعابير الدالة، وليس خلاصة مزعومة من الانطباعات الآنية من الأشياء نفسها "(51)، ويكشف هيدغر في تصوره بأن أرسطو يقصد من اللوغوس أو القول " الكشف أو إتاحة رؤية الموجود الذي ينقل _ من خلال القول _ من التحجب إلى اللا تحجب، من الخفاء إلى الظهور، أي أن القول في صميمه كشف وإظهار "(52) ، وإن كان المشكل قبل ذلك قائما لدى سقراط وأفلاطون بصورة أخرى، إلا أن أفلاطون استطاع بنظريته المثل " أن يعطي للأسطورة دورا شارحا و مفسرا ومساعدا على فهم العمليات المنطقية التي أنيط بنظرية المثل أن تحققها وتكسبها الصياغة العقلانية المتماسكة"(53) ، وهذا يعني حسب تصور غادامير الذي ميز بين صيغة الرأي عند أفلاطون (Daxa) وبين العقل (Logos) الذي دعمه أرسطو، فالرأي الأفلاطوني أقل عقلانية لأنه لا تهيمن عليه أشكال البرهان المنطقي والعقلاني الذي نظمه أرسطو، إذ يكمن الرأي الذي ينبع من الجدل وفعله الحواري والذي يشكل مفتاحه السؤال في الممارسة التأويلية(Hermeneutics) الثاوية في قدرته على أن يكون العتبة أو مدخل الفهم (54)، وهذا في الأساس هو العلاقة الأولى والأكثر أصالة بين المفهوم التأويلي وبين الفهم الذي تشكل بصورة واضحة عندما أصبحت التأويلية(Hermeneutics) تمثل حقلا ثانويا من اللاهوت فإن الكلمة " التي كان يتوجب تأويلها هي كلمة الكتاب المقدس "(55)، التي تطورت في مسارها التأويلي عند فيلون الاسكندري وتأويله الرمزي، وأريجان في دلالاته الثلاثية للنص المقدس الثاوية في معانيها الحرفية والنفسية والروحية، والتي تأصلت في المدرسة الأوغسطينية أو المدرسة الفلسفية وفي عد اللفظ والمعنى شيئا واحدا (56)، ولكن هناك مسار يعود بجذور التأويل إلى المجهودات التي بذلها الأثينيون في العصر الكلاسيكي من أجل استخراج معنى الملاحم الهوميرية التي أصبحت لغتها تمتنع عن الفهم المباشر، في حين يؤكد بعض الباحثين أنها تعود إلى عشرات القرون مبتدئة في الإسكندرية لتخفت ثم تظهر في عصر النهضة والإصلاح عند مارتن لوثر لتتطور وتزدهر في عصر الأنوار والعصر الرومانسي (57)، وتشهد الأصول المعرفية والفكرية والفلسفية على أن المقاربات التأويلية(Hermeneutics) في إرهاصاتها الأولى تبدو غنية وكثيفة معرفيا وفلسفيا، و إن مفهوم التأويلية في إرهاصاته الأولى كما ذكرنا ينطوي على مجموعة من " المفاهيم الفرعية أو المقابلة التي تشير إلى أصناف مختلفة من العمليات التأويلية(Hermeneutics) الممارسة على النصوص كالفهم والتفسير والشرح والتأويل والترجمة والإيضاح. ..الخ وهذه الفعاليات التأويلية نجدها أحيانا مختلفة ومتمايزة أحيانا متطابقة ومتماثلة وأحيانا أخرى متداخلة ومتكاملة "(58)، وإن هذه التفريعات المتنوعة والمتداخلة من الممارسات التأويلية(Hermeneutics) قد تقلصت واستقرت ضمن وضعية المصطلح المعياري المحدد الكينونة في جانبيه الاصطلاحي والمفهومي التأويلية من طرف رجل الدين " دانهاور(1603 – 1666) في محاضرته عن (الهرمينوطيقا العامة) Johennkonrad Dommhawar قبل الرومانتيكية"(59)، وليتطور وينتعش في تأويلية الابستومولوجية عند شلايرماخر ودلثاي، متطورة إلى انطولوجية فلسفية في تأويلية الوجود عند هدغير وغادامير وريكور وتحولها إلى استراتيجيات التأويل في فكر إمبرتو إيكو وفش، و ازدواجية المغزى والمعنى النصي عند هيرش(60). والكتاب معنية في هذه الفقرة بالوقوف بإيجاز على جانب من إشكالية المصطلح بحوامله الإغريقية والغربية قاصدة الإشارة إلى ضرورة استئناف الحديث في الجوانب الفلسفية لكبار فلاسفة التأويل وهو ما سنتطرق إليه في سياق آخر من الكتاب.
يكشف مسار تطور حياة مصطلح التأويلية (Hermeneutics) عبر تعاريف كثيرة ارتبطت بالمراحل التاريخية والابستمولوجية التي تفضي إلى مزيد من التداخل والتنوع في كينونة المصطلح، والتي خلصت إليها الدكتورة صفاء عبد السلام علي جعفر مقتصرة على ستة تعاريف محددة متجاوزة بعضا منها، والتي سوف نضيف إليها تعاريف أخرى في هذا السياق لعلها تساعدنا على توضيح أو بلورة تعريف جامع مانع للهرمينوطيقا على وفق المنظور الغربي.
أما التعاريف فهي كالآتي: -
التأويلية: - هي نظرية تأويل الكتاب المقدس ، وهي علم مناهج الفيلولوجيا العام علم فقه اللغة، و هي علم الفهم اللغوي، و هي الأساس المنهجي للعلوم الإنسانية،وهي فينومنيولوجيا (ظاهراتية) الوجود والفهم الوجودي كما جاءت عند هيدغر، وهي انساق التفسير التي استخدمها الإنسان للوصول إلى معنى يتجاوز الأساطير والرموز(61)، والتأويلية تعني فن امتلاك كل الشروط الضرورية للفهم أو كما جاء عند شلايرماخر تجنب سوء الفهم(62)، أو هي فن أو آلية أو تقنية التأويل (63)، ويعرفها دلثاي بأنها فن تفسير الباقيات المكتوبة(64)، والتأويلية تعني الرمز أو جدل التفسير والفهم (65)، وكذلك هي " فن إيضاح وتدبر ما يقال بواسطة أشخاص آخرين نلقاهم في التراث "(66)، ويعرفها ريكور بأنها " نظرية عمليات الفهم في علاقتها مع تفسير النصوص"(67)، ولا نجانب الصواب في القول ان هذه التعاريف المتعددة والمتنوعة والمختلفة قد أضفت طابع الإشكالية الذي يؤدي إلى مخاض عسير لمن يحاول ان يتبنى تعريفا جامعا مانعا للمصطلح بما يخص الروافد الغربية والعربية التي أستعارت هذا المفهوم أو المصطلح مسببة إشكالية الأصالة والتبعية التي أدت إلى تعدد واضطراب المصطلح في المنبع والحاضن الثقافي الجديد فكانت الولادة العسيرة في تهجين مصطلح يلامس الواقع العربي المعاصر.
جـ. التأويلية بين الأصالة والتبعية
ترجمت كلمة التأويلية في اللغة العربية إلى: -
1. الهرمينوطيقا كمقابل للمصطلح الأجنبي (hermeneutique) (68) .
2. التفسيرية (herneneuties) (69).
3. علم أو نظرية التأويل أو التأويلية(Hermeneutics) (70).
4. فن التأويل (hermeneutuque) المشتقة من الكلمة الإغريقية (hermeneutike) المتضمنة على كلمة (techne) تحيل إلى الفن(71).
ولاشك أن سمة الخلط والغموض والارتباك تعود إلى إشكالية أساسية من إشكاليات الثقافة العربية المعاصرة، إذ يرتبط الأمر في الأصل بسببين أفضيا إلى الكثير من التخبط في الترجمات وأولهما إشكالية الأصل التي تتجلى في أنها تضفي على المصطلح الذي أنتجته الثقافة العربية في الماضي دلالات حديثة في ممارسة عملية انتزاعه من حقل معرفي واستعماله في حقل معرفي آخر دون أن تراعى كينونته وخصائصه ومميزاته المتصلة به في حقله الأصلي الأمر الذي أدى إلى أن يتغذى المصطلح بمفاهيم غريبة عن سياقه الثقافي والمعرفي، وثانيهما إشكالية التبعية المنطوية في عملية نقل المصطلح وتعريبه من ثقافة أجنبية إلى الثقافة العربية، دون مراعاة الخصائص والمميزات التي اكتسبها من البنية الثقافية الأصيلة التي نشأ وتشكل بها (72)، مما أدى إلى اشتباكات وتداخلات وتذويبات دلالية، واضطراب أفقد المصطلح تخصصه وحدوده وثباته الاصطلاحي، وفي خضم هذا الاضطراب والضبابية للمصطلح يمكن القول هل المطروح للجدل والمناقشة هو كلمة (Hermeneuein) اليونانية، أو كلمة (Hermenucs) الانجليزية، أو مصطلح (Heremeneutics) ؟!
وإن في اعتمادنا على آلية الوضع وتحقيق كينونة الاصطلاح، ومراعاة شرائع الأنتقال وحدود المصطلح يمكن القول إن مصطلح التأويلية(Hermeneutics) يمثل هوية متطابقة لمصطلح الهرمينوطيقا، ولا سيما في توجهاته المعرفية والسياقية لما يتمتع به مصطلح ومفهوم التأويلية(Hermeneutics) في جانب الأصالة التي ذكرناها وحددناها في دلالات التأويل لغة وأصطلاحا عند العرب، الذي أمتاز بخصائص الروية والعقل والبحث عن معنى مضمر أو مختفٍ في النص، الذي تحقق من خلال أنتقالات المصطلح من المفهوم البياني والعقلي والعرفاني والفلسفي وفي أرتباطاته بالنصوص الدينية التي تتماثل مع تطور حياة مصطلح التأويل في السيرورة التاريخية العربية مع حياة مصطلح الهرمينوطيقية الغربية ووفقا للتحولات الفلسفية، والاجتماعية، والمعرفية، والثقافية التي أضافت أبعادا جديدة لهذا المصطلح من تأويل الغامض و المبهم التي تتماهى مع خصائص المصطلح العربي التأويلية(Hermeneutics)، ووقوعه في دائرة الشعر والاحتمالات وتعدد المعاني لترتسم جغرافية و كينونة على وفق حدود فاصلة مؤدية إلى فض الاشتباك والاضطراب بين آلية التفسير الأفقية للنص وعمودية التأويل النصي في جدلية الظاهر والباطن، وفي ضوء ما تقدم فإننا نتفق مع عزت محمد جاد في أصطفاء التأويل كصوت دال تحده الخصوصية الدلالية في ثقافتنا العربية الذي يتساوق مع حدود المصطلح الغربي في تصوره الحديث(73)، هذا ما يخص حدود المصطلح، أما فيما يخص معرفة المفهوم و تعريفه فإننا يمكن أن نتبنى تعريفا من خلال قراءتنا التي قدمناها في سياق الكتاب في دلالة التأويل لغة واصطلاحا وحياتهما وسيرورتهما التاريخية التي أرتبطت بكينونة المصطلح في الثقافة العربية والغربية.
فالتأويلية(Hermeneutics): في عرف الكتاب هي القوانين أو القواعد الفعلية المنطوية على فن الفهم، والتفسير، والشرح، والتأويل، والترجمة، والتطبيق الكاشفة عن المعنى الخفي أو الباطني في النصوص الدينية، وغير الدينية معممة في الخطاب، والرموز، والأساطير، وفعاليات وسلوكيات وتجربة الإنسان بموجب قرينة أو دليل في أنساقها النصية، وسياقاتها الخاصة بها تساعد على فهم مقاصدها النصية والإبداعية متجلية فيها فهم النص، و الوجود، والحياة، والذات المؤولة.
ب. السيرورة التاريخية للتأويلية:
قبل الولوج في سرد السيرورة التاريخية والفلسفية والفكرية لمراحل تطور التأويلية(Hermeneutics) عند الغرب في العصر الحديث لابد أن نتوقف عند تأويل النصوص المقدسة
1. تأويل المدونات المقدسة:
تشتغل المدونات الهرمسية و الغنوصية بمنظومة فلسفية تناقض وتقوض مبادئ حدود العقل والمنطق الأرسطية مبدأ الهوية، ومبدأ التناقض، والثالث المرفوع، والنسقية الخطية للسببية أو العلة والمعلول، وإن سبب تقويض أو هدم المنطق الأرسطي هو في لحظة التقاء الدين بالفلسفة ووساطة الحقيقة التي تجلت عند اليونانيين في العقل الذي له سلطة متحكمة من خلال منطقه ومبادئه التي تصل إلى الحقيقة(74)، ووساطة الوحي أو النبي التي كانت لها أدواتها الذوقية والحدسية والإيمانية التي تناقض مبادئ العقل وأمام هذه الإشكالية التي تلاحقت وأمتزجت بين الديانة المسيحية واليهودية والفلسفات الإلحادية الأفلاطونية والأرسطية تطلب الأمر وجود وسيط آخر يمكن من خلاله الوصول إلى الحقيقة، فكانت المدونات المقدسة من التوراة والإنجيل المتبئرة في المركزية اللغوية ومنطقها مرتبطة بعصور وظروف ثقافية وفكرية؛لذلك أحتاجت إلى إعادة إنتاج دلالتها من خلال رسول هرمسي يفسر ويؤول رمزية ومجازية الخطاب المقدس الذي تكمن في باطنه الحقيقة، وإن الفلسفة الأرسطية والأفلاطونية هي الأدوات التي يستخدمها المؤول لكشف بواطن النص المشكلة لمشروعية الشريعة واللاهوت والتلمود اليهودي و الدين المسيحي المتجلية في الفلسفات التوفيقية بين الدين والفلسفة التي ارتكزت على معطيات هذا الخطاب والنصوص التي بمرور الزمن أصابها الغموض والتمويه ومجازية اللغة ففتحت على ضوء ذلك حدود المعنى في صيرورة اللامتناهي فاحتاجت إلى تأويل النصوص لمعرفة حقيقة الإله والكون، إذ اتخذ تأويل النص التوراتي عند فيلون مسارا رمزيا من خلال لغة الحوار والتلاقي بين التراث الديني التوارتي وتيارات الفلسفة المختلفة ولاسيما الأفلاطونية ومصطلحاتها في الإسكندرية،إذ جاءت تأويلات فيلون تحمل طابعا فلسفيا بالإضافة إلى ذلك الطابع الديني _ الروحي(75)، ويبدو أن الاتجاه التوفيقي الديني/ الفلسفي لم يكن محصورا باليهود فقد رسم اوريجين مقاربة توفيقية فلسفية للنص المقدس المسيحي يرى بموجبه أن تأويل عبارة النص المقدس لها معنيان " احدهما ظاهر والآخر عميق روحي وبينما يتوقف العامة عند الأول، فإن العارفين _ وهم الفئة الأقل _ يغوصون ليدركوا الثاني؛ لذلك سمي بصاحب عقيدة الأيمان المزدوج "(76)، وبصيغة أخرى أن رسالته تنتقل من الحرفية إلى الروحية مشكلة العلاقة بين حرفية رسالة العهد القديم وتاريخيته وبين المعنى الروحي الذي يكشف الإنجيل عنه بعد حين(77)، و يترسخ حضور أوغسطين في عملية ولادة جديدة للفكر الفلسفي المسيحي من خلال المخاضات التي كانت نقطة بداية لتشكيل منظومة فلسفية جديدة كانت بمثابة البداية أو البذرة " الأولى للاهوت المسيحي"(78)، فكانت الوثبة و البؤرة الحقيقية في الفكر الاغسطيني الذي شكل منظومته المعرفية والتأويلية التي تجسدت في حالة التوفيق بين العقل والإيمان من خلال التأويل الذي يساعد على الفهم، لأن الإيمان لا يقبل الفكر وبذلك أعلن اغسطين في قوله " افهم كي تعتقد، واعتقد كي تفهم "(79)، أما أصالة أوغسطين " فتكمن في عد اللفظ والمعنى شيئا واحدا فاللفظ يدل على المعنى وهذا الأخير ليس شيئا مفارقا ومتعاليا على القالب اللفظي الذي يحتويه وينطوي عليه "(80)، وبعد أن ترسخت الفلسفة الأفلاطونية في إطار اللاهوت بمرور الزمن وتحت ضغط الظروف الثقافية والحضارية في القرن الثالث عشر وبتأثير النهضة الأرسطية الجديدة حاول اللاهوت الديني التوفيق بين الدين والفلسفة الأرسطية في فلسفة توما الإكويني، إذ عبر " عن حقائق الدين المسيحي مستعملا ثقافة العصر وهي مفاهيم أرسطو واصطلاحاته، ولاسيما بعد أن أصبحت مشاعة بين الجميع "(81)، فاستعارها لأنه لم يجد تعارضا " جوهريا بين الميتافيزيقيا الأرسطية والميتافيزيقيا المسيحية في سياق يوافق مضمون العقلانية الأرسطية "(82)، وهكذا تمثل التوافقية الأرسطية الاكوينية ذروة الفكر الفلسفي العقلي في لحظة البداية لمرحلة فلسفية ونهاية مرحلة ، فالبداية كانت في الإرهاصات الفلسفية التجريبية عند روجر بيكون والنهاية لفلسفة العصور الوسطى التي تمخض عنها حركة الإصلاح الديني المتمثلة في منظومة الخطاب اللوثري (مارتن لوثر) وروحه النقدية الجريئة على سلطة الكنيسة، والبحث عن حرية الفرد والإيمان والعمل على نقل " العهد القديم من اللغة اللاتينية إلى اللغة الألمانية، وأنكر دور الكنيسة وسيطا بين الإنسان والله، وإن خلاص الإنسان لا يتم بالأفعال والأسرار والطقوس بل بالإيمان وحده، و الفضل الإلهي مجاني دون استحقاق الكنيسة، والكنيسة للنفوس وليست للأبدان، ولا تتأسس الحقيقة الدينية على التراث وقرارات الكنيسة وبيانات البابوات بل على الإنجيل وحده "(83)، وكان مبدأ لوثر الرئيس القائل " تتوقف الكتابات المقدسة على تأويلها الذاتي "(84)، وورث استبنوزا روح الإصلاح الديني المتجلي في النقد التاريخي للتوراة المتبلور في المنهج التفسيري الذي يقوم على أبعاد ثلاثة الشعور التاريخي ووظيفته نقل الوحي شفاهيا أو كتابيا وضمان صحته وضبطه عبر التاريخ، والشعور الفكري ومهمته فهم الوحي بعد تأكيد صحته وتفسيره هو تحويله إلى أسس نظرية للسلوك، والشعور العملي ومهمته تحويل الوحي بعد التأكد من صحته وفهم معناه إلى أنماط السلوك والى مناهج عملية في الحياة حتى يصبح الوحي نظاما للعالم(85)، ولكن حركة الاصلاح الديني قد أصابها المغالاة والتطرف والذاتية في التفسير مما دفع رجال الدين إلى وضع القواعد اللازم إتباعها في التفسير، فصدر أول " كتيب يتضمن لفظة الهرمينوطيقا عام 1654 وعنوانه: Hermeneutica- sacrasive methodus exponendar sacranm literauim أي (التفسير المقدس أو منهج شرح النصوص المقدسة) "(86)، لدانهاور الذي يعد بمثابة أسس اللوغوس الجديد للتأويلية التي تميزت بصفة " عالمية التأويلية من خلال عالمية الحقوق والثيثولوجيا والطب، وحاول من خلال ذلك تأسيس (الحقيقة الهرمينوطيقية) باستخدام جدل المعنى الحقيقي والمعنى الخاطئ، وباستخدام المنطق الكلاسيكي "(87)، و كان هدفه " تبيان أن كل المعارف والعلوم إنما قاعدتها التأويل بمعنى تفسير منهجي ووجيه للأشياء والتصورات، وعد التأويلية علما تمهيديا وعاما يمنح العلوم الأخرى أدوات معرفية قصد تبيان دلالة الأشياء وترجمة ما هو غامض ومبهم في النصوص وأصطلح دانهاور على هذا العلم التمهيدي باسم تأويلية عامة "(88)، وأكد الوضوح من خلال " الانصراف عن التخريجات الرمزية، ثم محاولة تبسيط المعاني الظاهرة في النص "(89)، مقاربا بين كون المصطلح تقنية أو منهجا إذ إن محاولة دانهاور وضع " تأويلية شاملة بوصفها منهجية جديدة، وكان سعيه وضع اركانون شبيه باركانون أرسطو يسعى نحو الوصول للمعرفة اليقينية "(90) التي فتحت عصر النهضة على فضاء تأويل.
2. عصر النهضة وفضاء التأويل
يعد عصر النهضة حلقة الاتصال العقلي بين العصر الوسيط والعصور الحديثة المتوجهة نحو المستقبل على عكس الإصلاح الذي كان متوجها نحو الماضي ينقده ومحاولا إعادة بنائه طبقا لروح العصر، ويمكننا أن نميز عدة تيارات في عصر النهضة قد تتداخل فيما بينها أحيانا ولكن يجمعها صفة الثورة على القديم وإرهاصات للتجديد وإعادة تقييم ونقد الدراسات والفلسفات ويمكن أن نختصر هذه التيارات في الأفلاطونية، والمذهب الإنساني الذي يجعل الإنسان بؤرة الكون، والطوباوية، والشك المذهبي والعلم التجريبي(91).
وإن هذه التيارات و المخاضات الفلسفية ساعدت على تطور مسار التأويلية(Hermeneutics)، لذلك سنقصر الحديث على أهم أعلام التأويل الذين مثلوا الجذور و الخلفية المعرفية التي ساعدت على تشكيل أراء شلايرماخر، فقد حاول كلادينيوس (Chludeius) من خلال التأويلية أن يزيل اللبس والغموض عن النص المكتوب و المنطوق فقد ألف " مقدمته لتأويل صحيح للخطابات والكتابات العقلية، إذ فتح به أفقا جديدا للتأويلية نقلها من الإطار المنطقي التقني لدانهاور إلى الفلسفة ولقد قدم طريقتين لوظيفة العقل: واحدة تتقاطع مع المعرفة وهي مستغلة التفكير والاكتشاف والأخرى تطرح كيف تفهم الكتابات الأولى(92)، مميزا بين آلية العقل في إنتاج النصوص والروائع والآثار و بين فن التفسير في تأويل هذه المنتجات الفكرية والنظرية "(93)،
وتتوسع حدود التأويل عند ميي (meier) في أنها لا تتوقف عند حدود النصوص المكتوبة إذ إن هدف " ميي توسيع البعد العالمي للهرمينوطيقا إلى كل البشر والطبيعة سواء كانت نصوصا أم تشكيلات خطابية أم فنونا جميلة أم معادلات رياضية "(94)، ومحاولة هذه سيميوطيقا أو سيميائية تأويلية تتحدث عن التأويل كعلم علامات فيقول ميي " كل تعلم من اجل هدف الأشياء أو العلامات، فمن العلامات نذهب نحو الأشياء، إذ تطبق فليس الخشب الذي رماه موسى في البحر، وليس الحجر الذي وضعه يعقوب على رأسه، وليس حيوان (الكبش) الذي عوض بابن إبراهيم هناك ما هو واقعي وهناك الدلالات "(95)، ولقد ظهرت تأويليات أخر كتقوية أو تأويلية الرحمة إذ يرى (فرانك) أن تأويلية الرحمية جاءت من الرحمة فعنده أن العواطف تسكن في كل كلمة وفي الروح، إنها تسكن في الخطاب والاتجاه الرحمي هو هنا ضد تشييء الحروف والخطاب.
ويطور فريدريك آست (1778-1841) التأويلية(Hermeneutics) من خلال عنايته بالروح الفردية الميتافيزيقية إذ يعد الشكل والمضمون وحدة كلية و روحية تعبر عن الروح الداخلية في لحظة الاتحاد بالحياة ومن هنا فهم آست الكتابات اليونانية من خلال ثلاثية تاريخية، ونحوية، وروحية، وإن الفهم الروحي يمثل أعلى درجات الفهم ويعد الجانب التاريخي والنحوي للغة يعبر عن جانب من الحياة أما الجانب الروحي فهو الذي يعبر عن وحدته العامة أي فهم روح الشاعر و الكاتب و العصر فالفردية هي فهم كلية المفردة من خلال الكلية انه منهج تحليلي وتركيبي التفكير في الكلية داخل الفردانية إنها دائرة تربط الجزء بالكل والكل بالجزء، وحاول (دراوس) أن يجعل التاريخ علما له قوانينه الخاصة المضبوطة وفرق بين (الطبيعة والتاريخ) فالطبيعة هي فضاء مكاني، يتكون من هوية واستقرار وثبات، أما الزمن / التاريخ فيتكون من التغيير والتطور والانتقال، وإن الطبيعة التاريخية لها علاقة مع الطبيعة الإنسانية الروحانية التي تطرح ثنائية علوم طبيعة وروحية، فالعلوم الطبيعية تتابع قوانين الظواهر الملاحظة أما جوهر علوم التاريخ ففهم الأفق المنهجي الذي يقوم على فهم الأفكار والإحداث التاريخية وهذا ما سيطوره دلثاي فيما بعد.
ويحصر دراوسن التأويل التاريخي في التأويل البرغماتي ويحدد وضعية الحدث نقديا، ويضع للتأويل شروط الزمان والمكان إذ ينطلق الشرح من الجغرافية ساحة المعركة وغيرها (الزمان التاريخي)،أما التأويل السيكولوجية فيبحث عن حالة للأشياء والأفعال اللاإرادية للمنتج وتأويل الأفكار، أي أن الفرد يصنع عالما ضمنا أطر أخلاقية لحياته، وبذلك يتحول التاريخ إلى وسائل ومسائل مادية ومضمون أخلاقي (96).
3. شلايرماخر(97) والتأويلية العامة (العالمية):
تبدأ الحركة الحقيقية اللااقليمية (العامة) في محاولة شلايرماخر الانتقال بالتأويلية " من مجال التأويلية اللاهوتية إلى مجال العلوم الإنسانية ليضع بذلك نظرية متكاملة لفهم النصوص في كتابه المسمى (الهرمينوطيقا الألمانية) الصادر 1819 "(98)، فكونها " (علما) أو (فنا) لعميلة الفهم وشروطها في تحليل النصوص، وهكذا تباعد شلايرماخر بالتأويلية(Hermeneutics) بشكل نهائي عن أن تكون في خدمة علم خاص ووصل بها إلى أن تكون علما بذاتها يؤسس عملية الفهم وبالتالي عملية التفسير"(99)، بل انه لم يعد يكتفي " برؤية الممارسة التأويلية وهي تخرج من دائرة الاستخدام اللاهوتي لتمس النصوص الفلسفية والقانونية والتاريخية والأدبية وغيرها من النصوص غير الدينية، بل راح يعارض الكاثوليكية والقبالة ويؤكد ضرورة التخلي عن الطرائق المقبولة والمعتمدة في تأويل النصوص المقدسة، وأن تعم على هذه الأخيرة مناهج التأويل المطبقة على النصوص الدنيوية "(100)، محددا مهمة التأويلية في فكرة غاية في العمق والأصالة وهي أن عملية التأويل " تبدأ عندما يحدث سوء الفهم للنص، أو أن النص يبدو أنه صار غير مفهوم "(101)، لأننا معرضون تلقائيا " لسوء الفهم أكثر من كوننا نفهم بكيفية صحيحة ومناسبة ولاسيما أذا تقدم النص في الزمن وصار أكثر غموضا والتباسا بالنسبة إلينا "(102)، إذ يتصور شلايرماخر " أن النص عبارة عن وسيط لغوي ينقل فكر المؤلف إلى القارئ "(103)، وفي هذا الإطار وضع شلايرماخر جانبين أساسيين النفسي (التقمصي)، والجانب اللغوي، وإن العلاقة بين الجانبين علاقة جدلية ، ومن خلال هذه الجدلية بين الجانب النفسي واللغوي شكل شلايرماخر الدائرة التأويلية التي تكون في حالة حركة من الانتقال بين الجزء والكل والكل والجزء في دائرة لانهائية " وإن هذه الدائرة تعني أن عملية فهم النص ليست غاية سهلة بل عملية معقدة ومركبة"(104)، وسنتوقف عند هذا الحد كوننا سنخوض في الحديث عن مقاربة شلايرماخر في مبحث آخر، ولكن ما يعنينا قبل خاتمة هذه الفقرة هو أنه على الرغم من النقلة الهامة للتأويلية على يد شلايرماخر وتحويلها إلى فن مستقل وحرصه على وضع قواعد ومعايير لعملية الفهم، فثمة انتقاد لشلايرماخر هو "أن إعادة قراءة النص والتاريخ والتعامل مع التراث بصورة عامة، لا يؤدي بالضرورة إلى سوء فهمه دائما، ولكن على العكس من ذلك تماما، فقد يشكل التأويل لحظة تاريخية حاسمة في الفهم للوضعيات الحرجة التي يمر بها الإنسان "(105)، فضلا عن أن رموز قصدية المؤلف تصطدم مع قصدية النص التي تحاول أن تبني و تنشئ عالما خاصا بها يختلف عن قصدية المؤلف وهذه إحدى انتقادات ريكور وغادامير وزيادة على ذلك فإن " شلايرماخر يطالب المؤول رغم استحالة هذا التطابق أن يساوي نفسه بالمؤلف، وإن يحل محله متجردا بذلك من تجربته الخاصة ووضعيته التاريخية الراهنة، في حين أن هذه المساواة التي يجعل منها الأساس الضروري للفهم الصحيح مستحيلة من الوجهة المعرفية "(106)، وخصوصا إذا تعاظمت " الهوة التاريخية التي تفصل بينهما وإن نغمة الرومانسية التي كانت تسم موقف شلايرماخر، جعلته يقصي تجربة المؤول الراهنة التي تنطلق منها عملية الفهم لصالح تجربة الكاتب الذاتية وعملية الإبداع المولدة للنص واللتين أصبحتا هدف الممارسة التأويلية ومدارها "(107)، أما البعد الابستمولوجي للتناقض الفلسفي فقد " وقع فيه شلايرماخر بين الأولوية التي يعطيها للتأويل الموضوعي (الصرامة المنهجية) وإمكانية أن يكشف التأويل الذاتي عن حقيقة النص عبر تجربة (تخمينية تكهنية) (التموضع في موقع الكاتب) العامل النفسي في فهم النص "(108)، وهي ما يناقض الصرامة المنهجية، ومهما يكن من أمر فإن شلايرماخر هو صاحب الفضل في نقل التأويلية من الجانب الديني الثانوي إلى علم خاص به ومن البحث عن المعنى إلى الفهم، وكذلك عمل على وضع القواعد والقوانين الخاصة بالتأويلية(Hermeneutics) وبهذا " يعد شلايرماخر بحق أبا التأويلية الحديثة وللمفكرين الذين جاءوا بعده، سواء بدأوا من الاتفاق أو الاختلاف معه"(109)، ولقد توسع دلثاي في الممارسة التأويلية من خلال دفع التأويلية إلى الإشكالية التاريخية إذ إن دلثاي كما يقول ريكور هو الذي علق " الإشكالية الفقهية اللغوية والتفسيرية على الإشكالية التاريخية وهذا التوسع بمعنى الكونية الأكبر"(110) ماهيأ نقل التأويلية إلى فلسفة الحياة.