eKtab
EN ع
التفافة العابر في ظله
اقرأ عينة مجانية

التفافة العابر في ظله

بقلم محمد أبو اللبن

صفحة 1

الوقت في المنزل

عجوزاً كان البحر،
متَّكئاً على عصا
يتمشى،
بغرَّةٍ بيضاءَ،
يقترب مني...
موجةً موجةً
يقطع المسافة والوقت،
أقربَ أقربَ حتى يهمس:
متى تعود طفلاً وتحلم بي؟
والخيالُ كعادته يهِيجُ في غموضِ الهمس
ويُضيِّعُ أغلبَ الحديث...
صفحة 2

I

السِّيَرُ لا تكتمل
يطولُ الشَّعرُ أشيبَ أشيبَ
وتصفو العينان كمرجٍ
وتعبرُ رائحةُ مطبخٍ لذيذٍ إذ تعبرُ
جدّتي بقامتها القصيرة تمسكُ اليومَ من أوَّله
وتوزِّعه بالتساوي على الجميع.
وجدّي، المرايا تعكس وجهَهُ في الصباح
كسيدٍ في حكايةٍ: دافئٌ صلبٌ
بمعطفه الطويل وقبَّعة الفرو
وشمسيةٍ برأسٍ من عاج..
يُخبِّئ في جيوبه شهادة ميلادٍ بثلاث لغاتٍ
عربيةً وعبريةً وإنكليزية
ولوزاً وفستقاً
وشهوةً ناقصة.
وبعد خمسين سنةٍ، وعشرةِ أولادٍ، وثلاثة عشر حفيداً،
وكثيرٍ مما عصف بحياتهما وبالحياة حولهما من رحيل...
كلَّ صباح تَلمسُ جدّتي عضو جدّي وخصيتيه لتُلبسه حزام الفَـتـْقِ،
غيرَ مكترثةٍ إلا لطرف الحزام المثقوب،
ولدفءٍ بسيطٍ دخل يديها.
أما هو فيتنهَّدُ من همِّ الحياة ولا ينتبه لخيط البرودة الـمُنسَلِّ بين رجليه.
والموتُ حَمَامٌ على الشُّباكِ وقف
يَنقُرُ لجدّي كي يصحو...
سماءً مكدَّرةً مضى!
صفحة 3

II

ليست الوَحدَةُ وميضاً مفاجئاً
يصفعُ خدودَهنَّ أمام المرآة
ولا وصفاً لشيء...
عالمٌ ساطعٌ،
لفرطِ ما فركنَهُ علتْ وجناته حُمرة.
طفحَ الخوفُ والشَّوقُ،
الصمتُ، اللهفةُ، المشقَّةُ، اللعنةُ الغامضةُ،
وطفحت خيالاتنا الجالسةُ إلى طاولة الغداء
متعبةً من انتظار القادمين:
ربَّما تأخروا على الحدود
أو أنَّهم أصلاً تأخروا في الخروج
وقد يكونون الآن على بُعدِ شارعٍ منَّا يخمِّنون تعبَ
انتظارنا..
من بيروت إلى دمشق
يجلسُ؛
مُغبَرَّاً من عتمة الملجأ
وطولِ الرحلة؛
على خدِّ عمَّتي الكبرى،
عنقود عنبٍ كاملٌ أسمر
وحمةٌ دقيقةُ الرسمِ عاليةٌ
نكبُّ عليها ما طفح منا
فتلمع عمَّتي وأولادها من النجاة.
سيزيد من اليوم الكثير...
بعد لَمِّ الفطور وتنظيف البيت والطَّبخ
ستزيد ساعة الظَّهيرة
حيث عمَّتي الوسطى
تُريح عُنوسَتَها على السرير،
وجهُهَا نحو الشباكِ يطلُّ من الطابق الثالث،
ونَفَسُهَا منخورٌ بالرَّبو...
ولا شيء،
لا شيء ساعتها
سوى روح عمَّتي
تتشمّس في ساحاتٍ صاخبة
فائضةً عن حاجة العائلة!..
أمَّا الصغيرة فتبقى صغيرةً
تُضلِّلُ الزَّمن في عرجتها،
من ثِقل شمسٍ صغيرةٍ في فخذها
تعرج
لا من جرح عميلةٍ قديم.
* إنْ حفظتَ جدول الضربِ لكَ مني حكاية...
* وإنْ جلستَ عاقلاً حتَّى أُنهي دورة حياة الفراشة
أصنع لكَ شراب التوت.
كلُّ شيءٍ موعده مؤجَّل!
فلا جدول الضرب يُحفَظ،
ولا كتاب العلوم ينتهي،
ولم تصلْ يوماً حكايةٌ،
ولا التوتُ تَقَطَّر غامقاً جارح الحلاوة
من كذبةٍ لا تَصْدُقُ فتكبر
ويصيرُ للموتِ موعدٌ في النهاية.
صفحة 4

III

في درجاتِ الفرقِ بين الأشياءِ وظِلالِها
من أوَّلِ النهارِ يغطِّي كرسيَّ أمِّي المفضَّل
إلى القمر يَطلعُ على أيِّ سطحٍ يراه،
يجدُ ضوءٌ مكانَه.
فلكلِّ غرفةٍ حينٌ
ولكلِّ حينٍ ضوءٌ
وللضوءِ طرقٌ في اصطياد البصر.
منزلُنا عندَ البحر!
هذا شكلُ النهار في الحمَّام
من نافذةٍ عريضةٍ عالية،
زرقاء
تُرى السَّماء
تَسيْلُ من النافذة على جدرانٍ وأرضيةٍ زرقاء
تنسكبُ في أحواضٍ زرق
بيجامتي زرقاء
وفرشاة أسناني كذلك
والماءُ الذي يغسلُ ما تبقى من نعسٍ أزرقُ
....
كلُّ هذا الأزرق ولا بحر؟!
لا بحرَ في دمشق؟!!
ضبابانِ يكتنفان العَجَلَةَ في الصباح
بخارُ القهوة الدَّافئ
حول جدّي وجدّتي
يتمايل،
وسياطُ المطر تقشِّر الطُّرقات
وأنا بينهما
يلسعني برد تأخُّري في صوت أصحابي
قادماً من باحة المدرسة
إذ يردِّدون الشِّعار ولست بينهم،
ويُثقِلُ جفنيَّ انتظارُ رشفةِ قهوةٍ أخرى
يتركانها لي في صحن الفنجان.
صفحة 5

IV

ولـمَّا مرَّ
من شقوقِ الحائطِ وبعضِ رطوبةٍ في السَّقف
تركَ في إِثرِه
وجوهاً وأشكالاً كما في الرسم...
هكذا يُعبِّرُ عن نفْسهِ، بهدوءٍ،
الوقت...
وعلى الشباكِ مرّ
باردٌ يعلوه غَبَشُ أنفاسِ المنزل.
قطرةً قطرةً
تسيلُ كلماتُ الواقِفِ أمامه:
منذ برهةٍ خَطَّها بإصبعه،
بلا سببٍ،
وراحَ ينظر عبر وضوحِها إلى الشتاء في الخارج...
وقطرةً قطرةً
راح يسيل.
صورةً صورةً،
وتحتَ زجاجِ المكتب،
تصطفُّ الحياة:
بيضاءَ وسوداءَ بنيةً وملونة
تُمسِك شبهاً بين الشُّخوص،
غامضاً
كشقٍّ صغيرٍ في النظرة،
تعبر منه أولى خُطا اللاجئين الثَّابتة
في رحلة الشتات.
مِنْ هنا...
صفحة 6
مِنْ هنا مرَّ الوقت
مِنْ حيرةٍ في إيجاد الوصف.
قفزٌ على حصان الخيال
كانوا لتوِّهم يكتشفون تسمُّم البئر
فصرخوا..
وانقطعتْ الكهرباء.
لم أرتوِ بعدُ من الحكاية، بقي على نهايتها القليل،
لكن الكهرباء قد انقطعت
وثمَّة ما لا يُقاومُ من دفعِ الخيال:
ولدٌ ونمرٌ مضيا على سطحِ سفينةٍ تقصِدُ كَنزاً مستحيلاً،
ليس وحدَهُ ولدُ السفينة مصاباً بسِحْرِ ذي الرجل الخشبية:
شريرٌ، قويٌ! جميلٌ! واسعٌ كبحر!...
"سيلفر"!
طويت رجلي وربطتُها وتأبَّطتُ عصاً وصرخت:
أنا "سيلفر"،
فطار من عَتمَةِ التلفاز ببغاءٌ ساطعُ الألوان
وحطَّ على كتفي...
.....
كانوا لتوِّهم يكتشفون تسمُّم البئر...
لا بُدَّ أنَّ معركةً ستندلع الآن فيما تبقى من الحكاية،
أشير بعكَّازي جهة التلفاز وأبدأ بالقفز على رجلٍ واحدة:
هجوم..
صفحة 7
أرى حولي قراصنتي، وأمامي حصنٌ بدأ محاربوه يطلقون النار…
لا يُعجبني الدور فأقفز إلى الحصن وأصير الرجل الرمادي "غراي"
عصايَ بندقيةٌ وما أجِدُه مِنْ أقلامٍ سكاكينٌ لرميٍ لا يُخطئ.
أُبدِّل دوري من جديد.. لا دور يرويني وحدَه،
لو أنَّ لي فنَّ "النينجا" لانقسمت ولعبت أدوار الجميع.
وتَسوقُني الحَسرَةُ بلا هديٍ فأقفز
من جزيرة الكَنزِ إلى مغامراتِ الفضاءِ، إلى ساسوكي، وبيبيرو
عند "بيبيرو" يعلو صفيري طالباً حصاني
أقفز إلى أقربِ كرسيٍ ويبدأ العَدْوُ..
ينكسِرُ الحصان فأراني أَسقُطُ في هاويةٍ
لا شيءَ سينقذني إلا نَسري الذهبي...
للظهيرةِ طعمُ ضجرٍ مختلف
محبوسٌ في الحلقِ كعطش.
وللكهرباء؛ إذ تعود؛ عودةَ مسافرٍ أطال الغياب،
كنَّا، في البيت والبناء والشارع والمدينة كلِّها أحياناً...
نصرخ مسحورين بعودته
أو بانكسار الحصان!
في الثلاثين من عمري
لستِ أقلَّ مما وصفوكِ!
رائحةُ خطوكِ في الحاضر
تلتبسُ،
لي منكِ غمضة العين
أو أقلُّ،
ومرارٌ في الحلق
وأغانٍ..
صفحة 8
أغاني السكارى في آخر الليل
ضلّوا الطريق في أعمارهم
بين فتىً في البيت ما زال يلعب
وآخرُ كبر،
كأي شيءٍ كبر،
كأمه وأبيه،
كعنبٍ في حكايته
كبر حتى صار خمرَها
وراويها
ودِنانَ التفاصيل.
/
ذاويةٌ أغاني السكارى،
بعضُ كلماتٍ وشبح لحن
تكفي لأطرَبَ
وأمُسَّ قلبي:
آهٍ كم أنتَ بعيد!
وكم للصحب القدامى أسماءٌ تشبه أسماءهم
مذ نزلوا عن ظهر القصائد
ومضوا والدنيا على وزنٍ للعيش طفيف!
صفحة 9

هناك.. في دمشق

أغنيةٌ بعيدةُ المنالِ
فرحُكَ السرّي،
غامضةٌ،
لا يُعكِّرُها وَقْعُ الأمل
وقد انكسر...
جالساً على عتبة البابِ
مُسنِداً ظلَّ البيت بالانتظار،
لا شيءَ يسلوكَ
إنَّما:
هدوءُ الشارعِ لحظةَ انقشاعِ الظلِّ عن وجهكَ
وعبورُ ابنة الجيران، لحظتها،
أعطوا لقلبكَ سبباً للعمل.
لستَ حزيناً صباحَ الجمعة
طاشَ من نومكَ حلمٌ
فَشَجَّ صحوكَ
واختلط الزمانُ عليك:
كأنَّه يومٌ انقضى!
فالأشياءُ تشبه نَفْسَها
.. كأنَّها قبلَ قليل!
وكأنَّه بعدُ ما انجلى!
الحياة جديدةٌ كلُّها
.. كأنْ لم تنكسرْ بمستحيل!
لستَ حزيناً صباحَ الجمعة...
لستَ حزين.
صفحة 10
شمسُ أوَّلِ الصيفِ
تُلمِّعُ رماديَّ المدينةِ
وتُشعُّ في الغبار..
غُبارِ كل شيء،
هباءٌ لأثرٍ بقي منه القليل...
تصل متأخِّراً آخر المشوار،
في الطريق صُدفةً
أمسكَ حبٌّ قديمٌ أُذنَكَ
وهمس:
تبدو أكبرَ من عمرِكَ،
حائراً أكثرَ
وودوداً!
صرتَ كذلك؟
أم أنَّني من جديدٍ
أرسُمُك حبيبي؟
.. في الطريقِ صُدفةً
انفرط منك عِقْدُ الكلام،
دَفْقُ العاطفةِ
وعالمٌ بك ماد...
لِمَ لا يضيعُ طريقُ عودَتِكَ من الحلم مرةً
فتمشي طريقاً لآخره!
وطارَ قلبكَ.. طار
حتى صارَ أغنيةً
أنا اسمي ما أُبصرُ من مدىً
يقصو بعد حدِّ الخيال
واسمي ما انقضى من زمنٍ
أو عَلِقَ من أثر الـمُحال
واسمي ما أمسكْتُ بحصوةِ الآنِ
الزلقةِ سريعة الزوال...
وكان سيلٌ من صخبٍ
وفقرٍ
وضجر...