تقديـم
يُطرح مصطلح الأعمال الإلكترونية مع مصطلحات مرادفة أخرى مثل الإدارة الإلكترونية (e-management) والتجارة الإلكترونية ((e-commence وغيرها من المفاهيم التي أنتجها الاقتصاد الرقمي للإنترنت وتكنولوجيا المعلومات والشبكات.
لذلك فإن هناك حاجة لتمييز هذه المفاهيم عن بعضها الآخر، وتحليل المكونات والعناصر المشتركة والمتباينة التي تجمعها وتفرقها وبخاصة في مجالات تطبيق تقنيات الأعمال الإلكترونية.
لكن قبل الدخول في تحليل العلاقة بين المفاهيم التي أشرنا إليها آنفاً نجد من الضرورة تقديم تعريف واضح لمفهوم ومصطلح الأعمال الإلكترونية ومجالات تطبيق هذه الأعمال في الاقتصاد الجديد.
1-1 مفهوم الأعمال الإلكترونية e-Business
ربما من المستغرب أن نقول أن مصطلح الأعمال الإلكترونية لم يمض عليه حتى نصف عقد، حيث ظهر لأول مرة في سنة 1997 عندما استخدمت شركة (IBM) هذا المصطلح في إطار سعيها المكثف لتمييز أنشطة الأعمال الإلكترونية عن أنشطة التجارة الإلكترونية.
وقد عرفت شركة (IBM) الأعمال الإلكترونية بأنها مدخل متكامل ومرن لتوزيع قيمة الأعمال المميزة من خلال ربط النظم بالعمليات التي تنفذ من خلالها أنشطة الأعمال الجوهرية بطريقة مبسطة ومرنة وباستخدام تكنولوجيا الإنترنت. بهذا المعنى تصبح الأعمال الإلكترونية نتاج علاقة الارتباط بين موارد نظم المعلومات التقليدية وقدرات الوصول السريع إلى شبكة الإنترنت والويب بما في ذلك القدرة على ربط نظم الأعمال الجوهرية مباشرة مع الأطراف المستفيدة مثل الزبائن، الموردون، العاملون وغيرهم.
إن الأعمال الإلكترونية هي استخدام تقنيات العمل بالإنترنت والشبكات لتطوير أنشطة الأعمال الحالية أو لخلق أنشطة أعمال افتراضية جديدة.
أما التجارة الإلكترونية (e-commerce) فهي استخدام وسائل إلكترونية لتمكين عمليات التبادل بما في ذلك بيع وشراء المنتجات والخدمات التي تتطلب النقل بصورة (رقمية أو مادية) من مكان إلى آخر.
ضمن هذا السياق فإن التجارة الإلكترونية هي مجرد بعد أو وجه رئيسي من أوجه الأعمال الإلكترونية مثل البريد الإلكتروني (e-mailing) والتسويق الإلكتروني (e-marketing) والمصارف الإلكترونية (e-banking) والهندسة الإلكترونية (e-engineering) والتجهيز الإلكتروني (e-supplying) وإلى غير ذلك من أنشطة الأعمال الإلكترونية.
ويمكن تحديد إطار عمل التجارة الإلكترونية في حدود النظام الذي يتيح عبر الإنترنت (والشبكات الأخرى) حركات بيع وشراء السلع والخدمات والمعلومات. كما يتيح أيضا الحركات الإلكترونية التي تدعم توليد العوائد مثل عمليات تعزيز الطلب على تلك السلع والخدمات والمعلومات حيث أن التجارة الإلكترونية تتيح عبر الإنترنت عمليات دعم المبيعات وخدمة العملاء. ويمكن تشبيه التجارة الإلكترونية بسوق إلكترونية يتواصل فيها البائعون (موردون أو شركات أو محلات) والوسطاء (السماسرة) والمشترون، وتقدم فيها المنتجات والخدمات في صيغة افتراضية أو رقمية، كما يدفع ثمنها بالنقود الإلكترونية.
على هذا الأساس، نستطيع أن نستنتج أن علاقة الأعمال الإلكترونية بالتجارة الإلكترونية هي علاقة الكل بالجزء، العام بالخاص، والمنظومة بأبعادها، والتكنولوجيا المتعاضدة بتطبيقاتها. الأعمال الإلكترونية إذا هو مصطلح ومفهوم متعدد الأوجه والأبعاد بحكم طبيعته المتنوعة وأنماط تطبيقاته المتباينة والمرتبطة بأنشطة تبادل المعلومات التي تتم عبر شبكات وأجهزة الاتصالات. ويتضمن مصطلح الأعمال الإلكترونية كل الأنشطة التي تؤدي بطرق سهلة إلى السماح لإيجاد الموردين والموزعين ورجال البيع وغيرهم أو تقديم المعلومات والخدمات وتنفيذ الأنشطة الخارجية (مثل أنشطة إدارة سلاسل التوريد) بصورة فورية ومباشرة عن طريق استخدام شبكة الإكسترانت (Extranet).
وتؤثر نظم الأعمال الإلكترونية في عملية إدارة المعرفة وفي أنشطة تشارك المعارف بين المديرين والموظفين وحملة الأسهم والمستفيدين حيث يستطيع هؤلاء استخدام شبكات الإنترانت الداخلية أو شبكات الإكسترانت الخارجية للولوج إلى قواعد البيانات والمعلومات والمشاركة في موارد مستودعات البيانات ونظم المعلومات حسب الصلاحيات الممنوحة في أي وقت يريدون.
باختصار، تمثل الأعمال الإلكترونية توليفة متعاضدة من العمليات والنظم الرقمية التي تتيح للمنظمة أن تدير علاقاتها البيئية الداخلية والخارجية وأن تتجاوب معها بما في ذلك استشعار تحديات المنافسة والمنافسين، وتهديدات بيئة الأعمال الحالية والمتوقعة، وتحديد الفرص الموجودة والمنبثقة واستشعار احتياجات الزبائن. إضافة إلى تنظيم عمليات التجاوب والاستجابة الاستراتيجية مع متغيرات بيئة الأعمال بالوقت الحقيقي (Real Time).
2-1 الأعمال الإلكترونية والإدارة الإلكترونية
قبل كل شيء، يرى بعض خبراء تكنولوجيا المعلومات أن الإدارة الإلكترونية هي باختصار الأعمال الإلكترونية أو أن الإدارة الإلكترونية لا تعني شيئاً آخر غير إدارة وتوجيه وتنفيذ الأعمال الإلكترونية.
وهذا الرأي الوجيه يحمل الكثير من عناصر التوصيف الدقيق لحدود ومجالات عمل الإدارة الإلكترونية. ولكن من ناحية أخرى يضع الإدارة الإلكترونية في قالب الأعمال ويفصلها بصورة غير مباشرة عن مجال الحكومة الإلكترونية. ولهذا السبب جاء مصطلح الحكومة الإلكترونية (e-Government) للدلالة على عمل الإدارة الإلكترونية في المؤسسات أو المنظمات العامة وبغض النظر عن طبيعة ونوع النشاط أو الخدمة العامة المقدمة سواء كانت سياسية، اقتصادية، ثقافية، أو اجتماعية. وعليه فإن التبادل الإلكتروني لتوزيع المعلومات وتقديم الدعم والإسناد للزبائن هي أنشطة بطبيعتها غير تجارية لكنها أنشطة أعمال. لهذا فإن مصطلح الأعمال الإلكترونية أوسع من مفهوم التجارة الإلكترونية وربما سيحل مفهوم ومصطلح الأعمال الإلكترونية رويداً محل التجارة الإلكترونية على مستوى التسمية الاصطلاحية، أو على مستوى عناوين حزم العتاد والبرامجيات المساندة لأنشطة التجارة والأعمال الإلكترونية.
فاهتمام الأعمال الإلكترونية هو في تحريك المعلومات إلكترونياً بين المجالات الوظيفية للمنظمة وعملياتها الموجهة للبيئة الخارجية وذلك من أجل تعظيم المنافع المترتبة على استخدام تكنولوجيا المعلومات (النظم والأدوات) وتوزيع هذه المنافع لتشمل الموردون، الصانعون، الشركاء، الموزعون، تجار الجملة، التجزئة، وغيرهم من الوسطاء والزبائن. وتتلخص عملية تعظيم المنافع المترتبة على استخدام نظم وتقنيات الأعمال الإلكترونية بتحقيق مزايا مضافة (Added Advantages) على المنافسين عند تخطيط وتنفيذ أنشطة الأعمال المختلفة مقارنة بالمعايير السائدة في السوق أو هيكل الصناعة. هذا لا يعني أن الأعمال الإلكترونية هي حوسبة الأنشطة والوظائف. فالحوسبة بدرجات متفاوتة كانت موجودة في السابق وبدأت مع دخول الحاسوب لمنظمات الأعمال. لكن الجديد في الأعمال الإلكترونية هو تكوين منظمات شبكية ترتبط عبر الخط المفتوح (Online) مع زبائنها ومستفيديها من جهة، وخلق نسيج متكامل من الوظائف والأنشطة التي تنفذ إلكترونياً في داخل المنظمة من جهة أخرى. أي ربط عمليات الإنتاج، التسويق، الشراء، التمويل والمحاسبة، والبحوث والتطوير بأنشطة التوزيع والبيع وخدمات ما بعد البيع وتسويق العلاقة مع الزبائن.
ويمكن توصيف الأعمال الإلكترونية بأنها توليفة شبكية إلكترونية من البنى التحتية لتكنولوجيا المعلومات، والتطبيقات البرمجية، وتكنولوجيا الإنترنت، وتقنيات الويب، وغيرها بما يتيح تبادل المعلومات وتنفيذ الأنشطة والعمليات، وصنع وتطبيق استراتيجيات الأعمال بشكل كفوء وفعال.
وتضم الأعمال الإلكترونية مجالات رئيسية مهمة بالإضافة إلى التجارة الإلكترونية وهي مجالات إدارة المعرفة والعمليات. ففي الوقت الذي تربط نظم الأعمال الإلكترونية الإدارات والعاملين مع بعضهم في داخل المنظمة عن طريق شبكة الإنترانت (Intranet) تسمح هذه النظم بتقديم خدمة تفاعلية للزبائن ولقاءات افتراضية معهم.
مفهوم ومنظومة الأعمال الإلكترونية تعني إدارة الأعمال إلكترونياً على مستوى المشروعات أو المنظمات الخاصة بينما تعني الحكومة الإلكترونية الإدارة الحكومية (العامة والإلكترونية). أي الوظائف العامة والخدمات الحكومية التي يجري تنفيذها بالوسائل الإلكترونية إلى الجمهور العام بهدف تقديم الخدمة الحكومية والمنفعة العامة.
وهكذا نرى أن الإدارة الإلكترونية باعتبارها منظومة متكاملة وبنية وظيفية وتقنية مفتوحة هي إطار يشمل كل من الأعمال الإلكترونية للدلالة على الإدارة الإلكترونية للأعمال، والحكومة الإلكترونية للدلالة على الإدارة الإلكترونية العامة أو الإدارة الإلكترونية لأعمال الحكومة الموجهة للمواطنين، أو الموجهة للأعمال، أو الموجهة لمؤسسات ودوائر الحكومة المختلفة.
ما نريد أن نقوله في هذا الصدد أن الإدارة الإلكترونية هي مفهوم ومنظومة وبنية وظائف وأنشطة تجّب كل الأنشطة والعمليات في مستوى الأعمال الإلكترونية من جهة والأعمال الحكومية الإلكترونية من جهة أخرى. وكما قلنا فيما يخص علاقة الأعمال الإلكترونية بالتجارة الإلكترونية حيث وصفنا هذه العلاقة بعلاقة الكل بالجزء والعام بالخاص فإن هذا الأمر ينطبق على علاقة الأعمال الإلكترونية بالإدارة الإلكترونية. فالإدارة الإلكترونية هي تكوين أشمل وأوسع من الأعمال الإلكترونية مثلما أن الأعمال الإلكترونية نفسها هي أوسع وأشمل من التجارة الإلكترونية. بمعنى آخر، إنَّ الفكرة الجوهرية التي يستند عليها هذا الكتاب هو التمييز بين الإدارة الإلكترونية والأعمال الإلكترونية والتمييز بين الأعمال الإلكترونية والتجارة الإلكترونية.
إن الإدارة الإلكترونية تتكون من بعدين رئيسيين هما الأعمال الإلكترونية (e-Businesses) والإدارة العامة الإلكترونية أو ما يسمى الحكومة الإلكترونية (e-Government). والإدارة العامة الإلكترونية بدورها تصنف إلى فئتين هما: التجارة الإلكترونية (e-Commerce) والأعمال الإلكترونية غير التجارية مثل إدارة سلسلة التوريد أو التجهيز، التسويق الإلكتروني، إدارة شبكات الإنترنت والإكسترانت وما يرتبط بها من أنشطة وعمليات وغير ذلك من أنشطة وعمليات الأعمال غير المندمجة مباشرة بمعاملات لبيع وشراء السلع والخدمات والمعلومات. ويمكن تصنيف فئة الأعمال غير التجارية حسب نوع التطبيق أو نوع النشاط الذي تتضمنه أو حسب نمط التكنولوجيا المستخدمة. فهناك أنشطة وظيفية في داخل المنظمة ترتبط كما ذكرنا بحزم عتاد وبرامج شبكة الإنترنت وبنظم تخطيط موارد المشروع. وتوجد حزم عتاد وبرامج أخرى ترتبط بتكنولوجيا الإكسترانت وبنظم دعم العلاقات البيئية مثل نظم مساندة قرارات الزبائن أو نظم إدارة العلاقات مع الزبائن وغيرها. وقد يجري تصنيف الأعمال الإلكترونية على أساس نوع وطبيعة النشاط الذي يجري إسناده مثل نظم التحويلات المالية الفورية، نظم إدارة سلاسل التوريد والتجهيز، ونظم تنظيم الدفعات أو النظم الشبكية للتوزيع وغيرها.
أما فيما يتعلق بالتجارة الإلكترونية فهي تضم بشكلها الحالي تجارة إلكترونية من الشركات إلى الزبائن الأفراد (Business-to-Consumer)، ويشار إليها اختصاراً بالمصطلح B2C وهي تمثل التبادل التجاري بين الشركات والزبائن الأفراد. والتجارة الإلكترونية من الشركات إلى الشركات (Business-to-Business)، ويشار إليها اختصاراً بالرمز B2B، وهي تمثل التبادل التجاري الإلكتروني بين شركة وأخرى. وهناك من يصنف التجارة البينية للأفراد ((Consumer-to-Consumer كجزء من التجارة الإلكترونية ويشار إليها بالرمز (C2C).
البعد الآخر للإدارة الإلكترونية هو الإدارة العامة الإلكترونية للأعمال والوظائف الحكومية الموجهة للمواطنين أو لقطاع الأعمال أو بين مؤسسات الدولة ووكالاتها وأجهزتها عبر استخدام منظومات تكنولوجيا المعلومات والشبكات. أي أن الحكومة الإلكترونية ببساطة هي إنتاج وتقديم الخدمة العامة باستخدام الوسائل الإلكترونية.
وتتوزع أنشطة الحكومة الإلكترونية على ثلاثة مجالات مهمة هي:
1- علاقة الحكومة بالمواطنين G2C.
2- علاقة الحكومة بالحكومة G2G.
3- علاقة الحكومة بالأعمال G2B.
وهكذا تتضح العلاقة الحميمة بين مفاهيم الإدارة الإلكترونية (e-Management) والأعمال الإلكترونية، والحكومة الإلكترونية والتجارة الإلكترونية.
فالأعمال الإلكترونية هي بعد مهم من أبعاد الإدارة الإلكترونية التي تطوي في داخلها الإدارة العامة الإلكترونية أيضاً. ومع ذلك، فإن هناك قاسماً مشتركاً يجمع كل هذه المنظومات والمفاهيم مع بعضها. هذا القاسم المشترك هو شبكة الإنترنت والاستخدام المكثف لكل من تكنولوجيا العمل بالإنترنت والشبكة العنكبوتية العالمية (WWW).
إن الأعمال الإلكترونية- وكما هو الحال أيضاً في المنظومات الأخرى تدور في فلك شبكة الإنترنت وتستفيد من تقنياتها ومن القدرات المهمة التي توفرها شبكات أخرى تستخدم تقنيات الإنترنت مثل شبكات الإنترانت (Intranet) والاكسترانت (Extranet) باعتبارهما الخيار التكنولوجي الأول للأعمال الإلكترونية، (Technology of Choice). وبدون هذه الشبكات يصبح من غير الممكن تكوين بيئة معلوماتية متفاعلة وتلقائية لتطبيقات المنظمة الداخلية والخارجية وذلك عن طريق استخدام وسائل وقنوات الاتصال الإلكترونية.
وأخيراً، تمثل الأعمال الإلكترونية مع إطلالة القرن الواحد والعشرين خياراً تكنولوجيا حتمياً في ضوء فرص وتحديات عولمة الأعمال، عولمة المنافسة، والاستخدام المكثف لتكنولوجيا المعلومات كسلاح فعال في المنافسة أولاً وكأداة لا غنى عنها لاكتساب الميزة التنافسية الاستراتيجية في لعبة الأعمال. ناهيك عن دور الأعمال الإلكترونية في خلق نماذج جديدة للأعمال وبالتالي خلق فرص استثمار جديدة لم تكن مطروقة من قبل، بل ولم تكن تخطر ببال حتى أصحاب الرؤى الاستراتيجية من رواد الأعمال.
لقد أخذت الأعمال الإلكترونية مدّيات من الاتساع وطرقت آفاقاً جديدة شبيهة بالاستكشافات الجغرافية للعالم الجديد أو للاختراعات الجوهرية التي شكلت منعطفات أساسية في تاريخ البشرية. ويكفي أن نلقي نظرة على شركات الإنترنت التي لديها رصيد كبير من الإنجازات والتي حققت نمواً وأرباحاً خلال أقل من عقد واحد. وقصص النجاح لهذه الشركات كثيرة مثلما قصص الفشل كثيرة أيضاً وهذا من طبائع الأعمال. فالنجاح والفشل لا يقتصران على قطاع دون غيره أو على نموذج للأعمال دون غيره من النماذج التقليدية المختلفة عنه. لكن من حكم المؤكد أن لعبة الأعمال تغيرت، وأن قواعد هذه اللعبة تغيرت أيضاً، وإن النجاح في الأعمال التقليدية لا يضمن أبداً النجاح في الأعمال الجديدة وإن اللاعبين الكبار هم في مقدمة من تواجههم تحديات الانتقال إلى الأعمال الإلكترونية بصورة جزئية لتعزيز فعالية الأنشطة التقليدية أو لخلق نماذج جديدة للأعمال الإلكترونية.
3-1 فرص جديدة للأعمال الإلكترونية
ذكرنا من قبل أن تطور الأعمال الإلكترونية خلال السنوات الأخيرة قد أدى إلى ظهور فرص أعمال جديدة، كما فرضت تحديات كبيرة أمام الإدارة. ولم تكن هذه الصورة واضحة قبل الآن لأن الأعمال الإلكترونية لم تكن في السابق أكثر من ربط إلكتروني داخلي ضمن المؤسسة الواحدة ومواقع للتجارة على شبكة الإنترنت منفصلة عن الأنشطة الداخلية للمنظمة.
لكن مع ظهور مرحلة التكامل العضوي المتبادل بين تطبيقات الأعمال الإلكترونية وأنشطة المنظمة الداخلية من جهة وأنشطة المنظمة الخارجية وبصورة خاصة إدارة سلاسل التوريد من جهة أخرى أصبحت الصورة أكثر وضوحاً وأعمق تفصيلاً أمام الإدارة الحديثة.
ونشهد اليوم استخدام تقنيات الأعمال الإلكترونية لخلق تأثير جذري على طرق تنفيذ الأعمال وعلى ابتكار نماذج جديدة لها.
وتدفع الأعمال الإلكترونية وتقنياتها باتجاه خلق وتعزيز الفرص الجديدة للأعمال والتي يمكن تلخيص أهم مظاهرها فيما يلي:
1- خلقت الأعمال الإلكترونية ما يعرف بنموذج الأعمال الجديد الذي يقوم على فكرة تكوين وتنفيذ الأنشطة من دون حدود تنظيمية وقيود تكنولوجية. بكلمات أخرى، تعني الأعمال الإلكترونية إدارة الأعمال الحديثة العابرة للحدود التنظيمية والقيود التكنولوجية.
ويستند نموذج الأعمال الجديد على الحقائق التالية أيضا:
لم تعد الموجودات المادية للمنظمة عاملاً أساسياً في التقسيم المالي لها.
لم يعد كبر حجم المنظمة يتطلب زيادة متناسبة في التكاليف.
لا توجد في نموذج الأعمال الجديد محددات مالية أو تقنية تمنع الدخول إلى المعلومات وقواعد البيانات من قبل الأفراد العاملين في المنظمة أو من قبل زبائنها وشركائها.
إن تأسيس شركات ذات وجود عالمي لا يحتاج إلى فترة استعداد وتأسيس طويلة واستثمارات مالية ضخمة.
هذا يعني وجود اختلاف عميق وشامل بين نموذج الأعمال الجديد ونماذج الأعمال التقليدية
2- انبثاق المنظمات الخبيرة (Expert Organizations) التي ستقوم بنقل كميات كبيرة وهائلة من المعلومات المجتمعة واستثمارها لخلق ما يعرف بذكاء الأعمال (Business Intelligence) أو الذكاء التنظيمي الذي سيساعد المنظمات على إدارة وتنفيذ أعمالها بكفاءة وفعالية. وهذا يعني أيضاً المحافظة على موارد ومعارف ومهارات الأفراد والعاملين من خلال فتح نوافذ المعرفة ((Knowledge Windows للمنظمة وإدارة المعرفة ومواردها (رأس المال الفكري) لتحقيق الميزة التنافسية الاستراتيجية.
3- تغير الأسس التي تقوم عليها الميزة التنافسية (Competitive Advantage) لأنشطة الأعمال وبصورة خاصة تجارة التجزئة حيث سيختفي الوسطاء تقريباً ويحل محلهم المنتجون الذين سيتولون تلبية احتياجات المستفيد النهائي مباشرة ومن خلال استخدام وسائل الأعمال التقليدية. وبدلا من أنشطة التوسيط التقليدية سيحل محلها وسائل إلكترونية جديدة في الفضاء الرقمي التي أطلق عليها (Nicholas Carr) مصطلح (Hypermediation).
4- ظهور المنظمات الافتراضية وشركات (الدوت كوم) ونشوء أنشطة ومجالات غير مطروقة سابقاً للأعمال عبر شبكة الإنترنت سواء في مجال التجارة الإلكترونية أو خدمات الاتصالات وتبادل المعلومات. وتنعكس هذه الظاهرة على طبيعة العمل الإداري حيث سيحل العمل الافتراضي محل المكتب الإداري، وفرق العمل الافتراضي التي تتكون من أفراد يعملون في أماكن مختلفة وأوقات مختلفة محل اللجان أو المجموعات التقليدية التي تجتمع وتعمل في مكان محدد وضمن برنامج مسبق.
5- تساعد تقنيات الأعمال الإلكترونية على تطوير فهم صحيح للبيئة وتحسين علاقة المنظمة مع القوى الفاعلة والمؤثرة في الخارج. كما تساعد هذه التقنيات كل من المديرين والعاملين على إنجاز أهدافهم وأهداف المنظمة وذلك من خلال تزويدهم بأدوات ثمينة وفاعلة لتنفيذ أدوارهم القديمة والجديدة.
6- توفر الأعمال الإلكترونية مزايا جديدة لمنظمات الأعمال نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
1- القدرة على اختراق أسواق جديدة وتوسيع أعمال المنظمة.
2- تحسين الأداء الاستراتيجي للمنظمة سواء من خلال توفير قنوات الاتصالات الإلكترونية والتكامل الوظيفي أو تقديم الدعم المباشر لسلاسل التوريد وسلاسل التوزيع التي تربط المنظمة مع مورديها وشركائها أو زبائنها.
3- تخفيض تكلفة إنجاز الأعمال الإدارية وغير الإدارية مما يعني تحقيق مزايا على المنافسين الآخرين أو على الأقل توفير قاعدة تطبيق استراتيجية التمييز واستراتيجية قيادة قلة التكاليف.
4- إدارة علاقات المنظمة بزبائنها بسهولة ومرونة مع توفير بيئة عمل ملائمة لكل زبون وذلك عبر استخدام أدوات ونظم الأعمال الإلكترونية أو نوافذ بوابات الأعمال (Business Portals) على شبكة الويب.
هـ- توفير الخدمة ذات الجودة الشاملة للزبائن طوال الوقت وعلى الخط المفتوح وبتكلفة أقل وعائد أكبر للمنظمة.
فضلاً عن ذلك، تساعد الأعمال الإلكترونية على ابتكار أنماط وأساليب عمل جديدة، وخلق نماذج جديدة للأعمال من خلال بناء وجود فاعل ومتميز للمنظمة على شبكة الإنترنت وفي عالم الأعمال الرقمية.
4-1 التأثير الاستراتيجي للإنترنت في الأعمال الإلكترونية
لقد أصبح الإنترنت عاملاً رئيساً في الأعمال الإلكترونية. ويتساءل المديرون في كافة منشآت الأعمال، الصغيرة والكبيرة معاً، عن مدى وطبيعة تأثير الإنترنت على الأعمال الإلكترونية. فالشركات صارت تستخدم الشبكات الكونية (Global Networks) والابتكارات التكنولوجية (Technological Innovations) كموجودات فعالة (Powerful Assets)، وأصبح التسويق الإلكتروني أداة أكيدة لضمان حصول هذه الشركات على ميزة تنافسية. وهكذا، فإن شبكة الإنترنت حملت الكثير من المصالح التجارية على إعادة التفكير في الكيفية التي تدار بها الأعمال، وصار العديد من أصحاب الأعمال والمسؤولين التنفيذيين في هذه الشركات يوجهون السؤال التالي إلى أنفسهم: "لو كانت الإنترنت موجودة بشكلها الحالي عندما تأسست الشركة، فهل كانت لتزاول أعمالها بالطريقة نفسها التي تزاول بها أعمالها اليوم؟" إذا كانت الإجابة "لا" فلماذا لا يحدث التغيير الآن؟ هل يمكنك تطوير سوق خاصة بك؟ كيف يمكنك التنافس بشكل فاعل مع الشركات غير الموجودة على الشبكة وتلك الموجودة عليها؟
إن أحد تأثيرات الإنترنت الأكثر دواماً قد تكون بدأت لتوها في الظهور. فطريق المعلومات الفائقة السرعة تعد بتغيير المعاملات التجارية تغييراً شاملاً. وتستطيع الإنترنت أن تنشئ سوقاً عالمية لكل شيء تقريباً. وفي إطار التجارة الإلكترونية هذا، تصبح التجارة الرقمية مضمونة، وتصبح الأعمال عالمية وتنطلق القدرة على الابتكار من عقالها متحررة من أي قيد.
ولكن تطوير الأعمال الإلكترونية هو أكثر من مجرد مسالة بنية تحتية. إنها متصلة اتصالاً وثيقاً بتطوير بنية تكنولوجيا المعلومات التحتية وتطبيقاتها بشكل عام، وتطوير بنية الإنترنت التحتية بشكل خاص. كما أنها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بسياسات تجعل الإنترنت سهلاً ومتاحاً ومحبباً من قبل الجميع، بمعنى بناء وترسيخ ونشر ثقافة تكنولوجيا المعلومات والإنترنت على كافة المستويات، بين الأشخاص أنفسهم، وبين الأشخاص والشركات، وبين الشركات نفسها. وهناك الكثير من العقبات القانونية والتنظيمية التي تعترض طريق تطوير تجارة إلكترونية حرة من القيود ومأمونة، وهو ما سنتناوله في هذا الكتاب لاحقاً.
5-1 استخدامات الإنترنت من قبل منشآت الأعمال
أصبح الإنترنت اليوم سوقاً إلكترونية، حيث تتنامى استخداماته بشكل ملفت للنظر من قبل منشآت الأعمال على اختلاف أنواعها. ومن أبرز المؤشرات على النمو الذي حققه قطاع الأعمال الذي يتبنى الإنترنت ازدياد عدد المطبوعات والنشرات الإلكترونية مثل عالم الإنترنت (Internet World) ورسالة الإنترنت (Internet Letter) وتقرير الإنترنت الخاص بالأعمال (The Internet Business Report) ومجلة إنترنت الأعمال (The Internet Business Journal) والمجلة المعروفة باسم (Bits and Bytes Online) وغيرها كثير.
فالعديد من الشركات تستخدم الإنترنت لأغراض الاتصالات الإلكترونية (Electronic Communications) ونقل البيانات (Data Transfer)، وبحوث التسويق (Marketing Research) وتكوين واجهات المخازن الإلكترونية (Electronic Storefronts). وهناك مئات من الشركات التي باتت تستخدم الإنترنت لتسويق سلعها وخدماتها. ومن أبرز أسباب استخدام الإنترنت لضمان التواجد في السوق الإلكترونية نذكر الآتي:
العولمة (Globalization)
الميزة التنافسية (Competitive Advantage)
احتواء الكلفة (Cost Containment)
المبيعات والتسويق (Sales and Marketing)
الاتصالات الإلكترونية (Electronic Communications)
وسنحاول إلقاء الضوء بإيجاز على كل سبب من هذه الأسباب.
فبخصوص العولمة، يوفر الإنترنت للشركات التي تتحرك باتجاه السوق الإلكترونية شبكة من الاتصالات الكونية (Global Communications Network) التي تعتبر حيوية لضمان حضور كوني لهذه الشركات. فالإنترنت يسمح للشركات على اختلاف أحجامها بمتابعة العملاء على أساس عالمي.
كما أن استخدام الإنترنت كأداة تسويقية يتيح للشركات فرصة أكبر لتزويد الملايين من العملاء المحتملين والفعليين بأحدث المعلومات حول المنتجات والخدمات والتطورات التكنولوجية والبحوث. وباللجوء إلى الإنترنت، تصبح الشركات أكثر قدرة على الوصول إلى المعلومات بما فيها قواعد البيانات الحكومية وإحصائيات الصناعة وممارسات المنافسين.
ويتيح الإنترنت المجال أمام الشركات التي تتعامل إلكترونياً بأن تفعل ذلك بأقل التكاليف الممكنة، حيث أن الإنترنت يوفر عليها أموال طائلة لأنه يغنيها عن إجراء تعاملاتها التجارية وفق الأساليب الورقية التي تكلف جهداً ومالاً كبيرين. علاوة على ذلك، فإن استخدام الإنترنت يسهل على العملاء إمكانية الحصول على معلومات عن المنتجات والخدمات والإعلانات والأسعار والتسليم وخدمات ما بعد البيع وغيرها. وتوفر الإنترنت فرصة ذهبية للشركات للوصول إلى شبكة الاتصالات الإلكترونية الدولية التي تسهل الاتصالات وعمليات التفاعل بين العملاء والمشترين والمنافسين في أقصى بقاع العالم.
تصنيف استخدامات الإنترنت
غالباً ما يصنف الإنترنت إلى فئتين رئيسيتين، حيث تتناول الفئة الأولى طبيعية الأهداف والمهام التي يحققها الإنترنت للشركة التي تتعامل من خلاله، أما الفئة الثانية فهي تعتمد على تصنيف الاستخدامات استناداً إلى أنواع المجتمعات أو التجمعات الإلكترونية (Electronic Communities) التي يساهم الإنترنت في تكوينها.
فالإنترنت، وفق الفئة الأولى، يساهم في تحقيق الآتي:
تكوين وعي في السوق حول سلع وخدمات الشركات.
توفير الدعم والإسناد للعملاء أو الزبائن.
بيع السلع والخدمات.
تطوير إعلانات خاصة بالشبكة.
توفير خدمات معلوماتية إلكترونية.
أما الفئة الثانية من التصنيف، فهي تعتمد على أنواع المجتمعات الإلكترونية، والتي يمكن إيجازها بالآتي:
مجتمعات التعامل (Transaction Communities) التي تساهم في عمليات بيع وشراء السلع والخدمات وتوفير المعلومات المرتبطة بعمليات التعامل هذه. مثلاً، يستطيع المستهلك من خلال الشبكة شراء سيارة من شركة لها موقع على الشبكة.
مجتمعات الاهتمام (Interest Communities) التي تتيح للمشتركين فرصة الاتجار بالمعلومات في ما بينهم.
مجتمعات العلاقة (Relationship Communities) التي تمكن الأفراد من الاتصال مع مجاميع النقاش (Discussion Groups) على الشبكة.
إن لهذه المجتمعات الإلكترونية قيمة كبيرة. فهي وسيلة ناجعة تساهم بشكل كبير في تطوير الإحساس بالولاء والمشاركة لدى المشتركين فيها من خلال التفاعلات المستمرة في ما بينهم. فالشركات مثلاً، تشجع المجاميع على الدخول في مناقشات عبر الإنترنت وهي بهذه الطريقة تحصل على تغذية عكسية من هذه المجاميع حول السلع والخدمات المعروضة على الشبكة أو التي هي موضوع النقاش.
كما أن شبكة الإنترنت تساهم في تثوير بحوث التسويق بحكم المعلومات المباشرة والصريحة والتغذية العكسية الواقعية التي تحصل عليها الشركات التي تربط نشاطاتها بالإنترنت وتعتمد عليه في هذا المجال بالذات. فأساليب البحث التقليدية المعتمدة على الاستبانات المعدة مسبقاً والاستجابات المحكومة بأسئلة محددة لا تقدم جواباً شافياً أو نهائياً، بينما الأسئلة التي توجه عبر الإنترنت لأغراض بحوث السوق هي في الغالب ليست من إعداد الشركة، وإنما تتولد من قبل العملاء القائمين والمرتقبين أنفسهم، مما يجعلها ذات قيمة كبيرة من حيث مصداقيتها وأصالتها وواقعيتها.
وينبغي على الشركات التي تعتزم ممارسة أعمالها عن طريق الإنترنت أن تكون قادرة على الإجابة عن عدد من الأسئلة ذات العلاقة بالمشاركة في هذه المجتمعات الإلكترونية، وأيضاً بكيفية إدارتها ومن هذه الأسئلة:
1- ما هو حجم وأبعاد الجدوى الاقتصادية الكامنة في المجتمع الإلكتروني؟
2- ما هي حدة أو كثافة المنافسة المحتملة في هذا المجتمع؟
3- هل نحتاج إلى تكوين مجتمع إلكتروني لكي ندافع عن قطاع أو جزء من قطاع سوقي معين، أو هل نحن بحاجة إلى ضرورة تكوين قطاع أو جزء من قطاع جديد تماماً، أو كلاهما معاً؟
4- كيف باستطاعتنا تنظيم أو تجزئة المجتمع الإلكتروني إلى قطاعات؟
هـ- هل نرغب بإنشاء موقع لمجتمعنا على الإنترنت بشكل مباشر، أم نرغب باستخدام خدمات موقع قائم أصلاً على الإنترنت؟
6- هل نريد إنشاء أو تكوين مجتمع إلكتروني بأنفسنا اعتماداً على إمكانياتنا الذاتية، أم بالتعاون مع شركاء آخرين؟
لقد أصبح الإنترنت سوقاً إلكترونية حبلى بالفرص ومجالاً رحباً للإبداع والابتكار. فتطبيقات التجارة الإلكترونية تشهد نمواً هائلاً من حيث الكم والنوع، وهذا بحد ذاته يسهل عمليات التفاعل والتداخل ما بين العملاء وتجار التجزئة، وتجار التجزئة والصناعيين، والصناعيين والموردين، وهي علاقات تتم عبر الإنترنت.
هل توفر نظم المعلومات أفضلية تنافسية؟
يتضح مما سبق ذكره أن تكنولوجيا المعلومات قد ساهمت فعلاً في تمكين العديد من منشآت الأعمال من تحقيق أفضلية تنافسية. إلا أن مثل هذه الأفضلية التنافسية قد لا تدوم طويلاً. ويعود سبب ذلك إلى قيام المنافسين في الصناعة بتقليد أو استنساخ الأفكار المبتكرة للرواد في الصناعة الأمر الذي يؤدي بالمحصلة النهائية إلى إزالة الميزة التنافسية للشركة الابتكارية التي يعود الفضل إليها في المقام الأول في بلوغ هذه الميزة التنافسية. وهكذا تتحول نظم المعلومات الاستراتيجية إلى ضرورة استراتيجية –جزء لا يتجزأ من أسلوب الأعمال في الصناعة برمتها.
فشركات مثل (American Airlines) و (American Hospital Supply) و (McKesson) كانت سباقة في مجال تصميم نظم معلومات تنافسية استهدفت إرساء علاقات ارتباط في ما بينها من جانب ومع عملائها من جانب آخر. إلا أن أي من هذه الشركات لم تكن قادرة على الحفاظ لفترة طويلة على ميزتها التنافسية المتأتية أصلاً من استخدامها لهذه النظم المبتكرة. واليوم صارت هذه الشركات تكرس نظم المعلومات التي تمتلكها وتديرها لإرساء علاقات ارتباط ما بين العملاء والموردين، وتحولت إلى شركاء ومشتركين في السوق الإلكترونية.
وفي إطار هذا السيناريو، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: "ماذا سيكون مصير الشركات الصغيرة التي لا تسمح إمكانياتها المادية والبشرية بتصميم نظم معلومات تنافسية خاصة بها؟" ففي صناعتي الطيران والأدوية، كان أمام مثل هذه الشركات خياران هما: (أ) الاندماج مع شركات أكبر حجماً أو (ب) الانسحاب من الصناعة.
وفي العديد من الصناعات مثل التأمين وتجارة التجزئة وتصنيع السيارات، فإن الاستخدام الاستراتيجي لتكنولوجيا المعلومات يعتبر ضرورياً لأغراض البقاء (Survival). صحيح أن تكنولوجيا المعلومات قد لا توفر ميزة تنافسية طويلة الأمد، إلا أن هذه التكنولوجيا حيوية جداً للمشاركة في صناعات عديدة. فالاهتمام اليوم ينصب ليس في استخدام تكنولوجيا المعلومات بشكلها المجرد، وإنما لتشخيص الاستخدامات التنافسية للتكنولوجيا التي تعزز القدرات الأساسية للشركة (The firm’s basic capabilities).
التحول إلى المنافسة المستندة للقدرات
في حالة المنافسة المستندة للقدرات (Capabilities-based Competition) فإن النجاح التنافسي يعتمد على تحويل العمليات الرئيسة (Key Processes) إلى قدرات من شأنها تزويد العميل بقيمة راقية (Superior Value). ويتحقق ذلك وفق المقاييس التالية:
1- وضع أهداف هجومية موجهة بالعميل.
2- التأكد من أن العاملين يمتلكون المهارات والموارد المطلوبة لتحقيق القدرة المختارة (Chosen Capability).
3- تحديد وتوصيف العلاقة ما بين المقاييس (Measurements) والمكافآت (Rewards)، فإذا كان الهدف، مثلاً، تقديم المزيد من الخدمات الفعالة للعميل، فإن على الشركة أن تقوم بقياس أداء العاملين وفق قدرتهم على توفير دعم أو إسناد للجهود الرامية لتقديم أفضل الخدمات للعملاء.
4- التأكد من دعم ومباركة الإدارة العليا والوسطى لمثل هذه الجهود، حيث أن عملية التحول إلى أساليب التوجه بالعميل لن يكتب لها النجاح في غياب مثل هذا الدعم والمباركة من قبل صانعي القرار في الشركة.
5- إشراك المسؤولين عن العمليات الرئيسة في الشركة، مثل مسؤولي أقسام المبيعات وخدمة العملاء، في عملية اتخاذ القرارات.
وقد شهد عام 2000 على وجه الخصوص تنام واضح في الاستخدامات الاستراتيجية لتكنولوجيا المعلومات من قبل عدد كبير من منشآت الأعمال الإنتاجية والخدمية، وأيضاً على صعيد تجارة الجملة والتجزئة، وذلك بهدف تعزيز المنافسة المستندة إلى القدرات، بمعنى تكريس التكنولوجيا لإسناد العمليات الرئيسة في المؤسسة والتي من شأنها تحقيق رضا العملاء من خلال تقديم خدمات ومنتجات تفوق توقعاتهم. وبرغم أن العديد من استخدامات التكنولوجيا هذه قد لا تكون ابتكارية، إلا أنها سرعان ما أصبحت جزءاً أساسياً وحيوياً لا يتجزأ من أسلوب أداء الأعمال. إن نظم المعلومات الاستراتيجية توفر أفضلية تنافسية، لكنها أصبحت أيضاً ضرورة استراتيجية.
وقد توصل هوبير (Hopper, 1990) إلى عدد من الاستنتاجات التي تلخص بعض النقاط الهامة وتشخص الاتجاهات الرئيسة التي تؤثر على تكنولوجيا المعلومات ومنشآت الأعمال التي تقدم خدمات في هذا المجال من التكنولوجيا، وهي:
1- قد لا يكون بمقدور نظم المعلومات الاستمرار في توفير ميزة تنافسية ثابتة ودائمية لمنشآت الأعمال لأن معظم المنشآت قد شيدت هذه النظم كضرورة . وعليه، ينبغي على منشآت الأعمال أن تمتلك مثل هذه النظم لأغراض المنافسة، إلا أن هذه النظم لم تعد تضمن تحقيق النجاح التنافسي.
2- لقد انتهى عصر بناء البرمجيات المملوكة (Proprietary Software) لأغراض تحقيق الميزة التنافسية. فعملية شراء حلول لأعتدة الحاسوب وبرمجياته من طرف ثالث هو الأسلوب الأمثل من حيث الكلفة. وبالطبع إذا كانت شركة معينة قادرة على شراء حلول برمجيات حيوية من البائعين، فإن باستطاعة المنافسين أيضاً فعل ذلك. إن مثل هذه الحالة تعزز النقاش القائل بأن النظم التنافسية هي ضرورة استراتيجية، وإن الميزة تأتي من خلال كيفية استخدام هذه النظم.
3- أصبحت المنفعة المتأتية من المعلومات (Information Utility) تحتل أهمية أكبر من أي وقت مضى. فالبنى التحتية للاتصالات والشبكات ذات الطبيعة النمطية يجب أن تساهم بشكل فعال في دعم محطات العمل (Work Stations). فمنبر التكنولوجيا هو بمثابة الجهاز العصبي المركزي الذي يوصلنا إلى قواعد البيانات المشتركة وينظم عملية تقارب والتقاء العديد من النظم الحيوية والتقنيات مثل معالجة البيانات الإدارية وأتمتة المكاتب والتبادل الإلكتروني للبيانات وغيرها.