صفحة 1
مِدادُ بَوْحِك
وأَخيراً حانَ وقتُ الكِتابة
وحانت ساعةُ انطلاقِ القلمِ بينَ يدَيك
بعدَ أَن طالَ أَسرُ هذا المسكين بينَ دفّتَي كتاب حياتِنا معاً
وأَخيراً قَد حانَ وقتُ الكِتابَة
لِتَكُن ساعَة البوحِ إذاً
فَمَا أَغرَب المُفارَقات في حَياتنا
فَراغات مَسكونَة بالوهمِ الجميلِ
وتَفاصيلُ مَنقوشَةٌ بأَحلامٍ مُستَرسِلَة
وصَرَخات مُدوّية تَجتَاحُ كَيانِنا
وهَذا الصّمتُ المُطبِق الذي يُحاصِرنا
هو صمتٌ أَعجزَني تبريره
وأَرهَقني تفسيرُه
صَمتٌ يؤجّل انبلاجَ الصّباحِ
ويَزيدُ آلامَ الفُؤادِ
ووجعَ القُلوبِ
وآهَات الأَرواح ِ
وها أنتَ تُعلن لي بأنّه قد حانَ وقتُ الكِتابةِ
لأَترقّب طريقَ الضياعِ من بَعدك
وأَتمعّن في مُفرداتِ الهَلاك مِن بعدِك
لأُحاولَ أَن أُبرهِن بأَن لي حياةً أُخرى أَعيشَها مِن بَعدِك
وبأَن لي عالماً آخَر أَحيَاُه مِن بَعدِك
وبِأَن لي إِحسَاساً أَتسوله تَسول الفَقيرِ المُعدَمِ مِن بَعدِك
فليَحن وقتُ الكِتَابة
وليَحنْ زمنُ الكِتابة
ولتُحرر المفرداتِ مِن أَسرِها
ولتُطلق العِنانَ لمداد أقلامِك كُلِّها
ولكني أُعلِنها لكَ هُنا
البُرودُ قد خيم
والصّمتُ المُميتُ قد خيّمَ
والقَناديلُ المُضاءةُ قد كُسرتْ
والقُلوبَ المَليئة بالحُبِّ قَد طُعنَتْ
فلتَبحث عَن بوحٍ آخَر
فَصَوتي وصُوتك لَن يَجتمعا
سنَظلُّ معلّقين بينَ السّماءِ والأَرضِ
فلْتَكتبْ·· ولتَكْتبْ·· ولتَكْتبْ
فَمِدادُ بَوحِك قَد تَأخّر كَثيراً!
صفحة 2
يَالـَ سُخْريَةَ الحَيَاة
أَيتُها الرّوحُ الّتي تَتسَللُ بِداخِلي بِخفة غَريبَةٍ·· لتُحيلَ الصّخَب والضّجيج إلى هدوءٍ وَسَكينَةٍ
تَتَسَلّلُ بِخِفَّةٍ مِن بَين الدّمعِ اليَابس المُتَحجّر فِي عَينّي ··
تَتَسَلّلُ فِي سُكونِ هَذا اللّيل
لأُصْغِي مِنْ خِلالِها إِلى هَمْسِ الوُرودِ
وَقُبُلاتِ المُحِبّين
وَحَفِيفِ أَوْراقِ الأَرْواحِ الْخَاوِيَة
وَتَرْنيمَاتِ القُلوبِ المُحَطّمَة
وَوَشْوَشَةِ السّوَاقي الْوَجِلَة
حَبيبي ·· أَمْ أَقولُ مُعَذّبي
هَلْ تَمَنّيتَني في لَحْظَةِ ضَعْفٍ !
وَحَلمْتَ بي في لَحْظَةِ شَوْقٍ !
هَلْ جَسّدْتَني أَمامَكَ في لَحْظَةِ حُبٍّ
وَمارَسْتَ مَعي عَبَثَكَ الطُّفوليَّ
لِماذا تَزْدادُ أَحْلامُنا قَسْوًَة مَعَ الوَقتِ
وَتَتَجَسّدُ أَطْيافُنا بِقوّةٍ مَعَ الوَقْت
لماذا أَبْكَيتَني ·· وَأَبْكَيْتَني ·· وَأَبْكَيْتَني
وَمِنْ ثُمّ بَكَيْت !
مُعَذّبي
هَلْ تَسَكّعْتَ في مَتاهاتِ مَدينَتك الفاضِلة بَحْثاً عَنْ طَيْفي
وَهَلْ أَعْياكَ نَحيبُ شَوارِعكَ وَأَنْتَ تُفَتّشُ عَنْ عَيني
صفحة 3
هَلْ أَرْعَبتْكَ الوِحْدَةَ وَظُلْمَة ذاكَ -النورِ- بِدوني
لِتَصْرُخَ ·· وَتَصْرُخَ ·· وَتَصْرُخَ
وَأَصْرُخُ أَنا فَلْتُعيدوا نورِي إِلي
مُعَذّبي
هَلْ قَسا عَلَيْكَ القَدَرُ يَوْماً ·· لِيُلْقيني عَلى دَرْبِكَ الّدامي
لأَنْزِفَ ·· وَأَنزِف ·· وَأَنزِفَ
وَلِتَنْزِفَ مَعي
نَزْفَ قُلوبٍ مَحَطّمَة ٍ··أَتْعَبَها الْفُراقُ وَأَرْهَقَتْها وَحْشَةُ الأَيامِ
لِتُجَسّدَ صورَةَ احتِضاري عَلى حَدّ سَيْفَ جُحودِكَ
وَنُكْرانَك القاسِي لي
فَلْتَغْرِسْ هَذا النّصْلَ
ولْتُعَجّلْ بِنَحْرِ هَذِهِ الرّوح
مِسْكينَةٌ أَنا ·· لا أَمْلِكُ أَمامَ إِصْرارِكَ إِلاّ أَنْ أَنْتَحِبَ وَأُنْحَرَ وَأَموت !
لِيَعودَ إِلَيْكَ طَيْفي مِنْ جَديد
لِتَغْرِسَ النّصْلَ بِداخِلي
لِتَنْحَرَني وَتُميتَني
وَعَلى وَجْهي تِلْكَ الابْتِسامَةُ
عِشْتُ عُمْري كُلّهُ لَك
وَسَأموتُ الْيَومَ بَيْن يَدَيْك ·· بَعْدَ أَنْ انْتَحَبَ الدُجَى وَنامَ عَلى ذِراعِ هَذا الْمَساءِ
فَما أَسْعَدَني
فَها أَنا أَخِيراً بَيْنَ يَدَيْك
لِتَحْتَويني بِذِراعيكَ
لأَموتَ ·· وَأَموتَ ·· وَأَموتَ وَأَنا أَتَأَمّلُ عَيْنَيْك
صفحة 4
جَنّةٌ وَنار
صَديقَ روحي الْـخَفيِّ
سَأَرْفَعُ رَأْسي عالِياً
وَسَأَنْظُرُ للحَياةِ بِمَنْظورٍ آَخَر
سَأَبْتَسِمُ·· سَأَضْحَكُ·· سَأقْفِزُ فَوْقَ هَذا الْعُشْبِ الْنَدِيِّ
هُوَ جَنّةٌ وَنارٌ ·· هَذا الْحُبّ كَما صَوّرْتُه
جَنّةٌ عَذْبَةٌ ·· كَتَبْتَها كَالْعُمْرِ الْجَميل وَنَظَمْتَها مَقْطوعَةً موسِيقيّةً رائِعَةً
جَنّةٌ خَضْراءَ·· جاءَتْني مُتَأَخّرَةً جِداً لِتُحيلَ جَفافَ رُوحي إِلى نَبْضٍ خَفّاق
جَنّةٌ راوَدَتْني عَنْ نَفْسي في زَمَنٍ كَفَرْتُ بِه بالْحُِّب، وَأَعْلَنت التّمَرُدَ وَالعِصْيانَ عَلَيْه
جَنّةٌ تَعانَق فيها الأَلَمُ بالأَمَل
جَنّةُ حُبّي لَهُ
وَنارُ شَوْقي إِليْه
نارٌ أَستَشْعرُ لَهيبَها يَخْرُجُ مَعَ أَنْفاسي
هُو في نَظَري أُسْطورَةٌ
يَتَمايَلُ بِخفّةٍ فَوقَ جَسَدي النَحيل
يُعانِقُ عَيْني بِقَلْبِه
وَيَلْثِم شَفَتي بروحِه
حُبّي لَهُ وَعِلاقَتيالمُبْهَمَة بِه مُعادَلَةٌ صَعْبَة وَخاصّة جِداً
هُو ارْتِباطٌ غَريبٌ
وَتَشبّثٌ قَويّ جِداً
فِرارٌ ·· لَواذٌ ·· وَهَرْولَةٌ
وَعَوْدَةٌ ·· وَاحْتماءٌ ·· وَقُبُلاتٌ
كَمْ أسْتَلذُّ هَذا الشّعُور
هُوَ سَفَرُ الْبعَاد في عَيْنَيه
وَغُرْبَةُ الأَوْطانِ بَيْنَ يَدَيْه
أَتوقُ لأَن أَغْفو بَيْن يَديْه
وَأَنْ تَحْتضِنني عَيناهُ قَبْلَ ذِراعَيْه
سَأفْرشُ قَلْبي لَهُ وُروداً وَزهوراً وًتوتاَ بَرّيّْ
فَلتَفْهَمني وَلْتسْتَوعِبَ مَغْزى كَلِماتي وَتَعابيري وَصَرْخةَ قَلمي إِليّْ
فَأْنتَ الأَقْرَب الذي يَشعُر بـــي وَيتفهّمُنـي ويَحْنو بِصدقٍ عليّْ
أَنتَ يا صَديقَ روحي الْخَفيّْ !