الإهداء
إلى أساطين الثقافة والحضارة،
مالك بن نبي،
في الذكرى الأربعين لرحيله (1973-2013).
محمد عزيز الحبابي، في الذكرى العشرين لرحيله (1993-2013).
مقدمة
تاريخ «كسرة»
ثقافة "التحت" وثقافة "النحت"
إن هذه المحاولة هي تاريخ «كسرة» في الثِقاف وفي العِجاف. الكسرة من الانكسار، أو تلك التراجيديا التي لمسها جيورج زيمل (1858-1918) في كتابه «فلسفة الثقافة» في الأزمنة التي واجهت الانحدار والاندحار معاً، وأكد عليها أوزفلد شبنغلر (1880-1936) في «تدهور الحضارة الغربية» أو أيضاً ألبرت شفيتسر (1875-1965) في «فلسفة الحضارة»، عندما دخلت الحضارة الغربية في السنوات العجاف وأحدث تراجع ثقافتها صوتاً مدوّياً في التاريخ المعاصر حيث كتبت الأنظمة الاستبدادية صفحاتها بأقلام من حديد وبمداد من دمّ، لا نـزال نقرأ برهبة روايتها العنيفة وأصداءها البليغة في الكتب والروايات والملتقيات والأفلام. إن الحركات في اللغة العربية (الكسرة، الضمّة، الفتحة، الشدّة، السكون) لها قيمة إنشائية وتنطوي أيضاً على رمزية ساطعة ترتبط بشكل وثيق بالحياة البشرية التي هي كفاح كوني، صراع وجودي، نضال فردي أو جماعي. ترتبط هذه الحركات بالحرب في مختلف مراحلها، بفتوحاتها أو انهزاماتها، فتكون الكسرة للانكسار والانهزام، الضمّة للانضمام والتعاضد بين الكتائب، الشدّة للشوكة والاعتصام، الفتحة للفتح بالغلبة والانتصار. إن الحركات في اللسان العربـي تمنح للحروف وللكلمات ميادين اندماجها وإدغامها على غرار الكتائب في المعركة. والعلّة في الإشارة إلى الحرب هي أن الثقافة في اللسان العربـي لا تنفكّ عن الحرب (الثِقاف في تسوية الرماح، الثِقافة بالمبارزة بالسيوف، ثقف الخصم بالظفر به، إلخ). لكن سأوسّع دلالة الحرب التي كانت فاعلة في الثقافة العربية، إلى دلالة الصراع التي هي أشمل من حيث القيمة التاريخية والكونية، حيث لا تشتمل على القيم السلبية في الدمار، وإنما على القيم الإيجابية في البناء بالمعنى الجدلي والسجالي، أي بحكم التوتّر الخلاّق والفعّال في الإرادات والثقافات. وأحشر في الصراع كل القيم الاجتماعية في التنافس الاقتصادي أو الرياضي من ألعاب ورهانات. ولا شك أن الرياضة تشكّل القيمة التربوية والأدائية في التعبير عن جوهر الثقافة.
إن الغرض هو الحديث عن السنوات العجاف لثقافة متآكلة لم تعد تؤمن بجذورها وبالروح القاطنة فيها. لماذا أستعمل هنا «الثقاف» الذي لم يكن له في اللغة العريقة سوى دلالة الأداة التي تُسوّى بها الرماح، ولم يعد له اليوم في اللغة الشائعة سوى دلالة السحر والشعوذة بمنع الإنجاب أو الإتيان؟ من مصائب اللسان العربـي أنّه افتقد لكلمة في تاريخه الطويل والعريض وهي «الثقافة»، حيث لم تكن له الأدوات النظرية والمفهومية لأشكلتها ونحتها. ولا تزال الثقافة تحمل هزالها التاريخي والقرون العجاف التي لم تعزّزها وأصبحت مفردة "الثقاف" تعني ربط الرجل أو المرأة بالتقنيات السحرية ليعجزا عن الإنجاب أو الالتقاء الحميمي (على الأقل في الفضاء الإثنولوجي المغاربـي). الثقاف السحري المضاف إليه "التاء المربوطة" أضحى ثقافة! فأية لعنة أصابت "الثقافة" لكي لا تكون لها في الماضي والحاضر مقوّمات وجودها وإنجابها للأفكار والمقولات؟ المفكر المعاصر الوحيد، حسب علمي، الذي استعمل كلمة "الثقاف" بصريح العبارة وبدلالة إيجابية، لكن دون الولوج في حقيقتها والاشتغال عليها، هو محمد عزيز الحبابـي (1922-1993): «إن الثقافة، أية ثقافة، يجب أن تكون دائماً ثقافاً وثيقاً ضدّ الظلم، ضد الشرّ والقُبح، مما يجعل العلم والفن والتقنيات تستهدف الترقية الإنسانية»[1]. وقبله استعملها عبد الحميد الكاتب بهذه العبارة: «فتنافسوا يا معشر الكتّاب في صنوف الآداب، وتفقهوا في الدين، وابدأوا بعلم كتاب الله عز وجل والفرائض ثم العربية، فإنها ثِقاف ألسنتكم»[2]. سأبيّن عبر صفحات هذه المحاولة ما أقصده بالثقاف وأضع له بعض القواعد المبدئية في مفهمته في انتظار تطوير أدوات البحث والتقصّي لتطعيمه وإثرائه. وسأبيّن أيضاً المواطن التي كانت فيها الثقافة عبارة عن حذاقة في الجذور الغربية أوّلاً عبر الاشتقاقات اللغوية في الإغريقية واللاتينية، ثمّ في الأصول العربية الإسلامية. لكن هل يمكن الحديث عن مقولة كانت غائبة؟ هل يمكن الكلام عن الثقافة في أزمنة كانت فيها متوارية باسمها ولكن ظاهرة بآثارها ونتائجها في الصنائع والفنون والعلوم؟
1- في فلسفة الثقافة: التحديدات المفقودة
الملاحظ أن الثقافة، سواء في الإغريقية أو اللاتينية أو العربية، لم يكن لها وجود كإسم ولكن كرسم. الثقافة في اللسان الغربـي (culture, Kultur) هي حديثة العهد، ظهرت بظهور العلوم الإنسانية ذاتها. ثم وجدت تنظيراً مكثّفاً وصارماً بنموّ العلوم الأنثروبولوجية والتاريخية وتطوّرها ابتداءً من القرن التاسع عشر. أمّا قبل ذلك، لم تكن الثقافة سوى مجموعة من المعارف في غاياتها العملية وليست النظرية، لأن الأبعاد النظرية كانت تختصّ بها الفلسفة. لأن من خاصية الثقافة في اشتقاقاتها العريقة أنها كانت ترتبط بالصناعة عند الإغريق، بالفلاحة في السياق اللاتيني، وبالحرب في التاريخ العربـي الإسلامي. وهذه الانتماءات تتطلّب الإيضاحات الضرورية والهادفة لفك شيفرتها والوقوف على ألغازها. لكن بالربط بين الفلسفة والثقافة، وهو ربط ضروري ينتمي إلى «لابدّية» الاضطلاع بهذه الروح الذكية، يمكن وصل النظري بالعملي، بل ويمكن جعل النظري كإقليم من قارّة العملي أو بصورة أخرى كجزيرة في اليمّ الفعلي. لأن العملي واسع ببحاره وبحوره ويطرأ النظري فيه كأرخبيل أو إيقاع. إن الثقافة هي هذا البحر الواسع الجامع الذي يشتمل في إحاطته على أرخبيل النظر والتفكير. من شأن الفلسفة أن تكون الأرضية الصلبة التي تترسّخ فيها المعالم النظرية والأعمدة المفهومية، لكن تخترقها السيول الثقافية والجداول الفنية، لأنها محاطة بالوُسع الحضاري والتوسّع الثقافي. الفلسفة هي امتداد للثقافة؛ فهي بالتالي صناعة كغيرها من الصنائع إلى جانب العلم والفن والدين: «تعوّدنا على فهم "الثقافة" كمجموعة من الأعمال التي يعبّر عنها المكتسب الروحي للحضارة. لهذا السبب ندرك الفلسفة كمجموعة من الأعمال الأدبية التي أنتجتها خلال تطوّرها. لكن هذه الوجهة في النظر هي تاريخية وتراجعية. ليست الأعمال سوى نتائج ميّتة. لا تكون الثقافة شيئاً حيّاً سوى عندما تشكّل ليس مجموعة من الأعمال الميّتة، ولكن الجهد لفكرٍ حيّ قصد استيعاب الأثار الماضية وجعلها وسائل لتطوّر جديد. إذا كانت الفلسفة هي شكل حي من أشكال الثقافة، ينبغي أن نبرز كيف لا تزال وسيلة في التربية وفي تطوير الإنسان»[3].
الفلسفة والثقافة هما حدان نفقه معنيهما. لكن بالجمع بينهما في صيغة "فلسفة الثقافة" نحصل على مركّب يتطلّب الكثير من الجهد والتجريد للوقوف على حقيقته. هذا شأن الكلمة "بارومتر" التي هي جهاز لقياس الضغط الجوي ومعدّل الحرارة، وكلمة "الرأي" كمجموعة من الأحكام التي نشكّلها حول موضوع معيّن. لكن بالجمع بينهما "بارومتر الرأي" فإننا ننقل الدلالة الحقيقية في قياس الضغط الجوي إلى الدلالة المجازية في قياس وجهات النظر في المجتمع بين الصعود والهبوط وهو ما تختص به معاهد سبر الآراء بشأن الاقتراعات الانتخابية أو بشأن أي موضوع يهم من قريب أو من بعيد الرأي العام. عندما نتحدّث عن "بارومتر الرأي" فإننا نماثل بين المجال الجوّي (atmosphère) والمجال العقلي أو "مجال النوس" (noosphère) و"النوس" في الإغريقية معناها "العقل" بالمعنى الكوني الواسع وليس بالمعنى الحصري لنشاط الذهن. ومقولة "نوسفير" ابتكرها فلادمير فرنادسكي (1863-1945) واستعملها بيير تيلار دو شاردان (1881-1955) في كتابه «الظاهرة الإنسانية». وتعني فكرة فرنادسكي ودو شاردان أن البشرية محاطة بطبقة "نوسية" شبيهة بالطبقة الحيوية أو الطبقة الجوية للمجال الأرضي تطوّرت عبر التاريخ لتتشابك وتتوسّع لتشكّل محيطاً من الفكر والوعي تغترف منه البشرية[4]. وتنتمي الآراء إلى هذه الطبقة الفوقية الشبيهة بالجو وبالتالي تتحوّل الخواطر وتسبح في هذا المجال، وتهبط وتصعد حسب معدّل الضغط. لقد أعطى دو شاردان لمقولة "نوسفير" قيمة نفسية وروحية أكثر تدعيماً وتطعيماً ليس الغرض الوقوف عندها مطوّلاً، لكن إذا استعرتُ هذه المقولة للحديث عن "بارومتر الرأي" فلتبيان أن المركّب بين مقياس الضغط وحالة الوعي تدل على شيء جديد وعلى قيمة نظرية مضافة أكثر مما يدلّ عليه "البارومتر" بمفرده أو "الرأي" لوحده.
كذلك إذا أخذنا "الفلسفة" كمقولة يصعب استنفاد دلالتها لأن كل مذهب فكري أو شخصية تاريخية منحت لهذه المقولة تحديداً معيّناً تلوّن حسب الألوان المذهبية (مادّية، مثالية، واقعية، روحانية، إلخ)، وإذا أخذنا مقولة "الثقافة" كفكرة يصعب أيضاً حصرها نظراً للوساعة التي تتميّز بها، فإننا ندرك بالتالي أن كل حد ينتمي إلى مجال معيّن: تنتمي "الفلسفة" إلى المجال النظري في البحث عن علل الوجود باستعمال وظائف تقنية (السؤال) أو ذهنية (التأمّل) أو فكرية (تحليل، تفسير، تأويل)؛ وتنتمي "الثقافة" إلى المجال العملي في تجسيد فكرة (رسم، نحت) أو ابتكار رمز (أسطورة، دين، أخلاق) أو اختراع وسيلة (علم، اقتصاد)، إلخ. وبالجمع بينهما يمكن الحصول على مركّب من النظري والعملي، أو بالأحرى كيف يعمل النظري على مقاربة العملي، كيف يشكّل بشأنه مجموعة من الأطروحات والأسئلة والمقولات، وكيف يدبّر هذه المجموعة من التساؤلات والإشكاليات في منهج أو نسق، إلخ. وهذا شأن العديد من المباحث التي عملت الفلسفة على دراستها وهي عديدة ومتنوّعة: مثلاً، فلسفة العلم، فلسفة الدين، فلسفة السياسة، فلسفة الأخلاق، فلسفة التربية، فلسفة الطبيعة، فلسفة المعرفة، فلسفة اللغة، فلسفة التأويل، فلسفة التاريخ، إلخ. و«فلسفة الثقافة»؟ لم ينل هذا المركّب حقّه من المعالجة وحظّه من الدرس والتنقيب كما اعترف إرنست كاسيرر (1874-1945) مثلاً، وهو الذي نعتبره أول فيلسوف في الثقافة في العصور الراهنة: «من بين كل الميادين التي نميّزها في النسق الفلسفي، يبقى ميدان فلسفة الثقافة جديراً بالمساءلة والأكثر سجالاً. لم يتحدد هذا المفهوم بشكل واضح ولم يترسّخ بشكل متناسق.[...] يَنتج هذا الارتياب من كون أن فلسفة الثقافة هي فرع معرفي حديث العهد، لا يستند إلى تراث قائم أو تطوّر زمني. تقسيم الفلسفة إلى ثلاثة فروع رئيسية: المنطق والطبيعة والأخلاق كان ساري المفعول منذ القدم ولم يتعدّل منذ تلك الفترة»[5].
إذا لم يتسنّ لهذا المركّب أن يتطوّر بشكل متناسق كما يعترف كاسيرر، فلثلاثة أسباب رئيسية: أولاً، المنعطف الحاسم الذي اتّخذه العلم منذ عصر الأنوار في القرن الثامن عشر بتطوّر العلوم الرياضية والتجريبية والفنون الميكانيكية، وبلغ أوجّه في القرن التاسع عشر مع ظهور الوضعية وتطوّر التصنيع الذي غيّر وجه العالم آنذاك ببروز المواصلات السلكية (الهاتف) والجغرافية (السكة الحديدية). فلا شك أن هذا التطوّر في العلم يدخل في نطاق الميادين التي اعتنت بها الفلسفة منذ مهد ظهورها وأقصد المنطق (العلوم الرياضية والهندسية) والطبيعة (العلوم التجريبية)، بينما كانت الثقافة مضمرة في الميدان الآخر وهو الأخلاق (السياسة، الدين، الحضارة) ولم يكن لها وجود مستقل؛ ثانياً، إذا تمكّنت الثقافة من الحصول على استقلالية نسبية، فإن هذه الإمكانية لم تأت من الفلسفة، بل من العلوم الإنسانية التي بدأت في التبلور ابتداءً من القرن الثامن عشر كما بيّن ميشال فوكو (1926-1984) في «الكلمات والأشياء» وجعلت من "الإنسان" موضوعاً لها، أي الإنسان كمفهوم أو كشيء مجرّد (علم الاجتماع، علم النفس). لكن عندما نـزلت إلى الواقع (الإثنولوجيا، الأنثروبولوجيا) لتدرس الإنسان الذي افتقدته في النظرية، فإنها وجدت في العلم التجريبـي والوضعي خير حليف لها وقامت، بوتيرة متباينة، بتطبيق الأطر النظرية للعلم الحديث على الاجتماع البشري؛ ثالثاً، أسّس هذا التطبيق العلمي الذي يبتغي الموضوعية والصرامة (توضيع مفهوم الإنسان) مسافة إبستمولوجية ونقدية بين الذات والموضوع، سليلة نظرية المعرفة العلمية، أي بين الملاحِظ العلمي (الإثنولوجي، الأنثروبولوجي) والموضوع المدروس (الفرد، المجتمع البدائي، إلخ). ولم ينشأ عن هذه العلاقة فقط "المعرفة" في شكل جداول تصنيفية وخطابات تفسيرية وملاحظات موثّقة بالتجربة والصورة، ولكن أيضاً "السلطة" عبر الحبس المزدوج للموضوع المدروس: 1- الحبس داخل الخطاب عبر المقولات أو الأحكام النظرية، أي داخل تصوّر للعالم يتبنّاه المراقب العلمي بوصفه ينتمي إلى حضارة يعتبرها راقية، وهو ما يمكن تسميته بالتمركز الحضاري؛ 2- الحبس داخل مؤسّسات تشريعية أو صحّية بعزل الموضوع المدروس في نطاق جغرافي عبر بسط هيمنة واقعية وملموسة تجلّت تاريخياً في الحملات الاستعمارية.
بسبب هذه الهيمنة التجريبية، كان للثقافة اهتمام بارز في العلوم التاريخية والأنثروبولوجية، واهتمام نادر من وجهة نظرية فلسفية. من الوجهة الفلسفية كانت هنالك بعض الإشارات عند هيغل (1770-1831) في «فينومينولوجيا الروح» مع ما اصطلح عليه اسم "البيلدونغ" (Bildung) ولي وقفة مع هذا المصطلح الذي يرتبط أكثر بالتربية منه بالثقافة حتى وإن لم يكن بالإمكان الفصل بينهما، بحكم أن التربية هي أداة الثقافة في ترسيخ السلوكيات والأفكار، وتسبقها في الزمن وفي الدرجة، لأن التربية لها علاقة بالنشأة البشرية في ما يتعلق بالتكوين الجسدي والذهني والارتقاء في الوعي والإدراك. ثم الإشارة الفلسفية عند جيورج زيمل الذي كان بالأحرى سوسيولوجياً في نمط مقاربته للوقائع البشرية، حتى وإن عمد إلى إبراز القيم الفلسفية للمباحث التي اشتغل عليها، ويمكن التأكّد من ذلك عبر مؤلفاته «فلسفة المال»، «فلسفة الحب»، «فلسفة الثقافة»، هذا الكتاب الأخير الذي سيكون المادة التي سأشتغل عليها لإبراز ما يقصده بالفلسفة الثقافية، وهو في ذلك يأخذ بالنسق الهيغلي في معالجة هذه المسألة. وستكتمل المسألة مع إرنست كاسيرر الذي بذل جهداً نظرياً وعلمياً في الاضطلاع بالثقافة كمبحث فلسفي حتى وإن كان يعترف بالصعوبة في إرساء هذه الفلسفة الثقافية نظراً للطابع المبهم لمفهوم "الثقافة" الذي يشتمل على شتات من الأفعال البشرية في الصنائع والابتكارات والتأسيسات الرمزية عبر التاريخ. لكن تبقى محاولات كاسيرر جادة من حيث الكمية والنوعية: 1- من حيث الكمية أولاً، لأنه عكف طوال حياته على التنظير لما يسمّيه «التشكيل الرمزي» للأفعال البشرية والتي تتجسّد في الدين والعلم والفن والأسطورة واللغة وله في ذلك محاولة في أربعة أجزاء «فلسفة الأشكال الرمزية» وكتابات أخرى تدور في معظمها حول فلسفة الثقافة من وجهة نظر نقدية وتأويلية (هيرمينوطيقية)؛ 2- من حيث الكيفية ثانياً، لأن المناهج النقدية والتأويلية التي وظّفها في هذا الشأن أتاحت له الكشف عن البنيات الضمنية للروح الخلاّقة وإبراز التشكيلات التاريخية المنجرّة عن هذا الخلق والابتكار. فلم يترك مذهباً فلسفياً أو نظاماً دينياً أو تيّاراً فنياً أو منهجاً علمياً إلاّ وانكبّ على قراءته في تفاصيله ودراسة عملية تشكّله وتحوّله وإسهامه في بناء مفهوم الثقافة.
لقد كانت محاولة كاسيرر متكاملة حتى وإن لم تكن كاملة، وبيّنتْ بالقدر الكافي الميادين التي تتجلّى فيها الثقافة والقواعد النظرية التي تقوم عليها والقيم المعرفية والجمالية التي تنطوي عليها. لقد سعى إلى إرساء المبادئ الأولية في «نقد العقل الثقافي» أسوة بكانط (1724-1804) الذي أخذ عنه قيمة النقد في البحث عن شروط إمكان المعرفة ووسّع ذلك على المباحث التي اشتغل عليها وهي الدين والفن والعلم والأسطورة واللغة. فضلاً عن ذلك، عمل على إرساء ما اصطلح عليه اسم «النَحْو الثقافي» أي قواعد في التركيب والوصل بين الشتات المعرفي والتنوّع النظري لإيجاد مبدأ أو ركيزة حَريّة بمفهوم الثقافة كما للطبيعة مبدأ قام العلم خلال تاريخه الطويل والمعقّد بالكشف عنه (الحركة، العطالة، الجاذبية، النسبية، إلخ). لكن كيف نجد مبدأً خاصاً بالثقافة؟ وهل هو مبدأ علمي أم فلسفي؟ إذا كان هذا المبدأ علمياً ألا يُعتبر ذلك مجرّد محاكاة للمعرفة العلمية كما افتتنت بها المعارف الإنسانية وقامت بتطبيقها على المجال الأدبـي أو الفلسفي، على غرار دلتاي في العلوم التاريخية؟ هل يتعلّق الأمر بمحاكاة أم تماثل أي باستعارة المناهج العلمية وتطبيقها على المعارف الإنسانية مع الحفاظ على الجوهر البشري (الوعي، الفكر، الروح) الذي لا يخضع للتجريب والحساب والوزن الكمي؟ لقد قام كل فيلسوف باستعمال المنهج العلمي حسب حاجاته وموضوعاته بالبحث عن الشروط الموضوعية للمعرفة الإنسانية، فكان الغالب هو «النقد» تبعاً لما نجده عند دلتاي وكاسيرر؛ أو بالبحث عن الشروط الأنطولوجية والفينومينولوجية للثقافة البشرية، فكان الغالب هو «الفهم» كما ضلعت فيه الهيرمينوطيقا مع مارتن هايدغر (1889-1976) أولاً، ثم مع أتباعه مثل هانس جيورج غادامير (1900-2002) ثانياً الذي أعتبره هو الآخر فيلسوف الثقافة لاعتنائه بالمباحث الرئيسية في «الحقيقة والمنهج» وهي الفن واللغة والتاريخ.
والسؤال الممكن طرحه في هذا السياق: هل الثقافة هي علم أم فلسفة؟ حاول كاسيرر الإجابة عن هذا السؤال-المعضلة بكثير من الحصافة واللباقة، بالعروج على تاريخ الأنساق الفكرية والعلمية، فكان يتأرجح بين النقد والفهم، بين التفسير والتأويل، بين المبدأ الثابت والشكل المتحوّل. ويحمل السؤال في طيّاته على إحراج بالمعنى الشكوكي العريق عند سكتوس أمبيريقوس (160-210) في الثقافة الإغريقية: إذا كان الارتياب من كون الثقافة عبارة عن فلسفة هو كبير، فإن الاشتباه في كونها علماً فهو أكبر. لكن لندع هذا النـزوع الشكوكي جانباً والذي يقود في الغالب إلى الحل العدمي، ولنقارب المسألة في احتمالاتها النظرية وإمكاناتها التاريخية. وسيتم ذلك في معرض دراستي للوجوه الشهيرة التي أخذت الثقافة كمبحث فلسفي بالدرجة الأولى، مع الوقوف أيضاً عند المباحث الأنثروبولوجية التي ساهمت في تطوير مفهوم الثقافة في الميدان الذي تشتغل فيه وهو ميدان العلوم الإنسانية والاجتماعية. وفي الحقيقة، التساؤل عما إذا كانت الثقافة هي علم أو فلسفة هو سؤال ينطوي على مغالطة، لأن العلم والفلسفة هما عبارة عن ظاهرة ثقافية تجلّت في الأنساق الفلسفية والنظريات العلمية. فلا يمكن الحكم على الثقافة بحاكم ينتمي بحذافيره إلى الثقافة كإحاطة. إذا كان المراد بعلمية الثقافة هو المبدأ الثابت الذي يدبّرها كالسببية مثلاً بالنسبة للعلم، فهذه العلمية هي الأخرى عبارة عن اختراع فكري بالاستناد إلى الملاحظة والتجريب، وإسقاطها على الثقافة هو إهدار في جوهرها الإنساني الذي يقوم بالأحرى على أساس مغاير يتطلّب أدوات أخرى للكشف عنه وتدوينه في خطاب. لكن إذا كان العلم ينتمي إلى الثقافة كما أسلفتُ وإذا كان البحث عن مبدأ علمي للثقافة لا يعدو أن يكون مجرّد نقل مجازي لمعطيات العلم نحو الأرضية الإنسانية، فكيف يمكن تبرير «فلسفة الثقافة»؟ أليس القيام بفلسفة في الثقافة هو أيضاً الحكم على هذه الأخيرة بحاكم ينتمي إليها ويسبح في محيطها؟ فكيف يحكم عليها وهو في قبضتها؟
كما سنرى لاحقاً، فكرة "فلسفة الثقافة" تختزن على قيم أقل ادّعاءً في بلوغ الموضوعية والبداهة. لأن خلافاً للعلم الذي يبحث عن مبادئ تدبّر الموضوعات التي يدرسها ويسعى لاستخلاصها في شكل قانون عام (السببية مثلاً)، فإن الفلسفة تنأى بنفسها عن هذه المزاعم ما دام الغرض ليس هو البحث عن قاعدة ثابتة تتأسّس عليها المعارف والأفعال البشرية، ولكن التساؤل حول الكيفية التي تتشكّل بها هذه المعارف والأفعال. والفلسفة في جوهرها هي «سؤال» بالمعنى الذي سنراه لاحقاً، بواسطة الأدوات الاستفهامية «كيف؟»، «ماذا؟»، «لماذا؟»؛ بينما يذهب العلم نحو الإجابة عن الأسئلة بالإقرار بحقائق يعتبرها صادقة وسليمة. إذا كان جوهر الفلسفة هو التساؤل حول الوجود، فهذا يجعل منها أكثر انفتاحاً على المصادفات والاحتمالات والإمكانات، لأن السؤال هو بطبعه مفتوح، يتجنّب التصلّب والحسم، ويتفادى الانتهاء عند مطلب أو الالتفاف حول مزعم. فهو يدفع نحو اللانهائي بإعادة النقد والمراجعة؛ ونفهم لماذا حصر إيمانويل كانط مشروعه النقدي في الأسئلة الثلاثة الكبرى: «ماذا بإمكاني معرفته؟» ويخصّ المعرفة (العقل النظري)، «ما يجب عليّ فعله؟» ويخصّ الواجب والأخلاق (العقل العملي)، و«ما بإمكاني رجاؤه؟» ويخصّ الحرية (ملكة الحكم). هذا لا يعني أن الفلسفة لا تقدّم الحلول بعرض الأطروحات، بل ينخرط التساؤل في عملية من التفكير، أي في نشاط فكري يطرح تناقضات الوجود وصراع التأويلات ليحاول إيجاد التوافقات الممكنة وفي هذه المسألة جعل هيغل من الجدل أو الديالكتيك جوهر فلسفته، لأن السؤال يجابه اعتراضات ليطرح قضايا أو أطروحات كأجوبة مؤقّتة لتصبح بدورها استفهامات. فالوجود في تركيبته المعقّدة، وخصوصاً الوجود البشري، وفي ارتقائه التاريخي وإرادته الفردية أو الجماعية، يتطلّب طريقة جدلية في التعامل مع المعطيات وصيغة دينامية في مقاربة الوقائع، ويشكّل هذا الأمر همّ الفلسفة الرئيسي واهتمامها المباشر.
والسؤال السابق حول علمية الثقافة يستدعي سؤالاً آخر: هل الثقافة هي نظرية أم ممارسة؟ وهنا أيضاً لا يمكن التخيير بين حدّين هما في الحقيقة متكاملان. لأن النظري يجد تجسيده في العملي؛ والعملي، بحكم تشعّب مجالاته وتشتّت أفراده، يتطلّب في الغالب أساساً نظرياً يُبرز فيه عن منطقٍ داخلي ويجمع التفرقة في وحدة فكرية شاملة. فالحديث عن فلسفة الثقافة هو، من الوجهة النظرية، التأمّل النقدي في شرطها الوجودي وتركيبتها التاريخية؛ ومن الوجهة العملية تشكيل هذه الثقافة بالصنائع المفهومية والتركيبات المنطقية. هل يتعلّق الأمر بجعل السيولة اليومية في الفنون والابداعات والتشكيلات عبارة عن تركيبات ومقولات وقوالب؟ أو بالعكس، هل السيولة الثقافية هي التي تحرّك الثوابت النظرية والتأمّلات الفلسفية؟ في الحقيقة لا تنفك المسألتان عن بعضهما مثلما تتيح الأرضية الصلبة تجمّع الماء في التصوّر الجيولوجي، ومن الماء الكاسح تظهر الجزر. مفاد هذه الصورة المجازية التي أشرتُ إليها سابقاً أن الفلسفة التي تنشأ من بحر الثقافة هي أيضاً الدعامة الصلبة، النظرية منها والعملية، في تمكين الثقافة كسيول تتسلّل في أدق الجداول وتحت الأرض في الأروقة والدهاليز. لستُ بصدد القيام بجيولوجيا في التفكير، حتى وإن كان للمسألة مسوّغها كما أشرت إلى ذلك في مقدّمة كتابـي «الإزاحة والاحتمال»؛ حيث طبقات الفكر المتراصّة في التاريخ تماثل الطبقات الأرضية من حيث الأزمنة الجيولوجية. لكن قراءة الفلسفة والثقافة من الوجهة النظرية والعملية بين صلب وسائل أو بين خشن وليّن كما يقول ميشال دو سارتو (1925-1986) في كتابه «الثقافة بالجمع»، أو بين صارم وعائم أو بين قارّ وفارّ من شأنه أن يبرز التشابك التاريخي والتداخل المفهومي بينهما. ويبيّن هذا الأمر كيف أن الفلسفة بدون ثقافة هي هراء مادامت تتغذّى من النفحات الثقافية المتشكّلة عبر التاريخ مثل الأسطورة والدين والفن واللغة والعلم وهي مباحث ضلع في الاشتغال عليها إرنست كاسيرر كما أسلفتُ وكما سأعود إلى المسألة لاحقاً؛ وأن الثقافة بدون فلسفة هي خواء لأن هذه المباحث كتبعثُر بشري في الإبداع والابتكار تتأسّس على رؤية في الوجود تلمّ الشتات وتوحّد التبعثُر، لكن ليس في وحدة مطلقة تنعدم فيها الفروقات، لكن في تركيبة جدلية ودينامية تكشف في هيكلها عن الاختلاف في الهيئة والتنوّع في السمة.
2- بين الثقافة والفلسفة: مسرد الحُب ومسرب الحَب
في كتابه المدوّي «فلسفة أو بربرية»[6]، يجعل أوارد فيراري من الفلسفة "الكنـز المخفيّ" الذي يُحبّ أن يُعرَف، فصنعت المذاهب والأفكار وتجلّت عبرها لتعرفها وتعرف قدرها. أكتب هذه الجُملة محاكاةً لما أورده محي الدين ابن عربـي (1165-1240) في «الفتوحات المكية» باعتماده على خبر نبوي شهير: «كنتُ كنـزاً لم أُعرَف فأحببت أن أُعرَف فخلقتُ الخلق وتعرّفت إليهم فعرفوني»[7]. وفكرة الحُب (بضمّ الحاء) لا تنفصل لغوياً وعملياً عن فكرة الحَب (بفتح الحاء)، لأنهما تنتميان إلى الجذر الألسني نفسه، ولأنهما تدلاّن على تصوير تقني يقتضي أن الحُبّ الجامع بين كائنين يؤول إلى زرع الحَب لديمومة النوع البشري (مثلاً زرع النطفة في الرحم للحصول على الكائن البشري السويّ). كل حُب هو تشتيت مجازي أو فعلي لعناصر لا تنفك عن النمو والارتقاء وتصدر عنها ثمار. ينطبق هذا الأمر على الكائن الحيوي كما سأتوقف عند ذلك مع فكرة "البيلدونغ" الألمانية، وينطبق أيضاً على الكائن الثقافي الذي يدفعه حُب استظهار الملكات العقلية والمواهب الشخصية إلى تشتيت الابتكارات وتوزيعها ليكون له فيها توقيع وتوضيع، فتكتمل في الشكل وتتجسّد في الأسلوب أو الصيغة، فيدوم في الزمن وينتشر في المكان، كما هو الشأن مع اللوحات الفنية بأسماء الفنانين الذين صنعوها. كانت لهم بها علاقة "حُبّ" في تجسيد الموهبة وعلاقة "حَب" بتقسيم هذه الموهبة إلى ابتكارات وصنائع متفرّقة تنفرد الثقافة بالكشف عن قيمتها الجمالية أو العملية. وبالتالي فإن كل ثقافة هي بالتعريف الرغبة في استظهار عبقرية وتوزيعها زمانياً ومكانياً على أكبر عدد ممكن من النفوس الناطقة والعاقلة. والفلسفة هي إحدى هذه التجليّات الراغبة والمرغوب فيها. ممّا يعني أن الفلسفة والثقافة هما وجهان لعملة واحدة عبّر عنها أوارد فيراري بهذه الكلمات في خاتمة كتابه: «في نهاية هذا المطاف، نرجو أن نكون قد بيّنا أن الفلسفة، الثقافة الحقيقية، ليست شيئاً آخر سوى عمل اللوغوس، بمعنى بناء هوية الكوني والفردي تتيح تحقيق مجتمع أصيل وجدير بالثقة»[8].
فهو يعتبر الفلسفة بوصفها الثقافة الحقيقية، وهذا لا يبتعد عن مذهبـي في كون الفلسفة هي ثقافة بامتياز من حيث البحث عن مبدأ جامع للصنائع والابتكارات حيث تنتهي بقطف ثمار هذه الإبداعات بعدما حرّكتها الرغبة وإرادة المعرفة (الحُب) وجسّدتها الصناعة وإرادة القوّة (الحَب). وهذه الرغبة الثائرة من أجل التجسُّد والصناعة الراقية من أجل تحقيق هذا التجسيد هي ما يسمّيه كاتبنا «عمل اللوغوس» ويقصد به العقل الجامع (Vernunft)، العقال الحاجر والمانع، الذي يحجر الذات عن التشتت الذهني أو الهوس الهوياتي، وليس الإدراك القصدي (Verstand) في الإحاطة بالموضوعات والوضعيات. والاحتكام إلى الإدراك القصدي جعل الهوية، أيّاً كان شكلها الحضاري وينعت هنا أوروبا في حروبها التاريخية المدمّرة، تتّكئ على عمليات حسابية أو آلية تبعاً لمقولة تيودور أدورنو (1903-1969) وماكس هوركايمر (1895-1973) في حديثهما عن «العقل الذرائعي» الذي تخلّى عن الثقافة وولع بالتقنية في فبركة أحدث الوسائل اللاسلكية والحربية والتدميرية التي تتجلّى عبرها الهيمنة الإمبريالية. أمّا الفلسفة أو الثقافة فهي تستند إلى العقل بالمعنى الإغريقي العريق لمفهوم "اللوغوس" الذي يشتمل على قيم الحوار والتبادل في الأقوال والأفكار عبر المخاطبة والجدال والسجال، أي الأمر الذي يشكّل حقيقة الإنسان كحيوان ناطق بالمعنى الأرسطي. هذا هو الفرق بين العقل كما تحمله الفلسفة منذ مهد ظهورها، العقل المجادل، المفكّر، المشاكس، المندهش، الباحث، المستطلع، المستكشف، أي العقل "الناطق" بالحقائق الميتافيزيقية أو الجمالية أو الخُلُقية؛ وبين العقل كما تحمله التقنية منذ ظهورها الحديث بتطوّر العلم، وهو العقل الحسابـي، الذرائعي، التبريري، الإيديولوجي، اليقيني، السكوني، أي العقل "الصامت" الذي يكتفي بتطبيق المعطيات بشكل ميكانيكي وآلي ولا يفتح جبهات السؤال أو أقاليم النقد والمراجعة.
كيف نأخذ الفكرة التي يطرحها هذا الكتاب وهي الفلسفة بوصفها كنـزاً مخفيّاً لم تحسن البشرية استثماره وعوّضته بالبربرية أي الهمجية المهدّمة للحضارة والناقضة للعقل الحيّ والمركّب؟ كذلك الثقافة هي كنـز مخفيّ، اختفت تاريخياً في الرسم ولم تَبرز في الإسم سوى بتطوّر المعارف الإنسانية. ما هو هذا الكنـز المكنون الذي به قوام البشرية والتقويم النظري والعملي، الفكري والسياسي، لما اعوجّ في البشرية وعدل عن الحقّ لينقض بضده؟ إن الكنـز بطبعه عزيز، نادر، فريد. يُحتفَظ كرأسمال ويُتداول كصفقات. فهو في الوقت نفسه الثابت والمتغيّر، الجوهر والعلاقة، البؤرة والمجال، المركز والمحيط. كذلك الفلسفة في تاريخها العريق أو الثقافة في تاريخها الحديث كانت ولا تزال هذا "المبدأ" الذي تنطلق منه المواهب النظرية والابتكارات العملية و"الغرض" الذي تصبو إليه وتنتهي بالوقوف عليه، لا لتسكن إليه بل لتبني عليه وتفكّر فيه. فتنهل من الكنـز المكنون لتقرأ الحدث العابر لأن من خاصيّة الفلسفة أن تبقى كنـزاً مخفيّاً تتوارى في حقيقتها وتندمج بالعالم بآثارها ومذاهبها: «الفلسفة هي في جوهرها قبل أوانها، لأنها تنتمي إلى هذه الأشياء النادرة حيث يكون مصيرها هو عدم مصادفة الصدى المباشر في يومها الخاص»[9]. فهي الشيء الذي يضحى خفيّاً في ماهيته، بارزاً في آثاره ويمدّ ما عداه من أدوات القراءة وأساليب التحليل والتركيب وأنماط الجدال والسجال. إنها "الحُب" الذي يتبدّى في الرغبة في المعرفة تبعاً لأصلها الاشتقاقي «فيلا سوفيا»: محبة الحكمة؛ وإنها "الحَب" في تشتيت الأفكار وتوزيع المفاهيم على الأرضيات المذهبية بُغية الحصول على منتجات نظرية وأنساق فكرية. لكن الحُبّ هنا ليس قناعة أو إيحاءً أو إلهاماً أو تكهناً لأن الفيلسوف يختلف في طريقة إدراكه للعالم عن الحكيم أو النبـي أو مفسّر الأحلام، ويتّخذ من ملكة الحُكم أداة في القراءة والتقدير. فهو يستعين بالعقل الجامع بالمعنى الألماني (Vernunft)، العقل الباحث الذي عندما يوزّع الحبوب على أرضيات التفكير فإنّه يجمع الثمار في رؤية فنّية وبلاغية حصيفة، أي أنّه عندما يحلّل موضوعاته ويبسُطها على حقل النقاش والجدال والتساؤل، فإنه يعيد تركيبها بصيغة مغايرة تعبّر عن نموذج جديد ورؤية متجدّدة.
كان هايدغر قد طرح فكرة العقل الجامع تبعاً للمقولة الألمانية حيث تفيد الدلالة "الجمع" أو "الربط"[10]. والعقل في اللسان العربـي له أيضاً دلالة الجمع وعبّرتُ عن ذلك بهذه الفقرة: «العقل هو ما يمسك الوحدة العضوية للنفس البشرية والاجتماع الإنساني. تفكّك الروابط النفسية يؤدّي إلى خلل عقلي؛ وتشظّي الروابط الاجتماعية هو مسحوق الانفجار ومادّة العنف والانهيار. فما يمسك هذه العلاقات ويقيم بينها الوحدة العضوية والحيوية فهو "العقل". ومنه المعقل أو الملجأ: اللجوء إلى ما يدرأ تفكك الروابط وانفصال الأجزاء نحو تيه وجودي أو انهيار نفسي أو اجتماعي. اتجاه العقل إلى ربط الأجزاء والحفاظ على التماسك الداخلي للعناصر والبنيات هو نوع من التشابك والتشاجر بين العلاقات والمجازات»[11]. فالعقل في جوهره عبارة عن رباط أو "عِقال" كما كانت العرب تأخذ به لأن من شأن العقال أن يحجُر الدواب من الفرار إذا لم يتمّ ربطها بإحكام. وبالقياس يشتغل العقل بالوتيرة نفسها من حيثُ قدرته على الربط بين الأجزاء لمنع التشرذم والتبعثر وله في ذلك خاصيّة أخلاقية بالنهي عن اقتراف الآثام. يبدو الاختلاف بين الإدراك الغربـي للعقل والإدراك العربـي له أن الإدراك الأوّل (الغربـي) يضع العقل على المستوى العملي في الربط بين الأشياء على مستوى الحساب والتقدير والتخمين، أي هو عبارة عن ممارسة وتمرين وتدريب وإدارة وغيرها من الأحكام العملية الصرفة التي تنعطف عليها الرؤية النظرية الحصيفة؛ بينما يضع الإدراك الثاني (العربـي) العقل على المستوى الأخلاقي بدرء المظالم وحجر التعدّي ودفع الديّات وتسليم العطايا على ما نقرأ في معاجم فقه اللغة والاشتقاق. يشترك الإدراكان في الدلالة (الجمع، الربط) ويختلفان في الصيغة (العملية-البراغماتية بالنسبة للإدراك الغربـي للعقل، الأخلاقية-الدينية بالنسبة للإدراك العربـي).
لكن بين الإدراك الغربـي الذي آل إلى عقل ذرائعي في الحساب والتصنيف والتنسيق يخلو من روح وثقافة والإدراك العربـي الذي آل إلى عقل أخلاقي جافّ وصارم تنعطف عليه الحساسية الدينية في الأوامر والزواجر، فإن العقل الفلسفي المنعطف على الثقافة أصبح كالدرّة اليتيمة أو بتعبير فيراري "الكنـز المخفي" المتواري تحت ركام الإيديولوجيات والسياسات والمعتقدات. فتوجّب إخراج هذا الكنـز المخفي وتصريفه كالرأسمال إلى صفقات وتداوله كمعاجم وتأمّلات فكرية لا تكتفي بالعرض والتصنيف ولكن تلج في عُمق الكائن لفحص شرطه الوجودي والتساؤل المحموم والحميمي حول حالته بين الإمكان والضرورة. إن "لابدّية" التفكير الفلسفي أو وجوبيته تقتضي أخذ الثقافة مأخذ الجد وجعلها المقولة والمفهوم، القيمة والمعنى، الظرف والصيغة، في أزمنة ارتدّ فيها العلم إلى تقنية أي إلى مجرّد أداة للاستعمال الذرائعي في الترويع الاستراتيجي أو التنويع الاقتصادي؛ وأصبحت فيها السياسة مجرّد لعبة شطرنج في تبديل المواقع حسب ضرورة المصالح وهجرتها الروح السجالية والديمقراطية التي شكّلت جوهرها التاريخي مع الفضاء العمومي الإغريقي وحتى الأبنية النظرية في الشرط السياسي للإنسان الحديث والمعاصر. إن خاصية التفكير الفلسفي الذي يتّخذ من الثقافة حصان طروادته أن يزرع بذور التأمّل النقدي المتحرّر من الإملاء القسري والإكراه القهري، لأن خاصيّته هي تحرير الضمائر من المضمرات في السياسة والإيديولوجيا أي مساءلة حقيقة الإنسان التي هي التفكير الواعي وليس الاعتقاد السلبـي، الحرية المنشودة وليس الخضوع المفروض. وعملياً، الثقافة هي التي تهب للإنسان أدوات هذا التحرّر من خلال التعبير الفني والصياغة الجمالية لأشكال الإبداع والابتكار. لأن قيمة التحرّر تكمن في البحث عن الحقيقة لذاتها، في اكتشاف الوجود كما يتبدّى للإدراك البشري بجماله وجلاله، بعنفه وتراجيديته، في صناعة الواقعة الفردية والجماعية بالاشتغال على الذات والتواصل بالغير؛ وليس الحقيقة كما تحيكها إرادة السلطة، كشيء جاهز ينبغي حشوه في الضمائر، كإيديولوجيا ينبغي غرسها بالترغيب أو الترهيب والسهر على رعايتها بالوسائل الردعية.
ونماذج هذا العقل الفلسفي الجامع الذي يجعل التفكير في صُلب التجربة البشرية والحرية في قلب كل فعل وقرار هي عديدة ولعلّ أشهرها هو إيمانويل كانط الذي افتتح الحداثة بإقامة قطيعة بين العقل اللاهوتي والميتافيزيقي الهائم في التجريدات والمتعاليات والعقل النقدي والتجريبـي المرتبط بخصوصية الواقع المحايث والوضع الإنساني المباشر. فالعقل الجامع هو عقل رابط بين الانطباعات الحسية على مستوى نظرية المعرفة ورابط بين أنظمة التفكير والقرار على مستوى السلوك العملي، ويوجّه هذه "الحُزمة" من التصوّرات والأفعال نحو هدف بنائي وتنظيمي ويشترط الإرادة الحرّة في هذا التوجيه. فلا يمكن بناء منظومة عقلية توجّه التصوّرات والسلوكيات البشرية دون حرية هي لها بمثابة الجوهر المؤسس والدليل المرشد. ويكمن جوهر هذه الحرية في أن يوجّه الإنسان حياته حسب الحُكم الحصيف لعقله بدون إكراهات برّانية، أي بدون سيادة عليا تُملي عليه طريقة التفكير والسلوك كما يؤكّد على ذلك في رسالته الشهيرة «جواب على سؤال: ما هي الأنوار؟» (1784). وفي السنة نفسها أصدر كانط رسالته الأخرى «فكرة التاريخ العالمي من وجهة نظر كوسوبوليتية» (1784) يتساءل فيها عن جدوى الحضارة إذا كانت الأخلاق عارية من الحرية ومن الحُكم العقلي والتمييز النظري. يُبرز في هذه الرسالة أن عصره بلغ درجة متقدّمة من التحضّر والتثقّف، ولكن لم تكن الأخلاق هي الوازع الحصيف في السلوك البشري: «إننا مثقفون جداً في ميدان الفن والعلم. إننا متحضّرون جداً إلى حد الإرهاق بالنسبة للمجاملات والآداب الاجتماعية من كل نوع. لكن أن نعتبر أنفسنا متخلّقون، فينبغي الكثير للبرهنة عليه»[12].
يجعل كانط الحرية في جوهر الأخلاق، بل يطابق بين الحرية والأخلاق، ويمنحنا فكرة عن الثقافة والحضارة كما سأتوقّف عليها في القسم الأوّل. فالثقافة في تصوّره، وتبعاً للفكرة الغالبة في عصره، لها علاقة بالفنون والعلوم، أي طريقة في اكتساب المعارف، بينما تنتمي الحضارة إلى نطاق الآداب والمعاملات وفيها الكثير من مظاهر التكلّف والاصطناع. فالأخلاق التي يعتبرها كانط هي الحرية ذاتها، لا يمكن اختزالها في كسب منفعل للمعارف والمناهج لأنّ في ذلك شحن للرأس بالمعلومات والأفكار؛ ولا يمكن إرجاعها إلى الآداب الاجتماعية من احتشام ونبالة ولياقة لما تشتمل عليه من مظاهر خادعة تمليها ضرورة الوقت والالتقاء بالآخر. إن الحرية أو الأخلاق هي مسألة تكوين ذاتي بالمعنى الذي سأتعمّق فيه لاحقاً، أي مسألة تشكيل الذات بالمعنى الألماني لفكرة "البيلدونغ". وينطوي هذا التشكيل على إبداء رأي محايد وحصيف بمعزل عن كل إكراه أو إملاء، أي بعيداً عن كل سيادة عُليا تتجسّد في منظومة سياسية (الدولة) أو دينية (مجتمعات الاعتقاد). ويعبّر كانط عن هذا التشكيل في النصّ ذاته بعبارة «الاشتغال الداخلي الطويل والضروري» الذي يباشره كل مجتمع مدني في تحرير أفراده واكتساب الثقافة بوصفها صناعة للذات. لأن الأساسي في كل تشكيل ذاتي هو أن يفكّر الإنسان بذاته من أجل ذاته، ويتصرّف بنفسه، ويتحمّل مسؤولية أفعاله وتبعة قراراته، أي أنه يمارس حريّته بأتمّ معنى هذه الكلمة، ويمارس رُشده العقلي بأوسع دلالات هذه العبارة.
هيغل هو الفيلسوف الآخر الذي يشترط الحرّية في كل عقل فلسفي بطريقته الجدلية التي تتجاوز الصراعات الجزئية نحو بناء متكامل. يتعلق الأمر باشتغال العقل على ذاته وعلى واقعه المباشر وتتبدّى في هذا الاشتغال قيم الحكم الواعي والتحرّر المنشود. ويجد هيغل في الفلسفة الكنـز المعرفي السامي الذي من شأنه أن يحرّر الإنسان ويهبه أدوات التفكير الحيّ والواعي: «إن تاريخ الفلسفة يقدّم لنا مجموعة النفوس الشريفة التي تغلغلت، بفضل شجاعة عقلها، في طبيعة الأشياء، في طبيعة الإنسان، وفي طبيعة الله، كاشفة لنا عن عمقها، ومثبتة لنا كنـز المعرفة العليا. وإن هذا الكنـز الذي نطالب بحصتنا منه يشكّل الفلسفة بوجه عام»[13]. خلافاً للتصوّر الشائع لا يقتضي الكنـز "الاكتناز" أي أن نحتفظ به ونودعه في صناديق من حديد، بل يتطلّب البثّ والانتشار لأنه كنـز روحي بأوسع معاني الروح التي تحدّث عنها هيغل. فهذا الكنـز هو الرأسمال الذي يستقي منه الإنسان صفقات حياته النظرية والعملية، ويخصّ الروح كشيء خالد وسرمدي في ما وراء المتغيّرات الزمنية. إنه صنو الحقيقة في بُعدها المتواري وراء تجلّيها المتوالي في الأنظمة الفكرية والسياسية وفي الصنائع البشرية. فالفلسفة تبحث عن الأساسي والجوهري، وأستعمل مفردة "الجوهري" بالمعنى المزدوج للعميق الغائر في الذات الإنسانية وللنفيس أي الكنـز الذي يُعتمد عليه في تغذية الروح وتحقيق حريتها. ويتمّ توزيع هذا الكنـز بتثمين خاصيّة "التفكير" لدى الإنسان، لأنه الكائن الوحيد الناطق والمفكّر، وبالتالي الكائن الوحيد الحرّ: «إن الفكر بذاته حرّ وخالص، ولكنه عادة يرتدي شكلاً ما؛ إنه فكر متعيّن، خاص. إن الفلسفة وحدها هي الفكر الحرّ، اللامتناهي [...] والحال، فإن الفلسفة تعلّمنا الافتكار، تعلّمنا كيف ينبغي علينا التصرّف في هذا الحال؛ وهي تعالج مواضيع من نوع خاص؛ غايتها جوهر الأشياء، لا الظاهرة، الشيء بذاته كما يكون في التمثّل. إن الفلسفة لا تنظر في تمثل كهذا، وإنما تنظر في جوهر الموضوع، وهذا الجوهر هو الموضوع ذاته، وبالتالي فإن الفكر هو موضوع الفلسفة. وعليه يكون الروح حرّاً عندما ينشغل الفكر بنفسه، عندما يكون إذن لنفسه»[14].
يصبّ اهتمام هيغل في الوجهة نفسها التي تولاّها كانط وهي قدرة الإنسان على أن يفكّر بذاته، أي أن يكون حرّاً في تفكيره. فالتفكير خاص بكل إنسان على حدة وهذا التفكير الذاتي يعبّر عن تصوّر معيّن للوجود ونابع من الأعماق الذاتية والجوهرية، فهو بالتالي تفكير حرّ لا تشوبه علائق، تفكير نتاج الإرادة الحرّة، ولأن الحرية هي أيضاً القدرة على التفكير. العجز عن التفكير هو انتفاء للحرية، هو نفي للشرط الإنساني. يتعلّق الأمر بكيفية تصريف الكنـز الخفيّ ليصبح تفكيراً جليّاً قائماً على وقائع العالم. وفي ذلك يستعمل هيغل فكرة "الأوفيبونغ" (Aufhebung) التي سأعود إليها في طيّات هذا الكتاب. والفكرة هي جدلية في جوهرها، متوتّرة، لأنها تعني في الوقت نفسه الاحتفاظ والمجاوزة. لأن العنصر يحتفظ بشيء خفيّ لا ينفك عن الاشتغال في طيّاته، ولكن يتجاوز العنصر هذا الشيء الخفيّ بإقحامه في وضعيات جديدة تغيّر من هويته وتعدّل من صيغته، فيصبح «هو لا هو» إذا جاز لي استعمال المقولة العرفانية في التراث الإسلامي. فالكنـز الخفيّ الذي هو الفلسفة لا ينفك عن التحوّل عبر موضوعاته يغيّرها ويتغيّر بها، يعمل بها ويعتمل فيها. والصورة الأقرب إلى هذه الفكرة هي جدل البذرة والشجرة من حيث أن البذرة هي حاملة أوصاف الشجرة اللاحقة، والشجرة هي حاملة بقايا البذرة السابقة: «إن البذرة بسيطة، تكاد تكون نقطة؛ لكن المجهر لا يمكنه أن يكتشف فيها شيئاً يُذكر؛ لكن هذه البساطة حُبلى بكل صفات الشجرة. فكل الشجرة في البذرة، الأغصان، الأوراق، لونها، رائحتها، طعمها، إلخ؛ غير أن هذا الشيء اللطيف، البذرة، ليست هي الشجرة عينها، هذا المجموع المتنوّع لم ينوجد بعد»[15]. يورد هيغل هذه الفكرة في سياق حديثه عن تطوّر الكائن بالاستعداد والانتقال من الوجود بالقوّة إلى الوجود بالفعل تبعاً للمعجم الأرسطي، وهي فكرة ستساعدنا أيضاً في فهم خاصيّة "البيلدونغ" كثقافة في التكوين الذاتي، كثقافة في التفكير الحرّ.
لكن الفكرة الجليلة الممكن استنباطها من هذه الصورة المجازية للبذرة والشجرة، أو بشكل أوسع من صورة الاحتفاظ والتجاوز هو أن الكنـز المخفي لا ينفك عن التجلّي في رسومه أي في تعيّناته وإنجازاته الواقعية. إذا كانت الفلسفة هي هذا الكنـز الخفيّ، فإن الثقافة بمواردها المتنوّعة وتوزيعاتها في الفن والعلم والدين والأخلاق هي التي تتيح تصريف هذا الكنـز إلى صفقات عبر الابتكارات العلمية والإبداعات الفنية والتأويلات المذهبية. فلا تنقطع الفلسفة عن التجدّد في خبايا الصنائع والابتكارات ولا تتوانى الثقافة عن مجاوزة الفلسفة بالاحتفاظ بما يؤسّس جوهرها الدفين وهو التفكير الحرّ. فالثقافة تتجاوز الفلسفة كمذهب أو نسق له قوانينه الداخلية وتواريخه المعلومة، ولكنها تحتفظ بما يشكّل خاصية الفلسفة وهو التفكير الذي ينطلق من الأعماق الراسخة كجذور البذرة ويبتغي الآفاق الواسعة كأغصان الشجرة. ففي كل إبداع ثقافي ثمة تفكير فلسفي قابع لا ينفك عن التحوّل والارتقاء بتحوّل الإبداع الثقافي نفسه. فلا تنفك فروع الثقافة عن تفكير فلسفي محايث ومتوارٍ في شكل مقولات أو مفاهيم تنظّم مساحة تلك الفروع كما هو الشأن مع الفن الذي ينطوي في حقله على قيم الرمز والتصوير والجمال؛ والدين الذي يشتمل على قيم الجدل والقياس والفهم والتأويل؛ والعلم الذي يتضمّن على قيم البرهنة المنطقية والتحليل والتركيب، إلخ. هناك في الوقت نفسه مجاوزة للأطر التقليدية للفلسفة واحتفاظ بالأساليب الفكرية الحيّة التي تختزنها. لأن الفن لا يفكر بالفلسفة ولكن بالتفكير الذي هو جوهر الفلسفة؛ وليس للدين الموضوع نفسه الذي تشتغل عليه الفلسفة، ولكنه يستعين بأدواتها في القراءة والتقصّي وأنماطها في التفكير للاهتمام بموضوعه المباشر وهو الألوهية وكل المباحث المرتبطة بها؛ ولم يعد العلم بحاجة إلى الفلسفة بحكم الأشواط التي حقّقها في إعادة النظر في السببية وبنية الفضاء وحقيقة الطبيعة، ولكنه يحمل بذور التفكير الدقيق والمتمعّن في دراسة الظواهر التي تصادف مشواره المعرفي والتقني. إن فروع الثقافة من فن وعلم ودين ولغة وأسطورة تتغذى من الجذر نفسه وهو التفكير الفلسفي، التفكير الحرّ في الصياغة والبناء، تفكير حيّ ودينامي لا يزال يساير حركة الحياة دون أن يقبض عليها، يجاري مياهها وسيولها دون أن يتوهّم إدراك حقيقتها وألغازها.
والتفكير الفلسفي، بما هو حرّية تسعى إلى التجسُّد في الصنائع والابتكارات والقراءات والتأويلات، هو أيضاً ممارسة عملية لأن تجسيد الحرية يكون بالفعل المتعقّل أو بالسلوك الصانع والحاذق، ولأن الثقافة هي في جوهرها صناعة عملية تُبرزها الفنون والعلوم والمذاهب عبر سلسلة من الإبداعات والاجتهادات. فالربط بين النظري والعملي أو تمفصل التفكير بالتدبير هو أساس العلاقة الوطيدة بين الفلسفة والثقافة، لأن الفلسفة هي صانعة للمقولات والمفاهيم والثقافة هي صانعة للأشياء ولأنظمة الذوق الفني والتأمّل العلمي والتأويل المذهبـي، فيتقاطع فيها المفهوم الفلسفي بالأداء الفني والتعبير السياسي والتجريب العلمي والتفسير الديني، إلخ. وكان هايدغر يرى في التفكير كنهج يفيد السلوك والتدبير وليس فقط التخمين والتجريد[16]. فهو البؤرة التي تتيح المسار أي تُبرز كينونة الإنسان كحقيقة فاعلة وعملية تصدّقها الصنائع والأبنية المختلفة التي تحتويها الثقافة بحذافيرها. وهل الثقافة هي شيء آخر سوى الإرادة الحرّة التي تتجسّد في العمل بحيث يصبح الإنسان كائناً فاعلاً وعاملاً بالإضافة إلى كونه كائناً ناظراً ومفكّراً؟ فالتفكير يقتضي الأداء لأنه يميل بطبعه إلى التجسّد في الإنشاءات البشرية من فنّ ومعمار وتخطيط وتعليم وصناعة وتأويل. والعمل البشري هو في جوهره حُريّة لأن الإنسان يتحرّر بأداء فعل أو شُغل وظيفة، فيقوم بالتنفيس عن الهواجس والرغبات والتصوّرات بتحويلها إلى دوافع في الحركة وطاقة في الإنتاج. وفي ذلك ينعطف التفكير على التدبير ويلتقي النظري بالعملي وتكتمل الفلسفة بالثقافة: «الفلسفة هي الثقافة الحقيقية بامتياز والتخلّي عنها هو التخلّي عمّا يؤسّس الشرط الإنساني الحقيقي. ألم يقل رونيه ديكارت (1596-1650) بأن "العيش بدون الفلسفة هو كإغماض العينين دون القدرة على فتحهما"؟ الفلسفة هي كنـز البشرية ومن خلالها يطوّر الإنسان تفكيره كإنجاز للحقيقة وللحرية الفعلية. نفي الفلسفة هو البربرية بعينها في أعتى صورها»[17]. فالتفكير الفلسفي الموزَّع في أشتات الفعل الثقافي هو المتراس ضدّ النـزوع نحو القهر والجزم والتعصّب والتصلّب لأنه الضامن للحرية في الإبداع والسبيل نحو البحث الحثيث عن الحقيقة في التجليّات الإنسانية. لكن لم تكن الأمور، وليست الأمور، بهذه الدرجة من السهولة وتفسّر هذه المسألة تواقت الحديث عن الثقافة بالبؤس أو الفلسفة بما عاداها تاريخياً.
3- فصول في الثقافة، فواصل في التجربة البشرية
إن معالجة الثقافة تقتضي الوقوف على المهارة اللغوية في الاشتقاق والغور في المنحوتات الألسنية ومقارنة التشكيلات الأسلوبية وهذا ما قمتُ به ابتداءً من القسم الأول، لأن فهم الثقافة مرهون بتفسير كيف ارتحل المفهوم عبر النصوص وكيف تمّ إلباسه حلّة جديدة حسب المواطن التي يحلّ فيها وكيف يفقد من رونقه حسب المواطن التي يرحل عنها. وبما أن الثقافة لم تكن موجودة كمنظومة مستقلّة، كان لا بدّ من إيجاد سمة غالبة كانت تعبّر عنها، لكن لم تكن تتفوّه بها. أقصد أن السمة المهيمنة في عصر من العصور كانت تعكس الثقافة ولكن لم تكن لها الأدوات اللغوية والمفهومية الكافية لتفكّر فيها كمقولة مستقلّة. فماهي السمات الغالبة التي كانت تعبّر عن الثقافة تلميحاً ولا تقولها تصريحاً؟ أخذتُ اللغات العريقة الثلاث وهي الإغريقية واللاتينية والعربية. أمّا اللاتينية، فإن الثقافة كانت ترتبط فيها بالزراعة؛ وكان التصوّر المجازي الغالب هو أن تهذيب النفس مثل فلاحة الأرض، ينبغي قلع الرذائل مثلما نقلع الأعشاب الضارّة وغرس الفضائل مثلما نغرس الشجيرات. فالاستعارة هي بليغة استعملها شيشرون (106-43 ق.م)، وسأعود إلى ذلك بالتفصيل. أمّا الإغريقية، فإن السمة الغالبة هي الصناعة: سواء تعلّق الأمر بصناعة الأدوات في تدبير المنـزل أو صناعة القوانين في تنظيم المجتمع، فإنها كانت العلامة البارزة في حياة الإغريق وقتئذ. لكن ما بال التأمّل الذي انفرد به الفلاسفة في عزوفهم عن الحياة اليومية الصاخبة لتكون من اختصاص العبيد، ولكي يتفرّغوا إلى النشاط العقلي والتأمّل الفلسفي؟ في حقيقة الأمر، كان التمييز بين النظري والعملي نتاج تقسيم في العمل بين الحرفيين أو اليدويين الذين يعتنون بفبركة الأشياء وتنظيم الحياة الاقتصادية للمدينة وبين الفلاسفة والخطباء الذين يعتنون بتعليم الأشخاص والبحث عن المبادئ المجرّدة التي تحكم، من وراء المظاهر، حركة الظواهر. الفاصل بين النظري والعملي هو في ذاته فبركة إنسانية لها قواعدها وتنظيمها. أمّا العربية، فإن السمة الغالبة هي الحذاقة بثقف الشيء أي الظفر به واقتنائه، وأكثر ما ترتبط هذه المقولة بالحرب، حَرفياً وعملياً. أما على مستوى الحرف، فإن مشتقات "الثقافة" هي في الغالب "حربية"، "صراعية" كما تقول أمّهات المعاجم والقواميس؛ وأمّا على الصعيد العملي، فإن كل أداء فعلي أو تصنيع يدوي يقتضي الحذاقة في إنجازه والتفنّن في فبركته.
والعلّة في ذلك أن كل ما له علاقة بالقوّة (أقصد الحرب، الهيمنة، التوسّع، السيطرة، الثقف...) له أيضاً علاقة بالعقل وبالتنظيم البارع والمتطوّر، الآلي منه والعسكري، في إدارة تجمّع بشري. فهل نتعجّب إذا كانت الاختراعات العلمية الأكثر تطوّراً وتقنيةً كانت لأغراض عسكرية وسريّة (التواصل اللاسلكي، الأنترنت، الحاسوب، إلخ) أكثر منها لأغراض اقتصادية وتسويقية؟ فقط مع تطوّر الاجتماع البشري وصيرورة الاقتصاد مرجعية بشرية في التجارة والتبادل، انتقلت الاختراعات من المنغلق العسكري إلى المنفتح الاقتصادي تحت وطأة العولمة. يفسّر هذا الأمر لماذا "الثقافة" في المنطوق العربـي لا يمكن فصلها عن القوّة التي تتطلّب الحذاقة في التعامل مع المعطيات الميدانية واستعمال الحيلة لثقف الخصم والفوز بالغنيمة. لكن تكمن هشاشة المسألة في أن العرب لم تستطع إحداث القطيعة المعرفية والتاريخية مع المقولة في نطاقها الكفاحي. لا تزال العرب تحمل أثقال المقولة على عاتقها فترى إلى الوجود رؤية "نـزاع" بالمعنى الذي يجب فيه الظفر بالعدو والتميّز عنه في كل الحالات والأحوال: في الرؤية والأداء والمظهر، أي الاختلاف عنه في الحقيقة والطريقة والسليقة، في المعيش والملبس والمسكن. ظلّت العرب لصيقة التصوّر الكلاسيكي حول "ثقافة" لها علاقة بالحرب والتميّز عن الآخر منذ النـزاعات الطاحنة في العصر الوسيط للثقف بالهيمنة والصراع حول الرمز والمقدّس (مثلاً الحرب بين صلاح الدين الأيوبـي وريتشارد الأوّل المدعوّ "قلب الأسد"). لم ترتقِ هذه الرؤية "النـزاعية" (نـزع الشيء الذي يقتضي القلع، الانتزاع، الاحتضار) إلى الرؤية "الكفاحية" التي تتطلّب السجال والجدال وكل القيم اللغوية في الحوار والعراك والقيم الفكرية في الحِجاج والبرهان.
جاءت كذلك الحاجة إلى التمييز بين الثقافة والحضارة بالاعتماد على الاشتقاق والارتحال المفهومي من عصر إلى آخر، تبعاً لغلبة الإطار الإيديولوجي أو التصوّر السياسي والاجتماعي العام. إذا كانت الثقافة والحضارة تشتركان في الانفصال عن الطبيعة، فإنهما تتميّزان حسب الذهنية الغالبة في العصر. مثلاً كانت الثقافة في القرن الثامن عشر تدل على "القيم الفردية" بكسب الفضائل وتطوير الملكات واستعمال العقل، لكن من جرّاء الصراع السياسي بين الأمم الأوروبية ابتداءً من القرن التاسع عشر، انتقلت الثقافة إلى "القيم الجماعية" لتدل على عبقرية الأمة ولتكون بمثابة المعيار الإيديولوجي في شحن الضمائر وتهييج الإرادات، دفاعاً عن الهوية. كذلك إذا كانت "الثقافة" خاصية ألمانية في الاعتزاز بالقيم الوطنية والخصوصية التراثية، فإن "الحضارة" كانت خاصية فرنسية في الاعتزاز بالقيم الكونية والفلسفة العالمية. بهذا المعنى، لم تكن الثقافة والحضارة مجرّد كلمتين في القاموس، بل كانتا في أتون التجارب التاريخية، تتلونان بها وتندمجان في رهاناتها. لهذا الغرض، جاء الفصل الثاني ليعالج الأطر التاريخية للمفهومين والدلالات المصاحبة لهذه الأطر والملابسات. لقد نبّه نصر محمد عارف إلى الغموض الذي وقع فيه المفكرون العرب عندما أقدموا على تعريب الكلمات الأوروبية: «هناك اضطراباً واضحاً في الفكر العربـي عند تعامله مع مفهومي Culture وCivilization، حيث قدم للمفهومين الأوربيين ثلاثة ألفاظ عربية هي "الثقافة" و"الحضارة" و"المدنية"، فمن ترجم Culture إلى ثقافة ترجم Civilization إلى حضارة، ومن ترجم Culture إلى حضارة ترجم Civilization إلى مدنية، وفي كل حالة يختلف تعريف المفهوم العربـي عن الآخر. ففي الحالة الأولى تكون الثقافة هي الجانب الفكري من الحياة الإنسانية، وتكون الحضارة هي الجانب المادي منها. وفي الحالة الثانية تكون الحضارة هي الجانب الفكري، وتكون المدنية هي الجانب المادي منها»[18].
بناءً على تصنيف نصر محمد عارف، أضع نفسي في الحالة الأولى التي تأخذ بالزوج ثقافة/حضارة، خلافاً لعبد الرحمن بدوي مثلاً الذي ينتمي إلى الحالة الثانية التي تأخذ بالزوج حضارة/مدنية، خصوصاً مع ترجمته لكتاب ألبرت شفيتسر «فلسفة الحضارة»، كما سأتوقف عند ذلك لاحقاً. آخذ بالزوج ثقافة/حضارة لأن المنطوق "ثقافة" لا بدّ منه في كل الأحوال[19]؛ بينما الزوج حضارة/مدنية هو في نظري رديف لا غير، يعود إلى العلة الاشتقاقية بين "الحَضَر" (تحضّر) و"المدينة" (تمدّن). وفي الخلاصة التي تتوجّ محاولته الجريئة، يكتب نصر محمد عارف ما يلي: «من خلال العرض السابق لمفاهيم الحضارة والثقافة والمدنية، نلاحظ مدى ما حدث للبناء المفاهيمي العربـي المعاصر من تشويه وعدم تحديد وخلط للدلالات والمعاني، مما يفقد الكلمات والألفاظ ماهيتها ودورها كوسيلة للتواصل الفكري والحوار ونقل المعاني والدلالات، بحيث أدى تعدد مصادر التعريف بأي من هذه المفاهيم واختلاط الأصول والماهيات، أدى إلى نوع من حوار "الطرشان" في الجماعة العلمية العربية، حيث لم تعد الألفاظ بإزاء معاني محددة، وإنما يختلف المعنى والدلالة من ذهن إلى آخر، ومن ثم فإن أطراف الحوار لا يقفون على أرضية واحدة، وإنما كل منهم تقع على ذهنه ظلال للمفهوم مخالفة لتلك التي وقعت على ذهن الطرف الآخر، ومن ثم فلن يصلوا إلى اتفاق حقيقي، وهذا ما يُلاحَظ في واقعنا الثقافي من إعادة وتكرار مناقشة القضايا عينها بعد مضيّ قرن من الزمان [...] كل ذلك لعدم وضوح إطار المفاهيم المتداولة، وهذا الأمر يستلزم إعادة بحث وتنقية المنظومة المفاهيمية والمتداولة في إطار الجماعة العلمية العربية»[20
أبدي حول هذه الفقرة الملاحظات التالية في شكل عوائق ضمنية تلتصق بالذهنية العربية:
1- عائق النـزعة التوحيدية، ويخص الهوس العربـي في جمع الأذواق والدلالات في وحدة قسرية دون تنوّع أو اختلاف. هناك نـزعة "قسرية-قهرية" ضمنية في هذه الذهنية، لها بلا شك مبرّر وتاريخ في النُظم السياسية والدينية والأخلاقية. ننسى في الغالب بأن دلالة الكلمة ليست فقط مسألة "قاموس"، بل هي مسألة سياق وقرينة. وبالتالي لا يمكن أن نجد دلالة واحدة ووحيدة لكلمة "ثقافة" و"حضارة" يتفق عليها الجميع، بما في ذلك في الغرب حيث لا يوجد اتفاق حول مدلول الثقافة بين الفكر الفرنسي والفكر الألماني، وأحياناً داخل هذين الفكرين لا يوجد إجماع، فما بالنا بالفكر العربـي! بيّنتُ باقتضاب وسأفصّل لاحقاً أن الكلمة تخضع أكثر إلى السياقات والرهانات والصراعات منه إلى القواميس والأكاديميات. فالبحث "القسري-القهري" عن دلالة وحدوية أو توحيدية كما ينادي نصر محمد عارف هو إجحاف وجفاف لا طائل من ورائه.
2- عائق التصفية والتنقية الذي يرتبط بالعائق السابق حيث أن قهر التنوع والاختلاف من شأنه تطهير الكلمات من الشوائب البرانية العالقة بها. فهو يبتغي الوحدة النسقية والإيديولوجية بلا مدلولات آتية من اللغات أو السياقات الأخرى. طبعاً هناك ضرورية داخلية، تنتمي إلى تاريخ اللغة، لمعرفة الدلالة المحايثة قبل مقارنتها بالدلالات الأخرى الوافدة. لكن الحديث بأسلوب التصفية والتنقية هو نـزعة عُنصرية مشينة. إذا كانت "الثقافة" تقابل صنوها الغربـي Culture، فلا مجال لتنقية المنطوق "ثقافة" من الدلالات الغربية. لأن هذا مضيعة للوقت أولاً، ونكران لوحدة العقل البشري ثانياً. إذا كان الفضل يعود إلى سلامة موسى (1887-1958) في اقتران منطوق الثقافة بمنطوق "كولتور"، فلنبني على ذلك قراءات وتأويلات في فلسفة الثقافة بين الغرب والعرب، فهو أقرب إلى الحصافة من هوس التصفية والتنقية.
3- عائق الدقة اللامتناهية الذي لا يبتعد عن العائقين السابقين من حيث الحديث بتعابير قسرية-قهرية من قبيل: الدقة، الوضوح، المنهجية، المرجعية، التأصيل، الخصوصية، إلخ. مثلما أن الكلمة لا تُختزل دائماً إلى دلالتها "المعجمية" لأن المسألة هي قضية سياق تداولي وتطور تاريخي وتلقي معرفي؛ كذلك الاشتغال على الكلمات بوصفها مصطلحات ومفاهيم ليس مسألة مقاربات "روبوطية" شبه متحجرة ومتصلبة، لكن مسألة ذكاء عفوي وتكتيكات مرنة. لا مجال للولوج في ترف لغوي وإطناب معجمي تدعمه الإجراءات الرنانة التي تحدثتُ عنها من قبل، وكأن الفكر مسألة التزام قسري-قهري بالعقود والقواعد. أبداً! حتى في صيغته الأكاديمية لم يكن الفكر مسألة مقاربة "فولاذية" للأشياء، بل هو فسحة حرة ولعبة مرنة في التمفصل بالعالم والولوج في جوهر الأشياء. لهذا السبب من يتحدث عن الوضوح وفض الغموض لا يُدرك الطبيعة المعقدة والمتشابكة والملتبسة للواقع الذي تصفه اللغة. كما كان يقول ميشال دو سارتو، لو كان الواقع مسألة إسم وخبر ومفعول به لكانت الأمور سهلة والحقيقة بادية. لكن الأمور هي أعقد مما نظن وتتطلب المسايرة والمواكبة والتمرن على وسائل وأدوات والحديث بأسلوب متموج ومرن وبمنطق براوني وعنقودي؛ وليست حتماً مسألة منهج مطبَّق أو دقّة مملّة.
في حديثي عن فلسفة الثقافة، آثرتُ في الفصل الثالث الحديث عن ثقافة الفلسفة لإبراز التآلف بينهما وكيف أن الفلسفة في تعاريفها المتنوعة كانت تستلهم دائماً من استعارات ثقافية لتشكيل دلالة حول بنيتها وطريقة اشتغالها. لهذا الغرض، الفلسفة هي ثقافة بامتياز أو لنقل بأنها تقف على أرضية ثقافية في نمط مقاربتها للمباحث واشتغالها على النصوص والوقائع. وأوسّع هذه المسألة في القسم الثاني عندما وقع اختياري على ثلاثة محاور كبرى أبني بها فكرتي عن فلسفة الثقافة وهي:
«العمل بالأداة» (الفعل)،
«ابتكار الذات» (الوعي)،
«التواصل بالعالم» (الوجود).
1- أما «العمل بالأداة» فيخص بالدرجة الأولى فكرة الصناعة، وقمتُ في هذا الصدد بإحياء المفهوم العربـي العريق لكلمة الصناعة، لأتحدث بالتالي عن «صناعة الفلسفة». توقفتُ عند هذا المصطلح العربـي القديم لأعيد الاشتغال عليه وربطه بالمبحث الذي يهمني وهو الثقافة التي تقوم هي الأخرى على "منطق صنائعي" في مختلف الابتكارات البشرية؛ واستحضرتُ نماذج معاصرة كانت ترى في الفلسفة عبارة عن صناعة أو إبداع واخترتُ في هذا المقام لودفيج فتغنشتاين (1889-1951) وجيل دولوز (1925-1995). طرحتُ أيضاً فكرة صناعة مفهوم الثقافة بالاعتماد على الأنثروبولوجيا الفلسفية كما ظهرت إرهاصاتها الأولى مع جون جاك روسو (1712-1778) وويليام هومبولت (1767-1835). يتعلق الأمر في الثقافة بالإنسان لأنه المحور الذي تتشكل حوله فكرة الثقافة نظرياً وإنجاز الثقافة عملياً بالصنائع والإبداعات. أخيراً توقفتُ عند علاقة الثقافة بالتاريخ من خلال نموذج مالك بن نبـي (1905-1973) وهيبوليت تين (1828-1893) طارحاً إمكانية أن يكون المفكر الجزائري قد اعتمد على نظريات المؤرخ الفرنسي ليقوم بأقلمتها في السياق العربـي الإسلامي. جاءت هذه المقاربة النقدية كإجابة عن إلحاح طرحه أحد المفكرين الإسلاميين حول مرجعيات مالك بن نبـي. جاءت محاولتي لتبيان عالمية الأدوات التي يشتغل عليها الباحث، سواء اخترعها هو بنفسه أو استفاد بها من غيره، لنضرب صفحاً عن هوس التجنيس والخصوصية وغيرها من المعوّقات الذاتية في النهوض والانخراط في العالم. لهذا السبب تحدثتُ عن ارتحال المفاهيم أسوة بما دوّنه دولوز في هذا المضمار. ومعرفة كيف ترتحل المفاهيم هي معرفة كيف أنها لا تُنتحَل، بل هي في سفر مستمر تكتسب بموجبه التطعيم والإثراء والأقلمة تبعاً للحاجيات والضروريات. أي أنها مسألة تداول واستعمال.
2- وأما «ابتكار الذات» فيخص سؤال التشكيل أو التكوين، واعتمدتُ في هذا السياق على مفاهيم بارزة وتأسيسية في التاريخ الفكري البشري وهي «البايديا» (Paideia) عند الإغريق القدامى بوصفها عملية تربوية وثقافية بُنيت عليها الحضارة اليونانية؛ و«التهذيب» في لغة العرب الذي له هو الآخر مدلول تربوي ثري في النظريات الأخلاقية، الفلسفية منها (الرازي، ابن مسكويه) والصوفية (الحكيم الترمذي، ابن عربـي)؛ وأخيراً «البيلدونغ» (Bildung) عند الألمان وهو مصطلح ثقافي وحضاري زاخر ومفيد، يتعلق بطريقة تشكيل الذات بالملكات والقُدرات، وله علاقة حميمية بطريقة ابتكار الألمان لحياتهم اليومية. سواء تعلق الأمر بالبايديا الإغريقية أو التهذيب العربـي أو البيلدونغ الألمانية، فإنني اخترتُ بعض النماذج البارزة والعيّنات النافذة، وسأوسّع المسألة في دراسات مستقلة تأخذ بنماذج أخرى أو مفاهيم موازية أو متداخلة لا يحتويها هذا الكتاب. وتساءلتُ في ختام الفصل إذا كان بالإمكان الحديث عن "بيلدونغ" عربية إسلامية باشتغالي على نموذجين معاصرين وهما سلامة موسى ومحمد عزيز الحبابـي. كان التساؤل مجرد فكرة حول إمكانية الحديث في الثقافة العربية الإسلامية عن "تشكيل الذات" بالمعنى العميق والثريّ، تاريخياً وفلسفياً، كالذي يكتسيه المصطلح الألماني. هناك بالطبع سمات خاصة ومختلفة قد لا تنطبق عليها "البيلدونغ" في ثرائها المعجمي والفلسفي، لكن السؤال المطروح ينطلق من وحدة الوعي البشري، وهو دأبـي من أول كلمة في هذا الكتاب إلى آخر عبارة. لا يتعلق الأمر طبعاً بإيجاد تماثل عنوة، ولكن أنطلق دائماً من الفكرة القائلة بأن السمات المتميزة والفروقات المتنوعة لا تعني الاختلاف المطلق والراديكالي وإلا أصبحت فكرة الإنسان في وحدته التصورية والسلوكية مجرد عبث ولغو.