صفحة 1
مقــدمة
الحمد لله حمداً يبلغني رضاه، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد خير من اصطفاه، وعلى سائر أنبيائه ورسله، وآله الطيبين، وصحبه المخلصين الصادقين، وعلى من اتبع هداه وسلك سبيله إلى يوم الدين!
أما بعد:
فإن جوانب العبادة في الإسلام كثيرة. ومن أبرزها: الذكر والدعاء.
أما الذكر، فهو الذي يبعث الطمأنينة في نفس المسلم، ويجعله دائم الصلة بالله، مستعيناً به –وحده- لا بسواه …
وأما الدعاء، فقد عده رسول الله مخ العبادة، وسلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والأرض …
والذكر والدعاء أساسان من أهم الأسس في حياة المؤمنين. لذلك كان السلف الصالح ممن رضي الله عنهم، قد جمعوا بين الذكر والدعاء: فيذكرون الله في أحوالهم –كلها-: في العسر واليسر، والمنشط والمكره، ويدعونه في صغير الأمور وكبيرها …
وهذا الكتاب الذي بين يديك –أخي المسلم- يجعلك عند الأخذ بما فيه في عبادة دائمة: فأنت في استيقاظك ونومك، وأكلك وشربك، وأمانك وخوفك، وصحتك ومرضك، وإقامتك وسفرك، ورخائك وعسرك، وفي كل شأن من شؤون حياتك في عبادة!
وقد قمت بتقسيم الكتاب إلى ثلاثة أقسام:
الأول: في الذكر المشروع.
الثاني: في أدعية المسلم، وأذكاره في اليوم والليلة.
الثالث: في أدعية المسلم وأذكاره في حالات مختلفة.
وقد حاولت في هذا الكتاب انتقاء أحاديث صحيحة أو حسنة عن رسول الله من الذكر والدعاء ، مبتعداً عن الأحاديث الواهية، ذلك أن أعظم الذكر وأفضله –بعد القرآن الكريم- ما صح عنه صلوات الله وسلامه عليه، وما أكثر الأحاديث الصحيحة! لذلك صار واجباً على المسلم أن يبتعد عمّا ابتدعه المشعوذون والجهلة من أدعية وأذكار تخرج بالمسلم عن العقيدة السليمة، التي نصّ عليها القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف …
ورأيت إتماماً للفائدة أن أقوم بتخريج تلك الأحاديث؛ ليرجع إلى مصادرها من يريد ذلك.
وهذا الكتاب وأمثاله يحتاج إليه كل مسلم ومسلمة؛ ذلك أن المشكلات الكثيرة التي يعاني منها الناس تحتاج إلى دواء، ومـن ذلك الدواء: ترطيب اللسان بذكر الله، والدعاء من الله –وحده- لكشف الهم والغم.
ولم أدوِّن من الذكر والأدعية إلاّ ما تمس إليه الحاجة، مما يمكن حفظه والعمل به.
واللهَ أسأل أن يجعل نياتنا وأقوالنا وأفعالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن ينفع بها كل من يقرأها، وتكون لنا نوراً على الصراط. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل!
إبراهيم النعمة
رئيس جمعية الشبان المسلمين
في الموصل
صفحة 2
ذكر الله
الذكر في اللغة: استحضار الشيء في القلب. فهو ضدّ النسيان. قال الله تعالى حكاية عن فتى موسى:
وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ سورة الكهف/63.
فهو: (وصول الفكر والذهن إلى أمر قد انقضى في الزمان الغابر، واستعادته إلى الذاكرة)( ).
الذكر في الاصطلاح: هو تمجيد العبد لربه، والثناء عليه وحمده، وشكره وتعظيمه …
من فوائد الذكر:
إذا كانت حياة البدن تحتاج إلى الطعام والشراب، فإن حياة القلوب لا تكون إلاّ بذكر الله، وعـدم غفلة القلب عنه سـبحانه. إنه غذاء الروح –بحق- وعامل مهم من عوامل تزكية النفس الإنسانية، يجد المؤمن الطمأنينة الحقيقية فيه، ويتخلص من أي قلق كان، وقد قال الله تعالى:
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ سورة الرعد/28.
والذكر الصحيح يصون صاحبه عن اقتراف المعاصي والذنوب، ويبعده عن كل شر وسوء، ويحضه على الطاعات، والإتيان بما يحسن من الأعمال. فإذا لم يؤثر الذكر هذا التأثير في نفس الذاكر، فيكون (الذاكر) قد أتى بصورة الذكر ولم يأت بحقيقته، وأين الصورة من الحقيقة؟؟!
والذكر الصحيح قد بيّن كيفيته وصيغته رب العالمين في قرآنه، وبينه -أيضاً- رسول الله ، فيحسن بالمسلم أن يختار منه ما يناسبه ويلائمه.
الذكر في القرآن الكريم:
قال الله تعالى:
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ سورة البقرة/ 152.
أي تذللوا لي أحبكم، وأرفع ذكركم في الملأ الأعلى، وأفيض عليكم رحمتي وإحساني.
ودعا سبحانه المؤمنين إلى ذكره فقال:
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ سورة الأعراف/205.
صفحة 3
كما دعا عباده إلى الإكثار من ذكره فقال:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًاوَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا سورة الأحزاب/41-42.
ومدح الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، مبيناً ما أعد لهم في دار القرار فقال تعالى:
… وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا سورة الأحزاب/35.
ومدح الله عباده المؤمنين من ذوي العقول الراجحة المستنيرة ممن اهتدوا بهديه فرضي عنهم فقال تعالى:
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ سورة آل عمران/191.
كما مدح عباده المؤمنين في موضع آخر فقال:
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِرِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ … سورة النور/36-37.
ومن الآيات الآمرة بالذكر قوله –سبحانه-:
فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ… سورة النساء/103
ونهى الله المؤمن أن يلهيه ماله أو ولده عن ذكر الله فقال تعالى:
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ… سورة المنافقون/9.
الذكر في السنة:
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ :
((أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟)) قَالُوا: بَلَى. قَالَ: ((ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى)). فقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ( ).
صفحة 4
وقال :
((مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ اللَّهِ تِرَةٌ، وَمَنْ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا لا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ اللَّهِ تِرَةٌ))( ).
وقال :
((مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ))( ).
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : يَقُولُ اللَّهُ في الحديث القدسي:
((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي: إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هرولة))( ).
وقالَ رَسُولُ اللَّهِ :
((… سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ)). قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ))( ).
وقال :
((إِنَّ لِلَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- مَلائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلا يَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ. فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ، حَتَّى يَمْلَؤوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَيَسْأَلُهُمْ اللَّهُ -- وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الأَرْضِ، يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ. قَالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لا أَيْ رَبِّ! قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ. قَالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي؟ قَالُوا: مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ. قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: لا. قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ. قَالَ: فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا. قَالَ: فَيَقُولُونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلانٌ عَبْدٌ خطّاء، إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ. قَالَ: فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمْ الْقَوْمُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ))( ).
حكم الذكر:
دعا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه المسلم إلى ذكر الله: فهو مندوب إليه في الأحوال كلها إلاّ في حالات استثنائية: كحالة جلوس الإنسان على قضاء الحاجة.
ودليل ندبه أو استحبابه: الآيات الكثيرة التي أمرت به ونهت عن ضده من الغفلة والنسيان. فقد أثنى الله على الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، وجعلهم أهل الانتفاع بآياته، وأخبر عن خسران من غفل عن ذكر الله.
صفحة 5
فضائل الذكر:
للذكر فضائل كثيرة. وأفضله: تلاوة القرآن في الصلاة، ثم في غير الصلاة، ثم في الدعاء والاستغفار، ثم في الصدقة، ثم في الصيام …
وإذا كان القرآن الحكيم قد حاز الدرجة العليا في الذكر؛ فلأنه اشتمل على التهليل، والتحميد، والتسبيح، والتمجيد، وعلى الخوف والرجاء …! ويكفي في فضله أنه كلام الله، وقد شرع الله العبادات لذكره، قال الله تعالى:
وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي سورة طه/14.
وقال :
وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ سورة الأنبياء/50.
وقال رسول الله :
((مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لا أَقُولُ: الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ))( ).
وقال رسول الله في المساجد:
((… إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ - - وَالصَّلاةِ وَقِرَاءةِ الْقُرْآنِ))( ).
والذاكـرون الله يتـولاهم الله، وينصرهم ويحبـهم. قال الله -- في الحديث القدسي:
((أَنَا عِنْدَ ظَـنِّ عَبْدِي بِـي، وَأَنَا مَعَـهُ حِينَ يَذْكُرُنِي: إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ …))( ).
وقال صلوات الله وسلامه عليه:
((لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاّ حَفَّتْهُمْ الْمَلائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ))( ).
وذكر الله يحصّن صاحبه من وساوس الشيطان ومن أذاه، قال تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ سورة الأعراف/201.
وذكر الله فيه ما فيه من الأجر العظيم: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَقَالَ: ((وَمَا ذَاكَ))؟ قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلا نُعْتِقُ. فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ :
((أَفَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلاّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ))؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ:
((تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً))( ).
وفي الذكر يحيا قلب الذاكر، وتزول قسوته، ولا يكون من الغافلين. وقد قال رسول الله :
((مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ))( ).
صفحة 6
والذكر أيسر العبادات. فلا يجد الإنسان مشقة في فعله، فيذكر ربه في أحواله كلها: يذكره في بيته، ويذكره في سوقه، ويذكره في حال صحته وسقمه، وقيامه وقعوده، وسفره وإقامته … ومع أن الذكر ايسر العبادات، فهو أجلّها وأكرمها عند الله. وقد قال الفضيل بن عياض رحمه الله: بلغنا أن الله - - قال:
((عبدي اذكرني بعد الصبح ساعة، وبعد العصر ساعة، أكفك ما بينهما))( ).
وقال بعض العلماء:
((إن الله - - يقول: أيما عبد أطلعت على قلبه فرأيت الغالب عليه التمسك بذكري، توليت سياسته، وكنت جليسه ومحادثه وأنيسه))( ).
وقال معاذ بن جبل :
((ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلاّ ساعة مرت بهم لم يذكروا الله سبحانه فيها))( ).
وقال الحسن البصري، وأبو العالية، والسدي، والربيع بن أنس:
((إن الله يذكر من ذكره، ويزيد من شكره، ويعذب من كفره))( ).
وقال بعض السلف في تفسير قوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ:
((هو أن يطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر))( ).
وفي الذكر –مع خشوع القلب- تقوى الصلة بالله، وتطمئن النفس، وتغرس حقيقة التقوى في نفس المسلم. وهناك يفوّض أمره إلى الله، ويتوكل عليه وحده، ولا يلتفت إلى سواه. وبهذا تنغرس الخشية من الله والخوف منه في نفس الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.
ما يكون به الذكر:
الذكر ثلاثة أقسام:
1- ذكر القلب. 2- ذكر اللسان. 3- ذكر الأعضاء.
وأفضل الذكر ما كان بالقلب واللسان معاً.
أما ذكر القلب، فيتنوع إلى نوعين:
أ- التفكير في عظمة الخالق - - وفي مخلوقاته، وما بثه في أرضه وسمواته… فإن هذا التفكير يمكِّن الإيمان في القلب، ويُقوّي العقيدة الصحيحة في النفس.
ب- الاعتقاد الجازم بأركان الإيمان الستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. والإيمان الصحيح بهذا يُكوِّن في المسلم استجابة تامة لكل ما يأمر الله به أو ينهى عنه.