صفحة 1
الفصل الأول
مدخل إلى النفس وأهدافه وفروعه
علم النفس وسلوك
يعرف علم النفس الحديث أنه هو العلم الذي يدرس سلوك الإنسان ودوافعه المختلفة بالطريقة العلمية.غير أن مفهوم "السلوك" behavior في علم النفس أوسع بكثير من مفهومه في اللغة الدارجة. فهو لا يقتصر عما يصدر عن الإنسان من أفعال حركية ظاهرة كالمشي والجري والكلام والرسم والعزف والأكل والبكاء والابتسام وتعبيرات الوجه المختلفة، بل يشمل فوق ذلك مختلف أنواع النشاط الداخلي الباطنية نسميها "نفسية" أو "عقلية" أو "ذهنية"، إدراك التذكر والتصور والتخيل والتفكير والتعلم وأحلام اليقظة وأحلام النوم، وكالشعور وانفعالية الخوف أو الغضب أو التعجب أو النفور، أوكالإحساس بالألم أو الملل أو الارتياح أو الانقباض . . . ويمكن القول أن السلوك يشمل:1- كل ما يفعله أو يقوله الإنسان.
2- كل ما يدركه بحواسه المختلفة، وكل ما يفكر فيه أو يتخيله أو يتذكره أو يتعلمه. . إلى غير ذلك من العمليات العقلية.
3- كل ما يشعر به، وما ينزع إليه أو يريده أو يرغب فيه أو يعزف عنه، أو يخاف منه، أو يغضب له، أو ينفعل به، إلى غير تلك من الأحوال الوجدانية والانفعالية أو النزوعية.
لذلك يدرس علم نفس السلوك في صوره المختلفة وأطواره المختلفة وما يقوم وراء هذا السلوك من دوافع واستعدادات: - سلوك الطفل وسلوك الراشد الناضج، السلوك السوي أي العادي والسلوك الشاذ المنحرف، السلوك الذكي والسلوك الغبي، السلوك الماهر الحاذق والسلوك الأخرق، السلوك الاجتماعي والسلوك المضاد للمجتمع، السلوك الثابت والسلوك المتقلب السلوك المندفع والسلوك المتروي المتسرع.
كذلك يدرس عمليات الإدراك والتفكير والتذكر والتعلم والابتكار، كما يدرس الدوافع والميول والعواطف والانفعالات والإرادة...الخ . يدرس هذه العمليات وأوجه النشاط النفسي ليرى كيف تحدث، وما شروط حدوثها وما العوامل التي تسهلها أو تعطلها كيف نسمع؛ وكيف نبصر، كيف نفكر ونتعلم، وكيف نصمم ونريد ونصل إلى نتائج وقرارات، وما الدوافع التي تحفزنا على التعلم أو على الابتكار. وما تلك التي تضطرنا إلى التهور والاندفاع في بعض الظروف، أو تحملنا على الصبر والتروي في ظروف أخرى. كذلك يبين لنا لماذا نحب ونكره، لماذا نخاف ولماذا نغضب، لماذا نحزن ولماذا نطرب، لماذا نتريث أو نتردد. . لماذا ينسى الطالب بعض المواد دون غيرها، أو ينساها أثناء الامتحان ليتذكرها بعد الامتحان؟ لماذا يتعلم بعض الناس أسرع من غيرهم؟ لماذا يجد بعض الناس صعوبة كبرى في العزم والبت في الأمور، أو في الإقلاع عن عادة سيئة؟ لماذا يسرق الطفل نقوداً وأشياء لا حاجة له بها، أو لماذا يعزف عن تناول ألوان معينة من الطعام؟ وما الدافع أو الدوافع التي تحمل بعض المرضى على عدم اتباع نصائح الطبيب أو بعض المجرمين على معاودة الجريمة بالرغم مما يحل بهم من عقاب شديد، أو بعض العمال على التذمر والتمرد بالرغم من كفاية الأجور واعتدال ساعات العمل؟
موجز القول أن علم نفس السلوك يدرس:
1- ما يصدر عن الإنسان من نشاط- ذهنياً كان هذا النشاط أم حركياً.
2- لماذا يصدر عنه هذا النشاط؟
3- كيف يصدر عنه هذا النشاط؟
صفحة 2
خصائص علم النفس الحديث
أولاً: كان علم النفس القديم فرعاً من الفلسفة يتبع طريقتها في البحث، ويعالج كثيراً من القضايا التي تهتم بها. أما علم النفس الحديث فيدرس السلوك بمنهج البحث العلمي الذي تتبعه العلوم الطبيعية كالفزياء والكيمياء، والذي يعتمد على الملاحظات المنظمة والتجارب المضبوطة، لا على التأهل البحت والملاحظات العارضة وما يجري على ألسنة الناس من قصص وروايات عن سلوك الإنسان.ولقد أصبح لعلم النفس اليوم معامل ومختبرات مزودة بأجهزة ومقاييس واختبارات وأدوات شتى لقياس الذكاء والاستعدادات الخاصة والاتزان الانفعالي والقدرة على المثابرة وعلى احتمال الألم الجسمي واستعداد الفرد للإصابة بمرض نفسي. وأخرى لقياس القدرة على الابتكار، وتذوق الأدب والشعر، وصلاحية الفرد للقيادة، ومستوى التحصيل الدراسي للطالب. في هذه المعامل تجري التجارب على عملية التعلم وشروطها، والتعب وأسبابه وأعراضه، والتأزم النفسي: أسبابه ومظاهره وعواقبه. . وقد زودت بآلات وأجهزه دقيقة تقيس الزمن إلى ألف جزء من الثانية، وتصور الحركات التي يصعب على الباحث ملاحظتها تفصيلاً، وأخرى لقياس ضربات القلب وضغط الدم وإيقاع التنفس في حالة العمل أو التعب أو الانفعال، وأجهزة لتعديل الإضاءة أو منع الضوضاء أثناء إجراء التجارب حتى لا يتشتت الانتباه.
ثانياً: ولقد رأينا أننا لم نعرف علم النفس بالإشارة إلى "النفس" بل بالإشارة إلى "السلوك". الواقع أن علم النفس الحديث لا يشغل نفسه بماهية "النفس" أو نشأتها أو مصيرها، فهذا من اختصاص الفلسفة لا من اختصاصه. فكما أن علم الأحياء biology لا يهتم بالبحث في ماهية الحياة، بل يدرس تكوين الكائنات الحية ونشاطها ونموها وتطورها. وكما أن علم الفيزياء لا يبحث في ماهية المادة أو الطاقة، بل في خصائص المادة والضوء والصوت والحرارة والكهرباء والمغناطيسية، ومظاهر كل منها. كذلك علم النفس الحديث لا يبحث في النفس بل في السلوك. إن هي إلا تسمية لصقت به من الماضي ولا تزال عالقة به حتى اليوم.
ثالثاً: وهو لا يهتم بما يسمى بالبحوث الروحانية كتحضير الأرواح ومخاطبة الموتى، ولا يلقي أغلب الباحثين فيه بالاً كبيراً إلى مشكلة التخاطر telepathy أي انتقال الخواطر والأفكار من شخص إلى آخر.
رابعاً: وهو لا يدعي تحليل شخصيات الناس من سمات وجوههم أو ارتفاع جباههم أو أشكال ذقونهم أو بريق عيونهم. ولا يدعي أنه يستطيع معرفة الخلق أو الإرادة من تحليل خطوط الناس أو من إلقاء نظرات خاطفة على وجوههم. وليس أبعد منه أن يزعم مزاولة العلاج النفسي أو تقوية الإرادة أو تحسين الشخصية عن طريق المراسلة كما يفعل الأدعياء والدجالون.
خامساً: ولقد كانت بحوث علم النفس القديم تقتصر على محاولة فهم العقل الإنساني وتحليله دون اهتمام بتطبيق كشوفه في نواحي الحياة العملية. أما اليوم فيهتم علم النفس بنواح تطبيقية شتى من أظهرها رفع مستوى الكفاية الإنتاجية في المؤسسات والمصانع، وتحسين العلاقات الإنسانية بين العمال ورؤسائهم أو بين بعضهم وبعض، والمحافظة على الصحة النفسية للفرد، ومساعدة الناس على التوافق والتواؤم مع بيئاتهم الاجتماعية المختلفة: في البيت، وفي المدرسة، وفي المصنع، وفي النادي...الخ، وحل المشكلات التعليمية والسلوكية المختلفة التي تعرض للمدرس وللمشرع في ميدان التربية والتعليم.
صفحة 3
أهداف علم النفس
لعلم النفس – شأنه في ذلك شأن العلوم الأخرى- أهداف ثلاثة:1- فهم السلوك وتفسيره، بمعرفة أسبابه وشروطه المختلفة.
2- التنبؤ بحدوثه.
3- ضبطه والتحكم فيه بتعديله وتحويره وتحسينه أو اقتلاعه من جذوره.
إنه يساعدنا على فهم دواتنا وأنفسنا ومن حولنا من الناس – فهم الدوافع التي تحركنا وتحرك الناس جميعاً، ومختلف الظروف والمواقف التي تثير هذه الدوافع وفي هذا الفهم ما يعين الناس على حسن التفاهم وإقامة علاقات إنسانية سويه و أفضل فهم لنواحي القوة والضعف في شخصياتنا وشخصيات غيرنا لاستثمار الأولى وتفوقها وتعديل الأخرى. ذلك إن جهل الإنسان لنفسه ودوافع سلوكه مصدر لكثير من متاعبه ومشاكله ومعتقداته الباطلة واندفاعاته النفسية. بل إن كثيراً من ألوان السخط والشقاء فيما يكابده الإنسان يرجع إلى أنه لا يعرف ما يريد. كما أن كثيراً من ضروب التخبط التي يأتي بها الفرد ترجع إلى أنه لم يحدد الأغراض والبواعث التي تقوم وراء سلوكه تحديداً كافياً. فمن أراد أن يكون سيد نفسه وأن يكون حراً فليعرف نفسه. ومن أراد أن يتوافق مع الناس ومع نفسه فليعرف نفسه. الواقع إن علم النفس يستطيع أن يقدم الكثير لعالم يتزاحم بالأزمات والصعوبات والمشكلات من كل جانب: الأمراض النفسية والجريمة والصراع الصناعي والتعصب العرقي والنزاع الدولي.
إن هذا الفهم يساعدنا على التنبؤ إلى حد كبير. وللتنبؤ أكثر من وظيفة و فائدة. إذ بواسطة نستطيع أن نأخذ الاحياطات للمستقبل وأن نتجنب ما قد ينجم عنه من أضرار ومخاطر. فصاحب العمل أو المنشأه إن استطاع أن يتنبأ بوقوع قلافل بين العمال من علامات طفيفة تبدو عليهم، تسنى له أن يتدارك الأمر وإن يدرء عن نفسه شراً مقبلاً. والسلوك المنحرف لدى الطفل قد يكون مقدمة نذير بمرض نفسي أو عقلي خطير يمكن تداركه في بدايته أو التحوط له. والتنبؤ يوفر علينا كثيراً من الجهد والوقت. فلو عرفنا نسبة الذكاء لطفلين في الثامنة من العمر مثلاً، استطعنا أن نحكم، وأن يكون حكمنا صحيحاً إلى حد كبير، بأن أولهما لا يستطيع أن يتجاوز مرحلة الدراسة الابتدائية، وأن الثاني يستطيع أن يمضي إلى أبعد من ذلك بكثير، هذا إن لم تتغير ظروفهما الأخرى تغيراً كبيراً. وإذا عرفنا استعداداً فرد لمهنة معينة وعدم استعداده لأخرى، تسنى لنا أن نجنبه الفشل من دفعه في عمل ليس مؤهلاً له.
الواقع أن التنبؤ بسلوك الناس صعب وعسير، وذلك لتعدد العوامل والدوافع التي تثيره وتوجهه وتعدله. لذا كانت تنبؤات عالم النفس، كتنبؤات عالم الأرصاد الجوية، عرضة في العادة لقدر من الخطأ يفوق ما يحدث في العلوم المضبوطة غير أن هذا لا يذهب بفائدتها وقيمتها. يعتبر توقع العواقب أفضل من التخبط على كل حال. ولم يقل أحد إننا نستطيع أن نستغني عن تنبؤات الطقس لأن علم الأرصاد كثيراً ما يخطئ تقديره.
وإذا كانت الدقة في التنبؤ مقياساً لحسن الفهم، فضبط السلوك والتحكم فيه هو من جراء هذا الفهم. فإذا عرفنا الدوافع اللاشعورية الخافية التي تقوم وراء المشكلات السلوكية للأطفال، كالسرقة أو الكذب أو الهرب. تسنى لنا علاجهم علاجاً علمياً بمعالجة هذه الدوافع. التي تحركنا إزاء أطفالنا وأصدقائنا وتلاميذنا استطعنا أن نتحكم في سلوكنا وأن نعدله إن كان سلوكاً غير مرض.. لقد بينت الدراسات الحديثة في علم النفس أن الآباء والأمهات كثيراً ما يتخذون أطفالهم كبش فداء وهم لا يشعرون. فالوالد المهمل يتهم أولاده بالإهمال ويؤاخذهم عليه، وكذلك الوالد الكسول. والوالد المستقبل و المضطهد في عمله يصب جام غضبه عليهم، والوالد الذي ضيق عليه وهو طفل قد يطلق العنان لأولاده ويسرف في التراخي معهم. والأب الذي حرم من دراسة معينة أو مهنة معينة قد يقحم ابنه في طريق الحصول عليها بالرغم من عدم ميله إليها أو استعداده لها. . ومنتهى القول إن الوالد متى عرف طبيعة الدوافع التي تتحكم في سلوكه نحو أولاده استطاع أن يتحكم في هذه الدوافع، أو أن يرضيها بطرق أفضل، أو أن يعدل سلوكه إزاءهم بما يتلائم مع الأصول الصحيحة للتربية. بما يتلائم مع الأصول الصحيحة للتربية.
صفحة 4
فروع علم النفس
كان علم النفس في الماضي إنتقائياً يقتصر على دراسة الإنسان الراشد الكبير ذي البشرة البيضاء تحديداً. غير أن اتساع آفاقه وتعدد مسائله اضطراه إلى التخصص والتفرع كما فعلت الكثير من علوم، الطب والهندسة والفيزياء، فظهرت له فروع نظرية وتطبيقية مختلفة. أما الفروع النظرية فلا تهدف إلى نفع مباشر، بل إلى العلم لمجرد العلم، أي إلى مجرد الكشف عن المبادئ والنظريات والقوانين التي تسيطر على السلوك. وأما الفروع التطبيقية يعمل على تحقيق أغراض عملية وحل مشكلات عملية في شتى نواحي الحياة الانسانية في ميادين التربية والطب والقانون والصناعة والتجارة والاقتصاد والسياسة وغيرها.أبرز الفروع النظرية:
علم النفس العام: يعمل على الكشف عن القوانين والمبادئ العامة التي تنطبق على سلوك الناس جميعاً لا الخصائص التي يتميز بها فرد أو صنف من الأفراد عن غيره من الناس. وهو أساس كل الفروع الأخرى ومنه انطلقت.
علم النفس الفروق: يدرس ما بين الأفراد أو الجماعات أو السلالات من فوارق في الذكاء أو الخلق أو الشخصية أو الاستعدادات والمواهب الخاصة أو الخصائص الجسمية. . كما يدرس أسباب هذه الفروق مستنداً إلى الحقائق التي يكشف عنها علم النفس العام. فإذا كان علم النفس العام يبين لنا كيف يتشابه الأفراد، فعلم نفس الفروق يبين لنا كيف يختلفون، وإلى أي حد يختلفون. ولهذا الفرع صلة وثيقة بميادين الصناعة والاقتصاد والاجتماع كما سنرى فيما بعد.
علم النفس التطوري الارتقائي: يدرس مراحل النمو المختلفة التي يجتازها الفرد في حياته، والخصائص السيكولوجية المختلفة لكل مرحلة، والمبادئ العامة التي تصف مسيرة هذا النمو والارتقاء. ومن فروعه: علم نفس مرحلة الرضاعة، وسيكولوجية الطفولة، وسيكولوجية المراهقة، وسيكولوجية مرحلة الرشد، والشيخوخة ويلاحظ أنها مقسمة حسب الفئات العمرية.
علم نفس الشواذ: يبحث في أشكال السلوك الشاذ المنحرف والظواهر النفسية العقلية الشاذة، ويحاول تفسيرها. فهو يبحث في نشأة الأمراض النفسية والأمراض العقلية وضعف العقل والإجرام وأسبابها المختلفة.
علم النفس الاجتماعي: يدرس الاشكال الصور المختلفة للتفاعل الاجتماعي – أي التأثير المتبادل- بين الأفراد بعضهم وبعض، وبين الجماعات بعضها وبعض، وبين الأفراد والجماعات: بين الآباء والأبناء، بين الطلاب والمدرسين أو بينهم وبين إدارة المدرسة، بين العمال وصاحب العمل، أو بين العمال بعضهم وبعض، أو بين نقابات العمال وأصحاب العمل، بين المعالج والمريض، بين الرئيس ومرءوسه...
فهو يدرس صور هذا التفاعل ونتائجه. فمن صوره التعاون والتنافس والصراع والحب والكره والارتياب والمحاكاة والتشجيع والتعصب والإيحاء. . ومن نتائجه تكوين الآراء والعواطف والمعتقدات وشخصيات الأفراد.
وبعبارة أخرى فهو يدرس سلوك الفرد إزاء الآخرين، أفراداً كانوا أم جماعات: لماذا فصل المدير هذا الموظف ولم يفصل موظفاً آخر؟. لماذا انضم هذا الطالب إلى تلك الجمعية وترك الجمعية الاخرى؟. كما يدرس سلوك الجماعة إزاء الأفراد، كالتفاف حزب أو طائفة حول زعيم بعد أن كانوا مبتعدين عنه. هذا إلى أنه يدرس سلوك جماعة إزاء جماعة أخرى كالصراع الصناعي بين العمال وأصحاب العمل في البلاد الرأسمالية. أي أنه يعالج أنواعاً من الأحداث الاجتماعية يحاول معرفة أسبابها، كما يحاول التنبؤ بوقوعها، والتحكم فيها إن كان يرمي إلى تحقيق أغراض عملية.
ولعلم النفس الاجتماعي فرع حديث يسمى "ديناميات الجماعة"
وهو فرع يستهدف دراسة العوامل المختلفة التي تقوم وراء السلوك الاجتماعي وتلك التي تسهل العمل الجماعي أو تعطله. . . الفرع الذي يعالج موضوع "العلاقات الإنسانية" في ميدان الصناعة.
صفحة 5
أما الفروع التطبيقية لعلم النفس فمتعددة كثيرة من أظهرها:
علم النفس التربوي: وهو يطبق مبادئ علم النفس وقوانينه في ميدان التربية والتعليم إذ يحاول حل المشكلات المختلفة التي تعرض فيه كضعف الطلاب في اللغات، أو الجمع بين البنين والبنات في مرحلة الدراسة الثانوية، أو تدريس القراءة للمبتدئين بالطريقة الكلية بدلاً من الطريق الأبجدية، أو تسرب الطلاب من المدرسة، أو كثرة تغيبهم أو تمردهم أو رسوبهم.
علم النفس الجنائي: فرع تطبيقي عملي من علم نفس الشواذ يدرس العوامل والدوافع المختلفة التي تتضافر على إحداث الجريمة. ويقترح أنجح الوسائل والطرق لعقاب المجرم أو علاجه أو طرق ووسائل إصلاحه.
علم النفس التجاري: يعنى بالاعمال التجارية المختلفة بدراسة سيكولوجية المستهلك، وسيكولوجية البيع وسيكولوجية الإعلان. فهو يدرس دوافع الشراء، ويحاول الكشف عن حاجات المستهلك غير المشبعة، وقياس درجة احتمال السوق للمنتجات الجديدة. . كما يبحث في الصلة بين البائع والمشتري وطرق تأثير الأول في الثاني لتزكية السلعة وإتمام الصفقة. هذا إلى اهتمامه باختيار البائعين وما يجب أن يتوافر لديهم من ذكاء ويقظة وكياسة وطلاقة لسان وقدرة على الحكم على الناس. . . وسيكولوجية الإعلان من أهم ما يشغل خبراء النفس التجاريين: تصميم الإعلان وحجمه ونوعه ولونه وموضعه وجدته.. . بحيث يوحي إلى المستهلك بأنه في حاجة بالفعل إلى السلعة المعلن عنها، وبحيث يسهل تذكره عند الحاجة.
علم النفس الحربي: تستعين الجيوش الحديثة بخبراء نفسيين لوضع كل رجل من رجالها في العمل أو المكان الذي يتناسب مع ذكائه وقدراته واستعداداته وسمات شخصيته. ثم تدريب هؤلاء جميعاً بالطرق العلمية على اتقان أعمالهم في أقصر وقت وبأقل مجهود. كما تستعين بهم في دعم الروح المعنوية بالجيش، وتحسين العلاقات الإنسانية بين فرقه وأفراده، ومحاربة الدعايات والإشاعات الضارة، ومقاومة أثر الحرب النفسية، ومواجهة المفاجآت، والتغلب على القلق أثناء انتظار الهجوم. . . هذا إلى أن عملية تمويه المنشآت العسكرية، كالبروج والبوارج وحصون السواحل والمدافع وملابس الجنود. . . من صميم ما يقوم به الأخصائيون النفسيون.
علم النفس الكلينيكي: يستهدف تشخيص وعلاج الاضطرابات النفسية الخفيفة علاجاً نفسياً. كعيوب النطق والتخلف الدراسي وبعض حالات القلق والهبوط الخفيفة، والشعور الموصول بالنقص أو بالحيرة والتردد أو بفقد الأمن والطمأنينة وبعض الأمراض النفسية. والقياس السيكولوجي جزء من وظائف الخبير الكلينيكي. ويقصد به ملاحظة وتحليل وتقدير ما لدى المريض من ذكاء وقدرات عقلية وسمات خلقية واتجاهات نفسية إلى غير تلك من الصفات التي لو أضيفت إلى الفحص الجسمي للفرد ودراسة حالته الاجتماعية أعطت صورة متكاملة عنه تساعد على تقديم الاقتراحات والوصايا له. وهذا الفرع من علم النفس من الفروع التي يستعين بها علم النفس الصناعي كما سنرى على صفحات هذا الكتاب.
علم النفس الصناعي: أحدث الفروع التطبيقية لعلم النفس. فقد بدأ في القرن العشرين. إنه فرع يستهدف رفع مستوى الكفاية الإنتاجية للعامل أو للجماعة العاملة وذلك عن طريق حل المشكلات المختلفة التي تغشى ميدان الصناعة والإنتاج حلاً علمياً إنسانياً، يقوم على مبادئ علم النفس ومفاهيمه، ويحرص على راحة العامل وكرامته حرصه على زيادة إنتاجه. وبعبارة أخرى فهو علم يهدف إلى تهيئة جميع الظروف المادية والنفسية والاجتماعية التي تكفل أكبر إنتاج مع الاهتمام برضا العامل عن نفسه رغم عمله. إنه يهتم بدراسة العوامل الإنسانية في الصناعة، والكشف عن أفضل الظروف الإنسانية للعمل، وحل المشكلات الصناعية حلال علمياً.
فالكفاية الإنتاجية هي محور علم النفس الصناعي. وهي تتلخص- في حالتها انموذجية المثلى- في إنتاج أكبر مقدار، من أجود نوع، في أقصر وقت، وبأقل مجهود وأكبر قدر من الرضا والارتياح من العاملين.
علم النفس التربوي: وهو يطبق مبادئ علم النفس وقوانينه في ميدان التربية والتعليم إذ يحاول حل المشكلات المختلفة التي تعرض فيه كضعف الطلاب في اللغات، أو الجمع بين البنين والبنات في مرحلة الدراسة الثانوية، أو تدريس القراءة للمبتدئين بالطريقة الكلية بدلاً من الطريق الأبجدية، أو تسرب الطلاب من المدرسة، أو كثرة تغيبهم أو تمردهم أو رسوبهم.
علم النفس الجنائي: فرع تطبيقي عملي من علم نفس الشواذ يدرس العوامل والدوافع المختلفة التي تتضافر على إحداث الجريمة. ويقترح أنجح الوسائل والطرق لعقاب المجرم أو علاجه أو طرق ووسائل إصلاحه.
علم النفس التجاري: يعنى بالاعمال التجارية المختلفة بدراسة سيكولوجية المستهلك، وسيكولوجية البيع وسيكولوجية الإعلان. فهو يدرس دوافع الشراء، ويحاول الكشف عن حاجات المستهلك غير المشبعة، وقياس درجة احتمال السوق للمنتجات الجديدة. . كما يبحث في الصلة بين البائع والمشتري وطرق تأثير الأول في الثاني لتزكية السلعة وإتمام الصفقة. هذا إلى اهتمامه باختيار البائعين وما يجب أن يتوافر لديهم من ذكاء ويقظة وكياسة وطلاقة لسان وقدرة على الحكم على الناس. . . وسيكولوجية الإعلان من أهم ما يشغل خبراء النفس التجاريين: تصميم الإعلان وحجمه ونوعه ولونه وموضعه وجدته.. . بحيث يوحي إلى المستهلك بأنه في حاجة بالفعل إلى السلعة المعلن عنها، وبحيث يسهل تذكره عند الحاجة.
علم النفس الحربي: تستعين الجيوش الحديثة بخبراء نفسيين لوضع كل رجل من رجالها في العمل أو المكان الذي يتناسب مع ذكائه وقدراته واستعداداته وسمات شخصيته. ثم تدريب هؤلاء جميعاً بالطرق العلمية على اتقان أعمالهم في أقصر وقت وبأقل مجهود. كما تستعين بهم في دعم الروح المعنوية بالجيش، وتحسين العلاقات الإنسانية بين فرقه وأفراده، ومحاربة الدعايات والإشاعات الضارة، ومقاومة أثر الحرب النفسية، ومواجهة المفاجآت، والتغلب على القلق أثناء انتظار الهجوم. . . هذا إلى أن عملية تمويه المنشآت العسكرية، كالبروج والبوارج وحصون السواحل والمدافع وملابس الجنود. . . من صميم ما يقوم به الأخصائيون النفسيون.
علم النفس الكلينيكي: يستهدف تشخيص وعلاج الاضطرابات النفسية الخفيفة علاجاً نفسياً. كعيوب النطق والتخلف الدراسي وبعض حالات القلق والهبوط الخفيفة، والشعور الموصول بالنقص أو بالحيرة والتردد أو بفقد الأمن والطمأنينة وبعض الأمراض النفسية. والقياس السيكولوجي جزء من وظائف الخبير الكلينيكي. ويقصد به ملاحظة وتحليل وتقدير ما لدى المريض من ذكاء وقدرات عقلية وسمات خلقية واتجاهات نفسية إلى غير تلك من الصفات التي لو أضيفت إلى الفحص الجسمي للفرد ودراسة حالته الاجتماعية أعطت صورة متكاملة عنه تساعد على تقديم الاقتراحات والوصايا له. وهذا الفرع من علم النفس من الفروع التي يستعين بها علم النفس الصناعي كما سنرى على صفحات هذا الكتاب.
علم النفس الصناعي: أحدث الفروع التطبيقية لعلم النفس. فقد بدأ في القرن العشرين. إنه فرع يستهدف رفع مستوى الكفاية الإنتاجية للعامل أو للجماعة العاملة وذلك عن طريق حل المشكلات المختلفة التي تغشى ميدان الصناعة والإنتاج حلاً علمياً إنسانياً، يقوم على مبادئ علم النفس ومفاهيمه، ويحرص على راحة العامل وكرامته حرصه على زيادة إنتاجه. وبعبارة أخرى فهو علم يهدف إلى تهيئة جميع الظروف المادية والنفسية والاجتماعية التي تكفل أكبر إنتاج مع الاهتمام برضا العامل عن نفسه رغم عمله. إنه يهتم بدراسة العوامل الإنسانية في الصناعة، والكشف عن أفضل الظروف الإنسانية للعمل، وحل المشكلات الصناعية حلال علمياً.
فالكفاية الإنتاجية هي محور علم النفس الصناعي. وهي تتلخص- في حالتها انموذجية المثلى- في إنتاج أكبر مقدار، من أجود نوع، في أقصر وقت، وبأقل مجهود وأكبر قدر من الرضا والارتياح من العاملين.
صفحة 6
وتتوقف الكفاية الإنتاجية إلى حد كبير على اتقان العامل عمله بأوسع معنى لكلمة العامل. هذا الاتقان لا يتوقف فقط على الاستعداد الفني والإعداد المهني للعامل أو على ما يحيط بعمله من بيئة مادية مريحة، بل إنه يرتكز كذلك على عوامل نفسية شتى، منها استمتاع العامل بعمله، ثم إدراكه وشعوره بأن المصنع أو الشركة أو المؤسسة التي ينتمي إليها تهتم به كإنسان، وتعمل على اشباع حاجاته المادية والنفسية الأساسية، وتستمع إلى شكاواه، وتشركه في الرأي والربح، كما يرتكز أيضاً على فهم العامل لقيمة عمله وأهميته ودوره في الإنتاج، ونطاق هذا الدور، ومدى تفاعله مع جهود الآخرين، وارتباطه بخطة الإنتاج العامة- وهنا تبدو أهمية الثقافة العمالية.
وغنى عن البيان إن اتقان العامل عمله يعني ويتضمن القضاء على عوامل الهدر والتبذير والضياع في الوقت والجهد والمال...الخ. وغيرها من العوامل التي تعمل على خفض مستوى الكفاية الإنتاجية.
وكثيراً ما يحدث في ميدان الصناعة من مشكلات يجب ألا تحسم بحلول ارتجالية بل بحلول علمية تقضي عليها، أو تخفف من حدتها، أو تجد الوسائل الصحيحة إلى ضبطها والتحكم فيها.
هذه المشكلات المنوعة يمكن حصرها في ميادين ثلاثة:
1- المواءمة المهنية: ويقصد بها تكييف الشخص لعمله أي وضعه في العمل الذي يستطيع أن يؤديه بنجاح لكونه يتناسب ويتلائم مع ذكائه وقدراته، يرضى عنه ويميل إلى ممارسته لأن يتمشى مع ميله ومستوى طموحه وفكرته عن نفسه ويشمل هذا الميدان موضوعات التوجيه المهني، والاختيار المهني، والتأهيل المهني للعجزة وذوي الحاجات الخاصة . كما يشمل موضوع التدريب المهني لتمكين العامل من اتقان عمله وتكييفه لظروف هذا العمل.
2- الهندسة البشرية: ويقصد بها تكييف العمل وظروفه للعامل، وذلك بالبحث عن أفضل الطرق وأسهلها لأداء العمل، وتكييف الآلات والأدوات والعدد حتى تناسب العامل الذي يديرها أو يستخدمها. وكذلك تعديل الظروف الفيزيائية للعمل كالإضاءة والتهوية ودرجتي الحرارة والرطوبة ومما يدخل في نطاق هذا الميدان من دراسة التعب والملل وفترات الراحة وحوادث العمل.
3- العلاقات الإنسانية: وهو الميدان الذي يتناول دراسة الروح المعنوية للعمال والموظفين في الشركة أو المصنع، وطرق الاتصال والتفاهم المتبادل بينهم وبين إدارة العمل، كما يدرس سيكولوجية إدارة الأعمال وقيادة الجماعات، وتخطيط العلاقات الاجتماعية لفرق العمال الذين يعملون معاً وإشراك العمال في اتخاذ القرارات وفي الأرباح، والتوجيه النفسي للعامل.
من هذا يتضح تعدد الوظائف التي يستطيع أن يقوم بها السيكولوجي الصناعي أو الخبير النفسي في ميدان الصناعة. الواقع إن أية مؤسسة أو شركة أو مصنع حديث لا يمكن أن يستغني عن خدمات الخبراء النفسيين في هذه الميادين الثلاثة، يعاونهم في أعمالهم هذه بطبيعة الحال أخصائيون في الهندسة المهنية، والطب المهني، والطب النفسي، وعلم وظائف الأعضاء، والاقتصاد...الخ من علوم.
ويمكننا القول بأن علم النفس الصناعي علم محايد مستقل عن الاتجاهات والمذاهب السياسية. كما أنه يبحث- كغيره من العلوم- متخذاً بالأسلوب العلمي في البحث، عن أسباب المشكلات قبل أن يوصى بالعلاج، أي أنه يواجه الأسباب لا الأعراض كي تكون الحلول التي يصل إليها حاسمة ناجعة لا تقوم على التخبط والارتجال والنشاط العشوائي والتصرف من دون ضابط لذا كان دعامة من الدعامات الأساسية في التخطيط القومي لاستغلال القوى البشرية ورفع الكفاية الإنتاجية في كل بلد نام.
وغنى عن البيان إن اتقان العامل عمله يعني ويتضمن القضاء على عوامل الهدر والتبذير والضياع في الوقت والجهد والمال...الخ. وغيرها من العوامل التي تعمل على خفض مستوى الكفاية الإنتاجية.
وكثيراً ما يحدث في ميدان الصناعة من مشكلات يجب ألا تحسم بحلول ارتجالية بل بحلول علمية تقضي عليها، أو تخفف من حدتها، أو تجد الوسائل الصحيحة إلى ضبطها والتحكم فيها.
هذه المشكلات المنوعة يمكن حصرها في ميادين ثلاثة:
1- المواءمة المهنية: ويقصد بها تكييف الشخص لعمله أي وضعه في العمل الذي يستطيع أن يؤديه بنجاح لكونه يتناسب ويتلائم مع ذكائه وقدراته، يرضى عنه ويميل إلى ممارسته لأن يتمشى مع ميله ومستوى طموحه وفكرته عن نفسه ويشمل هذا الميدان موضوعات التوجيه المهني، والاختيار المهني، والتأهيل المهني للعجزة وذوي الحاجات الخاصة . كما يشمل موضوع التدريب المهني لتمكين العامل من اتقان عمله وتكييفه لظروف هذا العمل.
2- الهندسة البشرية: ويقصد بها تكييف العمل وظروفه للعامل، وذلك بالبحث عن أفضل الطرق وأسهلها لأداء العمل، وتكييف الآلات والأدوات والعدد حتى تناسب العامل الذي يديرها أو يستخدمها. وكذلك تعديل الظروف الفيزيائية للعمل كالإضاءة والتهوية ودرجتي الحرارة والرطوبة ومما يدخل في نطاق هذا الميدان من دراسة التعب والملل وفترات الراحة وحوادث العمل.
3- العلاقات الإنسانية: وهو الميدان الذي يتناول دراسة الروح المعنوية للعمال والموظفين في الشركة أو المصنع، وطرق الاتصال والتفاهم المتبادل بينهم وبين إدارة العمل، كما يدرس سيكولوجية إدارة الأعمال وقيادة الجماعات، وتخطيط العلاقات الاجتماعية لفرق العمال الذين يعملون معاً وإشراك العمال في اتخاذ القرارات وفي الأرباح، والتوجيه النفسي للعامل.
من هذا يتضح تعدد الوظائف التي يستطيع أن يقوم بها السيكولوجي الصناعي أو الخبير النفسي في ميدان الصناعة. الواقع إن أية مؤسسة أو شركة أو مصنع حديث لا يمكن أن يستغني عن خدمات الخبراء النفسيين في هذه الميادين الثلاثة، يعاونهم في أعمالهم هذه بطبيعة الحال أخصائيون في الهندسة المهنية، والطب المهني، والطب النفسي، وعلم وظائف الأعضاء، والاقتصاد...الخ من علوم.
ويمكننا القول بأن علم النفس الصناعي علم محايد مستقل عن الاتجاهات والمذاهب السياسية. كما أنه يبحث- كغيره من العلوم- متخذاً بالأسلوب العلمي في البحث، عن أسباب المشكلات قبل أن يوصى بالعلاج، أي أنه يواجه الأسباب لا الأعراض كي تكون الحلول التي يصل إليها حاسمة ناجعة لا تقوم على التخبط والارتجال والنشاط العشوائي والتصرف من دون ضابط لذا كان دعامة من الدعامات الأساسية في التخطيط القومي لاستغلال القوى البشرية ورفع الكفاية الإنتاجية في كل بلد نام.
صفحة 7
مفهوم الصناعة
للصناعة معنيان أحدهما ضيق محدود وآخر واسع شامل. فهي بالمعنى المحدود الذي يرد في كتب الاقتصاد والإنتاج تفيد كل مجهود ينصرف إلى استخراج ما في باطن الأرض والبحر وكذلك ما في الجو المحيط من موارد طبيعية. وتفيد أيضاً تحويل هذه المواد أو الخامات وما في حكمها على نحو يهيئها لإشباع الحاجات. ومن ثم تنقسم الصناعات إلى مجموعات رئيسية ثلاث:أ. صناعات استخراجية مثل استخراج البترول من آباره، والفحم وركاز الحديد من المناجم، وصيد الأسماك واللآلئ من البحار والمحيطات.
ب. صناعات تحويلية كصهر الحديد وتخليصه من الشوائب وتحويله إلى صلب وسحبه في صور عدة كأسياخ التسليح للمباني و الصناعات المختلفة بما فيها السبائك.
جـ. صناعات إنشائية مثل بناء السفن والأحواض العائمة والموانئ والمصانع والمساكن.
أما الصناعة بمعناها الواسع و الدارج الشامل- في اللغات العربية الإنجليزية والفرنسية فتتسع لجوانب كثيرة متعددة من النشاط الاقتصادي وغيره، سواء كان مجالها المصنع أو المتجر أو المكتب أو المدرسة أو الحقل أو الجيش أو المهن الحرة. فنحن نقول صناعة النقل، وصناعة السينما، وصناعة الفنادق، وصناعة الثقافة بل تذهب لغتنا إلى أبعد من هذا فتقول صناعة الشعر، وصناعة التعليم، وصناعة الخطابة. ويقصد بالصناعة هنا كل علم يحصل عليه الإنسان بمزاولة العمل. وفي اللغة الفرنسية تدرج الزراعة في زمرة الصناعات. وهم لا يقصدون بذلك إلى الصناعات الزراعية، إنما يرمون فلاحة الأرض واستنباتها. ولنذكر أن كلمة industry في الإنجليزية تعني في الأصل "حب العمل والانكباب عليه" أيا كان نوعه.
ويرى بعض العلماء أن يقتصر علم النفس الصناعي على أوجه النشاط الصناعي ومشكلات الصناعة بمعناها الضيق المحدود. في حين يرى آخرون بسط مجال هذا العلم كي يحيط ويعالج قضايا الصناعة بمعناها الواسع الشامل. وهذا ما نفتقده ونؤكد عليه، وإن كنا سنركز في أغلب الأحيان على الصناعة بمعناها المحدود، وذلك لما نحن في حاجة راهنة إليه.
نشأة علم النفس الصناعي وتطوره كان العمال مع بدء الحركة الصناعية وكمخلفات للعهد الاقطاعي قوه جملة وغير محسوبة. كان ذلك قبل الثورة الصناعية( )، وحتى بعد هذه الثورة بفترة من الزمن. فقد كانوا أول الأمر أرقاء وعبيداً، ثم أخذ أصحاب الأعمال ينظرون إليهم نظرتهم إلى الآلات التي يديرونها، ثم عدوهم سلعة تشتري وتستخدم كما تستخدم "الأشياء" والمواد الخام يهيمن عليها قانون العرض والطلب. وقد كان العامل في نظر أرباب الصناعة كسولاً بطبعه يكره العمل بفطرته فهو لا يعمل إلا طمعاً في المال أو خوفاً من الطرد، ولا يبذل من الجهد في عمله إلا على قدر ما يدع عنه الجوع والبطالة.
ولم يغب هذا الوضع البائس عن شعور بعض الفلاسفة والأدباء والاقتصاديين، منذ مطلع القرن التاسع عشر، فوجهوا الأنظار إلى الخطورة التي لابد أن يتمخض عنها هذا الاتجاه الذي يرمي إلى مجرد جمع المال وتكديس الثروات، ويجعل من رأس المال طاغية مستبداً، غافلاً عن العوامل والاعتبارات الإنسانية في الصناعة والإنتاج. لكن ملوك الصناعة وأرباب المال أصموا آذانهم واستكبروا ولم يلقوا لذلك بالاً.
وما أن انتصف القرن التاسع عشر حتى ظهر "دارون" Darwin بنظريته التي تقوم على "تنازع البقاء وبقاء الأنسب" فكأنما كانت هدية وقع عليها أرباب الصناعة يؤيدون بها موقفهم المتزمت من العمال. وسرعان ما شاع بين الناس أنه من الإجرام معونة الضعيف أو الفقير حتى لقد قال الفيلسوف الإنجليزي "سبنسر" spencer إن لكل إنسان الحق في الحفاظ على حياته، لكن بما أنه كتب على الأنسب البقاء وعلى غيرهم الفناء، فيجب أن يكون الناس أحراراً كي ينافس بعضهم بعضاً وكي يثبتوا صلاحيتهم للبقاء. فالتناحر والصراع الموصول من القوانين الرئيسية للحياة، وكان لابد لذلك من رد فعل عنيف ظهرت بوادره في بعض الافكار والمبادئ المتطرفة التي شهدتها نهاية القرن التاسع عشر.
وحتى وقت ليس بعيداً كان هم أصحاب الأعمال منصباً على الربح ليس غير وعلى ما يقوم عليه الربح من دعائم، كالحصول على المواد الخام بأقل كلفة، والإحاطة بأسعار السوق أولاً فأول، وتقدير قوة المنافسين وخطورتهم والعمل على قهرهم والتغلب عليهم، والاتصال بالعملاء ودراسة مراكزهم المالية ودرجة الاعتماد عليهم. أما العامل نفسه فلم يكن موضع تفكير أو اهتمام، كذلك كان اهتمام الصناعة منصباً على التنظيم المادي للإنتاج لا على تنظيم العمل الإنساني، فكانوا يهتمون الآلات والأدوات والمعدات والمواد الخام وأماكن العمل، يهتمون بتحسينها وتطويرها، أما العمال فلم يلق إليهم بالاً لأنهم عنصر ثانوي في الإنتاج. لم يتساءل أحد عما إذا كانت الآلات أو العدد أو المواد مكيفة للعامل بحيث يستطيع أن يديرها أو أن يستعملها في غير عناء. كذلك لم يتساءل أحد عما إذا كان العامل نفسه مكيفاً تكييفاً صالحاً لعمله، بمعنى أنه يملك من القدرات والاستعدادات والصفات ما يؤهله لعمله. ذلك أن أصحاب الصناعة كانوا يؤمنون بأن العمل الإنساني يمكن أن يستعاض عنه بعمل الآلات- تلك الآلات المعقدة الجبارة الدقيقة التي أخرجتها عقول المخترعين في القرن التاسع عشر وقبله.
صفحة 8
غير أن هذا الرأي سرعان ما ظهر خطؤه تدريجاً. فالطاقة الإنسانية لا يمكن أن يستعاض عنها جميعها بطاقة الآلات. والإنسان لا يزال هو الذي يدير الآلة ويشرف عليها ويوقفها ويصلحها، وهي لا تستطيع أن تعده عن العمل فتأخذ كل مكان فيه، بل الأمر بالعكس فقد أصبحت الآلة تتطلب من العامل قدرات ومهارات وصفات من طراز أدق وأرقى. فمن طلب زيادة من الإنتاج فعليه ألا يغفل عن أثر العنصر الإنساني حتى في عصر الآلة والاتمته.
فردريك تايلور taylor
لم يبدأ الباحثون بتطبيق علم النفس التجريبي على مشاكل العمل والصناعة والإنتاج قبل بدء القرن العشرين. وكان أقدم خبراء علم النفس الصناعي، المهندس الأمريكي "تايلور" 1856- 1915مؤسس علم الادارة الحديث. فقد كان أول من وجه الأنظار- بصورة علمية تجريبية- إلى العنصر الإنساني كعامل رئيسي في الإنتاج. . غير إن اهتمامه بالعامل كان لسوء الطالع اهتماماً أساء إليه وإلى علم النفس.
كان تايلور يلاحظ أثناء عمله بالشركات والمصانع أن الطرق التي يتبعها العمال والصناع في أداء أعمالهم طرق عقيمة في أغلب الأحوال مما يسفر عنها خسارة وتبذير في الأموال. وكان المعتقد في زمنه أن الخبرة والمران كفيلان أن يستطيع العامل من تلقاء نفسه ابتداع الطرق المثمرة والحركات المفيدة اللازمة لعمله، بل كفيلان بإزالة الحركات الطائشة والدخيلة والضارة بالعمل تدريجاً غير أن تايلور لم يأخذ بهذا الرأي، أي بقدرة العامل على أن يقع بنفسه على أفضل طريقة لعمله: صحيح أن هناك حالات تشذ عن هذه القاعدة، لكنه من الحمق أن تترك هذا الأمر للمصادفة، فندع العامل حتى يجد بذكائه وجهوده الخاصة أحسن طريقة لعمله.
لذا أخذ تايلور ينصح بعمل دراسة دقيقة منظمة للعمل الصناعي في كل مرحلة من مراحله- سواء كان هذا عامل بناء أو نجاراً أو خراطاً أو ميكانيكياً أو كاتباً على المكاتب، دراسة تتناول كل مرحلة بالملاحظة والتحليل والتجريب وتحليل العمل إلى حركاته وعملياته الأولية التي لا يمكن تحليلها إلى أبسط منها، ثم استبعاد الحركات الزائدة والطائشة ثم تقدير الزمن اللازم لكل حركة من الحركات الضرورية تقديراً دقيقاً، ثم التأليف بين الحركات الأولية الضرورية في مجموعات تكوّن أنسب طريقة وأسرعها لأداء العمل، تكون "الطريقة المثلى الوحيدة" التي يجب أن يتبعها كل عامل في أداء العمل.
ولم تقف جهود تايلور عند دراسة الحركة والزمن على هذا النحو، بل كان يعنى أيضاً بدراسة الأدوات والعدد والمواد التي يستخدمها في عمله: وضعها وشكلها وترتيبها، حتى يسهل على العامل عمله، ويجنبه القيام بمجهود لا داعي له، فيزيد إنتاجه، ومن هذه الناحية يعتبر تايلور منشئ حركة "الهندسة البشرية" في ميدان علم النفس الصناعي.
ولقد وضع تايلور نظاماً لزيادة الكفاية الإنتاجية يقوم على دعائم ثلاث:
أ- ألا يختار من المتقدمين لعمل من الأعمال إلا أحسنهم وأكفأهم.
ب- ثم يقوم بتدريبهم بأن يفرض عليهم أداء العمل بالطريقة المثلى الوحيدة حتى يصلوا- إن استطاعوا- إلى مستوى الإنتاج النموذجي.
ج- ثم يلجأ بعد هذا الاختيار والتدريب إلى حفزهم على زيادة الإنتاج بمكافآت مالية.
ولكي يتحقق تايلور صدق دعواه أخذ يطبق نظامه على نطاق واسع منذ عام 1898. من ذلك أنه استأذن إحدى شركات الصلب الكبيرة بالولايات المتحدة في إجراء بحث فني على عملية شحن الحديد الخام وتفريغه، ووقع اختياره على قسم بالشركة يجري فيه تجربته. وكان بالقسم 75 عاملاً يقوم كل واحد منهم ينقل حوالي 5ر12 طناً من الحديد في اليوم، وهو إنتاج كان يبدو معقولاً في نظر مراقبي العمال وموظفي الشركة الاداريين، ولم يكن يدور بخلد أحدهم أنه من الممكن زيادته.
أخذ تايلور يلاحظ العمال ملاحظة دقيقة أثناء عملهم، حتى استقر به المطاف على عامل هولندي قوي البنية مفتول الذراعين، وجد فيه أنه ممن يحبون المال، كما تأمل فيه أنه ممن يطيعون ويصدعون إذا أمروا، فجاءه تايلور زيادة أجره إن عمل حسب ما يمليه عليه من تعليمات وأوامر لا يناقشها أو يجادل فيها. وقبل الرجل. فأخذ تايلور يجرب عليه كل ما استطاع من طرق لنقل الحديد في شحنه وتفريغه. فكان يكلفه باستخدام جاروف كبير تارة، وآخر صغير طوراً، وجاروف متوسط الحجم تارة أخرى. كان يكلفه نقل الحديد من المستودع إلى سيارة النقل دون توقف تارة، أو نقله على مراحل تارة أخرى. كان يطلب إليه أن يسير متى كلف بالسير، وبالوقوف متى أمر بالوقوف، وبرفع الحديد حين يطلب إليه ذلك وبإنزاله عند الأمر وهكذا حتى ظفر المهندس الأمريكي آخر الأمر بما كان يطمح إليه، وهو أفضل طريقة لأداء هذا العمل. فإذا بهذا العامل قد أصبح قادراً على أن ينقل في اليوم الواحد 5ر47 طناً من الحديد بدلاً من 5ر12 أي بزيادة في الكفاية الإنتاجية تساوي أربعة أمثالها.
فردريك تايلور taylor
لم يبدأ الباحثون بتطبيق علم النفس التجريبي على مشاكل العمل والصناعة والإنتاج قبل بدء القرن العشرين. وكان أقدم خبراء علم النفس الصناعي، المهندس الأمريكي "تايلور" 1856- 1915مؤسس علم الادارة الحديث. فقد كان أول من وجه الأنظار- بصورة علمية تجريبية- إلى العنصر الإنساني كعامل رئيسي في الإنتاج. . غير إن اهتمامه بالعامل كان لسوء الطالع اهتماماً أساء إليه وإلى علم النفس.
كان تايلور يلاحظ أثناء عمله بالشركات والمصانع أن الطرق التي يتبعها العمال والصناع في أداء أعمالهم طرق عقيمة في أغلب الأحوال مما يسفر عنها خسارة وتبذير في الأموال. وكان المعتقد في زمنه أن الخبرة والمران كفيلان أن يستطيع العامل من تلقاء نفسه ابتداع الطرق المثمرة والحركات المفيدة اللازمة لعمله، بل كفيلان بإزالة الحركات الطائشة والدخيلة والضارة بالعمل تدريجاً غير أن تايلور لم يأخذ بهذا الرأي، أي بقدرة العامل على أن يقع بنفسه على أفضل طريقة لعمله: صحيح أن هناك حالات تشذ عن هذه القاعدة، لكنه من الحمق أن تترك هذا الأمر للمصادفة، فندع العامل حتى يجد بذكائه وجهوده الخاصة أحسن طريقة لعمله.
لذا أخذ تايلور ينصح بعمل دراسة دقيقة منظمة للعمل الصناعي في كل مرحلة من مراحله- سواء كان هذا عامل بناء أو نجاراً أو خراطاً أو ميكانيكياً أو كاتباً على المكاتب، دراسة تتناول كل مرحلة بالملاحظة والتحليل والتجريب وتحليل العمل إلى حركاته وعملياته الأولية التي لا يمكن تحليلها إلى أبسط منها، ثم استبعاد الحركات الزائدة والطائشة ثم تقدير الزمن اللازم لكل حركة من الحركات الضرورية تقديراً دقيقاً، ثم التأليف بين الحركات الأولية الضرورية في مجموعات تكوّن أنسب طريقة وأسرعها لأداء العمل، تكون "الطريقة المثلى الوحيدة" التي يجب أن يتبعها كل عامل في أداء العمل.
ولم تقف جهود تايلور عند دراسة الحركة والزمن على هذا النحو، بل كان يعنى أيضاً بدراسة الأدوات والعدد والمواد التي يستخدمها في عمله: وضعها وشكلها وترتيبها، حتى يسهل على العامل عمله، ويجنبه القيام بمجهود لا داعي له، فيزيد إنتاجه، ومن هذه الناحية يعتبر تايلور منشئ حركة "الهندسة البشرية" في ميدان علم النفس الصناعي.
ولقد وضع تايلور نظاماً لزيادة الكفاية الإنتاجية يقوم على دعائم ثلاث:
أ- ألا يختار من المتقدمين لعمل من الأعمال إلا أحسنهم وأكفأهم.
ب- ثم يقوم بتدريبهم بأن يفرض عليهم أداء العمل بالطريقة المثلى الوحيدة حتى يصلوا- إن استطاعوا- إلى مستوى الإنتاج النموذجي.
ج- ثم يلجأ بعد هذا الاختيار والتدريب إلى حفزهم على زيادة الإنتاج بمكافآت مالية.
ولكي يتحقق تايلور صدق دعواه أخذ يطبق نظامه على نطاق واسع منذ عام 1898. من ذلك أنه استأذن إحدى شركات الصلب الكبيرة بالولايات المتحدة في إجراء بحث فني على عملية شحن الحديد الخام وتفريغه، ووقع اختياره على قسم بالشركة يجري فيه تجربته. وكان بالقسم 75 عاملاً يقوم كل واحد منهم ينقل حوالي 5ر12 طناً من الحديد في اليوم، وهو إنتاج كان يبدو معقولاً في نظر مراقبي العمال وموظفي الشركة الاداريين، ولم يكن يدور بخلد أحدهم أنه من الممكن زيادته.
أخذ تايلور يلاحظ العمال ملاحظة دقيقة أثناء عملهم، حتى استقر به المطاف على عامل هولندي قوي البنية مفتول الذراعين، وجد فيه أنه ممن يحبون المال، كما تأمل فيه أنه ممن يطيعون ويصدعون إذا أمروا، فجاءه تايلور زيادة أجره إن عمل حسب ما يمليه عليه من تعليمات وأوامر لا يناقشها أو يجادل فيها. وقبل الرجل. فأخذ تايلور يجرب عليه كل ما استطاع من طرق لنقل الحديد في شحنه وتفريغه. فكان يكلفه باستخدام جاروف كبير تارة، وآخر صغير طوراً، وجاروف متوسط الحجم تارة أخرى. كان يكلفه نقل الحديد من المستودع إلى سيارة النقل دون توقف تارة، أو نقله على مراحل تارة أخرى. كان يطلب إليه أن يسير متى كلف بالسير، وبالوقوف متى أمر بالوقوف، وبرفع الحديد حين يطلب إليه ذلك وبإنزاله عند الأمر وهكذا حتى ظفر المهندس الأمريكي آخر الأمر بما كان يطمح إليه، وهو أفضل طريقة لأداء هذا العمل. فإذا بهذا العامل قد أصبح قادراً على أن ينقل في اليوم الواحد 5ر47 طناً من الحديد بدلاً من 5ر12 أي بزيادة في الكفاية الإنتاجية تساوي أربعة أمثالها.
صفحة 9
وكم كان ابتهاج وفرح الشركة بهذا الفتح الجديد! فإذا بها تطبق نظام تايلور- الذي يقوم على الاختيار والتدريب- على جميع عمالها الذين يؤدون هذا العمل. غير أنها رأت أن أغلبيتهم الساحقة لا يستطيعون اللحاق بهذا العامل الهولندي العتيد في كفايته وسرعته، فكانت تطرد من عجز عن إدراك مستواه النموذجي. وهكذا استطاعت الشركة أن تخفض عدد عمال نقل الحديد من 500 إلى 140 عاملاً. نعم لقد زاد الأجر اليومي للعمال الباقين بمقدار 60% لكن الشركة استطاعت أن توفر حوالي 75000 دولار في السنة، فآمنت بنظام تايلور، وتبعتها في ذلك شركات كثيرة.
ومما هو جدير بالذكر أن تايلور كان يعيد عملية الاختيار كل عدة شهور أو عدة سنوات ليستبعد العمال الذي قل إنتاجهم من جراء ما أصابهم من تعب وإرهاق في أعقاب أعمالهم المضنية المفروضة.
لقد كان تايلور يرجو من نظامه هذا رفع مستوى معيشة العامل وتحسين صحته بالإضافة إلى زيادة إنتاجه. كان يرجو لفت الأنظار إلى أهمية العنصر الإنساني كعامل أساسي في عملية الإنتاج، لكنه في الواقع أهمل العامل، ولم يهتم إلا بالعمل يحلله تحليلاً دقيقاً. وقد جانبه التوفيق في أكثر من موضع.
لقد كان ظالماً حين جعل أقصى إنتاج لأكفأ عامل الإنتاج النموذجي الذي يجب أن يصل إليه جميع العمال على ما بينهم من فوارق في القدرة والقوة ودرجة الاحتمال، وإلا كان مصيرهم الطرد، في حين يقضي العدل أن يكون إنتاج العامل المتوسط هو الإنتاج النموذجي.
كما أنه كان يفرض على الجميع "طريقة مثلى واحدة"، وبهذا يعتبر العمال يتشابهون جميعاً في تكوينهم النفسي والجسمي وسرعتهم في العمل وقدرتهم على التعلم وإيقاعهم الطبيعي. صحيح أن هذه الطريقة قد تفلح مؤقتاً إن فرضت على العمال فرضاً صارماً، لكن مصيرها آخر الأمر إلى الفشل، إذ تكون ضريبتها عالية من صحة العامل وسعادته. فإن أجبر العمال عليها عن طريق المكافآت شعر العامل أنه مقيد معتقل أو أنه مستعبد، وكان مصيره إلى الانهيار.
وأي نظام إنساني ذلك الذي يسارع بارهاق العامل وإعيائه بعد أمد قصير لقاء دراهم معدودة ! فإن تعب العامل وانهار كان مصيره التسريح دون استغلال للمطرودين بتوجيههم إلى أعمال أخرى تلائمهم، ودون أن يكشف لهم عن الأسباب التي أدت إلى إخفاقهم وفشلهم. الحق إنه "اقتصاد" ينطوي على الظلم وعلى إجحاف باليد العاملة يدفع ثمنه المجتمع.
لقد أهمل العوامل النفسية التي تؤدي إلى تكيف العامل لعمله، كما أهمل الآثار النفسية التي تترتب على ما يفرضه على العامل من شروط صارمة وقيود، كما أغفل عن الفروق الفردية بين العمال كأن العامل يستطيع تكييف نفسه كما يريد فإن لم يفعل فالسبب هو كسله أو إهماله أو فتور همته أو تمرده أو سوء نيته.
ومع هذا فقط كان نظام "تايلور" فاتحة الطريق إلى حركات "الاختيار المهني" و "التدريب المهني" و "دراسة الحركة والزمن" كما أبرز للعيان ما بين الناس من فوارق في القدرة على العمل وعلى الاحتمال، وأماط اللثام عن الصلة الوثيقة التي تربط العامل بالعمل الذي يؤديه، وعن وجود عوامل نفسية وجسمية تهيمن على نشاط كل فرد، كما أظهر لرجال الصناعة الذين يريدون تشكيل "المادة الإنسانية" على أهوائهم أن لهذه المادة قوانينها الخاصة بها، وهي قوانين يجب أن يعرفها كل من أراد استثمار هذه المادة.
لكن العيوب العلمية الإنسانية لهذا النظام لم تلبث أن بدت للعيان. تلك العيوب التي أساء بها إلى علم النفس من حيث كان يهدف إلى الاستعانة به، والتي بثت الخوف والنقمة في نفوس العمال من نظام تايلور وغيره من النظم التي يبتدعها "علماء النفس" لتحسين طرق العمل. وهو خوف ونقمة لا نزال نلمس آثارهما إلى يومنا هذا.
وخلف من بعده تلاميذ له وغيرهم من الباحثين أضافوا إلى نظامه وتناولوه بالتهذيب والتصويب، وكان لهم اسهامات تطويرية كبيرة.
حركة القياس السيكولوجي
في مطلع القرن الماضي قفز علم نفس الفروق وثبات سريعة. فقد خرج الباحثان الفرنسيان ( binet )و( simon) بأول مقياس شامل لاختبار الذكاء في عام 1905. وهو اختبار يستطيع تقدير مستوى الذكاء منذ سن الطفولة إلى سن الرشد؛ ومنه يمكن تقدير الفروق الفردية في الذكاء بين طلاب الصف الواحد، أو عمال المصنع الواحد، أو جنود الكتيبة الواحدة. وسرعان ما ترجم هذا الاختبار إلى إلى عدة لغات وطبق في بلاد كثيرة. بل سرعان ما قام الجدل حول طبيعة الذكاء. أهو قدرة عامة واحدة وملكة مستقلة، أم هو مؤلف من عدة قدرات، وحتى إذا سلمنا أن الذكاء قدرة عامة واحدة، أفلا توجه إلى جانبه قدرات أخرى، وما هي هذه القدرات، وما الصلة بين بعضها وبعض، وكيف السبيل إلى قياسها.
لا شك أن الذكاء ضروري للنجاح في كثير من المهن، لكنه لا يكفي وحده للنجاح في أخرى. فقد يكون الفرد على درجة عالية من الذكاء لكنه لا يصلح أن يكون جراحاً ناجحاً، أو خراطاً أو نجار أثاث ناجح أو مشرفاً ناجحاً على العمال.
وقد أفاد علم النفس الصناعي الناشئ من حركة القياس هذه، خاصة في مسائل "المواءمة المهنية" التي تتضمن التوجيه المهني والتأهيل المهني والاختيار المهني والتدريب المهني.
ومما هو جدير بالذكر أن تايلور كان يعيد عملية الاختيار كل عدة شهور أو عدة سنوات ليستبعد العمال الذي قل إنتاجهم من جراء ما أصابهم من تعب وإرهاق في أعقاب أعمالهم المضنية المفروضة.
لقد كان تايلور يرجو من نظامه هذا رفع مستوى معيشة العامل وتحسين صحته بالإضافة إلى زيادة إنتاجه. كان يرجو لفت الأنظار إلى أهمية العنصر الإنساني كعامل أساسي في عملية الإنتاج، لكنه في الواقع أهمل العامل، ولم يهتم إلا بالعمل يحلله تحليلاً دقيقاً. وقد جانبه التوفيق في أكثر من موضع.
لقد كان ظالماً حين جعل أقصى إنتاج لأكفأ عامل الإنتاج النموذجي الذي يجب أن يصل إليه جميع العمال على ما بينهم من فوارق في القدرة والقوة ودرجة الاحتمال، وإلا كان مصيرهم الطرد، في حين يقضي العدل أن يكون إنتاج العامل المتوسط هو الإنتاج النموذجي.
كما أنه كان يفرض على الجميع "طريقة مثلى واحدة"، وبهذا يعتبر العمال يتشابهون جميعاً في تكوينهم النفسي والجسمي وسرعتهم في العمل وقدرتهم على التعلم وإيقاعهم الطبيعي. صحيح أن هذه الطريقة قد تفلح مؤقتاً إن فرضت على العمال فرضاً صارماً، لكن مصيرها آخر الأمر إلى الفشل، إذ تكون ضريبتها عالية من صحة العامل وسعادته. فإن أجبر العمال عليها عن طريق المكافآت شعر العامل أنه مقيد معتقل أو أنه مستعبد، وكان مصيره إلى الانهيار.
وأي نظام إنساني ذلك الذي يسارع بارهاق العامل وإعيائه بعد أمد قصير لقاء دراهم معدودة ! فإن تعب العامل وانهار كان مصيره التسريح دون استغلال للمطرودين بتوجيههم إلى أعمال أخرى تلائمهم، ودون أن يكشف لهم عن الأسباب التي أدت إلى إخفاقهم وفشلهم. الحق إنه "اقتصاد" ينطوي على الظلم وعلى إجحاف باليد العاملة يدفع ثمنه المجتمع.
لقد أهمل العوامل النفسية التي تؤدي إلى تكيف العامل لعمله، كما أهمل الآثار النفسية التي تترتب على ما يفرضه على العامل من شروط صارمة وقيود، كما أغفل عن الفروق الفردية بين العمال كأن العامل يستطيع تكييف نفسه كما يريد فإن لم يفعل فالسبب هو كسله أو إهماله أو فتور همته أو تمرده أو سوء نيته.
ومع هذا فقط كان نظام "تايلور" فاتحة الطريق إلى حركات "الاختيار المهني" و "التدريب المهني" و "دراسة الحركة والزمن" كما أبرز للعيان ما بين الناس من فوارق في القدرة على العمل وعلى الاحتمال، وأماط اللثام عن الصلة الوثيقة التي تربط العامل بالعمل الذي يؤديه، وعن وجود عوامل نفسية وجسمية تهيمن على نشاط كل فرد، كما أظهر لرجال الصناعة الذين يريدون تشكيل "المادة الإنسانية" على أهوائهم أن لهذه المادة قوانينها الخاصة بها، وهي قوانين يجب أن يعرفها كل من أراد استثمار هذه المادة.
لكن العيوب العلمية الإنسانية لهذا النظام لم تلبث أن بدت للعيان. تلك العيوب التي أساء بها إلى علم النفس من حيث كان يهدف إلى الاستعانة به، والتي بثت الخوف والنقمة في نفوس العمال من نظام تايلور وغيره من النظم التي يبتدعها "علماء النفس" لتحسين طرق العمل. وهو خوف ونقمة لا نزال نلمس آثارهما إلى يومنا هذا.
وخلف من بعده تلاميذ له وغيرهم من الباحثين أضافوا إلى نظامه وتناولوه بالتهذيب والتصويب، وكان لهم اسهامات تطويرية كبيرة.
حركة القياس السيكولوجي
في مطلع القرن الماضي قفز علم نفس الفروق وثبات سريعة. فقد خرج الباحثان الفرنسيان ( binet )و( simon) بأول مقياس شامل لاختبار الذكاء في عام 1905. وهو اختبار يستطيع تقدير مستوى الذكاء منذ سن الطفولة إلى سن الرشد؛ ومنه يمكن تقدير الفروق الفردية في الذكاء بين طلاب الصف الواحد، أو عمال المصنع الواحد، أو جنود الكتيبة الواحدة. وسرعان ما ترجم هذا الاختبار إلى إلى عدة لغات وطبق في بلاد كثيرة. بل سرعان ما قام الجدل حول طبيعة الذكاء. أهو قدرة عامة واحدة وملكة مستقلة، أم هو مؤلف من عدة قدرات، وحتى إذا سلمنا أن الذكاء قدرة عامة واحدة، أفلا توجه إلى جانبه قدرات أخرى، وما هي هذه القدرات، وما الصلة بين بعضها وبعض، وكيف السبيل إلى قياسها.
لا شك أن الذكاء ضروري للنجاح في كثير من المهن، لكنه لا يكفي وحده للنجاح في أخرى. فقد يكون الفرد على درجة عالية من الذكاء لكنه لا يصلح أن يكون جراحاً ناجحاً، أو خراطاً أو نجار أثاث ناجح أو مشرفاً ناجحاً على العمال.
وقد أفاد علم النفس الصناعي الناشئ من حركة القياس هذه، خاصة في مسائل "المواءمة المهنية" التي تتضمن التوجيه المهني والتأهيل المهني والاختيار المهني والتدريب المهني.
صفحة 10
الحرب العالمية الأولى مرحلة حاصلة
وجاءت الحرب الأولى فأكدت للمرة الثانية أن المحرك الإنساني لا يمكن أن يعامل كالمحرك الآلي. فلكي تستغل قوة الإنسان إلى أقصى حد لابد من مراعاة العوامل الجسمية والنفسية التي تهيمن على نشاطه. من ذلك أن ساعات العمل قد زادت في بعض البلاد المتحاربة حتى بلغت 15 ساعة في اليوم بدوافع من وطنية العمال. لكن الإنتاج لم يزد بل قل إلى درجة أرعبت السلطات، كما زاد تغيب العمال من جراء المرض والتعب، وكثرت الحوادث، واكتظت المستشفيات بالمرضى. فهرعت السلطات إلى الأطباء وعلماء النفس وعلماء وظائف الأعضاء. وعقدت اللجان لدراسة هذه الكارثة، فأسفرت نتائجهم جميعاً عن أن هناك سوء استغلال للقوى الإنسانية بل إن تنظيم العمل نفسه كان يعاني من خلل لأنه لم يراع "العامل" الإنساني.
إن الناس ليسوا آلات. ومن ثم يستطيعون بقوة الإرادة مضاعفة جهودهم. غير أن هذا الإغراق في العمل لا يمكن أن يستمر إلى أجل غير محدود. لا شك أن زيادة ساعات العمل اليومي- في حدود معينة- تزيد الإنتاج. فالعامل قد ينتج في ست ساعات أكثر ما ينتجه في خمس ساعات أو أربع. لكنه هل إذا عمل 11 أو 12 أو 15 ساعة في اليوم، ارتفع إنتاجه بنفس النسبة؟ لقد كانت هذه ناحية دعت إلى الدراسة والبحث، بل كانت إحدى نقط التحول الهامة في الصناعة وفي علم النفس.
ومما لفت نظر السلطات أيضاً أثناء الحرب كثرة حوادث الطيران الحربي التي كانت تعزى إلى "المصادفة" البحتة، فهب علماء النفس يدرسون هذه الظاهرة، وسرعان ما اكتشفوا أن مهنة الطيران تحتاج إلى استعدادات خاصة لم يكن يملكها أغلب من كانوا يتورطون في هذه الحوادث.
ثم دخلت الولايات المتحدة هذه الحرب في نهايتها عام 1917، ولم يكن لديها في ذلك الحين جيش فعملت على إنشائه. وفي عنفوان هذه الفورة الوطنية، أهيب بعلماء النفس أن يسهموا في هذا المجهود الضخم، مشكلة لجنة منهم عهد إليها فحص المجندين.
أ- لاستبعاد ضعاف العقول منهم ومن لا يؤهله ذكاؤه للخدمة في الجيش.
ب- توزيع الصالحين للخدمة على أسلحة الجيش المختلفة كل فرد على حسب ذكائه.
ج- تزويد كل فريق ببرنامج ملائم للتدريب العسكري.
فقام علماء النفس بصوغ مقياسين لاختبار الذكاء- أي يمكن إجراؤهما على عدد كبير من الأفراد في وقت واحد- أولهما لقياس ذكاء من يعرفون القراءة والكتابة والثاني للأميين. ثم طبق المقياسان على ما يقرب من مليون وسبعمائة ألف مجند قبل قبولهم بالجيش.
وإبان هذه الحرب نفسها استعانت القوات المسلحة الأمريكية بعلماء النفس مرة أخرى لاستبعاد وإعفاء من بلغت به الاضطرابات الانفعالية أو المرض النفسي درجة تجعله عاجزاً عن احتمال مشقات الحياة العسكرية. فاشترك فريق منهم مع أطباء نفسيين في وضع استفتاء يجري على المجندين فيعفى منهم من يخشى أن يصاب بانهيار نفسي إن التحق بخدمة الجيش وخوض المعارك.
وهكذا يمكن اعتبار هذه الحركة التي قامت بها القوات الأمريكية حركة رائدة في إرساء قواعد علم النفس الصناعي القت بظلالها على تطور هذا العلم.
المؤسسات الاقتصادية والمعاهد والجامعات
بالرغم من أن المقاييس السيكولوجية التي صاغها علماء النفس للقوات الأمريكية لم تكن على قدر كافٍ من الدقة والضبط بما نعهده في مقاييس اليوم، إلا أنها نجحت مع ذلك في أداء مهمة اختيار الجنود وتصنيفهم وتوجيههم إبان فترة الحرب، وقد كانت هذه التجربة وما سبقها من تجارب عانتها البلاد المتحاربة من العوامل التي جعلت علم النفس يفرض نفسه على شئون الإنتاج بعد ما اتضح أن مشكلة العمل، في المصنع وفي الجيش وفي غيرهما، لا يمكن أن تعالج على أنها فرع من الميكانيكا أو الهندسة، بل إنها تنطوي على عنصر نفسي لابد من مراعاته. فما أن وضعت الحرب أوزارها حتى بدأ كثير من المؤسسات الصناعية والتجارية وكليات الجامعات الأمريكية في أن يحذو حذو الجيش من حيث تطبيق مقاييس الذكاء في استبعاد المتقدمين غير الصالحين، وفي انتقاء أكفئهم، وكذلك في مسائل التعيين والترقية. وقد استعانت هذه المؤسسات بكثير من الخبراء الفنيين الذين كانوا يعملون في الجيش للقيام بهذه الأعمال.
وجاءت الحرب الأولى فأكدت للمرة الثانية أن المحرك الإنساني لا يمكن أن يعامل كالمحرك الآلي. فلكي تستغل قوة الإنسان إلى أقصى حد لابد من مراعاة العوامل الجسمية والنفسية التي تهيمن على نشاطه. من ذلك أن ساعات العمل قد زادت في بعض البلاد المتحاربة حتى بلغت 15 ساعة في اليوم بدوافع من وطنية العمال. لكن الإنتاج لم يزد بل قل إلى درجة أرعبت السلطات، كما زاد تغيب العمال من جراء المرض والتعب، وكثرت الحوادث، واكتظت المستشفيات بالمرضى. فهرعت السلطات إلى الأطباء وعلماء النفس وعلماء وظائف الأعضاء. وعقدت اللجان لدراسة هذه الكارثة، فأسفرت نتائجهم جميعاً عن أن هناك سوء استغلال للقوى الإنسانية بل إن تنظيم العمل نفسه كان يعاني من خلل لأنه لم يراع "العامل" الإنساني.
إن الناس ليسوا آلات. ومن ثم يستطيعون بقوة الإرادة مضاعفة جهودهم. غير أن هذا الإغراق في العمل لا يمكن أن يستمر إلى أجل غير محدود. لا شك أن زيادة ساعات العمل اليومي- في حدود معينة- تزيد الإنتاج. فالعامل قد ينتج في ست ساعات أكثر ما ينتجه في خمس ساعات أو أربع. لكنه هل إذا عمل 11 أو 12 أو 15 ساعة في اليوم، ارتفع إنتاجه بنفس النسبة؟ لقد كانت هذه ناحية دعت إلى الدراسة والبحث، بل كانت إحدى نقط التحول الهامة في الصناعة وفي علم النفس.
ومما لفت نظر السلطات أيضاً أثناء الحرب كثرة حوادث الطيران الحربي التي كانت تعزى إلى "المصادفة" البحتة، فهب علماء النفس يدرسون هذه الظاهرة، وسرعان ما اكتشفوا أن مهنة الطيران تحتاج إلى استعدادات خاصة لم يكن يملكها أغلب من كانوا يتورطون في هذه الحوادث.
ثم دخلت الولايات المتحدة هذه الحرب في نهايتها عام 1917، ولم يكن لديها في ذلك الحين جيش فعملت على إنشائه. وفي عنفوان هذه الفورة الوطنية، أهيب بعلماء النفس أن يسهموا في هذا المجهود الضخم، مشكلة لجنة منهم عهد إليها فحص المجندين.
أ- لاستبعاد ضعاف العقول منهم ومن لا يؤهله ذكاؤه للخدمة في الجيش.
ب- توزيع الصالحين للخدمة على أسلحة الجيش المختلفة كل فرد على حسب ذكائه.
ج- تزويد كل فريق ببرنامج ملائم للتدريب العسكري.
فقام علماء النفس بصوغ مقياسين لاختبار الذكاء- أي يمكن إجراؤهما على عدد كبير من الأفراد في وقت واحد- أولهما لقياس ذكاء من يعرفون القراءة والكتابة والثاني للأميين. ثم طبق المقياسان على ما يقرب من مليون وسبعمائة ألف مجند قبل قبولهم بالجيش.
وإبان هذه الحرب نفسها استعانت القوات المسلحة الأمريكية بعلماء النفس مرة أخرى لاستبعاد وإعفاء من بلغت به الاضطرابات الانفعالية أو المرض النفسي درجة تجعله عاجزاً عن احتمال مشقات الحياة العسكرية. فاشترك فريق منهم مع أطباء نفسيين في وضع استفتاء يجري على المجندين فيعفى منهم من يخشى أن يصاب بانهيار نفسي إن التحق بخدمة الجيش وخوض المعارك.
وهكذا يمكن اعتبار هذه الحركة التي قامت بها القوات الأمريكية حركة رائدة في إرساء قواعد علم النفس الصناعي القت بظلالها على تطور هذا العلم.
المؤسسات الاقتصادية والمعاهد والجامعات
بالرغم من أن المقاييس السيكولوجية التي صاغها علماء النفس للقوات الأمريكية لم تكن على قدر كافٍ من الدقة والضبط بما نعهده في مقاييس اليوم، إلا أنها نجحت مع ذلك في أداء مهمة اختيار الجنود وتصنيفهم وتوجيههم إبان فترة الحرب، وقد كانت هذه التجربة وما سبقها من تجارب عانتها البلاد المتحاربة من العوامل التي جعلت علم النفس يفرض نفسه على شئون الإنتاج بعد ما اتضح أن مشكلة العمل، في المصنع وفي الجيش وفي غيرهما، لا يمكن أن تعالج على أنها فرع من الميكانيكا أو الهندسة، بل إنها تنطوي على عنصر نفسي لابد من مراعاته. فما أن وضعت الحرب أوزارها حتى بدأ كثير من المؤسسات الصناعية والتجارية وكليات الجامعات الأمريكية في أن يحذو حذو الجيش من حيث تطبيق مقاييس الذكاء في استبعاد المتقدمين غير الصالحين، وفي انتقاء أكفئهم، وكذلك في مسائل التعيين والترقية. وقد استعانت هذه المؤسسات بكثير من الخبراء الفنيين الذين كانوا يعملون في الجيش للقيام بهذه الأعمال.