صفحة 1
مدخل إلى فلسفة التوريث:ما التوريث؟
في المألوف الثقافي العربي، يُوضع الوارث والسَّارق في شبكةٍ واحدة، تدليلاً على سهولة التمكّن من المال، وعدم الاعتناء بحفظه أو صونه وتوظيفه· ولكن السَّارق يأخذ مسروقاته بالحيلة والعنف، خلافاً لمعايير المجتمع وقوانينه، مُنتهكاً حرماتِ الآخرين وممتلكاتهم؛ فيما الوارث يحصلُ على موروثه بوصيّة تجعله مالكاً لما هو متروك من أهله أو من قومه· ويختلف الرأي في تحديد ما يُورَّث وما لا يُورّث· ففي حوار شعبي بين إثنين من مدينة بيروت، برز إختلافٌ في معنى التوريث القديم والتوريث الحديث· فمع ظاهرة تبدُّل الحِرَف والمِهَن، وظهور الشهادات العلمية والألقاب المهنية الجديدة (أطباء- مهندسون- محامون- علماء- صحافيّون- فنيّون- إلخ)، لم يدرك المتحاوران البيروتيّان مغزى السلالة الجديدة، وأهمية الشبكة الاجتماعية الجديدة التي تنتجها حداثاتُ المعرفتين العلمية-التقنية، والسياسة-القيادية· وإكتفيا بشبكتهما الاجتماعيّة التقليدية القائمة على توريث العقارات والبنايات والمحلاّت والأموال، وراحا يضحكان من أصحاب الألقاب العلمية التي لا يستطيعون توريثها لأولادهم وأحفادهم، كما كان يفعل الحِرَفيّون التقليديون في تعليم أبنائهم حِرفَهم ومهنَهم، وتوارثها أباً عن جَدّ، ثم توريثها من أب إلى ولد أو حفيد· وفاتَهما أنَّ فلسفة التوريث تقوم على التواصل أو التوصيل، بهدف الإستمرار أو الديمومة الحضارية، بصرف النظر عن تبّدل موضوعات الإرث والتوريث· كما فاتهما توريثٌ آخر، أخطر، هو توريث السلطة أو الزعامة، من القبيلة إلى الجمهورية، مروراً بالعائلة أو الأسرة، مع تفريق أساسي بين نظام ملكي أو نظام أميري قوامه الطبيعي التواصل بالتوريث، ونظام جمهوري أو شعبي قوامه الصُّنعي، التواصل بالإنتخاب· وفي هذا السّياق، يندرج الإختلاف السياسي حول ظاهرة التوريث، الموسومة بسمة التمييز أو التمايز: عليّ يرث وعليّ لا يرث! وفي كل حال، التوريث ظاهرة إجتماعية حضارية وعالمية، لا جدال في ضرورتها؛ ولكنَّ الخلافَ يدور حول أشكالها وشروطها، في المجتمع وأعرافه، وفي الدولة ودستورها وقوانينها· إنها ظاهرة متصلّة جذرياً بحفظ الجنس البشري، أشبه ما يكون بـ شبكة إجتماعية لا تخلو من تعقيدات؛ لكنّها شبكة ذات خروم، يخرج منها الكثيرون، ويبقى فيها القليلون، هم الوارثون· الخارجون من الشبكة الوراثية يراودهم شعور بالحرمان والظلم والاستبعاد، وفيما الوارثون لا يُخفون إمتيازاتهم، بصرف النظر عن مزاياهم وقدراتهم على النجاح أو الفشل في إدارة الموروث المادي، وتدبير الموروث العلمي أو التقني أو السياسي·
بعض الجماعات البشرية طوَّرت شبكاتها الوراثية، وأعادت النَّظر في مبدأ التوزيع الإجتماعي أو التوريث؛ ومعظم الجماعات التقليدية حافظت على شبكاتها الوراثيّة، فجمَّدت التطورَ في خارجها؛ وبدلاً من الوصل الاجتماعي الطبيعي بين الوارثين وغير الوارثين، أنتجت القطع والفصلَ، مما جعل التوريث، في عصرٍ ما، عقبةً اقتصادية أو سياسية في عَصْرٍ آخر· أما التوريث الاجتماعي العربي فهو محكوم بنظام السلالات والقرابات، وموقوف بالتنظيم القرآني والإسلامي، عموماً، فضلاً عن التنظيم الديني الآخر، لدى النَّصارى واليهود· وبما أنَّ هذه الدراسة تختصّ برصد ظاهرة التوريث السياسي في الأنظمة الجمهورية العربية المعاصرة (في النصف الثاني من القرن العشرين حتى اليوم)، فإننا لن نعود إلى تاريخ الوراثات الدينيّة وغير الدينية؛ ولن نتناول الأنظمة الملكية/الأميرية، المنسجمة في تقاليدها مع طبيعتها الوراثية/التوريثية، إلاّ على سبيل المقارنة· سنتناول إذاً، ظاهرة التوريث المختلف، الآخر، حيث يُقال إن الجمهور أو الشعب هو الوارث السياسي لسلطته أو دولته أو حزبه أو جماعته، فإذا بالواقع السوسيولوجي يقدّم نقضاً صريحاً لهذه المقولة، ويوفّر لنا نماذج وراثيّة سياسية ناجحة، ونماذج أخرى غير ناجحة أو غير مُتاحة· لماذا؟
لأن نظام الشبكة الاجتماعيّة يضعُ الناس بين حالتَي المُلك والهُلك، ويترك لهؤلاء إمكانين أساسيّين:
- إمّا التحجُّر على حَجَرٍ واحدٍ - حجر الوراثة من الأرض والمال والمعارف إلى الآلات والسلطات -، فلا يكون (تحضُّر) إلاَّ من خلال شبكة التحجّر الاجتماعي، وما يرافقها من وثنيَّاتٍ شخصية وصنميّات فكريّة، مما يُفضي إلى جمود النُّخبة الفكرية والسياسية والاقتصادية، على نَمَطٍ واحد، وسيولة التطور بلا مقاييس عصرية، مما يعني التخلّف عن التاريخ المعاصر، بل الخروج من التاريخ الكائن إلى ما قبله، ما فوقه، وحتى إلى ما يسمّى اللاتاريخ - شعوب تاريخية/ شعوب لا تاريخية·
- وإما التحاور والتبادل وفقاً لعدَّة شبكات إجتماعية لا محددة، حيث يستطيع الكائن المنتهي - أو الجماعة المحدودة - أن يخترع بخياله ما لا يتناهى؛ وهذا يعني أن المتناهي في مكانه يقاربُ بعقله الخيالي اللامتناهي، محاولاً الربط بين النسبي والمطلق، المُعطى واللامعطى، التاريخي واللاتاريخي؛ محقّقاً تحضّره من خلال تطوّره· وعلي سبيل المثال المجرَّد، نقول: إنَّ أرقام البشر (6 مليار في عصرنا) لا تُغطّي أرقام العدد (اللامتناهية سلباً وإيجاباً)؛ وفي المثال التاريخي؛ نُشير إلى ما خيَّب أملَ الشاعر الفرنسي جاك بريفير (J. Prevert) حين إسترجع السلالة الملكية الفرنسية، من لويس الأول إلى لويس الثامن عشر، فتساءَل: ما هذه السلالة التي لا تتجاوزُ هذا الرقم؟ وفاته أن السلالات البشرية مهما تكاثرت وتوارثت، لا تبلغ الأرقام اللامتناهية، التي اخترعها العقلُ البشري لفتح آفاقه وتوسيع آماله، لجعل الحياة المُقبلة ممكنة·
وبين هذين النموذجين، التحجّر والتحاور، تجري عمليّات التوريث البشري، محكومةً بفلسفةٍ مزدوجة: فلسفة مقاومة الهُلك بالمُلك، وفلسفة الاحتواء لأجل الامتداد في مادة الكون، والتمكّن من المكان· وعند هاتين الفلسفتين يتقاطع المتوارثون المحافظون والجمهوريّون، إذ إن موضوع البقاء واحد، وأساليب التوارث كثيرة، تجري على إيقاعاتٍ شتّى، نشير هنا، باختصار، إلى أبرزها·
صفحة 2
1· التوريث الإجتماعي
- هو التوريث الخاص، نقل الشيء المأثور من شخص إلى آخر بقرار فردي أو جماعي· وهو أساس الشبكة الوراثية، التي تعكس نفسها من المجتمع على مؤسسات السلطة أو الدولة· النّوع البشري يحفظ نفسَه بالمحافظة على ممتلكاته، وبتوفير نقلها أو إنتقالها، من هالكٍ (محتمل) إلى مالك (منشود)، يعلم أنَّه - بعد حينٍ من الدِّهر - هو أيضاً هالِكٌ مُقبل· وعليه، فإنَّ الميل إلى المحافظة - بهذا المعنى - هو ميل طبيعي، ثابت ومتواصل لدى كل الجماعات المتحضرّة؛ فيما جماعاتٌ (خالية) تُمارس لعبة (من هالك إلى هالك)، فتقع في شبكة الفقر والتخلّف، إذْ إنها لا تملك شروى نقير، كما يُقال، ولا تجد ما تنقله لسواها سوى (التراب) أو (الغُبار)· هذا النَّمط يخرج عن إطارنا التحليلي، الهادف إلى كشف منطق التوريث الاجتماعي·
فالتوريث هو شكلٌ من أشكال التعاقب الحضاري بين الأجيال، بقدر ما هو ضرورة وجودية وعمرانية بقائيّة أو امتدادية· فمنطقُه السلالي، البيولوجي يتجلّى اجتماعياً في شبكة القرابة وحفظ الأنساب والأحساب، وتحديد مَنْ يرثُ مَنْ، ومَنْ لا يرثُ مَنْ· ولئن كان التاريخ الاجتماعي للشعوب قد أكسبها مفهوم أرض الجماعة (القبيلة-الوطن-الدولة)، وحدَّدها لها بحدود وجودها ولغتها وثقافتها وسلاحها أو جيشها (وطنك هو أرضك التي تستطيع اجتماعياً أن تحفظها وتدافع عنها، وتبقيها مميَّزةً من أراضي آخرين)؛ فإنَّ الأفراد تواضعوا داخل حدود أرضهم الجماعية (الوطنية أو القومية) على امتلاكها وتوزيعها، وعلى توارثها وتوريثها· هنا يكمنُ مبدأُ السلطة في المجتمع، فيمارسه الأفرادُ على مقدار قدراتهم وإبداعاتهم الذكيَّة، وينشدون إبقاءه في حوزتهم إلى أبعد جِيْل ممكن· فمن فكرة (الحِمَى) إلى واقعة (الملكيّة الخاصّة)، إبتكرت الجماعاتُ نماذجَ للأُسر وللعائلات المتفرعّة منها، وصولاً إلى العائلة النووية، أصغر وحدة إجتماعية (أب + أم + ولد)· وفي هذه النماذج، ظهر تراتب أو تمرتب (Stratification) الأبناء والبنات الوَرَثة، من البكر إلى الأصغر، وجرى تفريق بين وراثة الذّكور والإناث، والمتزوجين وغير المتزوجين، مروراً بكل التفرعّات الذّكرية (جد-أب-عم-خال-الخ) والأنثوية (جدّة-أم-عمّة-خالة-الخ)· والمبدأ التوريثي الاجتماعي، عند العرب، قديماً وحديثاً، محكوم بآلية الأقرب، فالبعيد فالأبعد· وبالمعروفِ، الأقربونَ أولى· هذه الأوليّة القرابية تجعل التوريثَ عملية إجرائية - إقتضائية حميمة أو شبه خاصة، لأنّها لا تعمّ المجتمع كلَّه بطريقة واحدة، نظراً لتنّوع الفلسفات والثقافات والديانات (ومذاهبها وفقهها الاجتماعي)· فالتوريث الاجتماعي البدائي، المبدئي، الدائم: هو التوريث الماديّ، المشترك بين الجميع، توريث الخاص للخاص؛ فيما التوريثُ الحَضَري، الحضاري يمرّ في شبكة إشكالات، تستدعي منطقاً آخر للتوارث، نعني منطق الكفاءة أو الأهليّة - فالطبيبُ لا يستطيع توريث مهنة الطبابة لابنته أو لابنه، ما لم يتعلمّا الطب ويمارساه بكفاءة· الأولى، في هذا المستوى، الكلامُ على اكتساب توريثي· وهذا ما يظهرُ، حين ننتقلُ من التوريث الحميم، الفريد، إلى التوريث العميم، العديد·
صفحة 3
2· التوريث الديني- السياسي
- لا نودّ إسترجاع التساؤل عن أسبقية الدين على السياسة، ولا الغوص في تمايز الدين والسياسة· بل نكتفي هنا، سوسيولوجياً، بالإنطلاق من ظاهرة العائلات أو الجماعات الدينية-السياسية معاً· يبقى مفيداً، لباحثين آخرين، النَّظَر الدقيق في مهنة رجل الدين، ومهنة رجل السياسة، اللتين تشغلان حيّزاً كبيراً من الاهتمام المعرفي في المجتمعات العربية؛ فيما العالم الأوروبي-الأميركي، يبدو مشغولاً منذ كتاب ماكس فيبر (M. Weber: Le Savant et le Politique) بإشكالات العلاقة بين العالم الحديث والسياسي·
إن ظاهرة العائلات الدينية-السياسية في المجتمعات العربية تستحقُّ مقاربة أنثروبولوجية، لما تنطوي عليه من تركيب سوسيولوجي مميَّز، فارِد· مع العلم أن هناك عائلات دينية ذات صلة بالسياسة (ولو بالتبعية)، وهناك عائلات سياسية ذات صلة برجال الدين (ولو من قبيل الاستقطاب والاحتواء)· إلاَّ أن العائلة الدينية-السياسية تدّعي لنفسها سلطاناً مركّباً: سلطة في المجتمع وسلطان على الدولة· وهذا ما يجعلها مرَّكبة في تكوينها، فلا بد لأفرادها الوارثين من الظهور بمظاهر رجال الدين، حين لا يكونون - فعلاً- رجال دين تكويناً وزّياً، ويحملون إسم العائلة الدينية-السياسية (الشيخ، السيّد، الفقيه، المفتي، الإمام، الأستاذ، المُرشد، الخ)، قد لا تجد، دواماً، تعبيرها السياسي المنشود؛ وقد لا تواصل دورَها الديني-الاجتماعي، نظراً لحصول متغيرات عميقة في مستويات أخرى، كالتبدّل السياسي، والتطور العلمي أو المهني والحِرَفي، الخ· إن ألقاب العائلات الدينية-السياسية تستمر في ثقافة المجتمعات العربية، وإن لم يعد حاملوها، هم فعلاً، في المواقع والمراتب الاجتماعية الموازية للألقاب (حمل لقب أفندي، دون أن يكون حامله مفتياً، بل رجل دولة: المفتي عبد الحميد، نائب ورئيس حكومة، كان يحمل لقب (مفتي أفندي) بما يتناسب مع واقع العائلة الدينية- السياسية، وولده رشيد، حمل لقب الأفندي دون أن يكون مفتياً، ولكنّه كان نائباً ورئيس حكومة في لبنان؛ وكذلك الحال بالنسبة إلى أخيه، عُمَر أفندي)· والأمثلة كثيرة جداً على ما نقول· نقتصرُ على هذا المثل، وإلاّ دخلنا في ميدان الألقاب الاجتماعيــة-السياسية، وسلاسل توارثها، مما يُبعدنا عن موضوعنا العام·
(را: خليل أحمد خليل: نحو سوسيولوجيا للثقافة الشعبية، دار الحداثة، بيروت، 1979)·
صفحة 4
3· التوريث العلمي الحِرَفيّ
- هذا النمط التوريثي يبدو مُتاحاً من موقع موروث (إبنُ الشيخ شيخ، بمعنى أنَّه يحوز الحدّ الأدنى من العلم الديني أو المعرفة والقراءة والكتابة، وأنّه مرشح لحدّ أعلى، مفتي، مجتهد، إمام، دكتور: المفتي الدكتور الشيخ الأستاذ الإمام ··· فلان، معاً)؛ ومن موقع لا موروث، كما هو الحال في عصرنا حيث انفتحت المدارس والجامعات والمهنيّات لأوسع الجمهور، خلافاً لما كان عليه الحال في المجتمع التقليدي، شبه المُغلق· ومع ذلك يبدو لنا أن التوريث العلمي-الحِرَفي، لا يزال في بلادنا محكوماً بمجالات النمو الاجتماعي، والمراتب العلمية، والمناصب السياسية، والقدرات الاقتصادية· مما يعني أنّ المجتمع لمّا ينتقل تماماً من مبدأ التوريث المعرفي إلى حالة تكافؤ الفُرص المعرفية أمام الجميع (كما هو في الخيال السياسي غرباً وشرقاً)، ما دام المجتمعُ نفسُه محافظاً على تقسيماته وتمرتباته السابقة للنهضة الثقافية العربية الراهنة· كما أن التغيير أصابَ العائلات الدينية-السياسية، وأفسح المجال لولادة عائلات جديدة، نراه أصابَ الحقول العلمية والحِرفية أو المهنيّة، ولكن دون تغيير جذري أو إبطــال لشبكــة التوريــث العربي التقليدية· فما برحَ قسمٌ كبيرٌ من العلماء والحِرفيين يخرجونَ من جلابيب ذويهم إلى دُنيا التنافس، وهم يجمعون بين الوراثة والاكتساب - خلافاً لما ظنَّه جماعة من لا شيء (Ex Nihilo) فهذا الظنُّ لا مكان له في المجتمع· هنا كل شيء يأتي من شيء قائم وسابق· أما اللاشيء الاجتماعي فنراه، بدورنا، قائماً في إمكانات التطور والتغيّر، ومرتبطاً بذكاء الأفراد وقدراتهم على الإندراج في شَبَكات الحِراك الاجتماعي صعوداً، وهبوطاً أيضاً - إذْ لا أحد يبقى جامداً في مكانه مدى عمره، دون أن يفقد دوره· وبينما يُكمل العالمُ المعاصر إنتقاله المعرفي، من قطب المعارف الدينية والعلمية التقليدية، إلى قُطب المعارف العلمية-التقنية والسياسية الإدارية، ما زال العالم العربي، بكل أشكاله التوريثية، يحاول الانتقال من فوضى التبادل إلى تنظيم التبادل، أو التوارث· ومما يلاحظ أن حقل التوريث العلمي-الحِرفَي تتسع شبكاتُه، فيما تضيقُ شبكات التوريث الديني - السياسي، وتُقتصر على ألقاب وفرادات· أما سببُ ذلك فهو الانتقال، على مستوى السلطة، إلى توحيد الجمهور والمُلك، مع توجه نحو التوريث السياسي البحت· وهذا ما يكتشفه، معاً، الدينيّون والعلميّون وذوو المهن الحرَّة، والإيديولوجيون (أو الحِزبيون)، فيعتمدون منطق الجمهور، ويسعون إلى توسيع حقولهم، باعتبار أن كل جمهور هو مشترك بين عدَّة أقطاب اجتماعية، يسعى السياسي إلى احتوائها أو احتكارها· يكتشف العلماءُ والحرفيّون أن جمهورهم موقوفٌ على اختصاصهم، وأنَّه زبون، أكثر ممّا هو تابع، أو (ناخب) أو (محاور)؛ وأنّه محدود بحدود المجال المهني؛ وأنه يفرض نفسه، بشروطه (الطبيب لا يختار مرضاه، التاجرُ لا يختار زبائنه، الأستاذ لا يختار طلابه، رجل الدين لا يختار تابعيه، رجل السياسة لا يختار ناخبيه)· والحال، بين احتواء الجمهور وإلغائه، تقوم آليّات التوريث بما تقتضيه الأحوال من الاحتيال على لعبة السياسي البحت، الساعي إلى احتكار الجمهور لنفسه، بلا شركاء في المجتمع، إلاّ بقدر ما يأذن لهم بالمشاركة الاستلحاقية·
صفحة 5
4· التوريث السياسي البحت
- هل هناك توريث سياسي بحت؟ في افتراض المُلك البحت يكمنُ التغاضي عن الهُلك، وادّعاء امتلاك المجتمع، وتوريثه الكلي، من فرد إلى فرد، ومن جماعة إلى أخرى· إلاَّ أن أنماط التوريث السابقة، وأحوال التغيّر والتطور، والهلاك، تنفي مقولة التوريث البحت في السياسة، دون أن تنفي مبدأ التوريث نفسه· والمشكلة الجديدة، فلسفياً، تنطوي على استحالة تكرار الفرد نفسه، مع تحوّلات الجمهور وتعاقباته· ومع ذلك، يدأب الراغبون في ما يسمّى التوريث السياسي البحت أي بمعزل عن عوامل الصراع، وبصرف النظر عن الإجماع المتحصّل كغطاءٍ للصراع، على تكرار أنفسهم، آحادياً؛ فيتغيَّر الجمهورُ، والأماكن، وعوامل التاريخ، دون أن يتغيَّر الوارثون السياسيّون، المتحدرون من جد مشترك، تاريخي أو أسطوري؛ وتقوم فلسفة المُلك السياسي البحت على امتلاك الجمهور - بلا مُنازع أو معارض، من داخله· وما هو داخل الجمهور قد لا يهمُّ الوارثَ الأوحد، المالك الجماعي، أو البطل-الجامع، المصوِّر نفسه في صورة الحاكم - القائد؛ لكنّه غير مُبَاح إلاّ من وراء عيون الوارث وسلطانه وأدوات حكمه· الوارثُ السياسي يفرضُ نفسه على جمهوره (أو رعيّته) باعتباره جمهوراً موظّفاً عنده، لا مواطناً مثله؛ وهو، كوارثٍ، امتدادٌ لمؤسسٍ ما، في لحظة انتصاره، وعلى انتصاره أو انكساره، يتّوقف استمرار السلالة الوارثة أو انقطاعها· وفي كل حالٍ، يُؤخذ الجمهورُ، كما تُؤخذُ المُدُن، بقوَّة الصراع المختوم بإجماع؛ ولكنَّه لا يُترَكُ على هواه، يختارُ حاكمَه، ينقدُه أو يغيّره، كما هو الحال في التعاقب على السُّلطة الجمهورية، غير المملوكة، نظرياً، من فردٍ أو آلٍ أو حزب بعينه·
فهل تناقصت في عصرنا حظوظُ التوريثِ السياسي البحت، لصالح توريث سياسي متعدِّد الأطراف والعوامل، من داخل المجتمع ، وفي سياق الاستقواءات الإقليمية والاستتباعات الدولية؟ أم أنها، بالعكس، تسجّل في النصف الثاني من القرن العشرين، عدوىً جديدة، تضع العالم العربي على أرضية مشتركة، أساسها التوريث السياسي (البحت) في الأنموذجين الملكي/الأميري، والجمهوري (الديمقراطي)؟
صفحة 6
5· الوراثة والاستبداد
أشرنا إلى أن الوراثة تعبير طبيعي عن رغبة الأنا في البقاء عبر الغير· ونؤكدّ، هنا، على أن التوريث يحول دون انقلاب (الأنا) أو (النحن)، إلى (غيرية) أو (إيثارية)؛ فهو، وإنْ تجلببَ بجلباب الجماعيّة، لا يخفي الأنانية الغالبة؛ لكنّه يرفعها إلى مرتبة (الأنا الأعلى) أي (الأنا الجماعي، القومي، العالمي)، ويسِّوغها، كما فعل كتَّابُ أدب المرايا - بمصلحة الجماعة أو الأمة· هذا ما حدث عندنا، وما زال يحدث سوسيولوجياً· لكن الاختلافَ في تفسيره ما برح قائماً:
- يرى ماكس فيبر في التوريث السياسي (البحت أو الاجتماعي) أساساًَ ينهضُ عليه الاستبداد؛
- ونرى أنَّ مبدأ السلطة هو بذاته استبدادي، لأنَّه يقوم على (ما لا بُدَّ منه)؛ وأنَّ الاستبداد (أو الطغيان أو الديكتاتورية، أو الاستعمار···) ممكنٌ في كل سلطة، كائناً ما يكونُ نظامها السياسي، وتعبيرها التناوبي (وراثي أو إنتخابي)·
وبين هاتين الرؤيتين، يظنُّ الغربيّون أنَّ أنظمتهم أقلُّ استبداداًَ بهم؛ وأن أنظمتَنا أشدُّ استبداداً بنا· وقد يفوتهم استبداد أنظمتهم بنا وبالعالمين أجمعين؛ كما قد يفوتنا استبداد أنظمتنا بنا، واستقواؤها باستبداد عالمي· فالواقع السوسيولوجي يكشف لنا:
- أن الاجتماع البشري يقوم على الصّراع، وإن تخلّله إجماع (وراثي، إنتخابي، الخ)؛
- أن مبدأ السلطة ينهض من التظالم، إلى ظُلمٍ غالبٍ، وظُلمٍ مغلوبٍ، فينقسم الغالبون إلى ظالمين ومظلومين، وكذلك حال المغلوبين (حيث يتكرّر الظلم، وإنْ تغيَّر الظالمون والمظلومون في المجتمع الواحد)؛
- أن العولمة المعاصرة، القائمة على امتلاك بحت للأسواق، تتكيء على الشركات الكبرى، لا على السلالات، والأيديولوجيّات، والشخصيَّات؛
- أن التوريث السياسي، هو استبدادي، لأنَّ الاستبداد ظاهرة إجتماعية، لا لأنَّ المستبدّ يفتقر إلى الإنسانية، والوعظ الأخلاقي، أو الترشيد الروحي، أو التأطير العلمي· كما يُقال في أدب المرايا - را: مكيافيلي، الأمير، وهتلر، كفاحي·
نحن نفترض أن الوراثة لا علاقة لها، سببيّاً، بالاستبدادية البشرية؛ فهذه من طبيعة الاجتماع البشري، وقد يظهر وريثٌ عادل ومتنوّر، كما يظهر مُنتَخبٌ غير عادل ولا متنوّر· وبين قَدْ و قَدْ، يتكرَّرُ الإحراجُ الفلسفي السياسي لمعرفة ما يحدثُ، وتشخيصه، وتفسيره، على أملِ تطويره أو تغييره لما هو أفضل، أو أنسب للجماعات المدروسة· فدرسُ الجماعات هو جزء من تاريخيّتها، ومن تاريخ امتلاكها واهتلاكها· وبين الامتلاكِ والاهتلاك، تتجدَّد محاولاتُ البشر لإدامة أنفسهم في السلطة، وإنْ كان المورّثون لا يعلمون ما سيفعله الوارثون السياسيّون، ولا يفقهون أيَّانَ انقطع حبلُهم التوريثيّ - فالسابقون هم، بهذا المعنى، لا يعلمون، ولا يستطيعون أنْ يعلموا؛ وهذا ما ظنّ معاصرونا أنَّه يمسُّهم؛ فهم وحدَهم، يواجهون الوارثين، ويُدركون - إن شاؤا وعياً ونُطقاً أو استشهاداً لعصرهم - ما يحلُّ بهم، وما ينتظرهم في منعطفاتِ التصارع على البقاء في المجتمعات ودولها· الأصعبُ هو التفكّر بما يجري؛ والأسهل هو اللهو خارج التاريخ، بلا تاريخ· بهذا المعنى الوارثون، في كل المستويات، همُ من أهل الهمّ التاريخي، وأرقاهُ الهمُّ السياسي؛ إذ كلّهم مسكونٌ بالخوف من البَتْر التاريخي، والهبوط من السلطة إلى المجتمع، ومن الثروة إلى الفقر، أو من المُلك إلى الهُلك· فيما حلمُ المُوروثين معاكسٌ لواقع الوارثين، واتجاهه الصعود، سيزيفياً، من هاوية اللاشيء إلى شيء، ومن قاع الفوضى إلى قمّة النظام أو التنظيم· أما الصخرة السيزيفيّة، وهي من رموز الوراثة المستحيلة إلاَّ لأجلٍ، حدَّاهُ الصراعُ بين الهاوية والقمّة، فهي مشتركة بين الوارثين والموروثين؛ وكلا الطرفين يحافظُ على صخرته (أو لعبته)، ولا يفكِّر بكسرها، للخروج من قولبتها· بهذا المعنى، ألاَّ يحقُّ لنا إكتشافُ الفسادِ الفلسفي في منطق عمليّة التوريث، وضرورة البحث الإنساني عن مبدأ آخر للبقاء، كالمشاركة والمبادلة الحرّة؟
ما هو طبيعي في تاريخ سابق، قد يغدو إشكالياً في تاريخ لاحق· وهذا ما يطبع عصرنا بطابعه: جماهير ملياريّة تملأ كوكبَ الأرض بفوضاها؛ وشركات تملك مليارات المليارات من الدولارات، تحلمُ بامتلاك كل أوكسيجين العالم (أي المال، كما في حكاية مومو)(2) من دون أن تُدرك ماذا ستفعل به؟ وأن تُدرك أنها هي نفسها شركات ذاهبة إلى وارثين أو مالكين آخرين؟ هل انتهت، فعلاً فلسفة التوزيع الدوري لثروات المجتمع، وسلطات الدّول؟ أم أنَّ هذه الفلسفة تَتَقَّمصُ عبر التوريث الآني، لتعبرَه آنياً، ثم تعاودُ ظهورَها، وتختفي، وفقاً لتصارع الأنانية والغيريّة داخل الأفراد والجماعات والأمم؟ هذا ما سنحاول استقصاءَه من خلال خريطة العالم العربي المعاصر·
صفحة 7
خريطتان وأنموذجان
في المجتمع الزراعي - الرّعوي، لا تخفى الصلة العضويّة بين العائلة الأبوية الممتدّة والتوريث بكل أشكاله وموضوعاته· وفي التاريخ السياسي العربي، قبل الإسلام وبعده، كانت القاعدة تقضي بإستمرار العائلة من خلال المُلك أو المُلكية؛ فيما الاستثناء كان الجمهور الذي يُكنّى عنه بالقبيلة أو العشيرة· والحال، نظرياً أمام العائلة الممتدة أنموذجان: إما العائلة المالكة حيث المالكُ يستبطنُ الهالكَ فيه؛ وإما العائلة المُشاركة، حيث المالكُ يدفع هلاكَهُ بالتشارك مع مالكين آخرين· ولئن كان قُصَيّ، جامع العرب، وجد النبيّ، قد أطلق أنموذج العائلة المشاركة، فإن هذا الأنموذج المتجلّي في تشكيلة (حكومة الملأ) المكيَّة، عشية ظهور الإسلام، لم يدم طويلاً في الإسلام الأول، إذ توالى على السلطة خليفتان من خارج سلالة قُصَيّ، هما أبو بكر الصدِّيق وعمر بن الخطاب· ومع عثمان بن عفان، استأنفت سلالةُ قُصيّ حكم العائلة المالكة، ولكن بشورى، تكلّلت بثورة واغتيال؛ فتلاه الهاشمي، علي بن أبي طالب، من سلالة قُصيّ، بعد ثورة وشورى، أنتجتا حروباً واغتيالاً للخليفة نفسه في الكوفة· صفوة القول إن قُريشاً قدمت أربعة خلفاء، إثنان منهم من خارج سلالة قُصيّ، وإثنان من داخلها، أحدهما أموي وثانيهما هاشمي· على مدى العهدين الأموي والعبّاسي ترّسخ أنموذج العائلة العربية المالكة، المُستندة إلى سلالة قُصيّ حتى آخر عباسي في بغداد، وآخر أموي في الأندلس· الثابت هو العائلة المالكة، والمُتغيِّر هو السُّلالة، فيما الجمهورُ الناخبُ هو الاستثناء المُستبعد· وفي السلالات التي حكمت العرب، منذ نهاية العهد العباسي إلى بداية العهد العثماني، تعاقبَ على السلطة، العربيّ وغير العربيّ، شرط أن يكون مسلماً، بلا توصيفات أخرى· والجديد في العهد العثماني هو إقتصار رأس السلطة وحصرها في سُلالة بني عثمان حتى سقوط السلالة في الآستانة، سنة 1924 م· وداخل الخلافة العثمانية، كانت ولاية الولايات مُتاحة للعربي ولغير العربي، وأحياناً للعثماني المسلم وغير المسلم، كما في تجربة جبل لبنان (نظام المتصرفية، من 1816 حتى 1918)· وفجأة، وجد العالم العربي نفسَه، خارج نظام الخلافة الإسلامية (العثمانية)، موزّعاً على إحتلالات وإنتدابات (إنكليزية - فرنسية - إسبانية - إيطاليّة، إلخ)؛ وأمامه أنموذجان: أنموذج النظام الملكي في مصر، منذ عهد محمد علي باشا، الألباني المسلم، والأنموذج الغربي المزدوج (الملكي الإنكليزي، والجمهوري الفرنسي) أو (الملكي الإسباني والجمهوري الإيطالي)· أما العالم العربي نفسه فكان موزعاً على خريطتين: خريطة بلدان محتلّة، وخريطة بلدان محـرَّرة أو تسعى إلى التحرُّر· مما جعل القرن العشرين العربي يجري تحتَ شعار تحرير الأرض و تكوين الدولة المحلية، مع توجّه إيديولوجي عام نحو دولة قومية، عربية تارة وعربية إسلامية أو إسلامية تارةً أخرى·
الواقع أن الأنموذج الملكي (أو الأميري) لا يدخل درسه في نطاق هذا البحث؛ إلاَّ أن المشهد العربي، التوريثي، لن يبدو مفهوماً، إلاَّ بالمقارنة الأوليّة بين الملكي والجمهوري، حيث يتبيّن أن الملكي هو الأغلب في مرحلة، وأن الجمهوري هو الأغلب في مرحلة ثانية؛ وفي مرحلة ثالثة راهنة، أن الجمهوري ينمو من داخله، نحو الوراثي العسكري، حيث يجري الجمع بين العائلة والمؤسسة، كما هو الحال في الأنظمة الملكيّة - الأميرية· فباستثناء فلسطين (حيث فُرضت دولة إسرائيل، أنموذجاً مخالفاً ومعادياً للعرب)، هناك خريطتان لأنموذجين في العالم العربي: خريطة البلدان المستقلّة تدرجيّاً، منذ أربعينات القرن العشرين وحتى آخره، وخريطة البلدان الفاقدة إستقلاليتها تدرجياً، بالحروب والديون الخارجية والتخلف الاقتصادي والتكنولوجي· وبدلاً من تركّز السجال العربي على الاستقلالية والتبعية، سادَ الصّراع بين الملكي والجمهوري، مع توهيم فاسد، قوامه الافتراض: أن الملكي هو المحافظ (الرجعي) التابع، وأن الجمهوري هو التقدّمي (التحرّري) المستقل· وفات الجميع أنَّ الملكي والجمهوري هما شكلان عربيّان لتوريث العائلة السياسيّة، وأن العسكري (أو المؤسسة) يتخفّى وراء هذين الأنموذجين، بغطاء من الصراع العربي ضد الاستعمار والصهيونية، وضد التخلّف والديكتاتورية·
مع الاستقلالات العربية، بعد الحرب العالمية الثانية، نرصد حركتين متقاطعتين:
أ ) حركة من الملكي إلى الجمهوري،
ب) حركة من الجمهوري إلى الملكي،
وعلى إيقاع هاتين الحركتين، يحدث استبعاد الجمهور، أو إلغاء الجماهير العربية، التي هي (وهم) في منظار العائلة المقدسّة عند العرب، المقدّسة بالدّين كسلطة، وبالسلطة كرافعة دينيّة· فما الذي تغيّر في العالم العربي المعاصر على صعيد التوريث السياسي؟
صفحة 8
1· الأنموذج الملكي / الأميري
أ) هو أنموذج عائلي، موجود لدى العرب وغير العرب في العالم· وله خصائصُه في العالم العربي الإسلامي قديماً وحديثاً· فمن جهة نجد الأنموذج العثماني ممتداً في عدّة ممالك عربية (اليمن-مصر)؛ ومن جهة ثانية، نجد الأنموذج الإنكليزي-الإسباني منتشراً في العراق والأردن والمغرب وتونس (نظام البايات) وليبيا· ويبقى الأنموذج الملكي المصري هو الأقدم في العصر الحديث، والجامع بلا انقطاع ما بين النمطين الملكيّين العثماني والإنكليزي؛ فيما الأنموذج العربي السعودي يتكوَّن على خلفيّة سياسية-دينيّة، قوامها تحالف عائلتي سعود والشيخ (أو السعودية والوهابيّة) وأساسها توحيد الجزيرة العربية، والانتقال من البداوة إلى الحضارة (تجربة المستوطنات الزراعية-العسكرية)·
وبما أن الأنموذج الملكي/الأميري وراثيّ بطبيعته، فإنَّ التوريث السياسي فيه هو القاعدة، فيما الاستثناء هو إنتقال الجمهوري إلى التوريث السياسي: أولاً، بظهور أنموذج الحاكم الجمهوري (مدى الحياة) أو (إلى الأبد) - طبعاً أبد الناس، لا (أبد الآبدين)· وعليه، نلحظ ما يلي:
ب) دام النظام الملكي المصري، (مع توسعات: السودان، الجزيرة، بلاد الشام) (ومع تقلصات واحتلالات)، في سُلالة محمد علي باشا (ملوك/خديوات)، حتى الملك فاروق، المخلوع في إنقلاب الضباط الأحرار، المعروف خطأً بإسم (ثورة 23 يوليو 1952)· وفي سياق ذلك النظام، تبرز الثوابت التالية: تواصل العائلة المالكة، مع تعديلات داخل نظام الحكم (أحزاب-حكومات-موالاة ومعارضة) و (إنقلابات عسكرية وثورات وانتفاضات) ونضالات ضد الاحتلال الإنكليزي، على أساس وطنيّة مصر وعروبتها، أو إسلاميتها، حسب الجهة (الثائرة)· إن ديمومة حكم هذه السلالة منذ أيار (مايو) 1805 حتى 23/7/1952، يؤشّر على إحتواء العائلة العسكرية-السياسية المالكة، للجمهور المتغيّر على مدى قرنٍ ونصف القرن تقريباً، وعلى أن تبدّل الظروف المحليّة والإقليمية والدولية، ليس كافياً، بذاته، لتبّدل العائلة الحاكمة - إن لم يحدث تبدّل بنيوي في المجتمع، ولا سيما في مؤسساته الأساسية، كالمؤسسة العسكرية، كما ظهر جلياً في حادثة الانقلاب العسكري· فهل تحوّل الملكي، حقاً، إلى جمهوري في مصر؟ هذا ما سنُجيب عنه في القسم الثاني، من هذا الباب، حين نتصدّى للأنموذج الجمهوري (العسكري والديمقراطي)·
ج ) يمثّل أنموذج المملكة المتوكلية اليمنية المنتهي في انقلاب عسكري (عبد الله السلاّل، 1962) تجربة العائلة الدينية (الإمامية الوراثية) بامتياز: دولة بني زياد، الإمامية الزيدية، الدولة الأيوبية، الدولة الطاهرية؛ كما يمثّل الأنموذج العسكري، بإمتياز أيضاً، حيث السلطةُ الفصلُ للفيصل، أولاً وأخيراً؛ وحيث التغالبُ الخارجي على حُكم اليمن لم ينقطع في كل العهود، قبل الإسلام، وفي الإسلام (الأحباش والفرس؛ والبرتغاليون والعثمانيون، الإنكليز، مصر الناصرية، على خطى مصر محمد علي، سنة 1948)· أما المَلَكية اليمنيّة الحديثة فقد انطلقت من ثورة الزيديين على الأتراك سنة 1892، وبدأ استقلالها منذ 1911، بزعامة الإمام يحي حميد الدين (1904-1948)، المقتول في ثورة 8491، والمخلوف بآخر من سلالته، الإمام أحمد (1948-1962) والإمام البدر الذي قامت ضده الثورة، فامتدَّ سبعَ سنوات الصراع على المُلك بين الملكييّن والجمهوريين (1962-1969)، فيما جنوب اليمن يكافح ضد الاحتلال البريطاني، وينحو منحًى ثورياً، جمهورياً، تكلَّل في 22 أيار (مايو) 1990، بوحدة شطري اليمن، وتخلّل ذلك صراعاتٌ على السلطة، وانقلابات، واغتيالات وحروب، ومحاولا وحدة أو اتحاد عربي· سنعود إلى تناول الظاهرة العسكرية، في العهد الجمهوري·
د ) أما الأنموذج الملكي العراقي، فهو مُستحدث في ظلال الاحتلال الإنكليزي، وأساسه الاعتقاد بحكم العائلة الدينية-السياسية، وحقها في التوارث والتوريث· وقبل التوريث، تواجهنا ظاهرة التأسيس، بدافعٍ خارجي، وفي ظروف الاحتلال الأجنبي، هذه المرّة، بعد تفكيك الغرب (وتوارثه) لتركة الرجل العثماني القتيل، لا المريض، كما يُقال، وحسب! إن تجربة العراق الملكي (را: حنا بطاطو: العراق، 3 أجزاء، مركز الأبحاث العربية، بيروت) هي امتداد لرغبة العائلة الدينية-السياسية في امتلاك السلطة (الشريف حسين في مكة، وولداه فيصل في سورية، حيث أفشله الأنموذج الجمهوري الفرنسي، وأنجحه في العراق الأنموذج الملكي الإنكليزي، وعبد الله في شرق الأردن)· ففي 13/8/1921، تُوِّج فيصل ملكاً على العراق المحتَّل، وبدأت الملكية العراقية بمعاهدة مع الانتداب البريطاني (10/10/1922) الوصي على الملك وعلى مملكته معاً· وتوالت المعاهدات، كما توالت الثورات والانتفاضات المسلحة، بمواجهة المالك والمحتّل البريطاني، ضد التاجين العربي والإنكليزي، وكان الصراع على (نفط العراق) من وراء القَصْد الخارجي· ومع وفاة الملك غازي، سنة 1939، وتمليك إبنه القاصر، فيصل الثاني، بوصاية من خاله الأمير عبد الإله، حتى العام 1953، وبحـدوث ثورة رشيد عالي الكيلاني (1941)· ولم يُدم المُلك الفعلي لفيصل الثاني سوى خمـس سنـوات (1953-1958) تخلّله مشروعٌ إتحاد هاشمي بين العراق والأردن، إنتهى بمقتل فيصل الثاني، وانتقال العراق من الملكية إلى الجمهورية، ولكنْ على إيقاع المؤسسة العسكرية· فلماذا زالت المَلَكيّة في العراق، واستمرّت في الأردن حتى اليوم؟
هـ) لا غرو أن وجود مُنتَدَبٍ واحد على بلدين، كما كان حال العراق والأردن، مع وجود شقيقين من سلالة دينية-سياسية واحدة، لا يكفي لتفسير وفهم إنتقال العراق من الملكية إلى (الجمهورية)، واستمرار الأردن في النظام الملكي, لأطول فترةٍ، على الرغم من كل الصراعات والتحوّلات الجارية في المنطقة، في غياب عامل (النفط) الذي قد يوفّر الاستقرار للعائلة المالكة أو يسهم في تعديلها أو تغييرها· إننا بحاجة إلى فهم التركيبة الاجتماعية للأردن، واستكشاف الأبعاد الشخصية للملك، أو للأسرة المالكة· فهذه الإمارة تحوّلت إلى مملكة، ولم تنقلب إلى جمهورية· لماذا؟ الجواب عند الجمهور الأردني· أمّا ما حدثَ فهو التالي:
صفحة 9
عبد الله بن الشريف حسين بن علي (1882-1951)، تولّى إمارة شرق الأردن، في ظل الإنتداب الإنكليزي على فلسطين والعراق ومعظم شواطئ الخليج، الخ، ما بين 1921 و 1946؛ ثم حوّل الإمارة إلى مملكة (المملكة الأردنية الهاشمية) ما بين 1946 و 1951؛ مواصلاً فلسفة الإنكليز القائمة على استغلال الغريزة الحربية البدوية في خدمة التّاج الهاشمي مع الاستقلال (1946) وُلدت المملكة، ومع مقتل الملك عبد الله (1951) لم تمُتْ المملكة؛ بل إستمر نمط العائلة المالكة·
للإبن البكر مرتبةُ التوارث السياسي؛ فهو الأب الثاني، في ظل الأب؛ والأب الأول المستمر من بعده· أبناء الملك أمراء بالوراثة، وبكرُهم وليَّ عهده· هكذا، خلفَه إبنه البكر الأمير طلال لسنة واحدة، فجرى خلعه عن العرش الملكي سنة 1952، ليخلفه إبنه البكر حسين، بوصاية من خاله الشريف ناصر ورعاية والدته الملكة زين·
الملك حسين بن طلال بن عبد الله (1935-1998)، حكم الأردن على مدى 45 سنة، لم يناظره حاكم عربي آخر في طول ولايته· فهل هذا يعود إلى حسن درايته أم إلى عوامل أخرى؟
الملحوظ أن الملك حسين إعتمد على الغريزة الحربية، فاستعان على المدن بالقبائل، وعلى الأحزاب السياسية بتبديل الوزارات ورؤسائها (أكثر من خمسين حكومة في عهده) كما قارع النوّابَ بالنوّاب وبالأعيان؛ وتحكّم، في قيادة الأسرة المالكة، بوليّ عهده، أخيه الأمير الحسن (1948) وتغييب الأمير محمّد (1945)· وفي تعديل طارئ لمبدأ الوراثة الملكيّة، (دستور 1952) - في نظام نيابي - ملكي - وراثي، عماده (الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية)، استبدل الأمير الحسن، وليّ العهد، بالأمير عبد الله بن الحسين، إبنه البكر·
الملك عبد الله الثاني (1962) تولّى المملكة، مع وليّ عهده، أخيه الأمير حمزة، مما يعني أن التوريث السياسي انحصر في فرع الحسين بن عبد الله، الأول؛ وأن التوريث السياسي المُقبل، لم يعد محدداً وفقاً للنّمط الملكي العربي التقليدي - وهذه ظاهرة إماميّة شيعية، يعرفها المختصّون (حيث إستمرّت إمامةُ علي في ولديه الحسن والحسين، دون محمد بن الحنفية وتعبيرها الكيساني؛ ثمّ إستمرّت في أبناء الحسين، دون أبناء الحَسَن؛ وفي أبناء علي بن الحسين، دون زيد وتعبيرها الزيدي، إلخ)· فهل هذه الظاهرة ذات صلة بالاختلاف الفقهي السني-الشيعي حول توارث السلطة، وفي العمق حول النَّظر إلى الجمهور؟ الجوابُ يخرج عن دائرة البحث، مؤقتاً· لكنَّ العبرة في انقلاب الملكية العراقية جمهوريّة، وفي استمرار المملكة الأردنية وراثية، نجدها في المؤسسة العسكرية، وهذا الدّرس هو الذي استخلصه الجمهوريّون العرب، الذين وصل معظمهم إلى السلطة من موقع عسكري، وفهموا أن الاستمرار في التوريث السياسي الناجح، لا يكون من دون الجيش (حيث تتلازم العروش والجيوش) لكأنَّ الجيش هو الأنموذج الجديد للعائلة العربية، التي تواجه الانتقالَ من الإقطاع الشرقي إلى الإقطاع العسكري، حتى في ظروف العولمة والحديث البليغ عن بيان الديمقراطية و حقوق الإنسان و حق الشعب في تقرير مصيره إلخ· إن البنية الإجتماعيّة هي التي تحدّد المسارَ المتوقَّع لبقاء الحاكم أو تغييره· والبُنية العسكرية التي أنتجها المجتمع العربي، وهو يقارع الاستعمارات والصهونية، مباشرة أو مداورةً، فعلياً أو نظرياً، هي التي تُنتج بدورها، وتُعاود إنتاجَ النمط الوراثي، الملكي أو الجمهوري، مع مفارقات شكليّة في أغلب الأحيان·
في المقابل، نجد ثلاثة أشكال مَلَكيّة، شرقاً وغرباً، يجدرُ بنا تحديد معالمها الكُبرى:
و) الشكل الملكي العربي السعودي:
الدولة السعودية ذات أدوار، أبرزها التحوّل من الإمارة إلى المملكة، ومضمونها الإصلاح الداخلي الديني والسياسي، ومقارعة الغزاة وطرد المحتلين· وكان آخر الإنجازات السعودية مطلع القرن العشرين: طرد الأتراك (1913 م·)، بقيادة الأمير عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود؛ والانتقال من الفوضى القبائلية إلى التنظيم الاجتماعي للقوى المدنية والعسكرية (تجربة الإخوان والمستوطنات)؛ وفرض العدالة الإسلامية· فكان العام 1926 حاسماً في الانتقال من الإمارة أو الإمارات إلى المملكة الموحدّة، بقيادة الملك عبد العزيز، الذي حكم 15 سنة، أميراً (أمير نجد سنة 1902) سلطاناً وملكاً (إذ توفي سنة 1935)، وتوارثه سياسياً أولاده:
- الملك سعود بن عبد العزيز (1953-1964) - الأمير فيصل ولي عهد·
- الملك فيصل بن عبد العزيز (1964-1975) - الأمير خالد وليّ عهد·
- الملك خالد بن عبد العزيز (1975-1982) - الأمير فهد ولي عهد·
- الملك فهد بن عبد العزيز (1982 - ) - الأمير عبد الله ولي عهد·
ممّا يلاحظ أنّ إغتيال الملك فيصل بن عبد العزيز (25/3/1975) لم يؤد إلى أيّ مسّ بجوهر المملكة العربية السعودية التي تعتمد الشريعة الإسلامية دستوراً لها· وأن الحكم غير وراثي وإن كان محصوراً بالعائلة السعودية، ويتمّ اختيار ولي العهد من قبل العائلة المالكة بتأييد من العلماء ومجلس الوزراء· يتمتع مجلس الوزراء بسلطات واسعة للإشراف على الحكومات، على المستوى المحلي والمناطق· (موسوعة السياسة، ج 3، المؤسسة العربية، بيروت، 1983، ص· 193)· يبدو أن عبارة غير وراثي، مأخوذة من الدستور؛ ولكنَّ ما يحدث هو التوريث السياسي البحت، بالاتكّاء على عوامله المساعدة·
صفحة 10
ز) في العهد العثماني وما بعده، شهدت ليبيا احتلالات، وتقاسمات سياسية، وتنظيمات إدارية، تكلّلت في القرن العشرين بالظاهرة السنوسيّة (محمد إدريس السنوسي، أمير برقة؛ والشيخ أحمد الشريف السنوسي، الذي التحق باسطنبول سنة 1915) وبالظاهـرة الجمهوريـة (1918، طرابلس الغرب وعاصمتها غريان)· وفيعام 1922، أقدمت الفاشيّة الإيطاليّة على تهجير إدريس السنوسي إلى مصر؛ فواصلت الجماهير الليبية كفاحها ضد الاستعمار الجديد بقيادة عُمَر المختار(1858-1931) الذي أعدم في 15/9/1931· وعلى غرار (الجزائر الفرنسية)، أعلن موسوليني (ليبيا الإيطالية) في 9/1/1939، حتى انكساره سنة 1943 في الحرب العالمية الثانية· وأصاب ليبيا من الانكليز ما أصاب بلداناً عربية أخرى، فكان الردّ الليبي هو مواصلة النضال في سبيل الاستقلال، الذي جاء في نطاق (المملكة الليبية المتحدة) في 24/12/1951، كمملكة دستورية، يحكمها محمد إدريس السنوسي، الملّقب باسم الملك إدريس الأول؛ ولكنها لم تكن أكثر من قاعدة بريطانيّة محتلّة، ولم تعشْ الملكيَّة الليبيّة أكثر من عهد ملكٍ واحد، أطاح به الضبّاط الأحرار الليبيون في 1/9/1969· وتنازل ولي العهد، حسن الرضا، عن العرش، الذي اعتلته المؤسسة العسكرية بقيادة العقيد معمَّر القذافي·
ح) فهل ثمّة تشابه بين تجربتي ليبيا وتونس؟
في العهد العثماني، قامت تجربة الحكم في تونس على أنموذج الدايات/البايات - وهو اللقب الذي كان يحمله ضبّاط الاحتلال العثماني· ففي سنة 1600، قام الحكم على تحالف الدايات والقراصنة، ثم تلاه حكم الدايات (الضبّاط الأدنى في الجيش) ما بين 1650 و 1883 (وقوع تونس تحت الحماية الفرنسيّة) مع تعهد الاحتلال العسكري الفرنسي بحماية الباي وعائلته· فكان الردّ الشعبي التونسي واحداً ضد الاحتلال والباي معاً، بقيادة الشيخ محمد السنوسي، الذي نفته السلطات الاستعمارية خارج تونس؛ فخلفه في القيادة الشيخ المكّي بن عزوز (من جامعة الزيتونة)، الذي نُفي إلى المشرق العربي، حيث توفيّ· فتابع طريق الجهاد الوطني، الشيخ عبد العزيز الثعالبي، مع مشايخ آخرين· ومنذ 1907، أخذت مقاومة الفرنسيين شكلاً تنظيمياً وطنياً (تونس الفتاة) بقيادة (الثعالبي) و علي باش حانبه و محمد باش حانبه· وما بين 1920 و 1952، شهدت تونس نضالات سياسية وانتفاضية وثورات شعبية، قوامها الإصلاح الاجتماعي - الاقتصادي، والإصلاح الفكري الديني والسياسي· الثعالبي، الذي أسّس الحزب الدستوري نُفي إلى الخارج، فقام فريق من حزبه بتأسيس جريدة العمل التونسي، سنة 1929 باللغة الفرنسية (لأن العربية ممنوعة)· وفي سنة 1933، عقد الحزب الحرّ التونسي مؤتمراً استثنائياً انتخب لجنةً، ما لبثت أن انقسمت وأنتجت (الحزب الحرّ الدستوري) يوم 3/3/1934· فكان مؤتمر قصر الهلال، الذي أنتج حزباً آخر (الحزب الدستوري الجديد) برئاسة الدكتور محمد الماطري، والأمين العام للحزب: الحبيب بو رقيبـة (3091-1987)· وبعد نضالاتٍ مديدة، فاز مرشحو الجبهة الوطنية، الموالون للحزب الدستوري، ورأس الحبيب بورقيبة الحكومة في ظل الملكية· وفي عام 7591، قرّرت الجمعية التأسيسية إلغاء الملكية ومنصب الباي، وأعلنت الجمهورية، برئاسة بورقيبـة (1957-1987) الذي حكم الجمهورية (مدى الحياة)، ولكنّه عُزل، بانقلاب· (كما سنرى في الفصل الثاني من هذا الباب)·
وهكذا، فإن استقلال ليبيا وتونس (1951 و 1957) لم يُفْضِ إلى نظام سياسي واحد (ملكي في ليبيا) و (جمهوري في تونس)؛ ولكنَّ شبكة سياسية وراثية مشتركة، ستظهر بينهما على إيقاع خطابين إيديولوجيّين مختلفين، تجمعهما، في العمق، المؤسسة العسكرية·
ط) في الجزائر، إنتهى حكم الدايات مع الاحتلال الفرنسي سنة 1830، وبدأ حكم الاستيطان؛ ولم تشهد الجزائر المستقلة أي أنموذج ملكي، فالمُلك هنا للمؤسسة العسكرية (جبهة التحرير الوطني وجيشها)؛ أما في المغرب، فالأمر مختلف· لماذا؟ لأن النظام الملكي عميق الجذور في تاريخ تلك البلاد العربيّة، حيث تداخلت الاحتلالات والاستقلالات، وتوالى على المُلك السلاطين والمُلوك (ألقاب السلطان، العاهل، مولاي)، في مواجهة العثمانيين الأتراك والإسبانيّين والفرنسيّين، والبريطانيين، (جبل طارق)· وبالثورات المتعاقبة، أنجز المغرب وحدَته واستقلاليته على مراحل (الأمير عبد الكريم الخطابي، وإبنه محمّد)، مـع إعلان (جمهورية الريف) التي سقطت عسكريـاً في 10/7/1926، فضلاً عـن ثـورات تافيلالـت (1928) ونادلة (1931) ومراكش (1929) وانتفاضة آية يعقوب (1930)، وصولاً إلى كتلة العمل الوطني المغربي سنة 1934، وحزب الحركة القوميـة؛ والحـزب الوطنـي (1937، علاّل الفاسي وإخوانه) الذي تحوّل سنة 1943، إلى حزب الاستقلال وفي خضم النضال الوطني، الذي آزره السلطـان محمّـد الخامس بـن يوسـف (1927-1961)، حقق المغرب استقلاله في 2/3/1956· وبدلاً من النظام الجمهوري، اعتمد المغرب النظام الملكي، حيث صار السلطان، هو المـلك محمد الخامس (1957-1961)؛ ثم تـلاه الحسـن الثانـي (1961-1999)، ومحمد السادس (1999)، مع ولي عهد، وأحزاب متعدّدة، لكن من دون بلوغ حالة الملكيّة الدستورية؛ ومع صراع مفتوح لاستعادة الصحراء وموريتانيا إلى المغرب الكبير·
يبقى أن نشير، قبل الانتقال إلى استطلاع الأنظمة العربية (الجمهورية) (الديمقراطية) المعاصرة، إلى تكوّن سلسلة من الإمارات، الوراثيّة، شبه الملكيّة، في الخليج العربي:
دولة الكويت:
انتقلت من أنموذج الأمير الحاكم (في ظل الحماية الإنكليزية) إلى الدولة/الإمارة، بعد الاستقلال (سنة 1961)، حيث يتولّى السلطة أمير البلاد وولي عهد، مع مجلس شورى ومجلس تشريعي، وحكومة، الخ· المادة الرابعة من دستور الدولة الكويتية، تنصّ على اختيار الأمير، من ذريّة مبارك الصباح، دون أن يكون، بالضرورة، ابن الأمير، وذلك تحاشياً لعيوب النظام الوراثي المباشر (موسوعة السياسية، ج 5، ص· 307)· وتتمثل هذه الذرية في فرعين: السالم و الجابر· ونظام الكويت بين الرئاسي والبرلماني، مع أحزاب·
الإمارات العربية المتحدة:
دولة مستحدثة من 7 إمارات: أبو ظبي، دُبي، الشارقة، رأس الخيمة، الفُجيرة، أم القيوين، عجمان؛ نالت استقلالها، عن الإنكليز، على مراحل؛ وآثرت الانتقال من نظام (المشيخات) إلى نظام الإمارات المتحدّة (الإمارات المتصالحة السَّبْع)· ولدت في 1/12/1971، فتولّى حكمها، الشيخ زايد بن نهيان (حاكم أبو ظبي) المنتخب رئيساً للاتحاد، مع نائبه، أمير دُبي، الشيخ راشد بن سعيد المكتوم· يدير الدولة مجلس أعلى (قوامُه حكام الإمارات السبع)، فينتخب الرئيس ونائب الرئيس من بينهم؛ ورئيس الاتحاد يعيّن رئيس الوزارة والوزراء؛ ويعاونه المجلس الوطني الاتحادي، بصفة استشارية، وهو يضمّ 40 عضواً، يعينهم الأمراء لعامين· هذه التجربة مستمرّة بنجاح واستقرار· ودولة الإمارات عضو، في مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب المملكة العربية السعودية، والكويت، وعُمان وقطر والبحرين؛ المستمر في عمله منذ تأسيسه في شباط (فبراير) 1981·