صفحة 1
مقدمة
يأتي صدور هذا الكتاب بعد أن كانت سياسة التهجير الترانسفير التي يدعو الإسرائيليون لها خجولة وغير معلنة، إلى أن أخذت منحى جديدا وعلنيا وشبه رسمي في السنوات الأخيرة، فبينما تنادي شريحة سياسية إسرائيلية بضرورة الانفصال عن الفلسطينيين، بإقامة دولتهم المستقلة، للتخلص من الكثافة السكانية العربية، والمحافظة على الطابع العبري للدولة اليهودية، فإن شريحة أخرى ترفض هذا المنطق، وترى بأن الحل يأتي عن طريق تهجير العرب للخارج، وزيادة هجرة يهود العالم إلى إسرائيل، وقد أخذ بعض الوزراء يطلقون الدعوة إلى تهجير الفلسطينيين علنا، ودون رتوش·
في دراسة لباحث إسرائيلي في جامعة حيفا، حول الموضوع الديموغرافي الذي أخذ يقلق مستقبل الدولة اليهودية، خرج بنتيجة أنه في عام 0 2 0 2، سيصل عدد اليهود والعرب في أرض فلسطين التاريخية، إلى ما يزيد عن 51 مليون نسمة، سيشكل العرب 65% في داخل الخط الأخضر إضافة إلى الضفة والقطاع، بينما يشكل اليهود 44% أي أقلية، ولذلك فإنه يحذر من هذا الخطر، ويدعو إلى الاستعجال في استخلاص النتائج·
لقد صدق الزميل جهاد الرنتيسي واضع هذا الكتاب في وقت نحن بأمس الحاجة لإثارة هذا الموضوع، بأن فكرة الترانسفير هي فكرة قديمة، قدم الحركة الصهيونية التي رفعت شعار شعب بلا أرض، لأرض بلا شعب، وهذه كذبة كبرى يدحضها الواقع، فالمحاولات الصهيونية عملت على تهجير الشعب الفلسطيني إلى الخارج منذ الثلاثينات، كما أن اجتماع القادة الصهاينة مع سفير الاتحاد السوفييتي في لندن عام 4 4 9 1، ومطالبته بالعمل على تهجير الفلسطينيين إلى العراق، والذي استغرب هذا الطلب، رغم تعاطف السوفييت في حينه مع المشروع الصهيوني، يؤكد عروبة فلسطين، وأنها لم تكن أرضا بلا شعب، بل إن الشعب العربي-الفلسطيني، تراثه وحضارته وثوراته ضد المخططات الصهيونية أكبر دليل على كذب هذا الشعار·
بعد إقامة إسرائيل عام 8 4 9 1، شكلت الحكومة الإسرائيلية لجنة خاصة لطرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين إلى الخارج وقد نجحت في ذلك، لكنها زعمت أن الفلسطينيين هاجروا بمحض إرادتهم، وتكرر المشهد عام 7 6 9 1، وكانت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، تنفي سياسة التهجير بينما اليوم يقولونها علنا، وهذا دليل آخر على مسؤولية إسرائيل عن قضية اللاجئين وتهجيرهم، ولنفترض أنهم هاجروا نتيجة الحرب، فإن القانون الدولي يلزم إسرائيل بحق عودة من يريد منهم العودة، وقد أكدت الأمم المتحدة حق عودتهم·
وتدرك المملكة الاردنية الهاشمية جيدا النوايا الإسرائيلية، والمحاولات الدؤوبة لتهجير الفلسطينيين الى اراضيها واعتبار الصهاينة أن الأردن هو الدولة الفلسطينية رغم أن من أهم ما حققته معاهدة السلام الأردنية-الإسرائيلية هو ترسيم الحدود، والتخلص من المخططات الإسرائيلية المبيتة بهذا الصدد، ومع ذلك يرفض شارون الإعلان رسميا -على أثر تصريحات عدد من وزرائه بشأن استغلال الحرب الأمريكية على العراق، لتهجير أكبر عدد من الفلسطينيين إلى الأردن- عن استنكاره لهذه التصريحات والتعهد بأن إسرائيل لن تقوم بعملية تهجير إلى الأردن، مما يؤكد أن النوايا الإسرائيلية لم تتغير·
نعود ونكرر أن الكتاب مهم، ولكن هل سيجد آذانا صاغية من قبل أصحاب القرار العرب؟!
غازي السعدي
صفحة 2
شبح الترانسفير
يقترن الحديث عن الترانسفير مع الحساسية التي يثيرها في الشارع السياسي الاردني بمختلف تلاوينه ومكوناته واصول ناشطيه ومنابتهم·
فقد جرت العادة ان تلتقي خطوط الطول والعرض في المشهد السياسي الاردني عند رفض ترحيل الفلسطينيين الى الاردن دون ان يخلو جوهر هذا الموقف من حسابات داخلية·
وفي هذا السياق يشعر ذوو الاصول الشرق اردنية- اذا صح التعبير- بأن التغيير الديموغرافي الذي سيحدثه ترحيل الفلسطينيين بأعداد كبيرة الى الاردن سيحول الاردنيين الى اقليات في بلادهم، وتعبر النخب- الشرق اردنية- عن مخاوفها بالتحذير مما تصفه بذوبان الهوية الاردنية·
وغالبا ما يكون هذا الخطاب مشوبا بالتشكيك في ولاء الاردنيين من اصول فلسطينية لانتمائهم الاردني·
وقد يكون هذا التشكيك سببا في تكريس ازدواجية خطاب الاردنيين من اصول فلسطينية ، فهم يرفضون الشبهات المثارة حول اردنيتهم ومحاولات التقليل من دورهم في بناء المملكة في الوقت الذي يتعاملون مع احتمالات الترانسفير باعتبارها بداية النهاية لحلم الدولة الفلسطينية·
ورغم غياب تصورات العلاقة مع الدولة الحلم عن الخيال السياسي للاردنيين من اصول فلسطينية بقوا اكثر قربا الى فصائل العمل الوطني الفلسطيني·
ويأخذ القلق شكلا اخر لدى صانع القرار الاردني حيث يعني الترانسفير ادخال تغييرات على نظام الحكم تتناسب مع زيادة عدد الفلسطينيين الناجمة عن عمليات التهجير·
ولا يوجد سقف محدد لمثل هذه التغييرات الامر الذي يبقيها مفتوحة على احتمالات الوطن البديل التي تتجاوز توسيع دور الاردنيين من اصول فلسطينية في ادارة المملكة لتأخذ منحى المساس بالمرتكزات الاساسية لنظام الحكم·
وبفوز اريئيل شارون برئاسة وزراء اسرائيل بدأت غيوم الترانسفير تتجمع في الفضاء السياسي الاردني لتصل ذروتها مع استعدادات الادارة الاميركية لحرب تغيير النظام العراقي·
صفحة 3
ويعد هذا التطور نقطة تحول نحو مواجهة الترحيل الجماعي وتداعياته على الخارطة الديموغرافية والسياسية الاردنية بعد ان قطع صانع القرار الاردني شوطا واسعا في تطبيع فكرة توطين اللاجئين الفلسطينيين الذين حصلوا على الحق القانوني في المواطنة·
واخذ التعبير الرسمي الاردني عن قلق الترانسفير طابع رد الفعل على تطورات اقليمية حينا وتهدئة الجدل الداخلي احيانا·
فقد اعلن الملك عبدالله الثاني لدى اجتياح قوات الاحتلال مناطق السلطة الفلسطينية ان لدى الجيش الاردني خطة انتشار جاهزة على طول الحدود لمنع اي محاولة اسرائيلية لترحيل الفلسطينيين الى شرق النهر بالقوة الامر الذي اعتبرته الاوساط السياسية الاردنية رسالة حازمة الى اسرائيل لا تقبل النقاش(1)···
ومع تسارع الاستعدادات الاميركية لضرب العراق قال وزير الخارجية الاردني مروان المعشر لانريد ان نواجه موقفا قد تستغل فيه اسرائيل الحرب ضد العراق من اجل ابعاد فلسطينيين الى الاردن موضحا انه في الوقت الذي اكد الاسرائيليون لنا بصورة غير معلنة ان ذلك يتناقض مع سياساتهم الا اننا لم نلحظ بعد اي تصريح علني لمسؤول اسرائيلي يؤكد فيه ان الابعاد يتناقض مع السياسات الاسرائيلية(2) ···
واثارت تصريحات المعشر في ذلك الحين تساؤلات الاوساط السياسية الاردنية حول طبيعة التطمينات الاسرائيلية التي بقيت دون وضع حد للقلق الرسمي الاردني·
وساعد تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية التابع للجامعة الاردنية على وضع حد لهذه التساؤلات·
فمن بين الاستنتاجات التي خرج بها واضعوه- بعد قيامهم بزيارة الولايات المتحدة ولقائهم صانعي القرار هناك- ان رسائل اميركية واضحة تم ايصالها لاسرائيل تحذر من مغبة التفكير في تغيير المعادلات على الارض، واستغلال اجواء الحرب مع العراق اذا وقعت، والاقدام على ارتكاب مغامرات عسكرية من شأنها المس باستقرار الاردن واشاروا الى ان الادارة الاميركية نقلت للاسرائيليين مخاوف القيادة والرأي العام،من اية محاولة لتهجير الفلسطينيين جماعيا مع تأكيدات على التزام الادارة الاميركية بموقف الاردن من هذه القضية(3)·
والواضح من خلال الاداء السياسي الاردني في ذلك الوقت ان عدم جدوى الرسائل الاميركية في تهدئة المخاوف يعود لعدة اسباب من بينها:
-المتغيرات التي دخلت على السياسة الاميركية بعد 11 ايلول·
-المنعطف الحاد الذي تقف امامه المنطقة العربية ، وينذر بتحولات تطال حدود وسيادة الدول واوضاعها الداخلية·
صفحة 4
-عدم المراهنة على تجاوب شارون مع الرسائل الاميركية·
ولذلك بدت الاجراءات التي اتخذها الاردن على الجسور والمعابر للحد من تدفق الفلسطينيين اقرب ما تكون الى معالجة السرطان بحبة اسبرين·
ففي مطلع حزيران عام 2 0 0 2 سلطت وسائل الاعلام العربية والعالمية الضوء على شكل جديد من المعاناة الفلسطينية·
وتتمثل هذه المعاناة في اضطرار الفلسطينيين المكوث عدة ايام في استراحة بلدية اريحا قبل تمكنهم من عبور جسر الملك حسين الى الاراضي الاردنية·
وقطع معظم المنتظرين طرقا وعرة في ساعات رفع حظر التجول المفروض على المدن والقرى الفلسطينية ودفع البعض اخر ما تبقى في جيبه من سيولة للوصول الى المعبر الذي يربط ضفتي نهر الاردن·
وضمت جموع المنتظرين التي قدرت بالالاف في بعض الاحيان اطفالاً رضعاً وشيوخا ونساء ومرضى يبحثون عن العلاج وطلبة يرغبون في الالتحاق بجامعاتهم·
وحمّلت التقارير التي تناولت هذه المعاناة السلطات الاردنية مسؤولية ما يواجهه الفلسطينيون دون التفات الى الاسباب التي دفعتها لخفض عدد الفلسطينيين المسموح لهم بدخول الاردن من الاراضي الفلسطينية الى 0 5 1 مسافرا يوميا·
ومع تحول الانتظار الصعب في استراحة اريحا الى مادة اعلامية تتناقلها الفضائيات وجدت الحكومة الاردنية نفسها في وضع لا تحسد عليه·
فهي غير قادرة على التراجع عن اجراءاتها الاحترازية التي منحتها بعض الشعبية في الشارع الاردني ولا تستطيع في المقابل تحمل التبعات الاخلاقية لزيادة معاناة الشعب الفلسطيني·
ولتجاوز هذا المأزق قام وزير الداخلية الاردني قفطان المجالي بزيارة الجانب الاردني من جسر الملك حسين حيث اتخذ قرارا بـ حل اللجنة الامنية التي كانت تشرف على دخول الفلسطينيين(4) واكد حرص الاردن على اتباع سياسة الجسور المفتوحة·
والواضح ان المأزق لم يكن اردنيا وحسب ،فمن ناحيتها قامت السلطة الفلسطينية ببعض المساعي للتخفيف من معاناة المسافرين، والحد من اتهامات التقصير وعدم الفاعلية التي تواجهها في الشارع الفلسطيني·
صفحة 5
واعلن وزير الشؤون المدنية الفلسطيني جميل الطريفي بعد محادثات مع المجالي عن اجراءات لتسهيل عبور الفلسطينيين·
الا ان الاجراء العملي الوحيد الذي اتخذ بعد الزوبعة التي اثيرت حول هذا الملف ومحادثات الطريفي والمجالي لم يتعد اتخاذ السلطات الاردنية قرارا يشترط حصول الفلسطيني على دعوة من اقارب او معارف في الاردن تتعهد بعودته الى الاراضي الفلسطينية لكي يعبر الجانب الاردني من جسر الملك حسين·
وتراجعت السلطات الاردنية عمليا عن قرارها بعد شهرين ونصف من صدوره حيث اوقفت اصدار تصاريح عدم الممانعة(5) خشية عدم تمكن الفلسطينيين من العودة في حال توجيه ضربة اميركية للعراق واغلاق الحدود بين الاردن واسرائيل·
وجرى استثناء الطلبة والمرضى من القرار الذي ترافق مع تحول الانظار عن العدوان الاسرائيلي المتزايد على الشعب الفلسطيني لتتجه نحو تطورات الملف العراقي·
وفي موازاة الاجراءات الحكومية شهد الشارع السياسي الاردني جدلاً حول الترانسفير اخذ طابع الفرز الاقليمي حينا وتضمن انتقادات حادة للحكومة في بعض الاحيان·
وسرعان ما انتقل هذا الفرز الى صفحات الصحف مما زاد من حدته وانتشاره·
فلم يتوان فهد الفانك الكاتب في صحيفة الرأي عن التشكيك في ارقام احصائيات القادمين والمغادرين عبر الجسور·
وكتب في زاويته اليومية ليس صحيحا ان هناك توازنا بين القادمين والمغادرين على الجسور، وهذا الادعاء يهدف لانكار المشكلة وتمريرها بهدوء ليصل الى انه اذا لم نكن حريصين على بقاء الضفة الغربية فلسطينية فلا اقل من الحرص على ابقاء الاردن اردنياً واستند في تحذيراته الى ان الارض المحتلة منطقة طاردة للسكان ولن يمر وقت طويل حتى تصبح اغلبية سكان الضفة الغربية من المستوطنين اليهود وسكان الاردن من اللاجئين والنازحين وتتحقق دولة الفلسطينيين خارج فلسطين كما يخطط شارون وينفذ(6)·
وربما كان الكاتب ناهض حتر الذي لا يختلف في توجهاته حيال هذا الملف مع الفانك اكثر وضوحا في التعبير عن وجهة نظره حين رأى ان الحل هو الجرأة على اغلاق الجسور ·· ونهائياً الى ان تنشأ الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة واصفاً دعوات بعض الهيئات الشعبية الاردنية لانهاء الانتظار الصعب في استراحة اريحا بأنها مشبوهة مهما زينت سمومها بالاعتبارات الانسانية والقومية الزائفة(7)·
وانتقد فهد خيطان ارتباك المسؤولين الاردنيين في مواجهة الضغوط السياسية والحملة الاعلامية التي حملت الاردن مسؤولية المعاناة الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون في اريحا···(8)·
صفحة 6
ورد الكاتب والمحلل السياسي عريب الرنتاوي على هذه التحذيرات بالتقليل من احتمالات ترحيل الفلسطينيين الى الاردن متهما مطلقي التحذيرات بأنهم في الاصل والمنشأ من دعاة نسف جسور التعايش والاندماج والوحدة الوطنية تحت شتى الحجج والذرائع وتوقف عند دعوات الترانسفير معكوسا التي تتضمن نزع الحقوق السياسية من المواطنين ذوي الاصول الفلسطينية مشيرا الى خطاب التهديد والوعيد واستخدام لغة مليشياوية وانعزالية(9)·
ولم يبدد الذهول الذي رافق سقوط المدن العراقية في ايدي القوات الاميركية والبريطانية قلق الشارع الاردني من حدوث الترانسفير·
فقد تضمنت مذكرة وجهتها 99 شخصية اردنية الى الملك عبد الله الثاني قبل ايام من انهيار النظام في بغداد تحذيرات واضحة من اقامة الوطن البديل·
وما كان القلق الاردني من شبح الترانسفير يصل الى حد التوتر الداخلي لولا سيناريوهات الترحيل الجماعي التي جرى تداولها على نطاق واسع·
ففي اواخر ايلول 2 0 0 2 نشر نحو مائة اكاديمي اسرائيلي تحذيرا في صحيفة الغارديان البريطانية اكدوا فيه مخاوفهم من قيام الائتلاف الحكومي الذي يقوده شارون بترحيل الفلسطينيين بالقوة لحل المشكلة الديموغرافية·
ودعا هؤلاء الاكاديميون في تحذيرهم الذي اعاد نشره موقع يديعوت احرنوت على الانترنت المجتمع الدولي للعمل على منع الترانسفير·
ولا شك ان هذا التحذير جاء نتيجة لجدل اسرائيلي حول امكانية حدوث الترحيل الجماعي بأقل التكاليف حيث عبر المحلل الاسرائيلي مارتن كريفيلد خلال وجوده في واشنطن عن اعتقاده بأن عملية ترحيل الفلسطينيين لا تحتاج الى جهد عسكري خاص ولكنها تحتاج الى غطاء كثيف من الدخان يحول دون ان يتابعها العالم ويتدخل لمنعها، وقدر الفترة الزمنية التي يمكن ان يستغرقها بثمانية ايام·
ووضع كريفلد سيناريو للترحيل يقضي بنشر خمس فرق على الحدود مع مصر، وثلاث فرق على الحدود السورية، وثلاث فرق على الحدود الاردنية وواحدة على الحدود مع لبنان·
صفحة 7
ويرى بأن ارغام الفلسطينيين على الرحيل لن يحتاج لأكثر من نصب وحدات المدفعية الثقيلة خارج التجمعات السكانية في الضفة وبدء قصف هذه التجمعات على فترات متقطعة لفتح المجال امام هرب السكان، مع وضع جسور عائمة فوق نهر الاردن لتسهل لهم الانتقال الى الضفة الشرقية(10)·
وترافق تبشير كريفلد بهذا السيناريو مع مناقشة زعيم حزب موليدت الاسرائيلي بني ايلون ومسؤولين اميركيين مخططا لالغاء اتفاق اوسلو وتهجير الفلسطينيين·
واعلن ايلون خلال زيارته لواشنطن حصوله على تأييد شامل للمرحلة الاولى من خطته التي تتألف من سبعة اجزاء وتقضي بـاقامة دولة اردنية- فلسطينية تكون عمان عاصمة لها، وترحيل الفلسطينيين تدريجياً الى الضفة الشرقية لنهر الاردن(11)·
وعلى الارجح ان المتطرف ايلون لم يكن يبالغ عند حديثه عن النجاحات التي حققها خلال تسويقه لخطته في واشنطن فمعظم المؤشرات كانت تفيد بأن افكاره قابلة للنمو في التربة السياسية الاميركية·
ومن بين هذه المؤشرات التصريحات التي أدلى بها زعيم الجمهوريين في مجلس النواب الاميركي ديك آرمي قبيل وصول بني ايلون الى واشنطن والتي دعا فيها بشكل واضح الى ترحيل الفلسطينيين مشيراً الى انه يعتبر الضفة الغربية ارضاً اسرائيلية يحق للشعب اليهودي الدفاع عن نفسه وعن وجوده فيها مؤكدا انه يشعر برضى كامل لاستمرار اسرائيل في احتلال تلك الاراضي ومطالباً الدول العربية بتقديم بعض اراضيها لتوطين الفلسطينيين·
وفي رده على استفسارات اكد آرمي ان ما يطرحه لا يتعارض مع اراء الرئيس بوش ومواقفه(12)·
وتتزايد مبررات القلق الاردني عند الالتفات الى آلية صناعة القرار الاسرائيلي، وتركيبة الائتلاف الحكومي الذي يقوده شارون، وخلفيات اطرافه التي تنطوي على مؤشرات تؤكد ثبات فكرة الترحيل في السياسة الاسرائيلية ومحاولات تطبيقها بأساليب شتى سواء كان بالتفاوض او الاكراه مما يؤكد حقيقة ان هذه الفكرة جزء اساسي من المنطق الادراكي الصهيوني الامر الذي يرى فيه د· عبد الوهاب المسيري امراً طبيعياً، لا سيما وان المجتمع الاسرائيلي يتصف بأنه مجتمع استيطاني احلالي يستند الى شعار ارض بلا شعب لشعب بلا ارض···(13)·
صفحة 8
ويعتبر المسيري تصعيد جرائم الاحتلال في الاراضي الفلسطينية جزءاً من خطة حل المشكلة الديموغرافية الصهيونية·
ولا يغيب عن متابعي المشهد السياسي الاسرائيلي ان شارون تولى الترويج لفكرة ان للفلسطينيين موطناً هو المملكة الاردنية الهاشمية عندما كان وزيراً للدفاع في حكومة مناحيم بيغن الثانية مستندا الى طرح جولدا مائير خلال رئاستها للحكومة ان لدى الفلسطينيين دولة هي الاردن على كل حال ·· وحينما كان وزيرا للصناعة والتجارة في حكومة شامير دعا شارون الى الكف عن التكلم حول الترحيل والانتقال بدلا من ذلك الى وضعه موضع التنفيذ(14)··
وخلال اجتياح الجيش الاسرائيلي لبيروت عام 2 8 9 1 كانت خطة شارون ترحيل الفلسطينيين من لبنان الى الاردن(15)·
ورغم محاولاته اخفاء طريقة تفكيره حيال هذه المسألة مراعاة لموقعه بعد توليه رئاسة الوزراء لم يترك شارون فرصة للايحاء بأنه متمسك بافكاره القديمة·
ففي رده على سؤال حول نواياه طرحته عليه صحيفة هآرتس قال شارون انه لم يغير وجهة نظره·
وفي خطاب القاه خلال الجلسة الخاصة التي عقدها الكنيست حدادا على الوزير رحبعام زئيفي- الذي اغتالته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ردا على اغتيال امينها العام ابو علي مصطفى- قال شارون ان زئيفي كان المكمل الحقيقي لطريق زعماء الحركة العمالية، الامر الذي اعتبره استاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا ايلان بابيه اشارة الى فكرة الترانسفير التي تبناها وآمن بها زئيفي وشكلت محور برنامج حزبه موليدت(16)·
ويذهب بني ايلون الذي خلف زئيفي في زعامة موليدت الى ان التسوية المؤلمة عندي هي انني اعترف بحقيقة وجود دولة فلسطينية- اردنية شرقي النهر مشيرا الى ان 75 في المائة من سكان الاردن فلسطينيون وانه مستعد للتوصل الى تسوية معهم داعيا الى ايجاد اجواء دولية لتمرير الترانسفير(17)···
وتشير نشرة دعائية وزعها موليدت الى ان الترانسفير بديل اتفاق اوسلو حين يصل انصار ارض اسرائيل الى السلطة·
ولا يوجد في النشرة ما يوضح المقصود بالوصول الى السلطة، فقد كان زئيفي وزيرا للسياحة قبل مقتله، وتولى ايلون الحقيبة الوزارية من بعده، ثم استقال احتجاجا على صفقة اعتقال نشطاء الجبهة الشعبية المتهمين بتنفيذ عملية اغتيال سلفه·
صفحة 9
ويوحي بقاء موليدت في الحكومة بعيد مقتل زئيفي وانسحابه منها في اعقاب صفقة اعتقال منفذي العملية بان مسألة ترحيل الفلسطينيين لم تكن نقطة خلاف بين موليدت والليكود·
ومع نهاية حرب اسقاط نظام صدام حسين عاد ايلون الى الولايات المتحدة لاقناع الادارة الاميركية والكونغرس بتبني افكاره بدلا من خطة خارطة الطريق التي اعلنتها واشنطن لحل القضية الفلسطينية·
وتضمنت الافكار التي سعى ايلون لتسويقها توفير الاموال اللازمة لبناء مناطق سكنية في الاردن لاسكان اللاجئين الذين سينقلون اليه·
وقابلت الحكومة الاردنية مسعى ايلون الذي عاد لتولي حقيبة السياحة في حكومة شارون بقدر كبير من الاستخفاف واللامبالاة·
فمن خلال التصريحات التي اطلقها وزير الدولة للشؤون الخارجية الاردني شاهر باك في تلك الفترة عبر عن قناعة القيادة الاردنية بان افكار المتطرفين لم ولن تلقى اذانا صاغية في الولايات المتحدة مشيرا الى ان ما يطرحه ايلون لا يعبر عن موقف الحكومة الاسرائيلية
وعكست لهجة الوزير شاهر باك اجواء ثقة لم تكن متوفرة في الخطاب السياسي الاردني عشية بدء حرب العراق·
وتغيب الفواصل بين اليمين واليسار احيانا حين يتعلق الامر بالترانسفير، ففي رده على سؤال خلال مقابلة صحفية يقول الكاتب أ· ب يهوشواع كرجل من اليسار اقول: سنعمل ضد الفلسطينيين بصورة حاسمة وقوية جدا، وسنخليهم من هنا اذا جاء اليوم الذي انتهكوا فيه الاتفاقيات التي ابرمناها معهم ويضيف قائلا سنأخذهم وننقلهم الى وراء الاردن بصورة منظمة ·· وليستقروا هناك(18)···
ويعد خطاب يهوشواع احد اشكال التعبير عن الهزيمة التي لحقت باليسار الاسرائيلي منذ وصول شارون الى السلطة وتصاعد العنف في الاراضي الفلسطينية·
ولا يوجد ما يوحي بقرب حدوث تغيير داخلي في المجتمع الاسرائيلي ينعكس بشكل ايجابي على معادلة الصراع·
ويستند هذا الاعتقاد الى التحول الذي طرأ على علاقة الولايات المتحدة باسرائيل منذ تولي جورج بوش الحكم·
صفحة 10
وعند وصفه لهذه العلاقة يشير عضو الكنيست د· عزمي بشارة الى ان التحالف الاميركي مع اليمين الاسرائيلي وليس مع اسرائيل يحدث بهذه القوة لاول مرة ليصل الى ان مثل هذا التحالف يؤدي الى شلل اليسار الاسرائيلي وحركة السلام(19)···
وساهم الشكل الجديد للعلاقة في ايصال شارون حد الجزم بان اللحظة التاريخية قد حانت لتغيير الشرق الاوسط بما يضمن فرض نظام اقليمي يعطي اسرائيل دورا اكبر في النظام الكوني الذي لم يصل الى شكله النهائي بعد·
ولا شك ان مثل هذا التحالف لعب دورا في وصول شارون الى حد تجاهل اتفاق اوسلو والحاق الدمار بمؤسسات السلطة الفلسطينية·
ومثل هذه النتائج تضع المعاهدة الاردنية- الاسرائيلية في دائرة احتمالات الالغاء او التعديل·
واول ما يتبادر لذهن صانع القرار الاردني عند الحديث عن احتمالات الغاء المعاهدة ترحيل الفلسطينيين الى الاردن·
ورغم قلة خروج الحديث حول احتمالات الغاء المعاهدة الى العلن، حظي بهامش واسع من اهتمام الاوساط السياسية الاردنية، التي تحرص على خفض صوتها قدر المستطاع لدى الخوض فيه·
واللافت للنظر ان مخاوف الترانسفير لم تقتصر على الاردنيين، ففي مقابلة صحفية قال امين عام الجامعة العربية عمرو موسى يمكن لاسرائيل ان تنتهز الفرصة وفي غمرة الضجة الكبرى الناجمة عن الحرب مع العراق لطرد الفلسطينيين الى اي مكان وخصوصا الاردن وبالتالي تطبق الترانسفير، انا ارى ان شارون سيعمل على تنفيذ خططه الخاصة بالتهجير، والمؤسسة السياسية والعسكرية الاسرائيلية ستعمل ايضا على تحقيق ذلك مشيرا الى ان الاردن مهدد في كل الاحوال(20) ···
وفي اعقاب هذه التصريحات نقل وزير التخطيط والتعاون الدولي الفلسطيني نبيل شعث الى عدد من العواصم الاوروبية مخاوف الفلسطينيين من استغلال شارون فرصة حرب العراق لتنفيذ خطة الترانسفير·
والواضح ان الشكل الترويعي الذي اتخذته حرب شارون ضد الفلسطينيين في الضفة والقطاع بعد مجزرة حي الدرج في غزة كرس لدى القيادة الفلسطينية القناعة بان الاحداث اخذت منحى التمهيد لطرد الفلسطينيين·