eKtab
EN ع
التربية المعرفية وأخلاقيات شكلانية الفنون الجميلة
اقرأ عينة مجانية

التربية المعرفية وأخلاقيات شكلانية الفنون الجميلة

بقلم د. كريم حميدي الربيعي

صفحة 1

الإهداء

إلى كل من يلتحفون الجمال

لتدفئة أذواقهم

صفحة 2

المقدمة

يعتبر موضوعنا من المواضيع التي ترتقي إل أن نتعامل معها بجدية ومسؤولية أخلاقية مهنية عالية الفهم والإدراك، كون التربية المعرفية قد أخذت الكثير من البحث والدراسة، وأخذت طرائق متعددة في التمحيص والتعديل والإبدال، وتم تدارك دائماً اكتشاف الخلل ومحاولته معالجته بأفضل الوسائل والإمكانات المتاح، وفق منظور زمنها وعلومها وطرائقها البحثية، كذلك موضوعة الفنون الجميلة، هي أيضاً أخذت نصيباً من الجهد البحثي الجاد والمتعمق أحياناً... ولكن الواضح من خلال المتابعة الدائمة أن الكثير من هذه الدراسات لم تزاوج ما بين التربية المعرفية والفنون بشكل يعمق ويحبب ويوضح الفكرتين معاً لدى النشء المهتم بجمع الفكرتين "التربية المعرفية والفنون الجميلة"، ولم يُبحث فيهما بشكل يعلّمنا كيفية فعل ذلك التجانس ما بين الاختصاصين، وغالباً ما كان الفصل بينهما... ولا يمكن اعتبار تجاور فروعها من الأهمية أو الإفادة منها بشيء، ليفيد الأجيال "الطفولة- الشباب"، وحتى مع الذين يحملون نضجاً عقلياً وعمرياً منهم، وغالباً ما نلاحظ ذلك النفور ما بين الاثنين، من خلال رجالات هذه التخصصات، ولكن يحدث ذلك من ذوي الاهتمامات المتباعدة لكل اختصاص منها (وهم المحسوبون خطاءً على الفن والتربية).

ونجد في هذه الدراسة محاولة التقريب بين التربية المعرفية والفنون الجميلة، وفق أسس البناء المعرفي الذي هو الأساس الذي يؤطر للقارئ المتخصص سلوكاً ومنهجاً معرفياً تثقيفياً توعوياً ممنهجاً عالٍ وجادٍ في الحرص والاهتمام...

كذلك من يطلع على هذه الدراسة سوف تتعمق لديه الرؤية الواضحة في تمتين العلاقة ما بين التربية والفنون، وبالرغم من وجود بعض الدراسات المتقاربة نوعاً ما، لكنها لا ترتقي بأن تكون مباشرة في توضيح فكرة الإشكاليات ما بين الاختصاصين، وستكون نتائجها كمنهاج عمل لرجال التربية والفنون معاً في إدامة التلاقح المعرفي والإبداعي لتطوير الإمكانيات جميعها، ولتشجيع الآخرين في احترام المهنة والدفاع عنها بشكل جاد وعلمي وعملي معاً من حاول ويحاول أن يوسع الفجوة بينهما...

أن تدخل فلسفة التربية وفلسفة الفنون وإشكالياتها سوف نتعرف عليها وفق معايير البناء المعرفي للمجتمعات، وكيفية تدوير هذه المعايير التي تثبتت في عقول وثقافات أفرادها، حتى نتمكن وفق أسس انتقاءها وبناءها وبلوغها إلى تمتين الصلة وتعليم الأجيال الجديدة وإفهامها بأهمية تلاقح فنون التربية وتربية الفنون معاً...

صفحة 3

مفاهيم التربية المعرفية...وكيفية نشوءها

لقد دأب رجال التربية ورجال الفنون دائماً على تكوين أسس واضحة ومهمة للعملية التربوية والفنية وغايتها الأساسية بناء الإنسان الحر على أسس علمية منهجية تفيده في حل مشاكله الحياتية اليومية بأقل الجهود وأقصر الطرق وأفضل الحلول، ومن هذا النهج تعددت الأساليب وتنوعت واختلفت الرؤى في الكيفية المثلى للوصول إلى ذلك الهدف لبناء الإنسان (الفرد) هذا، وهذه التعدديات والاختلافات ما هي إلا نتيجة حتمية وطبيعية في تضادها، بسبب أن هذا الإنسان (التربوي- الفنان) يعتبر أصعب مخلوق من حيث الترويض والبناء لامتلاكه المشاعر والأحاسيس والميول والاتجاهات وملكات الإبداع التي تجره بدورها على أن لا بد له من اتخاذ (موقفاً) تجاه ما يدور حوله من قضايا تمس حياته بصورتها المباشرة وغير المباشرة، وهذا الموقف يشكل عامل ضغط من ناحيتين أولهما الضغط البيولوجي والآخر السيكولوجي، وهما يضغطان بصورة مزدوجة وفي آن واحد، بسبب أن حاجاته الطبيعية وحاجاته التكوينية الإنمائية تحتم عليه هذا الموقف القسري بغض النظر من كون هذا الموقف كان سلبياً أم إيجابياً تجاه ما يدور حوله ويتعايش معه، ونتيجة لذلك فقد ولجت التربية قديماً وحديثاً طريقاً منذ البداية في عملية بناء أهدافها وتمتين أسسها وسياساتها التربوية كي لا يحدث الانهيار الذي يفسد كل شيء قد تم بناءه في ما مضى من حيث الأفكار الفلسفية وتطبيقاتها في مجال التربية والفن، ولكونها قد اختارت الطريق الأصعب من بين الطرق في عملية البناء هذه، فهذا يحتم على من أخذ على عاتقه تحمل المسؤولية المعقدة أن يتمرن جيداً ويتمدد أفقياً وعمودياً كلما تطلب ذلك من مواقف يومية مستجدة، وكلما مر الزمن وتقادم باتجاه التطور المتسارع، لان ذلك سوف يؤمن استمرار هدوء الأفكار وتزاوجها بيسر وتطبيقها والتوافق بها مع مستجدات التغيير السريع في الثقافات وتراكم مفاهيم معاييرها، بحيث إن لم يدرك أصحاب التربية والفنون ذلك سوف يفقدون الكثير من الأسس الثابتة لديهم التي مرت وهم يعتزون بها حتى اللحظة التي هم فيها، ولكي لا يحدث التجاوز عليها تحت مسميات التغيير ورفض البالي القديم، وبالتالي يفقد التوازن المعياري لها مما يخلق فجوة كبيرة تحدث خللاً في المفاهيم وحيرة في التطبيق بين المعايير الجديدة المتطورة والمتسارعة للمجتمع والتي سبقتها (ولا جدال أن غموض الهدف يتلوه بالتالي غموض في تخطيط المؤثرات التربوية وتخبط وارتجال في سياسة الإعداد والتربية)[18- ص13] وما يوازيها أيضاً في ذلك من مفاهيم الفنون من حيث جمالياتها ونتاجاتها.

صفحة 4

ومن هذا نجد أن البحث في أصول التربية ومفاهيمها وأسس تكوينها وتزاوج ذلك مع مفاهيم الفنون وغاياته وتطوره وأهميته مما يكّون صورة نستطيع أن نقول عنها واضحة المعالم والتصورات كي نساعد ذلك الإنسان الفنان التربوي على أن يتوافق نفسياً ومعرفياً مع أساليب العصرنة الجديدة ووفق معايير أصبحت تتوافق مع إرهاصات العصر ومستلهمة من تربية وفنون الماضي الشيء الذي يستعين به هذا التربوي الفنان في التوافق والاتزان المعرفي والعلمي معاً في محيطه باعتبار أن الجوانب المختلفة للنشاط الإنساني متداخلة، فدراستها وفهمها يقتضي التمييز بينها دون فصلها بعضها عن بعض كون التجاوب قائم بين شتى العلوم والفنون ورائد تلك العلوم هي التربية الممنهجة فأتت هذه الدراسة لتعبر عن هذه الأهمية، كذلك من أهمية عدم الاهتمام بفلسفة التربية المعرفية كأساس لا بد منه في تعميق وتطوير المجتمع باتجاه الفنون الجميلة، ولتوضيح صورته بين أفراده، ومن ذلك نستطيع أن نتعرف على:

1- علاقة التربية المعرفية مع أخلاقيات شكلانية الفنون الجميلة.

2- وضع أسس لهذه العلاقة لتقليل إشكالية الفهم ما بين هذه التربية والفنون الجميلة مجتمعياً.

حيث تنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تتطرق إلى مسألة متوازية في اتجاهين لبناء الإنسان "تربوياً وفنياً" وهي على درجة مهمة من المناشط المعرفية المعاصرة، حيث تجلت في الجانب التربوي المعرفي وجانب الفنون الجميلة، وما لهذين الجانبين من أهمية في بناء شخصية الأفراد من خلال تنشيط وتعديل أذواقهم ورؤاهم المعرفية والجمالية معاً، كما ترجع أهميتها أيضاً من عدة أسباب:

أ- محاولة رسم صورة واضحة الرؤيا حول موقع فلسفة التربية المعرفية، وما هي علاقتها مع محددات الفنون الجميلة.

ب-من الممكن اعتبارها كنقطة شروع لتغذية راجعة (Feed back) لمراجعة البرامج التعليمية كافة في المؤسسات التربوية والفنية لتعديل ما يوجد فيها من خلل بما يعزز ثقافة الأفراد لربط الجوانب التربوية المعرفية والفنون الجميلة، فلنعرف أولاً التربية المعرفية وكذلك أخلاقيات شكلانية الفنون كي نؤسس نمطاً معرفياً واضحاً في فهم المعاني العامة لهما:

3- التربية المعرفية: (هي الأفكار الفلسفية التي تثبت في مجتمع ما لتكون فيما بعد أهدافاً في تربية وتعليم أفراده).

صفحة 5

4- أخلاقيات شكلانية الفنون: (هي العلاقات والأطر الأخلاقية التي تحددها أنماط مختلفة من الاعمال الفنية لمجتمع معين، والتي تؤثر في سلوك أفراده سلباً أو إيجاباً وفق مفهوم تذوق الجمال).

وبالرغم من الاختلافات التي نجدها بين النظريات التربوية فإن هناك اتفاقاً واضحاً كون أن المجتمعات الحديثة والأنظمة العصرية قد انطلقت من الشعور الذي يؤكد على أن التربية يجب أن تستمر وأن تفعل دوراً رائداً في بناء الإنسان، ولا يمكن لها أن تتخلى عن الطريق الذي تسير عليه، لأن إصلاح التربية يعني دفع العملية التربوية إلى الأمام، بمعنى أن هناك تخطيطاً تنموياً يحمل معه الجدة في الأفكار وتطوراً في الابتكار وهذا يصعد من استمرارية البناء في جميع الحلقات التي تتكون منها الهيكلية المعرفية ووفق المعايير النسبية "الشبه ثابتة" التي يتركز عليها المخططون للوصول إلى الارتفاع المطلوب بصورة الكفاءة النوعية في الأنظمة المعدة للتطوير، حيث نجد أن التجارب التربوية العربية التي بدأ معظمها في التجريب قد أصابها شيئاً من ذلك التخبط والنكوص في استمرارية بناء برامجها وإفرازات نتائجها التربوية في بداية الأمر، لكن استمر البعض في ذلك التجريب حتى على أسس له نمطاً واضحاً وأسلوباً تميز بالمنهجية العالية في التخطيط من حيث الأهداف وبنائها والغايات في تحقيقها والنتائج الجيدة، وبالرغم من ذلك النجاح المقتضب لكنها ظلت تجارب دون مستوى ما أرادته القيادات التربوية المعنية بذلك التطوير، إذا ما قورنت مع تجارب العالم المتقدم المتطور من حيث بواعث الرغبة في التطور والجدية والنتائج لامتلاك التفرد وامتلاك الخصوصية في التطوير.

إن تحديد أنماط تمركز الفرد في المجتمع من حيث سلوكه اليومي ومرانه الوظيفي يتطلب اهتماماً عالياً في كيفية تحديد هذه السلوكيات ومراقبتها، وكيفية التعرف واختيار الطرائق والوسائل التي تمكنه وتؤهله لأن يكون ماسكاً بمفاتيح (المران) ليكون من خلالها بتوضيح الصورة العملية والواقعية لمهاراته في العمل والإبداع والتي من دونها يصبح فرداً مهمشاً بعمله وإبداعه في المجتمع الذي يعيش فيه، فتجديد السلوكيات هذه ينبغي أن تؤطر بأسس نظرية غاية في الدقة وغاية في الفهم والإدراك، ومن أهم هذه الأسس ما يأتي:

صفحة 6

1- الفلسفة الواضحة

إن دورات المجتمع (أي مجتمع) لا بد لها من جنين فلسفي، وهذا الجنين تتراكم خبراته من خلال ما نسميه (الخبرة المربية) التي امتدت طويلاً في الماضي التربوي وكونت ذات التراكم المعرفي المتجانس بين مفاهيم وأفكار وثقافات المجتمع، وكما يطلق عليه يونكك (باللا شعور الجمعي) وهو مخزن الآثار العاطفية التي استمرت طويلاً وأخذت تتصارع باضطراد مع الأضداد حتى تغلبت الصفة الأكثر قوة والأقرب منفعة لمصالح الفرد ذلك أو الجماعة تلك، حيث أصبحت وبمرور الزمن وتراكم طبقات السيكولوجية المعرفية بنياناً ثابتاً اتخذ الصفة والسمة التي ولد فيها ونشأ وترعرع معها، ولذلك نجد الكثير من أفكار الفلسفات في الماضي أصابها النكوص وأصابها التحول من مجتمع إلى آخر، وحاولت أغلب تلك المجتمعات تغيير وتبديل نظرياتها وفلسفاتها نتيجة ما استجد من مفاهيم اعتلت ناصية تقدمها وتطورها حتى أصبحت اعتزازاً وفخراً لها في الوقت الحاضر، وكان رائدها في هذا التقدم والتطور هو ما تمسك به (المجموعة النخبوية التربوية) في التفعيل لتجريب ما تحتويه من أفكار جديدة تطابقت حيناً وابتعدت حيناً أخر مع جنينها الفلسفي التربوي الماضي، هذا ما كان في المجتمعات التي تطورت بشكل جعلها ترتقي سلم الحضارة بوضوح، أما المجتمعات التي ظلت مهمشة لنفسها ومتعثرة أحياناً كثيرة فقد كان ذلك سبب (اعتناق أفكار تلك الفلسفات الجنينية أحياناً قليلة أو إهمالها تماماً) للفلسفات بشكل عشوائي ومتداخل قد هيئ للنخب التربوية المطالبة في التغيير والإصلاح مناخاً مقبولاً في المجادلة لتحرير أخطاء التجريب لأساليبهم ويلتحفون به كي يمرروا من خلاله كل ما يحملونه من تناقضات وسياسات ذاتية أثّرت بشكل سلبـي في البناء التربوي القاعدي لمجتمعاتهم، ونتج فيما بعد خلخلة في ذلك البناء الذي تراكم تدريجياً بهشاشة مكوناته المعرفية والتطبيقية ولكن بالرغم من هذا هيئ لتلك المجتمعات أرضية بكر لترسبات أفكار قد اتفق عليها جميع من خاض معترك تطور وتقدم مجتمعه بإيجابية ورضا بأن تكون صالحة لبدء مسيرة جديدة وجدية للإصلاح لتصبح نوعاً من أنواع ذلك السلوك الجمعي والذي نطلق عليه بداية تكوين النضج الفلسفي- التربوي لذلك المجتمع.

ومن خلال هذا التكوين يقود رجال التربية هذه الأفكار الفلسفية ليتعاملوا مع لبّها فهماً يعتبرونه أهلاً لتطوير قابلياتهم في التخطيط أولاً ونافعاً في تربية ونجاح أفراد مجتمعاتهم ثانياً.

صفحة 7

2- البناء التراكمي

أما الأساس الثاني فيتمثل في البناء التراكمي لتلك الفلسفات، حيث أنه لا يمكن أن نعتبر أية نظرية فلسفية تربوية قد نجحت في امتداد مدياتها أفقياً وعموديا في فواصل المجتمع إلا إذا كان لها ذلك التراكم القبلي من الأفكار وبعضاً من تطبيقاتها والتي أصبحت تراكماً مقبولاً يحمل صفة (الإغلاق الجشتالتية)، بحيث كلما تكونت فكرة إيجابية لدى ذلك المجتمع يصبح لها صداً واسعاً في البدء وتستمر حتى تتمركز في البناء الداخلي للأفراد، وتكون طبقة جديدة فوق تلك الطبقات التي سبقت في إيجاد عصارة فلسفية تحمل السمة الواضحة لذلك المجتمع في البناء والحث المعرفي، أما إذا لم تجد الأرضية والمناخ الإيجابـي الذي يعزز ويقوي من بقائها وتمركزها فنجدها تتلاشى وتتقلص ثم تنتهي بشكل لا نسمع عنها أية تداول وأية اهتمام، وبالتالي يخسر المجتمع بناءً جديداً مما يوقف معه فرصة للتطور باتجاه تراكم الأفكار الإيجابية، وهذا بحد ذاته يصعب مهمة رجال التربية من أن يستفيدوا ولو من حلقة واحدة في تجديد تصوراتهم التربوية وبناؤها تجاه الخزين البنائي المعرفي للمجتمع، كون عملية اكتساب الأفكار تأتي من خلال (معرفة الفكرة) أولاً لأنها مكتسبة، وتكون هذه بالإدراك، أي إدراك المجردات المعقدة والكليات العامة لها، وهذا يعني ان الأفراد يحتاجون إلى مجهودات كبيرة ومستمرة للنوع الأول كي تستقر لديهم (في معارفهم) أسس الأفكار وفلسفاتها وطرائق العمل بها.

إن هذه العملية بأجمعها إذا ما حدثت في أي مجتمع سوف يكون هنالك البناء المعرفي الثابت، ويكون الوضوح في الرؤية وفي التأسيس العملي نابعاً من سلامة معرفة الفكرة الأصل، ومن دون ذلك كما قلنا سيكون حتما سلبياً يخسر فيه الجميع ذلك البناء المعرفي المأمون حدوثه.

صفحة 8

3- الانتقاء الجيد

من خلال تحديد الفلسفة التربوية الواضحة والتي أصبحت إطاراً مرجعياً في تأسيس الأهداف العامة لذلك المجتمع، ومن خلال بناء تراكماتها كأصول ومرجعيات فلسفية تربوية يأتي عامل الانتقاء الجيد والذي يهيمن على مساحات واسعة من مصالح الأفراد وميولهم واتجاهاتهم، وأن عملية الانتقاء تكون ذات وجهتين مهمتين، الأولى ترتبط ارتباطاً مباشراً بذاتيات الأفراد ومصالحهم (المشروعة وغير المشروعة وفق الأعراف السائدة عندهم)، وثانيهما ترتبط ارتباطاً غير مباشر مع مصلحة المجتمع والذي يعتبر في هذه اللحظة خليطاً غير متجانس نتيجة ارتباط وتناقض المصالح الذاتية مع بعضها، فعندها يحدث الصراع الغير منظور بين الخاص والعام وبين الخاص والخاص وبين العام والعام، أي هنالك ارتباطات أخلاقية لكل فرد مع مجتمعه وللمجتمع تجاه الفرد وكذلك المجتمعات مع بعضها البعض أي عدم إهمال تلك الارتباطات عندما يكون التعامل مع تلك الأفكار، ولا يتعامل معها بانتقائية على أقل تقدير في المواقف اللا مرئية، حتى لا يكون هنالك أضراراً بالمجتمع.

صفحة 9

كذلك الارتباط الخاص بالخاص أي التضاد بين المصالح الفردية المباشرة لذلك الانتقاء، وتبدأ عندها التمحورات والتكتلات ذات الصفات المتشابهة والمتفقة لكل طرف وما يقابله، فيحدث الصراع ويحدث الهدم بشكل أكثر فعالية وأكثر قساوة، وبالنتيجة تكون المحصلة النهائية فقدان فرصة التطور وفرصة للتراكم المعرفي أيضاً.

أما صراع العام مع العام فهذا يعني الصراع الأكبر توسعاً والاعمق شموليةً مع كون تعامله مع الأفراد مجتمعين فق مصالحهم المختلفة، حيث يكون الصراع جماعياً مما يخلق نوعاً من تحطيم الإرادة وذوبان الأفكار قسراً، فتنشأ عملية (الكبت الجماعي) وهو أخطر أنواع الاختلافات، لأنه يمتد عمقاً في التطرف ويتسع ايلاءً في الإصرار على المواقف الجديدة التي هيأت لتلك الاختلافات، فعندها تكون الخسارة مضاعفة من حيث بناء المعارف ايجابيا، وتكون العلاقات متشابكة ومزدحمة ومتوترة ما بين جميع الأطراف، ما بين الخاص والعام، وما بين الخاص والخاص وما بين العام والعام، وهذا إذا ما حدث سيكون الهدم واضحاً في عملية البناء المعرفي لذلك المجتمع الذي وقع في هذه الإشكالية المعرفية، وتكون الخسارة في الزمن والجهد والتراكم في الخبرات.

وهنا يتوجب على المعنيين بتقويم المفاهيم التربوية بالتدخل باعتبارهم يمتلكون مفاتيح حل هذه الاختناقات وبشكل يسهل عملية التحاور والتطابق للوصول إلى حالة توفيقية تسهل وتوقف في بادئ الأمر عملية الهدر المعرفي للأفراد والجماعات على حد سواء، وتبدأ عملية فك الاختلاف والاختناق الذي حصل بين جميع أطراف العملية موضع الاختلاف من حيث وضع الأهداف وتوصيف الحقوق والواجبات والتدريب على استيعابها بتدرج.

صفحة 10

4- البلوغ والتثبت

إن عملية نضج المجتمع ووصوله إلى حالة التفاعل المدرك للأفكار الفلسفية التربوية التي مرت عليه متدرجة دونما فواصل أو طفرات يهيئ المناخ الإيجابـي لعملية البناء، وهذا البناء يصبح فيما بعد ثوابت إيجابية تحتم على العاملين في الميدان التربوي على توضيحها كأهداف وكتطبيق (باعتبار أن الفلسفات التربوية وبناء مناهجها يعتبر عموماً والسلوكية منها بوجه خاص مفتاح الصناعة المنهجية بكاملها، تخطيطاً وتطوراً وتنفيذاً وتقييماً)[24- ص258]، ولا يمكن بعد ذلك المساومة عليها مع أية فكرة لم تأخذ مدياتها في النضج والاستقرار، لأن ذلك سوف يقوي ويعمق أواصر العلاقة بين الأفراد والجماعات مع هذه الثوابت الجديدة مما يخلق- ومع عملية التأكيد والاهتمام بها- نوعاً من الألفة والتوافق والرغبة داخل وخارج الشعور الذاتي بإلصاق تلك الصفات والثوابت بالنفس والافتخار بها باعتبارها قد أوضحت وأزالت الشوائب عن عتمة الشخصية (الهوية الشخصية) لذلك عندما يحدث التوحد والتطابق يكون البناء صحيحاً ونافعاً فيمتلك الأفراد صفاتهم من تلك الصفات حتى تبرز شيئاً فشيئاً معالم الولادة الجديدة لذلك المجتمع وبصفات محدودة وأنماط واضحة تختلف اختلافاً جوهرياً عن صفات وأنماط أفراد ومجتمع آخر، فعملية البلوغ لازمة من لوازم النشوء لنصل إلى حالة التثبت والبناء لتكوين الصفات الخاصة بذلك الفرد وذلك المجتمع ووفق معالم لشخصية واضحة التكوين.