صفحة 1
-1-
أنا بخير وصحتي جيدة…، وأخباري عادية جداً.
من هذا المكان الذي لا يشبه مكاناً إلا سواه أكتب لكم وكلي شوق إلى حريةٍ بصورةٍ أخرى، تأتيني كيفما شاءت وبأي طريقة أحبّت.
أمي الحبيبة؛ هل أنت بخير؟ هل ما زالت سبحتك الصغيرة لا تفارق يدك؟ وما زال لسانك يلهج بدعاء لا ينتهي لأجلي؟
والدي العزيز؛ أتمنى أن تكون فخورا بابنك، فها هو الشبل قد كبر، وها هو المجد عمامة فوق رأسي أما زلت ترخي ذقنك الصغيرة كما عهدتك قبل فراقنا الأخير؟
إخوتي؛ يا من حملوا معي ذات الاسم، هل كبرتم؟ هل أدركتم كم نحن مهزومون ومعطوبون؟
أهلي وذويَّ الأعزاء: لا تقلقوا عليّ أبدا، سأظل كما عهدتموني باقيا ثابتا كالنسر فوق القمة الشماء رغم الداء والأعداء.
الحرية آتية لا مناص وأنا عائد إليكم لا مفر، حتى ذلك الحين تقبلوا تحياتي راجيا منكم الدعاء المستمر لنا، ابنكم المحبّ.
أنا بخير وبصحة جيدة ولا جديد حتى هذه اللحظة التي أكتب إليكم رسالتي فيها، آملُ أن تكونوا جميعكم بخير، وبأتم الصحة والعافية وعلى قيد الحياة.
لقد سمعت مؤخرا من بعض الجنود هنا أنَّ وسائل الإعلام تصفنا بالإرهابيين والضلاليين، أريدكم أن تعرفوا وتتأكدوا أننا لسنا كذلك ولم ولن نكون كذلك قط.
سلامي لكم جميعا ولا تنسونا من صالح الدعاء.
ابنكم البارّ
أنا بخير ولا تقلقوا، ها قد مضى أكثر من ستة أشهر على وجودي هنا، حتى إنّي كدت أنسى اسمي فالكل لا يتعامل معي إلا كرقم في معادلة صعبة لا أفهمها بتاتا.
تأكدوا أنني بخير برغم كل التحقيقات التي نخضع لها وبرغم كل الأساليب التي يتبعونها معنا والتي عنها تسمعون، تأكدوا أننا ثابتون لأننا وأرضنا والحق أكثرية.
صفحة 2
أهلي الأحبة: منذ كنت صغيرا وقد علمتموني تلك القصة التي لا تفارقني عن النبي محمد وصاحبه أبي بكر والتي اختزلها الله عز وجل في كتابه العزيز في الآية التالية:
(( ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ))
لم أشعر بحياتي كلها وطيلة الواحد والعشرين عاما الماضية بهذا الشعور العذب، أن يكون الله معك في كل حركاتك وأفكارك أن تشعر به يدعمك ويشد من أزرك.
على كل حال، وأيا كانت أحوالنا لا تقلقوا أبدا، فأنا بخير وصحتي جيدة الحمد لله، ابنكم.
والدي الحبيب،
إليك وحدك خطابي هذا راجيا من الله أن تكون بتمام الصحة والعافية، لقد علمتني الرجولة وزرعت فيّ المروءة، وكيف يكون الرجال في المواقف، وها أنا ذا أجسد كل ما تعلمته محاولاً أن أتقمص ما أنت عليه حد الاندماج معك.
كل يوم يمر هنا عليّ لا أعرف كيف يمضي فالساعات تمر ثقيلة جدا، والدقائق ثابتة جامدة لا يحركها المكان ولا الزمان.
ثق تماما يا أبي أني كما عهدتني صابراً محتسباً كل ما جرى، وكل ما كان، وما سيكون، هو من أمر الله الذي لا مفر منه.
واعلم أنني بخير وبصحة جيدة والحمد لله.
ابنك المحبّ
أمي الغالية،
لقد وصلتني رسالتك المؤرخة في العاشر من شهر تشرين الأول لعام 2003، وقد فرحت بها كثيرا وسعدت أكثر عندما علمت أنك بخير وإخوتي بخير.
أخباري عادية جدا فلا جديد هنا بتاتا سوى ضوء الشمس نهارا وأشعة x ليلا.
نأكل مما يقدمونه لنا ونشرب ما يتبقى من مياههم، ونعيش على أملٍ في الوجود، وكل يوم نبحث فيه عن إشعار بالحياة ليوم جديد.
أصلي الأوقات الخمسة أدعو الله ليلا ونهارا، صحيح أن نفوس الناس هنا ليست متفاهمة إلى حد بعيد فاختلافات الفكر والثقافة وطريقة التعامل مع الآخرين تجعلك تبحث عن ذاتك في تلك الفوضى، إلا أنني متماسك بالتواصل الروحاني بالله الرحمن.
صفحة 3
وحيدا أتيت إلى هنا، وربما سأعود مثلما جئت لأول مرة، وبرغم كل هذه التناقضات، أبعث قبلاتي على جباهكم لكم جميعا مع هذه الكلمات، طالبا منكم أن تثقوا أني بخير وصحة جيدة.
ابنكم البارّ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أتمنى أن تكونوا بخير، لقد طال الزمان وابتعد اللقاء الأخير كثيرا، حتى صرت أتذكره بتفاصيله برغم كل الدموع الكثيرة.
لا جديد في مأساتنا التي وعلى ما يبدو قد صمّت كل الآذان عنها، أحاول خلال وجودي هنا أن أتعلم أشياء جديدة، سامحوني على تخبطي في رسالتي هذه وذلك لأني مللت من انتظار الحرية البعيدة.
وبرغم الأفكار المتضاربة والمتعانقة والصخب الذي يجول في خاطري تأكدوا أنني بخير وبصحة جيدة.
عبدالله
رسائل ست فقط كل ما تبقى بحوزتي عن تلك الفترة، تقع هذه الرسائل دون قصد مني بيد ولدي الذي لم يتجاوز سنه السابعة بعد، يحاول أن يقرأها بتلعثم واضح ودون فهم لتلك الكلمات وحتى دون فهم لماذا كتبت.
- بابا، أين كنت حتى كتبت هذه الرسائل؟ ولمن كتبتها؟
سؤال بريء يطرحه طفل يحاول أن يقرأ من خلاله كل ما لم يفهمه من تلك الرسائل البيضاء المنمقة التي اعتلاها شعار المنظمة الدولية للصليب الأحمر، وبقايا رقم مكون من تسعة خانات يشير إلى رجل يسمى والد ذلك الصبي.
هل أشرح له كل ما لم أستطع يوماً البوح به لإنسان؟ هل أستطيع أن أقول له وبكل تجرد عن ذاتي وما حدث معي منذ خروجي من بلادي باحثاً عن مملكة تسمى الشهادة وعن منزلة لها قداسة أخرى يصعب الوصول لها وليس كل من طلبها نالها؟
صفحة 4
يحدث أحياناً لصبي في سنواته الأولى أن يسأل أسئلة كثيرة كأن يقول:
لماذا تعبد الله؟ ومن خلق هذا الكون؟ وعندما نجيبه الله، يسأل بفطرته التي تشك بكل ما حوله إذاً من خلق الله؟
عندها ننهره وكأنه انتهك الوصايا العشر، وانتهك الثالوث المحرم الذي نحبس أنفاسنا منه، باحثين في تلك العباءة الفضفاضة التي تسمى الدين عن مخارج لكل تلك الأسئلة والتقلبات التي تنتاب صبياً لم يتجاوز سنه السابعة بعد.
عيونه تتجه صوبي وأنا أمامه بتلك الذاكرة والأحداث التي عادت لمجرد أن مسك هو ست رسائل مني إلى قوم يقطنون في بقعة جغرافية اسمها وطني ويحملون صفةً اسمها أهلي.
هل حان الوقت لأروي كل ما لم أستطع احتماله وأن أواجه نفسي بالحقيقة وحدها؟ الحقيقة لطالما عشنا نبحث عن حقيقة واحدة في ظل هذا العصر المليء بالخرافات من حولنا، هل حان الوقت لأحكي كل ما استطعت كتمانه طوال السنوات الماضية عن فترة من حياتي بكل ما فيها من تفاصيل؟ أم أحكي له عن ذلك الشاب النهم للحياة قبل عام 2003؟
تراني من أين سأتخذ بوابة لحديثي؟ وأي نكسة ستكون المنطلق لروايتي معه؟
أي قدر دفع تلك الرسائل للخروج من مكانها المغمور في قلب كتاب للتاريخ في مكتبتي الخاصة؟ أي قدر دعاها للنهوض من بين ركام التاريخ بعد أن أصبحت جزءاً منه، نهضت ففاح منها رائحة الرطوبة والغبار وربما رائحة عفونة الورق خاصة إذا كتب عليها تاريخ مزور وأحمق ومجنون ومليء بالمؤامرات.
من أي مؤامرة تراني أبدأ الآن يا ولدي وأنا الذي لم أقرر بعد، أأحكي كل ما لم أستطع يوماً البوح به لأحد ربما لم يكن هناك شخص يسمعني كما أشاء لا كما يريد هو؟
يسألني الصبي مجدداً، بابا ما قصة هذه الرسائل؟
حالة من الصمت الجديد انتابتني لعلّي أحاول إعادة رسم التاريخ في ذهن هذا الصبي، أن أحوّله من حريته إلى عبودية لأفكاري التي لم أشأ يوماً أن ألبسه إياها كما هي بل أردته أن يدركها كما هي فيتجسدها كما هي.
كنت قد دخلت لتوي من الخارج بعد يوم طويل حاملاً معي هدية له، ولكنه لم يعطني الفرصة كي أفتح ذلك الكيس، فأطلق رصاصته الوحيدة من خلال ورقات بيضاء ست على ذلك الرجل الذي كان ذات يوم ما أنا.
صفحة 5
سنوات طويلة مرت لم يسألني أحد لماذا وكيف ولأجل من؟ سنوات عقيمة مرت كعقم رحم الأمة العربية هذه سنوات عجاف لم ولن يتبعها على ما يبدو سنوات خير سبع كما مرّ في قصة يوسف عليه السلام، هي سنوات صمت لا أكثر وهروب من سؤال تفتق الآن من شفتي صبي ليعلن ولادتي من جديد دون دراية منه.
أقف حائراً ويداه تمسكان بتلك الورقة البيضاء الأخيرة وكأن كل شيء تحول من حولي إلى اللون الأبيض وغاب الكون كلّه في سكون.
وحيداً معي هو في غرفتنا الكبيرة في هذه القرية الوادعة التي تضرب جذورها في رحم التاريخ ثابتة عصية على الزوال واسمها طيّبة الإمام.
أحقاً مرّ وليٌّ من أولياء الله الصالحين ذات يوم من هنا حتى حولها إلى مدينة تحمل ما تبقى من قداسته ورفاته الموجود فيها.
أحقاً ما يروى عن حفيد النبي الكريم المدفون في ناصية جبل قريب منها؟ أم هي ليست أكثر من خزعبلات وأساطير من سكنوا هذا المكان أو حكم عليهم القدر بأن يكونوا من مكوناته الديموغرافية لا أكثر.
مدينة تختزل كل تناقضات هذا الكون بأوليائها وتجارها وأهلها ونسائها وشبابها النُّهم إلى العلم أو بالأحرى الطامح إلى مركز اجتماعي مرموق توفره له قطعة كرتونية ممهورة بختم وزارة التعليم العالي.
أعود مرة أخرى لأحدق في هذا الاسم طيبة الإمام، وكأنها مدينة مركبة باسمها تختصر كل مدن الأرض، فكم سافرت بعد كل هذا العمر، وكم قضيت في بلاد الغربة البعيدة إلا أنها كانت وستظل مركبي الراسي الوحيد الذي لا يغير ميناءَه أبداً، وهي دائما معي في حقائبي أينما سافرت وأينما حللت وأينما يممت وجهي تسكنني بكل تفاصيلها.
مدينتي التي اختزلتني في طياتها وبين حجارتها كما اختزلت كثيرين من قبلي وستختزل كثيرين بعدي، ها قد عدت إليك كمحارب يستريح بعد معركة مريرة، أحاول أن أبحث من جديد في ممراتك الصغيرة، وحاراتك التي أكاد أحفظها عن ظهر قلب، أبحث فيها عن ذلك الطفل الذي كان أنا.
مدينتي تلتحف الدين عباءة يسترها من كل سوء أكانت حجارتك وبيادرك تتوقع أن يكبر ذلك الطفل الشقي وذاك الشاب اليافع المراهق أن يكبر ويكتب عنك ذات يوم بقلم ربما أصبح مشوهاً في ظل حكومات القمع والقتل والتدمير وحالات الطوارئ التي تستبيح كل شيء وأمام كل شيء؟
صفحة 6
مدينتي يا مسقط رأسي أيتها التي تحكي أساطير من سكنوا هنا قبلنا، هل تعودت وضع الأسرار فكم تكلمت مع النجوم في سمائك، وكم حكيت لحيطانك القديمة عن قصصي وتقلباتي العشقية وكم بحت أمامك بطموحي وكم وكم وكم، كثيرة هي أشيائي عندك فهل حان الوقت لكي أسردها أمام سؤال طفل لم يتجاوز السابعة من عمره.
- بابا، ما قصة هذه الرسائل؟
يلح هو بالسؤال كصبي أتقن فن الأسئلة وكوالد شرقي أحاول أن أهرب من سؤاله فأختفي وراء أي إجابة تخطر على بالي، وستار مدينتي ما زال يلفني، تلك المدينة التي ضمت كل أجدادي وأحبابي وذويّ.
لأول مرة أنظر إليها من خلال نافذة بيتي بعد عودتي بكل هذا الحب والتبجيل أبحث عن أوليائها وشياطينها وملائكتها وفرسانها ورجالها الذين كنت أعرفهم، وأبحث أيضاً عن جميلات عصري اللواتي عرفتهن يوماً على طريق مدرسة كان اسمها مدرسة البنات وصار اسمها بقدرة قادر مدرسة خولة بنت الأزور.
أسأل نفسي يا ترى لو عاد الزمان إلى الوراء أتراني سأفعل كل ما فعلت أم أترك للقدر قيادة دفة حياتي وتوجيهها كما يشاء لأعيش ذات القصة مجدداً؟
أن تشعر أن هناك قداسة تحيط بمدينتك وهي أساساً لا تختلف عن أغلب مدن الريف العربي إلا ببعض ما ذكرت، هذا بحد ذاته أمر يدعو للدهشة أم أنني لا أخرج من الإطار الذي وضع فيه أبو تمام من كان في حالتي حين قال:
"كم منزل ٍ في الأرض يألفه الفتى
وحنينــــــه أبــــــداً لأول منـــــــــــزلِ"
تمر أمام عينيّ فوراً تلك البيوت التي ألفتها يوماً في القاهرة وحمص ودمشق ودبي والشارقة و أبوظبي وبغداد وأم قصر، أبحث فيها عن ميزات تجعلها ترقى إلى مستوى بيتي هذا في مدينتي هذه فلا أجد أي مجالٍ للقياس، كل تلك البيوت لم تكن إلا من قصدير بنيته أو بُني لي كيفما شاء القدر أما هنا جذوري رست رغم كل شيء هنا قلمي، هنا عشقي، هنا سفري الذي لم أروه لأحد، هنا كل أحبابي، وقضيتي، هنا كل شيء، وكم ظننت فيما مضى ألا شيء هنا.
صفحة 7
في بيتي حاكمت كل من أعرف ومن تعرفت عليهم حاكمت، القوميين العرب والراديكاليين العرب والملكيين العرب وحاكمت جان جاك روسو وماركس ولينين وهتلر وشارون وياسر عرفات وأجهزة المخابرات العربية ونفسي كلهم حاكمتهم في هذا المكان خلال مسيرتي في البحث عن حقيقة لم أجدها إلى الآن.
مدينتي التي تعود بعد كل هذا الزمن لتستنهض الذكرى في جسد أتعبه السفر وذاب معذبا في ذكرها وذكر كل ما يتعلق بها، أجيل الطرف في نافذتي لأرمي البصر بعيدا هناك، كرم الفستق الحلبي ما زال كما كان والتراب انقلب مرات ومرات ولكنه كما كان والسماء تلبدت سنين وحبلت سنين وأمطرت وابلاً من ماء ونبيذ ورجال ولم تتغير، فهل تغيرت أنا!
أشجار الكرم التي كنت أعرف، تنتظر اقترابي بذاكرة متعبة، هي ذاتها تلك الأشجار التي مر عليها والدي عندما كان في عمري وهي ذاتها التي حملت رائحة جدي الذي رحل ذات ظهيرة في عاصمة الأمويين وعاد محمولا على خشبة صامتاً على لغز كبير، حاولت مراراً أن أفك شيفرته لكن عبثا كنت أطارد ذكرى فقط لرجل كان هنا وبات سرابا.
أشجار الكرم التي لعبت تحتها سنواتٍ طوالاً وسمعت صراخي أياماً طوالاً، وبحت أمامها بأحلامي واستمعت لدروسي ما زالت تنتظر، فهل أقترب؟
صرت حقيقةً أخاف الاقتراب لكي لا أكسر تلك الصورة التي رسمتها لي هي بين جذوعها، واختزلتها بين أغصانها، لكي لا أمحو عمراً من الانتظار وعمراً من الشوق لسماع أخباري على حين غفلة.
يحدث أحياناً أن تعمل في أرض لا تنتظر منها أن تعطيك ولكنك تعمل لإيمانك المطلق بها ولنفيك الدائم أن تكون في عداد المنسيين من قائمة عشاقها ومن تعبوا عليها.
بين نافذتي وبينها هواءٌ حمل مني وحملت منه في صدري، فلماذا كل هذا التحامل والتصور بأنها خانتني مرات ومرات.
طوراً تتقاذفني الرغبة لأحمل ذلك الصبي القابع في داخلي وأذهبُ به بعيدا بعيدا إلى ما وراء أشجار الكرم باحثا عن قطعة حجر كتبت عليها ذات عشية في زمن مضى اسمي وخبأتها تحت الأرض يقينا مني أن هناك من سيأتي من ذات المدينة لينفض عنه الغبار في مستقبل ما ويقرأ اسم رجل كان هنا ومضى.
تراني لماذا أحاول أن أجد مهرباً من ذلك السؤال؟ ولماذا أتخبط لأعيد ذكر مدينتي أكثر من مرة وذكر حبيباتي وممارساتي الشيطانية؟ أهي الرغبة بعدم البوح أم هي النرجسية المفرطة في حجب ما جرى عن كل الناس وحتى عن ولدي؟ في الحقيقة لست أدري.
أسحب كرسياً من زاوية الغرفة الكبيرة وأجلس فيقف ولدي أمامي حاملاً رسائلي القديمة ليعيد ذات السؤال، أضع الكيس جانباً وأنظر إلى عينيه وأرحل فيهما إلى تلك الليلة العصيبة التي اتخذت فيها أكثر قراراتي جرأة وحماقة ربما.
صفحة 8
-2-
صباح الجمعة 28 آذار 2003.
إنها الجمعة الأخيرة من شهر آذار مارس من عام 2003 والحرب قد بدأت منذ أسبوع والفلول تجمعت من كل حدب وصوب متوجهة تحت اسم قوات التحالف نحو عاصمة العباسيين بغداد، الجو قاتم، والسماء ملبدة بمشاعر الحزن والأسى تأتينا من بلاد الرافدين، يسألني مواطن سوري من مدينة البوكمال.
- إلى أين أنت ذاهب؟
- إلى العراق.
- يضحك قليلاً ثم يقول: ماذا تعمل؟
- أنا طالب جامعي أدرس في كلية الآداب.
- ارجع إلى أهلك وجامعتك ولا تمضِ في مشوارك.
لم يكن لهذا الحديث البسيط أي قيمة عندي وقد اتهمت الرجل بالخيانة والجبن والتآمر على العرب مستشهداً بكل ما نراه على شاشات التلفزة من استباحة للدم العربي وقتل متعمد للمدنيين والأطفال والنساء.
أذكر تماماً نظراته إليّ، وإلى ذلك الشاب الذي رافقني في ذلك الطريق، والذي نال الشهادة كما علمت في وقت متأخر منذ ما يقارب السنتين تقريبا، نظراته كانت مليئة بالغضب وربما الحقد على كل من يضللنا ويرمي بنا نحو الهاوية، نحو جرف هار يؤدي إلى الموت المحتم أو الغرق في مستنقع العراق.
وبرغم كل ذلك تقدمت إلى موظف الجوازات على نقطة الخروج من سوريا، وقدمت جواز سفري ومضيت مسرعاً عابراً تلك الأمتار العشرة التي تفصل بين البوابتين اللتين لطالما أغلقتا فيما مضى، دخلت وحيداً إلى العراق ومعي رفيقي الذي فارقني بعد ذلك بعدة أيام إن لم يكن ساعات.
صفحة 9
عبرت بوابة الحدود سريعاً لأرى اثنين من حرس الحدود العراقيين يحتسيان كوبين من الشاي قالا لي يومها "هلا بيك".
نظرت لفوري إلى صورة حائطية كبيرة لصدام حسين الرئيس العراقي الذي لم يبق له في الحكم بعد دخولي أرض العراق سوى ما يقارب الأحد عشر يوماً، إنها حصيبة المدينة العراقية الأولى وصور صدام حسين تغزو كل الشوارع وبكل الهيئات وعبارات النص تعتلي الأعمدة وأكثر ما شدني يومها عبارة:
((إن تنصروا الله ينصركم))
أسلوب شرط من أساليب اللغة العربية فتحقيق الطرف الأول يؤدي إلى وقوع الطرف الثاني وامتناع الأول يؤدي إلى امتناع الأخير، وحدها اللغة العربية تتميز بكل تلك المرونة حتى تجعلنا نختزل حالتين من التناقض تجعلنا نعبر عن نقيضنا فإن لا ننصر الله نهزم ونخذل ونكون في أسفل السافلين.
في حصيبة وجدت اثنين من أبناء مدينتي لم أفاجأ بهم أبداً، فقد كنت أتوقع لقاء كهذا خاصة أن كثيراً من الشبان في مدينتي ذهبوا تاركين كل شيء وراءَهم باتجاه الجهاد المقدس.
ساعات قليلة في حصيبة وبعد صلاة الجمعة وبعد أن أنهى خطيب ذلك الجامع خطبته بدعاء بدحر المعتدين ونصر القائد الملهم صدام حسين توجهنا جميعاً إلى القائم وكنا عصراً في الجامع الكبير،
جموع غفيرة من كل بقاع الأرض ومن كل الشتات أتوا إلى هنا ربما بحثاً عن منزلة بقداسة شهيد، لم تستوقفني الوجوه بتاتاً سوى وجه وحيد كان يجلس منزوياً بعيداً عن كل تلك الوجوه، اقتربت منه وألقيت عليه السلام وتعارفنا مسرعين.
- خضر من لبنان، روى سريعاً كيف أتى إلى هنا، وكيف عبر كل تلك الحدود، وكيف ترك صنعته المحبّبة إليه كمدير وصانع للحلويات الشرقية.
هو القدر جمعني مع خضر في القائم ليعود ويجمعني معه بعد أقل من شهر في معتقل بوكا لنجد مساحة أكبر لنروي لبعضنا الذي لم نجد في القائم مكاناً أو زمانا لذكره.
في خضم تأملاتي تلك صدح صوت من مكبر آلي يدعو الجموع الغفيرة لاعتلاء الحافلات الصغيرة التي جهزت أصلاً لنقلنا إلى العاصمة بغداد، إنه الطريق إلى بغداد وبداية أسبوع عصيب على ما يبدو، فأكثر من خمس ساعات قضيناها على ذلك الطريق.
صفحة 10
بعض المناطق المأهولة تنتشر هنا وهناك على قارعة الطريق الطويل الواصل بين القائم والعاصمة، توقفنا مراراً للراحة فقد كانت الحافلة قديمةً جدا (لدواعٍ أمنية) كما قالوا لنا، ولكي لا تثير انتباه القوم.
أجلس على حافة الباب سانداً ظهري إلى أحدهم مغمضا عيني راحلاً إلى أيامٍ خلت في بلادي، منذ أيام فقط كنت أجلس هناك أنتظر المستقبل الذي لن يأتيَ وأقرأ الماضي بعيون من عرفت.
في بلادي ينام التاريخ على أرصفة الشوارع، وفي سياج الجوامع، هناك تصطف المآذن والكنائس والصوامع لتروي تاريخ بلادٍ لا تزال تعيش في عباءة الهيبة والخلافة، بعض الحفر في الشارع توقظني من غفوتي لتسحب رخصة قيادة الأحلام مني، وتعود بي إلى واقع بت فيه على مرمى حجر من الموت.
الكتابة للذكرى قاتلة كحبها وخاصة عندما تكون الذكرى نبتت بدهاليزنا السرية وامتلكناها بشرعيتنا الخاصة، ولكن الموت على هذا الطريق لم يعد سراً، فهو يعلو كلما علا تسبيح وتهليل من جمعهم القدر معي هنا في هذه الحافلة.
صوت رجل عراقي يجلس إلى جانب السائق يلتفت نحونا ليقول: ابقوا هادئين، هذه البغدادي والبغدادية وكلها ضمن الرمادي التي تعد من أكبر محافظات العراق العظيم.
محاولة منا نحن متعددي المشارب أن نكتشف جغرافيا الزمان والمكان، ونجيل الطرف حيث يشيح ذلك الرجل بيده، ينفثُ دخان سيجارته بعصبية والوقت دخل في الظلام وكل شيء عاد إلى الظلام، فرحتُ أتأمل اللون الأسود المحيط بنا لعلي أحاول فهم فلسفة الألوان وعلاقتها بنفوس البشر، يراني أحدهم صامتا لا يحركني المكان فيكزني بكوعه مشيرا لي برأسه كي أعود للذكر الذي بدأنا به منذ انطلاقنا من أمام الجامع الكبير في القائم.
ها هي بغداد عاصمة الرشيد وقلعة الصمود والتصدي، ها هي بغداد المنيعة العتية التي على سفوحها سيندحر الغزاة الطامعون وعلى أعتابها سيسقط العلوج كما سقط من سبقهم، ها هي بغداد تتشح السواد عنوة في قلب ذلك الليل وأضواء الشهب النارية تعلو في سمائها وأصوات انفجارات تخرج من رحمها لتعلن ورود قافلة جديدة من الشهداء وسقوط حي جديد منها.
لم أكن أدرك تلك المفارقات وقتها فقد كان كلام الشبان عن الشهادة والجهاد والحرب المقدسة وأطماع الآخرين وتلك الرؤيا التي رواها لي أحدهم عن شيخ في حيّه رأى النبي محمداً قادماً للقتال في العراق كل ذلك كان أقوى من أصوات الرشاشات ومضادات الطائرات.