التطور التاريخي للأحداث الجانحين في التشريع القانوني
يعدُ جنوح الأحداث ظاهرة اجتماعية حديثة نوعاً ما من حيث نطاق اتساعها ،و أخذها صفات الظاهرة ، وما لها من خصائص وعوامل وسعة انتشار في مجتمعاتنا الحديثة والتي ساهمت بشكل كبير في نمو هذه الظاهرة التي كانت نتاج التغيرات الاجتماعية التي صاحبت تغير تلك المجتمعات فمنذ الثورة الصناعية في أوربا وما صاحبها من تغير في أنماط وأنواع العلاقات الاجتماعية والتي كان لها الأثر الكبير في تغير شكل الأسرة وطرق المعيشة و انعكاس ذلك على حياة الأطفال الذين أصبحت تواجههم العديد من الصعوبات الناتجة عن التفكك الأسري او فقد احد الأبوين نتيجة الحروب او اضطرار الأحداث الى العمل في سن مبكرة فضلاً عن انتشار أفكار العنف في وسائل الأعلام واضطرار الكثير منهم الى ترك المدرسة وظروف الفقر الى غير ذلك من العوامل الاجتماعية التي لا تترك ادنى شك في ان انحراف او جنوح الأحداث هو مشكلة اجتماعية تنبعث من صميم هذه الحضارة التي نعيشها في الوقت الحاضر ملقيه بظلالها على حياتنا ونمط معيشتنا وتفكيرنا . وبالتالي فان معالجة هذه الظاهرة ومحاولة الحد منها هو جزء من صورة كاملة يجب ان تتظافر فيها كل الجهود على نطاق المجتمع سواء على صعيد المؤسسات الرسمية او مؤسسات المجتمع المدني والذي يستلزم سياسة جنائية واجتماعية هادفة تقع أمامها كل التحديات في سبيل القضاء على تلك الظاهرة الخطيرة . بدءاً من الأسرة والمدرسة ووسائل الأعلام وصولاً الى السياسة العامة للدولة في التشريع للسياسة الجنائية بالتزامن مع الإصلاحات في السياسة الاجتماعية ومستوى الخدمات العامة للمجتمع . وهذا لن يكون بمعزل عن الدراسات والأفكار العلمية التي يتصدرها المهتمون بهذه الظاهرة من مختلف الاختصاصات الإنسانية والقانونية والتي كان لتطورها الأثر الفاعل في الوصول الى مراحل متقدمة في معالجة ومتابعة تداعيات تلك الظاهرة على مر العقود الماضية وإسهاماتها في خلق تفاعل فكري منتج للأفكار الإصلاحية في السياسات الاجتماعية والجنائية في المجتمعات المدنية .
الاحداث الجانحين في التشريعات القديمة
لا يمكن ان ننكر ان مجتمعاتنا في السابق كانت ترى العقوبة قصاصاً ينطوي على قيمة تكفيرية بل تطهيرية ، ويبدو ان ذلك ناتج عن طبيعة التراث المتأصل فيها . فبعد ان تجاوزت الجماعة فترة الانتقام الشخصي لم ترى في الجانح ذلك الشخص الذي ينبغي ان يصلح الضرر المترتب على فعله فحسب ، بل رأت فيه ايضاً ذلك الذي انتهك واحتقر القاعدة التي يضفي عليها الدين او العرف او التقاليد طابعها المقدس لدى الجماعة فهو يكفر بالعقوبة عن فعله نتيجة خرقه للنظم الموقرة لدى الجماعة . وقيام الجماعة بعقاب ذلك الحدث هو انطلاقاً من الحفاظ على قدسية ذلك النظام بين أعضائها .
لقد أشار فوكونية ( Poul Fauconnet) في دراساته عن المسؤولية الجنائية للإحداث الجانحين ان الحدث الجانح ورد في التشريعات القديمة التي أولت الحدث عناية خاصة في إصدار الأحكام . فقد جاء في التشريع الصيني القديم التمييز بين ثلاث حالات لتخفيف العقوبة ، أحدها خاص بالإحداث الذين بلغوا الخامسة عشر من العمر وهؤلاء يمكن لهم ان يطالبوا بإعفائهم من العقوبة عن طريق دفع تعويض مقابل تلك العقوبة وذلك لصغر سنهم . اما الإحداث الذين هم ما بين سن العاشرة والخامسة عشرة فيرفع أمرهم الى الإمبراطور التماساً للعفو . اما الأطفال دون السابعة من العمر فلا توقع عليهم اية عقوبة .
اما قوانين البابليين ، مثل ( قانون حمورابي )فانه لا يوجد نص صريح على جرائم الصغار عدى انه من اشترى حاجة من حدث صغير وكانت مسروقة يعاقب المشتري بالاعدام دون ان يرد في القانون عقوبة نحو الصغير الذي باع البضاعة كما هو واضح في المادة السابعة من قانون حمورابي .
اما المجتمع الروماني فانه يسقط العقوبة عمن دون السابعة لكنه يفرض عليهم العقوبة نفسها التي يفرضها على الكبار اذا كان سن الحدث فوق السابعة ,اما في القرون الوسطى في أوربا فقد كانت النظرة الى الجنوح والجريمة مقيدة بالمنظور الديني الذي كان يعد كل جريمة هو عمل من رجس الشيطان وانه معصية لأوامر الله ودينه لذلك فان الخارج عن القانون هو خارج عن قانون السماء , وهذا كان يشمل الأحداث والكبار بدون استثناء .
فلقد ازدادت العقوبات البدنية بشاعة ووحشية في عهود الإقطاع التي سادت أوربا، ثم في عهد ملوك الحق الإلهي حيث ظهرت عقوبة السجن الى جانب العقوبات البدنية وحاولت الكنيسة المسيحية التخفيف من تلك العقوبات وقسوتها ونادت بان يكون الغرض من العقاب هو التكفير عن الخطيئة ,وعلى هذا الاساس لم يكن الإحداث يفرقون في المحاكمة عن الكبار .
بينما كان الإحداث وفقاً لمنظور الشريعة الاسلامية يعاملون طبقاً لفكرة التمييز بين المسؤول جنائياً وغير المسؤول ، فلم يعد مكلفاً للمسؤولية إلا الإنسان الحي المكلف ، و منها يعفى الأطفال من العقاب إلا إذا بلغو سن الرشد . قال تعالى " وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما أستأذن الذين من قبلهم " .كما قال الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه واله وسلم): ( رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يصحو وعـن المجنون حتى يفيق ) ولكن الإسلام قد اخذ في الحسبان ما قد يؤدي إليه سلوك الحدث غير المكلف من أضرار بالمجتمع ، مما قد يجعل الإعفاء عنهم سبباً لحدوث خلل في النظام الاجتماعي فشرعت عقوبات من نوع خاص للاحداث الجانحين تكفل حماية المصالح العامة للمجتمع ، فبالرغم من عمل نظام العقوبات الإسلامي بنظام القصاص المتمثل العين بالعين والسن بالسن والنفس بالنفس، وما يترتب على ذلك من عقوبة قد تكون بدنية إلا ان الإحداث استثنوا من ذلك بدفع دية إلى أهل المتضرر سواء كان الفاعل عامداً ام غير عامد لانتفاء المسؤولية والتمييز لدى الحدث . ثم ان هناك نظام الدية الواجب على الأطفال الأخرين والذي أجاز المشرع الإسلامي دفعها من بيت مال المسلمين ان لم يتوفر لدى الحدث او لدى وليه ما يدفعه للمجني عليه . اما العقوبات البدنية الأخرى في الإسلام كالضرب او الجلد فان الإحداث قد توقع عليه مثل تلك العقوبة ولكن بصورة مخففة جداً بتقليل عدد الضربات وتخفيفها عليه . كما اقر مبدأ التوجيه والنصح والإرشاد في إصلاح الحدث الذي ارتكب فعلاً لا يتطلب دفع الدية او الضرب ، مع وجود نظام العقوبة والمسامحة إذا كان ذلك متاحا.
الاحداث الجانحين في التشريعات الحديثة
لقد حصلت في العصر الحديث تطورات في نظرة المختصين نحو الجريمة والجنوح أدت الى تطور في طرق وأساليب معالجة ظاهرة جنوح الإحداث ,فقد استمرت الجهود التي نادى بها مفكروا المدارس الجنائية في استحداث تشريعات خاصة بالإحداث ، ومع تطور فلسفة الدفاع الاجتماعي تغيرت وجهة النظر القائمة على أساس العقاب نحو سلوك إصلاحي للحدث الجانح ، ولاسيما مع ظهور الدعوات الصريحة من رجال الدين والتربية والقانون والاجتماع وعلماء النفس الى كون الإحداث نوعية خاصة تستوجب تشريعاً خاصاً يهدف إلى الرعاية والعناية والمتابعة لحالات الإحداث الجانحين ، فظهرت آراء ( وليم هيدلي W. Headely ) في الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر متناسقة مع أفكار انسل Ancel وبرنس وجراماتيكا فـي فرنسا وهكذا تتابعت تعديلات قوانين الجزاء وظـهرت قوانين الإحداث .
ففي عام ( 1830 م) صدر قانون للإحداث في كل من ولاية نيويورك ومقاطعتي شيكاغو وبوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية ونشأت بعد ذلك هيئات قانونية خاصة بالإحداث هي محاكم الإحداث نهاية القرن التاسع عشر هدفها إنقاذ الحدث من القانون الجزائي التقليدي ونشر أصول المعالجة الحديثة لمشاكل الأطفال الجانحين وذلك سنة 1887 م في مقاطعة ( ماساشوستس Massachousttes ) الأمريكية.
وفي عام 1898 م صرح فردريك واينز (Fredrick. Wing ) إننا نصنع المجرمين من أطفال هم غير مجرمين وذلك بمعاملتهم ونظرتنا اليهم على أساس انهم مجرمون وانه يجب إيجاد محاكم خاصة للإحداث لا يمارس قضاتها أي عمل سوى القضاء بين صغار المجرمين . وقد تم على اثر ذلك إنشاء أول محكمة للإحداث في ولاية شيكاغو الأمريكية ثم ألزم عام 1912 م عمل كل الولايات الأمريكية بقانون الإحداث .
ولم تتبلور تلك التشريعات لتكون بصورتها الحالية الى مع حلول عام 1945 م بعد ان احتوت على التدابير الإصلاحية الخاصة بالإحداث في اطار إفرادهم بمعاملة ولاسيما كوضع الحدث تحت مراقبة السلوك او الإيداع في مؤسسة إصلاحية مع استبعاد عقوبتي السجن والحبس
اما في إنكلترا فقد سن قانون المجرمين ( الإحداث ) عام 1847 م وهو يقضي بضرورة معاملة كل حدث لم يبلغ الثانية عشر من العمر معاملة خاصة في المحاكم تختلف عن ما يعامل به الكبار لتنشأ بعد ذلك أول محكمة إحداث بمساعي اللورد كورتني ( Lord Courtne ) سنة 1905 في مدينة برمنجهام ثم صدر قانون الإحداث سنة 1908 م الذي أسس بصورة رسمية محاكم الإحداث الإنكليزية وقد اشتمل القانون على مقررات مهمة هي :
· إنشاء محاكم للإحداث في أنحاء البلاد وتخصيص بناية خاصة لها وعزلها عن المحاكم الجزائية.
· منع الحكم بالسجن على الإحداث الذين هم دون سن السابعة عشرة .
· حضر على الأشخاص الذين ليس لهم علاقة مباشرة بالموضوع حضور جلسات المحكمة وذلك للحفاظ على سرية المحاكمة و لمنع تأثير ذلك على نفسية الحدث .
· ضرورة اتخاذ التدابير اللازمة للحيلولة دون اختلاط الإحداث بالمجرمين الكبار .
· ضرورة معاملتهم معاملة خاصة تتفق مع ظروفهم وحاجاتهم وترمي لمعالجتهم و إصلاحهم.
في حين فرنسا فان انبثاق الثورة الفرنسية وما صاحبها من أفكار الحرية وحقوق الإنسان أدى الى قيام أفكار جديدة تقوم على أساس دراسة المجرم .و إعادة النظر في القوانين العقابية والدعوة الى حماية الأطفال والأحداث من سوء المعاملة وقيام نظام قانوني يقوم على أساس حماية ورعاية الحدث .
وبعد صدور اول تشريع في فرنسا وهو تشريع 16 أكتوبر عام 1791 م الذي حدد سن الرشد الجنائي ببلوغ الفرد سن السادسة عشرة مع تخفيض العقوبة عن من هم دون تلك السن ، بعد ذلك صدر قانون نابليون عام 1810 م الذي راعى الظروف الموضوعية للجريمة والاهتمام بالمسؤولية الجنائية تبعاً لعمر الحدث وقد عد عمر السادسة عشر سناً للبلوغ فاذا كان الحدث الذي عمره يقل عن ذلك مع قلة التمييز لديه مقارنة مع أقرانه فانه يطلق سراحه , بعد ذلك توالت القوانين الفرنسية التي كانت تخفف الأعباء تدريجياً عن الحدث مثل قانون 1899م وقانون 1906م الذي رفع السن القانونية الى الثامنة عشرة وقانون 1916 م الذي يعد من أهم القوانين لكونه نص على تشكيل محاكم الإحداث ونظام المراقبة ,وعلى الرغم من ذلك فان هذه المحاكم لم يتم أنشأئها الا في سنة 1912م ثم عدل نص قانون هذه المحاكم في شباط 1945م لتناط هذه المحكمة بقاض محترف واختصاص في مجال الإحداث ، ثم صدر قانون أيار 1951م الذي أعطى هذه المحاكم اختصاصاً إقليمياً بدل من خضوعها للدائرة القانونية أسوة بالمحاكم الجزائية.ومع انتشار قانون محاكم الإحداث والتشريعات الخاصة بها انتشرت النظر الإصلاحية الحديثة في باقي أوربا مثل سويسرا 1910 م، النمسا 1912 م وأسبانيا 1918 م، وهولندا 1921 م وألمانيا 1923.م
اما الوطن العربي فقد أولت الدول العربية وفي مقدمتها العراق اهتماماً خاصاً لمشكلة جنوح الأحداث وسبل الوقاية والعلاج منه . فقد تبنت هذه الدول التشريعات والقوانين الخاصة بالإحداث من خلال تطور النظام القانوني والقضائي فيها الذي اخذ ايضاً شكل المراحل في تطوره .
فقد أولى المشرع في مصر مشكلة جناح الإحداث قدراً كبيراً من النصوص القانونية التي تهدف الى الرعاية والعلاج ، ولكن هذه النصوص ظلت مدة طويلة لا تحقق الغرض منها بسبب عدم توافر الوعي الحقيقي بالمشكلة من جانب وقلة الإمكانات من جانب اخر ففي سنة 1894 م أنشأت أول إصلاحية خاصة بالإحداث في مدينة الإسكندرية لتكون أول تشريع مصري خاص بالإحداث ، وفي عام 1908 م استقرت تلك الإصلاحية في الجيزة في مصر بعد ان انتقلت الى عدة مدن ، وقد صدر بعد ذلك قانون الإحداث المشردين ( قانون رقم 2 لسنة 1908م ).
قانون الإحداث الكويتي فقد اخذ التشريعات المأخوذة في قانون الأحداث العراقي نفسها وقد تم تقسيم الإحداث بالنسبة الى المراحل العمرية ، وتنوع التدابير المطبقة بحقهم ،اما دولة الإمارات فقد اختلف تقييم المراحل العمرية مع بدء ها بسن السابعة الى السادسة عشر بدل من الخامسة عشر في المرحلة العمرية الأولى مع تشابه باقي الإجراءات من تدابير ونوع تلك التدابير المطبقة بحق الإحداث الجانحين .
اما في المملكة العربية السعودية والبحرين فانه لم يؤخذ بتقسيمات الإحداث نفسها في القوانين العربية الأخرى السابقة ، فقد اعتمد القانون البحريني على فكرة مفادها ان الحدث من لم يتجاوز عمره 15 سنة كاملة وقت ارتكابه الجريمة او عند وجوده في إحدى حالات التعرض للانحراف ، بينما امتد عمر الحدث إلى 18 سنة في قانون الإحداث السعودي دون ورود تقسيمات عمرية إلى فئات .
المسؤولية الجزائية
يقصد بسن الحدث في المسؤولية الجزائية هو الحدث ما بين سن التمييز حتى بلوغه السن التي حددها القانون للرشد . اذ ان الحدث يقع تحت طائلة القانون اذا تجاوز سن التمييز ويعامل معاملة خاصة اذا لم يتجاوز السن القانونية للرشد فصغر سن الحدث يعد سبباً لامتناع المسؤولية الجزائية في جميع التشريعات لهذا تعد المسؤولية مخففة حسب عمر الحدث الذي يقسم في التشريعات القانونية الى مراحل تقتضي بمجملها توقيع تدابير تهذيبية من نوع خاص او عدم وضع أي تدابير مع انتفاء الحاجة الى العقوبة التي توقع على البالغين ، وتتفاوت تلك التشريعات في معاملتها للإحداث من ناحية مبدأ المسؤولية وتطورها ونوعها ، كما تتفاوت من حيث أنواع التدابير الواجب اتخاذها إزاءهم .
فالمسؤولية الجنائية والجزائية تقتضي أهلية فاعلها للمحاسبة فهي ترتبط بالركن المعنوي للجريمة ، في حين ينظر البعض الى الفعل الجرمي لامن حيث نتائجه المادية او من حيث النص على تجريمه قانوناً وانما هي الجريمة المنظور اليها من حيث أهلية مرتكبها وتحمله تبعة نتائجها ، فقد تكون الجريمة قد أحدثت ضرراً كبيراً كالقتل او السرقة او غيرها الا ان انعدام أهلية المرتكب للفعل تسقط الجريمة من أساسها لانعدام توافر القصد الجنائي لصغر سن الفاعل او لعدم وجود الاراده او لعدم إدراك نتائج الفعل ,وتتفق اغلب التشريعات الخاصة بالأحداث في الدول إلى الأخذ بالناحية العلاجية من خلال تصنيف الإحداث في المراحل الانتقالية إلى عدة فئات ومراحل على حسب السن الذي يدخل كأحد العوامل الرئيسية في تحديد نوع التدابير والعقوبات التي تتخذ في حالة ارتكاب الحدث لفعل يحاسب عليه القانون. ويختلف هذا التحديد للسن من دولة إلى أخرى من حيث التشريع القانوني فقد يكون على مرحلتين او ثلاث مراحل تبدء بسن السابعة او التاسعة وتنتهي بسن الثامنة عشرة ،( وسن العشرين بعض الدول ) كحد أعلى . ولهذا فان معظم الدول ترى سن المسؤولية أساس في التعامل مع الحدث وخضوعه للقانون فهي لا تعتبر من هو دون الحد الأدنى مسؤولاً عن أفعاله لصغر سنه وقصوره عن أدراك أفعاله وبالتالي فهو لا يقع تحت طائلة القانون ولا يقدم إلى المحكمة.
كما يعد كل من تجاوز الحد الأعلى للسن القانوني هو غير حدث وبالتالي فانه يقع تحت طائلة القانون الجزائي العام وتتولى المحاكم الخاصة بالكبار مسؤولية النظر في قضيته. على ان عدم مسؤولية الحدث الجنائية الناتجة عن صغر سنه ليست مانعاً في اتخاذ تدبير بحقه على ان يكون علاجي ، فالمحكمة تستمد حقها في اتخاذ إجراءات تربوية حيال الحدث من منظور مسؤولية او عدم مسؤولية الحدث الجزائية . ولكن ذلك سرعان ما يؤدي الى حلول لامعقولة ذلك ان عدم المسؤولية هي ايضاً يجب ان تؤخذ بالحسبان لاتخاذ تدبير يهدف الى تربية الحدث . وهذا ما تختلف بشأنه العديد من التشريعات القانونية لكثير من الدول بسبب تفاوت الحد الأدنى والأعلى لتحديد السن الجزائية والتقسيمات فيما بينها.
ففي إنكلترا ليس هناك مسؤولية على الحدث حتى سن السابعة أما بين السابعة والرابعة عشر فيعامل بأحكام مخففة ، اما ما بعد الرابعة عشرة فيعامل كحدث بالغ قد يرسل الى الإصلاحيات ولكن لا يجوز ان يبقى فيها حتى سن التاسعة عشرة ، وللمحكمة إرسال الحدث الذي يبلغ السادسة عشرة الى الحادية والعشرين الى معهد خاص على ان لا تقل المدة عن سنة ولا تزيد عن ثلاث سنوات بدل من الحبس . وقد شرع سنة 1948 قانون يجوز بموجبه إرسال الحدث الذي لم يبلغ الحادية عشرة الى مركز خاص على ان لا تتجاوز المدة ستة شهور.
فقد تطورت في فرنسا مسؤولية الإحداث من خلال القوانين والتشريعات الصادرة التي رفعت سن المسؤولية الى الثالثة عشرة فلا توقع العقوبة على الحدث قبل تلك السن مهما كانت جسامة الفعل ، بل يخضع لاحد التدابير الثلاثة وهـي الملاحظة او المساعـدة او التهذيب .
اما في ألمانيا فليس هناك مسؤولية على الحدث حتى سن الثانية عشرة اما من الثانية عشرة حتى الثامنة عشرة فانه تسري عليه أحكام قوانين الإحداث المشرعة على ان لا تزيد مدة أقامته في المعهد او الإصلاحية اذا ما تم وضع الحدث فيها عن سن العشرين
وفـي مصر فقد حدد أربعة مراحل عمرية هي ما قبل السابعة وتنعدم حينه المسؤولية الجنائية ثم سن السابعة إلى الثانية عشرة ، ومن الثانية عشر إلى الخامسة عشر ، ومن الخامسة عشر إلى السابعة عشر ويخضع الإحداث في هذه المراحل إلى المسؤولية المخففة فـي اتخاذ التدابير ، فيخضع الحدث إلـى التسليم او الإرسال إلـى الإصلاحية او غيرها .
الحدث الجانح في التشريع العراقي
يعد العراق من أوائل الدول العربية التي وضعت قانوناً خاصاً بالإحداث الجانحين وذلك عندما صدر قانون الإحداث عام 1955م ، وبعد ذلك صدرت قوانين الإحداث الأخرى لمتابعة التطورات المستجدة والأخذ بأحدث أساليب الرعاية والحماية والعلاج في حقل مكافحة الانحراف والجنوح في التشريعات الخاصة بالإحداث .
لقد كان أول نص طبق في العراق بشأن الإحداث الجانحين هي المادة 40 من قانون الجزاء العثماني عندما كان العراق تحت الاحتلال العثماني التي تنص " ان من لم يكن حين ارتكب الجريمة قد أتم الثالثة عشرة من عمره يعد فاقداً للتمييز ولا يسأل عما ارتكبه من الجرائم " غير انه يسلم بحكم محكمة الى أبوية أو وليه على ان يؤخذ منهم تعهد ، او يرسل لاجل التربية في دار الإصلاح، ويوقف بها مدة لا تتجاوز بلوغه سن الرشد على الأكثر ، فضلاً عن تقليل مدة الحبس بالنسبة لجرائم القتل او التي تستلزم الإعدام او السجن المؤبد بالنسبة للكبار الى ربع او ثلث للمدة .
ثم صدور قانون العقوبات البغدادي سنة 1918 م الذي استمد اغلب أحكامه من قانون العقوبات المصري الصادر سنة 1904 م. ولم يكن هناك محاكم خاصة بالإحداث بل كانت محاكم الجزاء ( الجنح ) ومحاكم ( الجنايات ) هي المختصة في النظر في قضايا الإحداث . وكانت تتبع بحق الإحداث الأساليب او الإجراءات نفسها التي كانت تطبق بحق البالغين وتفرض بحقهم نفس العقوبات تقريباً ، والتي كان اغلبها يتسم بالقسوة كعقوبة الجلد . الا انه نص على إيداع الإحداث في المدارس الإصلاحية ، علماً ان هذه المدارس لم تنشأ الا في عام 1931م، كمـا اقر هذا القانون تسليم الحدث الى والديه او وصية لقاء تعهد مكتوب .
وجاء صدور قانون الإحداث بالرقم 44 لسنة 1955 م الذي كان أول قانون للإحداث في العراق كما أسلفنا وكان صدوره نتيجة مباحثات بين عدة لجان شكلت لهذا الغرض ، وقد تم على اثر هذا القانون استحداث محاكم للإحداث في منطقة بغداد لممارسة كافة الحقوق والصلاحيات المنصوص عليها في القانون ,كما أشار هذا القانون الى مرحلة جديدة في تقسيمات الإحداث الى مراحل عمرية وهي مرحلة الصبي الذي يبلغ عمره بين السابعة والثالثة عشرة ، ونص على وجود مؤسسات خاصة بالإحداث الجانحين هي مواقف الإحداث والمدرسة الإصلاحية وسجن الإحداث ، كما ظهرت الأحكام الخاصة بالمتشردين من الإحداث ,وقد عد هذا القانون خطوة اولى نحو تحديث الرعاية والتأهيل ومعاملة الاحداث الجانحين ، الا انه انتقد من حيث كونه لم يواكب التشريعات الحديثة في البلاد المتقدمة واتسمت اغلب نصوصه بالقسوة بتأثير المفهوم القديم الذي يرجح العقاب على التدبير ولم ينص على التدابير الحديثة كمراقبة السلوك او الإفراج الشرطي .
ثم صدر قانون رقم 11 لسنة 1962م الذي حاول المشرع العراقي فيه تلافي العديد من الثغرات في القانون السابق ، لعل ابرزها هو التخلي عن مرحلة سن السابعة الى الثانية عشر والعودة الى تقسيم قانون العقوبات البغدادي ، كما استحدثت لاول مرة التدابير العلاجية الحديثة مثل مراقبة السلوك او الافراج الشرطي ، فضلاً عن التسليم الى ولي الامر او ارسال الى المدارس الاصلاحية .كما اقر مبدأ انتزاع السلطة الابوية وتوسيع سلطة المحاكم في تقدير التدبير الملائم . كما أجاز النظر في اكثر من دعوى على الحدث في نفس المحاكمة و يعد هذا القانون ثورة إصلاحية في وقته على الرغم من بقاء السمة العقابية بين جنباته.
وجاء صدور قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 م وقانون أحوال المحاكمات الجزائية رقم 64 لسنة 1972 م وقد عد خطوة متقدمة في مجال قضاء الإحداث . لاتسام أحكامه بالمرونة ومنح المحكمة سلطة واسعة في اختيار التدابير المناسبة لكل حالة من خلال مبدأ التفريد في المعاملة ، كما جاء تعدد الخيارات التي أتاحها القانون للمحكمة بجعلها اكثر قدرة على فرض التدبير المناسب بحق الحدث الجانح .
كما اكد قانون إصلاح النظام القانوني رقم 35 لسنة 1977م على ( ضرورة الحد من مشكلة جنوح الإحداث والوقوف بشكل فعال إمام تفاقمها وإيجاد نظام متكامل يستند الى أسس علمية تتناسق في العمل ابتداءاً بالوقاية وانتهاءاً بالرعاية اللاحقة مروراً باللقاء الأول مع السلطة العامة ولاجل تحقيق ذلك ينبغي تخصيص مؤسسات علاجية لائقة ومتنوعة وعلى مستوى تهذيبي عال تدار من قبل متخصصين بشؤون الإحداث وربط جميع أجهزة النظام بوزارة العدل لتكون وحده متكاملة مع الأجهزة التحقيقية والمحاكم الخاصة بالإحداث ومتى ما وجد هذا النظام بمتطلباته البشرية والمادية ، جاء دور القانون ليحدد شكل وموضوع ما تقتضيه محاكمة الحدث والتدابير اللازمة بحقه. وتجسيداً لما جاء به قانون إصلاح النظام القانوني فيما يتعلق بالأحداث فقد شرع قانون رعاية الإحداث رقم 76 لسنة 1983 الذي أعطى لموضوع الوقاية من الجنوح دوراً مهماً وبارزاً بعد ان شخص الشرع الأسباب الحقيقة لظاهرة الجنوح وسبب تفاقمها . فقد وضع هذا القانون الأسس العلمية في رسم خطة متكاملة في موضوع الوقاية من الجنوح . واشراك مؤسسات الدولة الرسمية ذات العلاقة بالإحداث والمنظمات الجماهيرية . وقد تبنى هذا القانون مبادئ حديثة مهمة تتعلق بالوقاية والعلاج والرعاية اللاحقة والأخذ بمبدأ الاكتشاف المبكر للحدث المعرض للجنوح ، ومسؤولية الولي عن إهمال واجباته تجاه الحدث وسلب الولاية على الصغير والحدث ، وتوسيع مساهمة ومسؤولية المنظمات الجماهيرية ، وادارات المدارس ، ورفع الحد الادنى لسن المسؤولية الجنائية الى تمام التاسعة من العمر ،وجواز وقف تنفيذ التدبير ، وابراز دور الادعاء العام
لازالت تلك التدابير خاضعة للتعديل والتغيير حسب وجهات النظر المختلفة للعلوم الجنائية والاجتماعية وفق التطورات الحديثة للسياسة الجنائية التي قد تغير في خططها تبعاً لتغير الحاجات الاجتماعية والتغيرات الى تطرأ على المجتمعات في العصر الحديث لتبقى تلك القوانين محط جذب ورد في محاولة الوصول الى افضل السبل للوقاية من الجنوح وعلاج الإحداث الجانحين ، على اساس ان الظاهرة لازالت تشكل هاجساً اجتماعياً من خلال زيادتها المضطردة وتوسعها وتنوعها ، بتنوع الأسباب المؤدية إليها .
الأجهزة العاملة في مجال رعاية الإحداث
تتنوع الأجهزة والمؤسسات المتخصصة والمعنية بالتعامل مع الإحداث الجانحين ، فأول جهاز يحتك به الحدث الجانح هو جهاز الشرطة الذي يتولى في العادة عملية إلقاء القبض وإجراء التحقيق الأول مع الحدث ، والجهاز الثاني الذي يحتك به الحدث هو قاضي التحقيق الذي يقوم باستكمال إجراءات التحقيق ويتخذ القرارات الخاصة بالتوقيف وبالإحالة وفي حالة صدور قرار بتوقيف الحدث فانه يحتك بدار الملاحظة بوصفها المكان المعد لتوقيف الحدث والتحفظ عليه وبمكتب دراسة الشخصية ، بعدها يحال الحدث إلى المحكمة التي تتولى إصدار قرار الحكم ان توافرت لديها القناعة بذلك حيث يتم بموجب هذا القرار إيداع الحدث في المؤسسة المختصة لقضاء مدة المحكومية ، وعند الإفراج عنه فأنه يحتك بالحلقة الأخيرة في سلسلة حلقات التعامل مع الحدث وهي الجهة القائمة على الرعاية اللاحقة ، ويبدو من تعاقب مجموع هذه الاجهزة في التعامل مع الحدث الجانح ، ان ردود الفعل التي يحتمل ان تثيرها تعامل البعض من هذه الأجهزة قد يفسد العملية الإصلاحية والعلاجية برمتها او قد يعوقها في احسن الأحوال.
لا يبالغ الكثيرون بالقول ان لمفهوم المعاملة المؤسسيه الخاصة بالإحداث الجانحين معان متعددة بقدر عدد الأشخاص الذين يطبقونها من الناحية الفعلية ,وبدون شك ان تحقيق هدف الإصلاح يتطلب وجود كوادر رسمية وغير رسمية مؤهلة تتسم بالتنوع والتخصص والرغبة في العمل والقدرة على التعامل مع الإحداث بتوظيف واستخدام معطيات العلوم والميادين المختلفة ,ووفقاً لهذا المنطلق أكدت غالبية التشريعات على ضرورة وجود أجهزة وجماعات ذات تخصص تنظر في قضايا الإحداث الجانحين بوصفهم يشكلون فئة معينة من الفئات ذات السلوك المنحرف التي تحتاج لمعاملة خاصة ، مثل وجود جهاز الشرطة خاص بالإحداث ، ومحاكم خاصة للنظر في قضاء الإحداث ، وقضاة متخصصون ، الى غير ذلك من الأجهزة والمؤسسات العاملة في مجال الإحداث, لان العاملون داخل مؤسسات الإيداع او العاملون خارج تلك المؤسسات كمراقب السلوك يمارسون عملاً فنياً قائماً على الخطوات العلمية والدراسة المستفيضة في مجال الجنوح والانحراف, وبدون ان تشكل تلك الأجهزة والتخصصات حلقات مترابطة في العمل ، لن يستطيع القانون وحده او مواده او إجراءاته من تحقيق تلك الأهداف ، وبدون أشخاص يترجمون تلك القوانين والسياسات بصورة ناجحة وتؤدي الغرض المنشود منها وهو إصلاح وتأهيل الحدث الجانح ، وسنشير إلى تلك الأجهزة والتخصصات تباعاً لهذا الفصل للتعرف عليها.
شرطة الإحداث :
تعد الشرطة أول عمل اختباري لمدى الصدق في العدالة التي يتضمنها أي تطوير قانوني خاصة في مجال الإحداث ، فالعلاقة بين الشرطة والإحداث ليست علاقة قانونية فحسب بل علاقة اجتماعية في المقام الأول , اذ ان النظرة الحديثة لدور الشرطة في مجال الإحداث الجانحين تتطلب تعميم تجربة شرطة الإحداث من ناحية ، ومن ناحية اخرى ضرورة خروج الشرطة من واجبها التقليدي في القبض على مرتكبي الجرائم الى نطاق أوسع ، فالشرطة اليوم وبالذات شرطة الإحداث تمارس دوراً اجتماعياً وقائياً يبدأ بحماية الإحداث المعرضين للجنوح والانحراف وتوفير المناخ الاجتماعي الوقائي الذي يحميهم من التعرض الى الأخطار الناجمة عن وجودهم في أماكن مشبوهة أو اماكن بعيدة عن محل إقامتهم ، او ناجمة عن مخالطتهم لرفاق السوء او عن تكرار هروبهم من المدرسة وضعف الرقابة الأسرية عليهم او عن قيامهم ببعض الأعمال التي تؤدي بهم الى سلوك طريق الجنوح. وهذا يتم عن طريق اختيار عناصر لشرطة الإحداث ممن تتوافر فيهم الصفات المؤهلة للتعامل الإيجابي البناء مع الإحداث ، والحاصلين على تثقيف وتدريب خاص يؤهلهم لعملهم وذلك استجابة لمقتضيات الدفاع الاجتماعي ومستلزمات المكافحة الحديثة ، كما ان دورهم لا يقتصر فقط على الوقاية والاكتشاف المبكر للجنوح بل يستمر من خلال الرعاية العلاجية للإحداث في تعاملها معه في إثناء التحقيق وجمع البيانات الأولية عن حالته وظروفه وحجزه مؤقتاً في الحالات التي تستدعي ذلك لحين عرض قضيته على قاضي الإحداث المختص ، كما تسهم الشرطة في الرعاية اللاحقة بعد انتهاء مدة ايداع الحدث في المؤسسة الإصلاحية والتعاون مع الأجهزة والهيئات الأخرى المختصة في القيام بهذه الرعاية .
ان أسلوب تعامل شرطة الإحداث مع الجانحين ينبغي ان يتم بالعناية والرعاية فالحدث الذي يلقى معاملة تتسم بالقسوة واللامبالاة وعدم فهم أبعاد ومدخلات سلوك الجانح في مرحلة القبض عليه والتحقيق الأول الذي يتولاه عادةً جهاز الشرطة ، سيؤدي بلاشك الى ردود فعل شديدة على نفسيته قد تنسحب سلباً على مستوى تقبله واستجابته للبرامج الإصلاحية والتأهيلية وتجعله في حالة من الذعر والخوف وفقدان الثقة جراء أسلوب التعامل الخشن وغير المهني الذي يعتمده رجل الشرطة غير المدرك لابعاد وجوانب عملية التقويم والعلاج .
لذلك بدء التفكير في استحداث جهاز شرطة خاص بالإحداث ، وقد طالب بذلك المؤتمر العام للمنظمة الدولية للشرطة الجنائية ( الانتربول ) الذي انعقد في برلين سنة 1926 م ثم جرى بعد ذلك اتخاذ خطوات عديدة ففي عام 1956 م قدمت السكرتارية العامة (للانتربول) برنامجاً نموذجياً لتدريب ضباط شرطة الإحداث وتمت المصادقة على هذا البرنامج وقد حددت المبادئ الرئيسة الثلاثة لتدريب الضباط في معاملة الإحداث ، مثل ان يكونوا متطوعين لهذا النوع من العمل ، ويجب ان يتم اختيارهم بدقة ، ويجب ان يدربوا تدريباً خاصاً لهذا النوع من العمل .
اما في العراق تم تشكيل أول مركز لشرطة الإحداث في عام 1975م ثم تم رفع مستوى المركز المذكور الى مستوى معاونيه سميت بمعاونيه شرطة الإحداث وألحقت بها دار الملاحظة والتي كانت مرتبطة بمديرية مكافحة الإجرام وفي عام 1981م تم تطوير معاونيه شرطة الإحداث الى مديرية وأنيطت بها بموجب منشور وزارة الداخلية المهام التالية ، ضبط الجرائم واقامة الأدلة على مرتكبيها ، منع الإحداث من ارتياد الملاهي ومحلات شرب الخمور ولعب القمار ودخول دور السينما التي تعرض فيها افلاماً يمنع الحدث من مشاهدتها ، ضبط الجرائم التي يتعرض فيها الإحداث الى الأخطار الجسيمة او الأخلاقية ، الاتجاه الى المحاكم المختصة لسلب الولاية من الأباء والأولياء غير الصالحين الذين يشكلون خطورة أخلاقية او تربوية او جسمية على الاحداث ، ورعاية الإحداث الضالين والبحث عن ذويهم وتسليمهم اليهم ، والقبض على المتسولين والمتشردين واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم ، وإدارة موقف الإحداث ( دار الملاحظة ) وتأمين إيصال الموقوفين الى الجهات التحقيقية والمحاكم المختصة ، وتطبيق القوانين التي تمنع تشغيل الإحداث دون السن القانوني.
اذ جاء في المادة ( 23) من قانون رعاية الإحداث العراقي رقم 76 لسنة 1983 م الفقرة اولاً , ان تتولى شرطة الإحداث البحث عن الصغار الضالين والهاربين من آسرهم والمهملين ، والكشف عن الإحداث المعرضين للجنوح في أماكن جذب الإحداث كالمقاهي والمشارب والمراقص ودور السينما في ساعات متأخرة من الليل ،وفي الفقرة ثانياً من المادة نفسها جاء ان على شرطة الإحداث إيصال الحدث او الصغير عند العثور عليه في الأماكن التي تعرضه للجنوح الى ذويه .
ومن هذا نجد ان شرطة الإحداث تضطلع بدور كبير في العملية الوقائية والعلاجية للأحداث الجانحين والمعرضين للجنوح إذا ما تم تأسيس ذلك الجهاز على أساس علمي مدروس وتضمن أشخاص أكفاء ومدربين تدريباً خاصاً ولديهم الرغبة في العمل في مجال الأحداث ، ليكون هذا الجهاز عاملاً مساعداً في القضاء على الجنوح لا ان يكون أداة للقهر والمعاملة القاسية وكبت الحريات او ممارسة الضغط والعنف تجاه الأفراد فالشرطة اساساً وجدت لحماية المجتمع والأفراد لا لحماية قانون وجد للسيطرة على المجتمع أو لكبته أو قهره
قاضي الإحداث:
لا ريب ان المسؤولية الملقاة على عاتق قاضي الإحداث في رؤية دعوى الحدث الماثل امامه وفصلها بصورة صحيحة هي مهمة جسيمة . فقراره لا يؤثر على حياة الحدث ومصيره فحسب ، بل انه اذا لم يكن صائباً قد يثـقل كاهل المجتمع ويعرضه لشديد الأخطار اذا ما اصبح الجانح المبتدي مجرماً معتاداً ، فجهود الحاكم يجب ان لا تقف عند حد التثبيت من الجريمة وفرض العقوبة بل ان تذهب الى ابعد من ذلك من خلال تحري بواعث الفعل الدفينة وواقعه الظاهرة الكامنة والعمل على إزالتها واستأصالها .
فان يكون قاضي الإحداث فقيهاً ونزيهاً وموضوعياً غير كافٍ في قضاء الإحداث . اذ يقتضي منه ايضاً معرفة عميقة في مجال العلوم الاجتماعية وان يعمل في مستويات اجتماعية وسايكولوجية وتربوية ,لحاجته في معرفة شخصية الحدث الجانح الماثل امامه ، فالمسالة لم تعد تتعلق فقط بالظروف التي أحاطت بالفعل الجانح بل أصبحت تتعلق بالتكوين البيولوجي وبردود أفعاله النفسية وتاريخة الشخصي وموقفه الاجتماعي .
توافر المعلومات الاجتماعية والنفسية والتربوية لدى القاضي يؤهله فضلاً عن ثقافته القانونية ، الى تفهم نفسية الحدث اولاً ، وتصور نوع وطبيعة البحث الذي يجب ان يجرى على الحدث قبل إصدار الحكم ثانياً ، وتشخيص العلاج الملائم لاعادة تأهيل الحدث الذي هو المقصود والهدف من عمل القاضي والذي يقدمه في صيغة حكم ,وهذا يعني ان قاضي الإحداث تقع عليه مسؤولية جعل الحدث الجانح فضلاً عن أسرته يتفهمون الإجراءات التي تنتج عن المحكمة وما لذلك من اثر تربوي في إصلاح الحدث ، بل من الافضل ان يبذل القاضي قصارى جهده في افهام الحدث الماثل أمامه لتلك الإجراءات ببصيره وتعاطف ، وهذا يتوقف ايضاً على صواب قراره حيال الحدث ومدى فهمه لشخصية الحدث في اختيار التدبير المناسب لاصلاحه .
ان هذه الاجراءات لاينعكس تأثيرها على الحدث وحده اذ قد تصل الى الابوين لاسيما اذا كانا لهما تأثير في جناح أولادهم من خلال المساعدة التي يقدمها لهما لتفهم مشاكلهما وتأثيرها على الحدث . كما لايمكن اغفال مهمه القاضي في عملية مراقبة السلوك التي يتبناها مع مساعديه من الاختصاصات الاجتماعية الملحقين بالمحكمة ، فضلاً عن دوره في الاتصال مع كل المنظمات والهيئات التي لها علاقة بالموضوع .كما يتولى قاضي الإحداث مسؤولية جمع أدلة الجريمة ويقدرها تقديراً قضائياً ، و يأمر بإجراءات تكفل له التعرف على شخصية وسمات الحدث من خلال البحث الاجتماعي والنفسي والطبي ,وهذا يجعل لقاضي الإحداث مهام أخرى فضلا عن دوره كمنفذ للتشريعات القانونية فقط .فمثلاً عليه ان يخاطب الحدث ويعامله كما لو كان ابنه ، فلا يقسو عليه على ما بدر منه وان يشعره بحرصه على مصلحته وهذا يتطلب صبراً وحكمه وروحية محبة للخير لكي يكون قاضي إحداث ناجح يجعل نصب عينيه مصلحة الجانح ,فهو يتلقى بأقصى قدر من ألتفهم أقوال الصبية التي يفضون بما إلية، فهي تعبير على ما تنطوي عليه عقلية الحدث وبالتالي توصله الى القرار المناسب من خلال فهم تلك العقلية ومحاولة جعله يتقبل قرار الحكم ويقتنع انه في مصلحته وتؤدي الى علاجه من اجل تلافي الحالة التي يمكن ان يصبح فيها الحدث اكثر تمرداً اوعنفاً او حقداً على المجتمع . وينبغي اعطاء القاضي سلطة واسعة ومتنوعة تمكنه من اصدار قرارات ليست جامدة او مقيدة تقيداً مطلقاً . وهذا يعني انه ينبغي ان يكون لديه جملة من التدابير والإجراءات التي يستطيع من خلالها ان يحدد الحل الأمثل والأفضل لاصلاح الحدث..
لذا فان قاضي الإحداث يعد ركيزة أساسية ومحوراً رئيساً في العملية الإصلاحية ، لان قراراته سوف يترتب عليها تبعات كثيرة من نوع وكم التدابير التي يفرضها على الحدث وهذا يعني ان القاضي هو المتحكم الأساسي في مصير الحدث . الامر الذي جعل العديد من الباحثين والمختصين بالعلوم الجنائية او الإجرام او علم الاجتماع يفضلون ان يكون القضاة من حملة شهادات العلوم الاجتماعية ولديهم خبرة في القضاء بدلاً من القضاة الذين يحملون شهادات القانون ولديهم خبرة بالعلوم الاجتماعية.وذلك لان وظيفتهم هي اجتماعية تربوية اكثر منها قانونية ، فهي تمس شريحة مهمة من شرائح المجتمع تحتاج الى عناية وتفهم ودراية علمية خاصة في المعاملة ، وكثير من القضاة ربما تنقصه الدراية العلمية بالعلوم الإنسانية او التربوية . وذلك لان تلك القوانين قد سمحت له بقليل من الحرية من خلال قلة التدابير الممنوحة له لاتخاذها لذا وجب ان يكون القاضي قادر على التعامل مع الوقائع بصورة تضمن عدم فرض التدبير غير المناسب الذي يؤدي الى ضياع او خسارة حدث قد لا نستطيع ان نعيده الى المجتمع مره اخرى فكم من التدابير فرضت في غير محلها بسبب تصرف القضاة او سوء تقديرهم للحاله الماثلة امامهم .
فمثلاً في قانون محاكم ولاية كولومبيا الأمريكية يشترط ان يكون قاضي الأحداث ذا أطلاع واسع في المسائل الاجتماعية ومتفهماً لنفسية الأطفال وان يكون من سكان الولاية لمدة خمسة سنوات على الأقل . اما في التشريع العراقي فان القانون يفرض ان يكون قاضي الإحداث من الدرجة الثالثة على الأقل ولكنه لا يشترط عليه الإلمام بعلم الاجتماع او علم النفس او غيره من العلوم الاجتماعية. وربما تكون هذه نقطة ضعف في التشريع العراقي لما لذلك من اهمية واثر كبير في هذا المجال . وتجدر الاشارة هنا الى ان القضاء الانكليزي ذهب الى ان تعين قاضيين لمحكمة الاحداث احدهما امراة لما له من اثر بالغ في اصلاح الحدث الجانح لاشعاره بوجود ام و اب يسعيان في تربيته تربية صالحة ويؤكد العلماء الانكليز بان وجود امراة ذات دراية في نفسية الاطفال وخبره في مشاكلهم يؤدي دوراً فاعلاً في محكمة الإحداث .
ان اهتمام الدول المختلفة بمبدأ أهمية القاضي ودوره في عملية إصلاح الإحداث جعلت منها تولي تلك المسالة اهتماماً كبيراً على الرغم من ان هناك الكثير من الدول الأخرى التي لازالت ترى ان القاضي هو منفذ للقانون بالدرجة الأولى دون النظر الى دوره من الناحية التربوية والنفسية والاجتماعية في حياة الطفل الذي سوف يقرر هو مصيره وطريقه علاجه والتي قد يكون فيها مصيباً او قد يكون مخطأً ، مغيراً بذلك مجرى حياة إنسان كاملة بما قد ينتج عنه من آثار سلبية على الحدث نفسه او أسرته وبيئته الاجتماعية . وتأسيساً على ماتقدم ينبغي اعطاء القضاة أهمية كبيرة ضمن تلك الحلقات المكونة للسلسة الطويلة من الإجراءات المليئة بالشخوص التي يصادفها الحدث بمجرد ارتكابه الفعل الجانح ليصبح بين يدي أناس وجب ان يكونوا مؤهلين للقيام بذلك الدور الجسيم ابتداءاً من شرطة الإحداث او الأخصائيين الاجتماعين او النفسين ثم القاضي ثم كادر المؤسسة الإصلاحية وكل من له علاقة بالموضوع.
محاكم الإحداث :
محاكم الإحداث هي محاكم استثنائية أنشئت لاسباب خاصة ولتحقيق أهداف معينة ولذلك كانت القوانين الخاصة مراعية لاهداف تلك المحاكم في الأخذ بمهامها وإيجاد السبل لنجاحها من خلال التشريعات والقوانين الخاصة ومحاكم الإحداث هي مؤسسات اجتماعية بالدرجة الأولى ذلك لانها ليس مجرد مكان تنفيذ القانون فقط و إنزال الأحكام الجزائية ، فهي تتعامل مع فئة خاصة من المذنبين الذين يحتاجون الى الكثير من الرعاية والتوجيه والفهم الكامل لشخصيتهم ولمشاكلهم و أسباب انحرافهم او تعرضهم للجنوح ، واختيار ما يناسب كل حدث من التدابير الكفيلة بإصلاحه و أعادته الى السلوك القويم .
لقد أصبحت محاكم الاحداث في عصرنا الحاضر من أولى مظاهر التعبير القضائي عن أفكار الإصلاح في السياسة الجنائية نحو معاملة الإحداث الجانحين من خلال التدابير العلاجية الحديثة , وقد كان هذا التحول في مهام تلك المؤسسة من مجرد أداة لتطبيق النصوص وإصدار الأحكام ، الى إعطاء الاهتمام للشخص الجاني والعوامل الاجتماعية والبايولوجية والنفسية المتفاعلة مع الشخص . ويعود الفضل في ذلك كما أسلفنا الى ظهور المدرسة الوضعية الحديثة ثم ظهور حركة الدفاع الاجتماعي وفلسفتها حول السياسة العقابية الحديثة التي نبذت فكرة التقابل بين الجريمة والعقوبة والتمسك بفكرة الإصلاح والعلاج كهدف للعقوبة.
لقد جاء هذا التحول من الصفة الجزائية و إنزال العقوبة ليس فقط من خلال تطور فلسفة الإصلاح وظهور الأفكار المساندة له ، بل من خلال تطور التشريعات القانونية التي غيرت الكثير من اختصاص تلك المحاكم وحددت مسؤولياتها ، فضلاً عن اعتراف المشرع القانوني بان اختصاص تلك المحاكم هو النظر في دعاوى الاحداث الذين هم بالاساس ليسوا مجرمين بقدر كونهم مجموعة من القصر العاجزين عن اختيار طريقهم بإدراك كامل واجتناب المشاكل التي قد يقعون فيها نتيجة سوء تقديرهم الناتج عن صغر سنهم وخبرتهم. فقد نص قانون الولايات المتحدة عام 1933م مثلاً على ان المحكمة الخاصة بالإحداث تتولى الحماية والعناية بالحـدث وان تراعي مصلحته الحقيقة والتكفل فـي إصلاحه وتعليمه وتهذيبه .
لما كانت تلك المحاكم تطبق على الجانحين إجراءات تهدف الى حمايتهم واعادة تربيتهم فإنها تمتلك بذلك وبحكم القانون إصدار أحكام جنائية عليهم وهذه الأحكام تخفف مراعاة لصغر سن الحدث فتقل عقوبتها عن الأحكام الصادرة بحق الكبار وتتدرج تلك الأحكام حسب المراحل العمرية للحدث ونوع الجريمة والظروف المحيطة بالحدث وتوافير النية والإدراك لديه . وبذلك خرج الحدث الجانح من نطاق قانون جنائي ضيق عاش على مفهوم تناسب العقوبة مع الجرم اكثر من مفهوم تناسب العلاج الاجتماعي والتربوي مع الحدث الجانح. ولقد راعى المشرع الفرنسي الاثار النفسية والسايكولوجية للحدث فحاول التقليل من اهمية الجهاز القضائي حول الحدث ، وتقليل الكثير من الإجراءات القضائية التي تتخذ مع الكبار ,كما شرع ان لا تكون المحاكمة مؤثرة في الحدث من الناحية النفسية او تسبب له صدمة وجدانية جراء معاملته كمذنب ، وفي سبيل ذلك يمكن ان يحكم على الحدث وهو خارج قاعة المحكمة اذا كان مثوله امام المحكمة له تأثير تربوي سيئ عليه او يحدث لديه اضطراباً وجدانياً.كما تكون المحاكمة سرية ولا يسمح لاي شخص غير معني بالحدث الدخول الى قاعة المحكمة وقد أشار المشرع العراقي الى ذلك في المادة 58 من قانون رعاية الإحداث الذي فرض ايضاً في المادة 63 من القانون عدم جواز الإعلان عن اسم الحدث او عنوانه او اسم مدرسته او صورته او أي شيء يؤدي الى معرفة هويته . حتى انه عاقب على من يفعل ذلك بالحبس مدة لا تزيد عن سنة او بغرامة مالية ,وفيما يخص انعقاد المحكمة يفترض ان يكون في جو مشبع بالهدوء خال من مظاهر الرهبة والعنف وفي مكان بسيط لاكلفة فيه ولا ضوضاء ، وان يتخذ القاضي فيه جلسة اعتيادية بعيدة عن الوقار المصطنع كما يفضل الأخصائيون بان تكون محاكم الأحداث في اماكن خاصة منفصلة عن المحاكم الاخرى ودوائر القضاء وما فيها من رهبة في نفسيه الحدث الجانح وذلك حفاظاً على شعور الحدث وحمايته من الوصم الاجتماعي والانحراف الذي قد يلازمه ويؤدي به الى سلوك طريق الإجرام . ولاهتمام المشرع بالناحية النفسية والاجتماعية للحدث الجانح والهدف الرئيسي لتلك المحكمة وهو الاصلاح والعلاج ، جعل هيئة المحكمة تضم الى جانب قاضي الإحداث عضوين من المختصين في العلوم الجنائية او العلوم الاخرى التي لها علاقة بشؤون الإحداث حرصاً منه على ان تأخذ الصفة العلاجية دورها العلمي الفعال من خلال اشتراك الاختصاصات الإنسانية في المحاكمة وقد اشار المشرع العراقي الى ذلك في المادة 54 من قانون رعاية الإحداث .
كما لا تصدر محاكم الإحداث أحكامها الا بعد الحصول على معلومات شخصية كاملة عن الحدث الجانح وهي معلومات مستقاة من الدراسات الاجتماعية التي يجريها أخصائيون اجتماعيون فضلاً عن الاختصاصات الطبية والنفسية التي تبحث في مختلف الظروف الاجتماعية والبيئية للحدث سواء في مراكز الملاحظة او في البيئة الطبيعة للحدث الجانح .
هذه المحاكم لا تنظر فقط في قضايا الإحداث الذين يقترفون أفعال خاطئة يحاسب عليها القانون بل يشمل ذلك الإحداث المشردين والمشاكسين والمتمردين والأحداث الذين ليس لديهم عائلة لغرض رعايتهم على اساس ان كل حدث هو في حاجة للرعاية والعناية بغض النظر عن ارتكابه فعل يحاسب عليه القانون كما هو منصوص عليه في اغلب قوانين الإحداث والعراق منها وهو من أهداف الوقاية من جنوح الإحداث عن طريق العلاج الوقائي للحدث المعرض للجنوح او الانحراف.
يمكن القول تأسيساً على ما تقدم ان محاكم الاحداث هي مؤسسة اجتماعية اكثر مما هي قانونية وتلك الصبغة الاجتماعية الناتجة عن تعاملها مع فئة خاصة يتطلب رعاية وعناية من نوع خاص لنحصل على ما تهدف اليه السياسة الجنائية من إصلاح وعلاج وتهذيب للسلوك، بما في ذلك الاهتمام بالمحكمة والهيئة المكونة لها وكادرها وكل ما له علاقة بتسهيل عملها بالشكل القانوني .
إصلاح الحدث الجانح في ضوء نظم الوقاية والعلاج :
منذ بدء البشرية أخذت العقوبة أشكالاً مختلفة ، بدأت بعصر الانتقام الفردي من الشخص الجاني والذي ينتقم منه الشخص الذي وقع عليه الأذى والفعل بكل الوسائل التي تتوفر لديه وتختلف تلك الوسائل باختلاف قوة ذلك الشخص ومكانته مقابل الشخص المقابل له .وقد يكون بين جماعة او عدة أشخاص كالأسرة او غيره مع مجموعة أخرى يأخذ فيه القوي حق الضعيف وترى في ذلك تلذذاً ونصراً فردياً او جماعياً، وبعد ذلك جاء عصر التكفير الديني والذي نشأ بنشوء العقائد الدينية لدى الجماعات فأصبحت العقوبة تفرض على أساس تلك العقائد من خلال التعاليم التي يحددها ذلك الدين او رجاله ، فكل الأديان سواء القديمة منها والتي كانت تتمثل بالالهه والسحر والشعوذة وحتى الأديان السماوية اللاحقة كانت تضع عقوبات على كل فرد ينتهك قواعدها العامة واختلفت تلك العقوبات باختلاف تلك المعتقدات فكانت كل جماعة تسن قوانينها وعقوباتها حسب معتقداتها الدينية.
وبتوسع المجتمعات ونشوء الدولة بمفهومها السلطوي على المجتمع بدأ سن القوانين التي كانت تعد بمثابة قواعد عامة للمجتمع تنظم شؤون الحياة في ذلك المجتمع وتضع عقوبات على كل من ينحرف عن تلك القواعد الاجتماعية العامة مثل القانون الروماني والقانون الصيني . ولكن سمة التشابه بين تلك المراحل هو قسوة العقوبة التي كانت غالباً الإعدام او التعذيب البدني او النفي او غيرها من أنواع القصاص الذي يحل اكبر قدر ممكن من الأذى في سبيل ردع المجرم او غيره من خرق تلك القوانين فضلا عن اخذ حق المجتمع من ذلك المجرم ، وقد وصل هذا الأمر ذروته في القرون الوسطى ولاسيما في أوربا . لتبدأ دعوات الإصلاح الاجتماعي والقانوني في بداية القرن الثالث عشر والتي اخذ فلاسفة وكتاب تلك المرحلة بالمناداة بضرورة إصلاح النظام العقابي والتنديد بالقسوة والمغالاة في العقوبة مثل (مونتسكيو) في كتابه (روح القوانين) الذي حمل فيه على قسوة العقوبات وعدم جدواها في اصلاح المجرمين وكذلك كتاب العقد الاجتماعي لجان جاك روسو. لينشأ عصر الدعوة نحو الإصلاح وبعد قيام الثورة الفرنسية أصبحت تلك الدعوات سمة بارزة في نشوء مراحل جديدة كانت الأساس في إصلاح النظام العقابي. ولأهمية هذه المراحل التي أخذت شكل مدارس علمية تصدرها باحثون وكتاب في العلوم الإنسانية والجنائية والتي كانت أهم الأسباب في تطوير النظام الإصلاحي من الناحية النظرية والعلمية ,سيحاول الباحث الاشارة اليها من باب التسلسل التطوري للحركة الإصلاحية دون الدخول في تفاصيلها.
مرحلة الاتجاه الأول وسمي أصحابها بالمدرسة التقليدية الأولى التي نشأت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ومن روادها ( بكاريا)وكتابه الجرائم والعقوبات في إيطاليا و(بنتام) في إنكلترا و(فيدرباخ) في ألمانيا وقد نادت هذه المدرسة بمبدأ العدالة المطلقة من خلال الردع العام وجعل مقياس العقوبة هو جسامة الجريمة ومساواة كل المجرمين أمام القانون ولكن هذه المدرسة أغفلت شخصية المجرم فقد نظرت إليه من خلال الجريمة المجردة دون البحث في ظروفه الخاصة او دوافعه وبذلك ابتعدت عن مبدأ الإصلاح في العقوبة على الرغم من مقاومتها لمبدأ القسوة والتعذيب في العقوبة..
اما الاتجاه الثاني فقد نشأ في النصف الأول من القرن التاسع عشر ومن رواده (جيزو) في فرنسا و(هوس) في بلجيكا و(كرارا) في ايطاليا وسميت بالمدرسة التقليدية الثانية وغرض العقوبة في تعاليم هذه المدرسة هو تحقيق العدالة والردع العام وذلك على أساس فكرتي العدالة والمنفعة معا، بمعنى ان العقوبة يجب ان لاتكون اكثر مما تسبغه العدالة ولا اكثر مما تستلزمه العقوبة وهذه المدرسة أعطت لشخصية المجرم وواقعه اعتباراً في نوع العقوبة ولكن على الرغم من ذلك يؤخذ عليها التوسع في نطاق الظروف المخففة للعقوبة لدرجة لا تتيح الإصلاح والتأهيل من خلال العقوبات قصيرة الأمد.
ثم جاءت المدرسة الوضعية الايطالية وسميت بالواقعية ونشأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومن روادها لومبروزو وكتابه الإنسان المجرم و(رافائيل جاروفولو) و(فيري) والتي جعلت من الشخص الجاني مصدراً للجريمة كونها مفروضة عليه اما من خلال عوامل داخلية سببها العوامل البايولوجية للشخص المجرم او بعوامل خارجية كالظروف الاجتماعية التي تؤدي به إلى حتمية الفعل الإجرامي ولذلك كانت ترى في إصلاح المجرمين امراً صعباً وهذا هو المأخذ على هذه المدرسة علـى الرغم مـن ابتكارها للتدابير الاحترازية التي أصبحت فيما بعد سمة بارزة في سياسة الجنائية الحديثة والتي تستهدف إلى حماية المجتمع من شخصية المجرم قبل وبعد ارتكابه الفعل الإجرامي .
اما المرحلة اللاحقة والتي سميت بمرحلة الاتحاد القانوني للعقوبات والذي نشأ أواخر القرن السابع عشر ومن رواده (فان هامل) في هولندا و (ادولف برنز) في بلجيكا ( وفرانز فون ليست) في ألمانيا ومن أهم مبادئ تلك المرحلة الاعتراف بالعقوبة كوسيلة تقليدية للجزاء الجنائي في تحقيق الردع العام والاهتمام بالتفريد التنفيذي لها وفقاً لشخصية المجرم على أساس تصنيفهم إلى مجرمين بالطبيعة ومجرمون بالصدفة وهذا معناه مراعاة الظروف الشخصية في العقوبة كونها الأساس الذي يحدد نوع تلك العقوبة وشدتها .
ثم ظهر اتجاه الدفاع الاجتماعي والذي مثله كل من ( مارك انسل ) و ( جراماتيكا ) الذي أكد على الطابع القانوني للنظام الجزائي والذي عد العقوبة وسيلة لاعادة تأهيل المجرم وتقويمه وعودته إلى المجتمع كعضو نافع بما ينسجم مع كفالة احترام الحقوق والحريات ومع التسليم بمبدأ المسؤولية القائمة على حرية الاختيار وتأمين كافة الضمانات القضائية اللازمة . كما دعا إلى اتخاذ تدابير معينة بدل العقوبة سواء كانت سابقة او لاحقة لوقوع الجريمة في ضوء احترام مبادئ الشرعية والحرية .
قد كان لهذه الأفكار الأثر البالغ في تحول السياسة الجنائية نحو المذنب من مبدأ العقاب الصرف إلى مبدأ العقاب المقترن بالتأهيل الاجتماعي لإصلاح الجاني و أعادته إلى المجتمع وقد عرفت تلك الأفكار طريقاً إلى التشريع القانوني وفي تعديل ما يعرف بين الفقهاء القانونين بسياسة التجريم المتمثلة في مقابلة الفعل الجرمي بما يلائمه من العقوبات والتدابير ، وتلك السياسة هي الركن الأول في السياسة الجنائية الذي يضم أيضاً السياسية العقابية والوقاية من الجريمة . في نفس الوقت الذي كانت فيه الأفكار تتصارع من اجل إصلاح النظام القانوني واستحداث تشريعات اكثر ملاءمة مع الأفكار العلمية التي مالت إلى الإصلاح والعلاج . كانت السجون تشهد هي الأخرى إصلاحات في نظامها الداخلي وطرق وأساليب معاملة المسجونين متأثرة بتلك الأفكار تارة ومستحدثه من قبل إصلاحيين عملوا في السجون تارة أخرى وقد كان لتلك الإصلاحات دورٌ بارزٌ في إكمال الصورة الاصلاحية بشقيها التشريعي والتنفيذي والذي أخذت إصلاحات السجون دورها فيه . وقد ظهرت حركة الإصلاح كوظيفة أساسية للسجون في النصف الأول من القرن التاسع عشر ،التي استمرت بالتطور تبعاً لتطور العلوم الاجتماعية والجنائية التي كان لها الأثر ليس فقط على فلسفة القانون الجنائي بل في وظيفة السجون وطبيعتها وخصائصها حتى أصبحت سجون اليوم إصلاحيات ومؤسسات للإصلاح المجرمين والمنحرفين تتوخى البرامج ووسائل الضبط و إعادة التنشئة للمجرمين والمنحرفين بالطرق العلمية من خلال التدريب والعلاج و الإرشاد وقد مرت أيضاً بمراحل تطورية .
لقد كانت البداية من مؤتمر السجون العالمي في مدينة سنسناتي في أمريكا سنة 1870م والذي تبنى مجموعة من البنود المؤكدة على إدخال النظم الإصلاحية في السجون ، وقد طبقت بعض هذه النظم في مؤسسة (الميره ) فيما بعد مثل تصنف السجناء ونظام الدرجات حسب السلوك وإدخال برامج التدريب المهني والرياضي ، على الرغم من ان النظام الايرلندي 1854 والذي نشأ قبل مؤتمر سنسناتي قد تبنى نوعاً خاصاً من الإصلاح يعتمد على تقسيم مدة السجن إلى مراحل تهدف إلى لإصلاح السجناء من خلال التزامهم بعبور تلك المراحل للخروج من الحبس و إطلاق سراحهم او تحديد وضعهم في السجن . وقد نشأ نظام بورستال في بريطانيا الذي تحول فيما بعد إلى قانون بروستال 1908 والذي قام على مبدأ العلاج أثناء الإقامة في المؤسسة وبعد مغادرة المؤسسة أي العناية اللاحقة والذي حول هذا النظام فيما بعد إلى معاهد خاصة للرعاية والتدريب و الإصلاح . ونظام بنسلفانيا الذي اخذ منذ عام 1790-1829 م في الدخول إلى عالم الإصلاحات من خلال سجن ولاية فلادليفيا الأمريكية من خلال اعتماد مبدأ عزل السجناء حسب العقوبات و إبدال العقوبات البدنية بالعمل المنتج وتخفيض الآلام الجسمية عن المساجين . اما نظام اوبيرن 1819 في ولاية نيويورك الأمريكية فقد قام على عكس نظام بنسلفانيا في تجميع المساجين والعمل في النجارة وفي معامل الصناعة على ان يتم العزل ليلاً بدون السماح بالاتصال بين السجناء . وعلى الرغم من محاسن ومساوئ تلك السجون إلا انها كانت تمثل البدايات الأولى في التفكير في طرق الإصلاح والعلاج داخل السجن .
وقد كان لهذه الاصلاحات اثر في تكوين مؤسسات خاصة بالإحداث المنحرفين بدأت في مدينة نيويورك سنة 1825م ثم استمر افتتاح المؤسسات الخاصة بالإحداث لتصل إلى 66 مؤسسة في عام 1900م وقد أقر ان تلك المؤسسات هي مدارس وليست مؤسسات عقابية فالأطفال يعملون ويعالجون ولا يعاقبون فهم يتلقون التعليم الديني والأكاديمي وهناك تطبيق للإحكام غير المحددة المدة والإفراج على أساس السلوك الحسن ، وعلى الرغم من ذلك فان تلك المؤسسات كانت تعد سجوناً من نوع خاص تهدف بالدرجة الأساس إلى إبعاد الإحداث في أماكن منعزلة عن المجرمين الكبار وكانت تخضع للإدارات الخاصة التي كانت تهتم بالكسب المادي في أول إلامر فنظام الزنزانات كان موجوداً كما انه ليس هناك نظام لتحديد العقوبة على أساس الجرم .