الموت كلمة صامتة، لا يسمعها الإنسان إلا ويخيم عليه الصمت ويشعر ساعتها بالسكون، كلمة حيرت جميع العقول، ودهشت أعاظم العلماء، ومازال غامضا، وأمرا عجيبا، فالعلم قد وصل إلى ما وصل، وصنع من العجائب والغرائب ما صنع ،وأكتشف من الأسرار والخفايا ما اكتشف، ورغم هذا كله لو سألته عن الموت ،وقف عاجزا، مكتوف اليدين، معقود اللسان.
الموت مخلوق من مخلوقات الله، والعدم والفناء يجرى عليه، مصداقا لقوله تعالى { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}([3]) فكل شيء سيفنى ويموت، الملائكة تموت، والأنبياء يموتون، الأتقياء يموتون، والعصاة يموتون، الصغير يموت ،والكبير يموت، الحقير يموت، والعظيم يموت، الدميم يموت، والجميل يموت، النبي يموت، والشيطان يموت، ملك الموت يموت ،والموت نفسه يموت … فالكل في عالم الفناء والعدم.قال تعالى{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ"}([4]) .
الموت هو انعدام الحياة قبل وجودها، وانعدام الحياة بعد وجودها، فقبل وجودك أنت ميت، وبعد نزع الروح منك أنت ميت أيضا.
الموت نهاية الحياة على الأرض، بانهدام بنيان الإنسان، لتبدأ حياة جديدة في عالم جديد، فالموت ليس فناء كما يعتقد الجاهلون ،بل هو انتقال من دار إلى دار، وبرزخ يفصل بين حياتين، حياة الاختبار والابتلاء، وحياة الجزاء والبقاء، والحياة الحقيقية هي حياة الآخرة، قال تعالى{ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [].
إن الحياة الدنيا مهما امتدت، ومهما طالت، ومهما صفت، فمصيرها إلى الزوال، وإن هي إلا أعوام وتنقضي، وربما كانت أياما ،أو ساعات، وكم هي لبعض الناس بضع لحظات، فيصبح المرء بعدها في حفرة، وحيدا ليس معه الأولاد، ولا الأموال، ولا الزوجات، ولا خليل يناديه، كأنه لم ير الدنيا ولم تره ، هذا إذا كانت الدنيا التي عاشها صافية له، ونقية، فكيف وقد ملئت الدنيا بالمشكلات والمنغصات، كم مر بنا من خير ومسرات ؟ كم ضحكنا ؟ كم بكينا ؟ كم صححنا ؟ كم سقمنا ؟ كم عوفينا ؟ تقلبات مرت بنا كأن لم تكن.
الموت أكبر من أن تقوله الألسنة وفوق أن تراه العيون أو تسمعه الآذان أو تتصوره العقول، لأن الموت إذا نزل أخرس الألسنة وأسكنها، وأعمى العيون وأذهبها، وأزعج القلوب وأرهبها، فهو مصيبة بكل المقايس كما وصفه القرآن الكريم في قوله تعالى {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ المَوْتِ} [] وليت الأمر يقتصر على الموت لهانت المصيبة، ولكن المصيبة فيما بعد الموت ، فالويل كل الويل لمن كانت الدنيا أمله والخطايا عمله، الويل كل الويل لمن كان عالما بأمر دنياه، جاهلا بأمر آخرته، الويل كل الويل لمن كان يجزع إذا قل ماله، أو نقص، وما فطن لما من عمره ينتقص.
الموت هو انتزاع الحياة من الإنسان، وانتزاع الحياة يتم بواسطة ملك مخصص يسمى ملك الموت، الذي يمسك بالروح ويجذبها إليه، فيقلعها من كل خلية في الجسم دون تمييز، فتتمزق الخلايا، ويختلط الحابل بالنابل، وتسيل الدماء في كل اتجاه، وتنتهي الحواجز التي تفصل أجزاء الجسم بعضها عن بعض، فيصبح مهلهلا ويقاسى من الآلام الحادة والقاسية ما لم يشعر به بشر في مرض من قبل، ومهما حاول الإنسان أن ينجو من الموت فلن يستطيع []. ، قال تعالى{ قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}[].
الموت حتم في موعده المقدر، لا مهرب منه، ولا جدوى في الفرار منه، فإنه يطلب الإنسان ويتبعه حيثما كان، وفي أي وقت كان، حتى يدركه فأنت أخي الشاب لا تأمن الموت، ولا تظن أنك في أمان منه، فقد يموت الصغير، ويعمر الشيخ الكبير، ويهلك الصحيح، ويصحُّ المريض؛ فكم من صغير دفنتَ، وشاب وشابة واريتَ؟ وكم من عروس قبرتَ؟ وشيخ عجوز عاصرتَ، كم من نفس في ساعتنا هذه تحتضر، وكم من جسد مسجى للصلاة عليه ينتظر، وكم من جسد في ساعتنا هذه يحثي عليه التراب ليستتر، لكننا مع الأسف الشديد نسيناه أو تناسيناه وكرهنا ذكره ولقياه مع يقيننا أنه لا محالة واقع وحاصل، قال تعالى {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُُروجٍ مُّشَيَّدَةٍ َ} [].
لقد نال الموت عناية فائقة الوصف ،في الكتب السماوية، وأحاديث الأنبياء ووعظ الصالحين، ووصف الكتاب، من كل عصر، وجنس، وعقيدة ،وأصدق التعبيرات عنه نأخذها من القرآن الكريم :
فعن شدة الموت يقول {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كَنتَ مِنْهُ تَحِيدُ}.[]
وعن هوله يقول { يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ المَوْتِ}[] وعن حتمية الموت لكل كائن يقول {قُلْ إِنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ}[] وعن التحصن منه يقول { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ}[] وعن وصف لحظة خروج الروح يقول { تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ}.[]
وقد ذكر الله كلمة الموت ومشتقاتها في القرآن الكريم في حوالي خمس وسبعين ومائة آية، وفي كل مرة تذكر فيها كلمة الموت، تقشعر لها الأبدان، وتخشع لها الصدور، وتذرف لها العيون ،وليس في عالمنا عالم الإنس فقط، بل في كل العوالم، من عالم الجن، والملائكة، والحيوانات ،والحشرات، كلما ذكر الموت، ارتجفت هذه العوالم خوفا ورهبة، قال تعالى{ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}([5]) .
تلك لحظة حاسمة في حياة كل إنسان، مهما عظمت مكانته، ومهما علت منزلته، فالكل في تلك اللحظة سواء، وإنما يتفاوت الناس حسب تقواهم، فيا من غره طول الأمل، يا من قصر عن العمل، فاستعد ليوم الرحيل فإنّك عما قريب ستلاقيه، نغفل عنه في الحياة وهو خاتمة الحياة، قد كان بالأمس يَنعى وهاهو اليوم ٌينعى، فتخيل نفسك وملك الموت واقف ينتظر الأمر بنزع روحك، فما أعظم مصيبتك إن كنت ممن فرط في جنب الله، وكان من الساخرين، وما أسعدك إن كنت ممن قال ربنا الله ثم استقام، وليست المسألة بعيدة، ربما كانت أقرب إليك مما تتصور، فكم من مصلّ للظهر ما أدرك العصر إلا في الدار الآخرة، فخذوا حذركم، ويا إخوان الغفلة تيقظوا، ويا مقيمين على الذنوب انتهوا واتعظوا، فوالله ليس هناك ممن هو أسوأ حالا ممن استعبده هواه، وليس هناك أخسر صفقة ممن باع آخرته بدنياه، ولكنها الغفلة التي شملت قلبه، والجهل الذي ستر عنه عيبه، أما فكرت و لو للحظة واحدة، ماذا لو قبض الله روحك على هذه الحالة، أما فكرت فيما لو بعثك الله على معصيتك هذه يوم القيامة؟
وقد ذكر الله كلمة الموت ومشتقاتها في القرآن الكريم في حوالي خمس وسبعين ومائة آية، وفي كل مرة تذكر فيها كلمة الموت، تقشعر لها الأبدان، وتخشع لها الصدور، وتذرف لها العيون ،وليس في عالمنا عالم الإنس فقط، بل في كل العوالم، من عالم الجن، والملائكة، والحيوانات ،والحشرات، كلما ذكر الموت، ارتجفت هذه العوالم خوفا ورهبة، قال تعالى{ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}([5]) .
تلك لحظة حاسمة في حياة كل إنسان، مهما عظمت مكانته، ومهما علت منزلته، فالكل في تلك اللحظة سواء، وإنما يتفاوت الناس حسب تقواهم، فيا من غره طول الأمل، يا من قصر عن العمل، فاستعد ليوم الرحيل فإنّك عما قريب ستلاقيه، نغفل عنه في الحياة وهو خاتمة الحياة، قد كان بالأمس يَنعى وهاهو اليوم ٌينعى، فتخيل نفسك وملك الموت واقف ينتظر الأمر بنزع روحك، فما أعظم مصيبتك إن كنت ممن فرط في جنب الله، وكان من الساخرين، وما أسعدك إن كنت ممن قال ربنا الله ثم استقام، وليست المسألة بعيدة، ربما كانت أقرب إليك مما تتصور، فكم من مصلّ للظهر ما أدرك العصر إلا في الدار الآخرة، فخذوا حذركم، ويا إخوان الغفلة تيقظوا، ويا مقيمين على الذنوب انتهوا واتعظوا، فوالله ليس هناك ممن هو أسوأ حالا ممن استعبده هواه، وليس هناك أخسر صفقة ممن باع آخرته بدنياه، ولكنها الغفلة التي شملت قلبه، والجهل الذي ستر عنه عيبه، أما فكرت و لو للحظة واحدة، ماذا لو قبض الله روحك على هذه الحالة، أما فكرت فيما لو بعثك الله على معصيتك هذه يوم القيامة؟
أخي يا من تهاون في الصلاة و ضيع الجمعة و الجماعات،، يا من تشاهد الصور الإباحية والمواقع الفاسدة،، يا من قضى الساعات في مشاهدة القنوات والأفلام الخليعة،، يا من تنهش بعينك أجساد النساء في الأسواق و الطرقات،، يا من أطلق سمعه للموسيقى والغناء،، يا من أطلق لسانه بالغيبة و الخوض في أعراض الناس،، يا من شرب الدخان و لم يستجب لأوامر الله،، يا من أسبل ثيابه و تكبر على العباد،، يا من تعامل بالربا و أستحل المحرمات،، يا من ظلم و أكل حقوق العباد،، يا من منع الزكاة وتهاون بها،، يا من عق والديه وعذبهما،، يا من قطع أرحامه وهجرهم ،،يا من غش في البيع والشراء ،، يا من رشى أو ارتشى ،، يا من ضيع من يعول من زوجه وأولاد،، يا من زنى أو عمل عمل قوم لوط،،يا من نام عن صلاة الفجر،، يا من ذهب إلى السحرة والمشعوذين،، يا من استهزأ بأهل الدين والصالحين،، يا من حسد وحقد على إخوانه المسلمين،، يا من هجر القران،، يا من جالس أهل السوء والشر،،يا من هجر الصالحين ومجالس الذكر،، يا من لم يحج وهو يستطيع ويملك مقومات الحج،، يا من شهد الزور أو أعان عليه،، يا من يوالى الكفار،، يا من ابتدع في دين الله،، يا من يكذب ويتحرى الكذب،، يا من نادى بالتبرج والسفور وخروج المرأة المسلمة،، يا من غفل عن ذكر الله،، أما آن الأوان أن ترجع إلى الله ؟ أما آن الأوان أن تنتبه من غفلتك ؟ أما آن الأوان أن تستيقظ من رقدتك ؟ هل علمت إلى متى سيمهلك الله؟ ، تذكر أن الله قادر على قبض روحك على هذه الحالة ،فتموت على أقبح ميتة و على أسوء خاتمة، تذكر أنك سوف تبعث يوم القيامة على حال معصيتك، فمن مات على شيء بعث عليه، فمن مات و هو يزنى بعث يوم القيامة زانيا، و من مات و هو يشاهد الصور و الأفلام المحرمة بعث يوم القيامة على حالته مفضوحاً بين العباد منتظراً لعذاب الله.
لقد جعل الله سبحانه وتعالى الموت بلا أسباب، أنه يمكن أن يفاجئنا في أي لحظة ،لأنه ليس له سن معلوم، ولا زمن معلوم، ولا مرض معلوم، ولذلك يجب أن نكون على أهبة الاستعداد منه، وعلينا ألا نغتر بالحياة ،وأن نتوقع النهاية في كل وقت، وألا ندع الأمل في الحياة والهوى يبعدنا عن مصيرنا ، قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} ([6]) .
ألا ترى يا أخي، أنه لا يكاد يمر يوم إلا ونودع فيه أُناسا كانوا بين أظهرنا، وكانت لهم آمال، وطموحات مستقبلية مثلنا، وفجأة جاءهم الموت وحال بينهم، وبين أحلامهم، فاحرص على ألا تغيب هذه الحقيقة عن بالك حتى تتعامل مع الدنيا تعامل المفارق، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي المؤمنين أكيس قال:أكثرهم للموت ذكرا وأشدهم استعدادا له أولئك هم الأكياس. ([7])
وقال الإمام القرطبي رحمه الله في التذكرة:قال العلماء:تذكر الموت يردع عن المعاصي ويلين القلب القاسي ويذهب الفرح بالدنيا ويهون المصائب ([8]) .
ساعة الاحتضار، هي تلك الساعة التي يكون فيها الإنسان بين الموت والحياة، هذه الساعة إذا جاءت فإن الإنسان يعلم يقينا إنه سيموت، فليس في هذه الساعة كذب، ولا فيها إحساس بإمكان الهروب.([9])
إن الإنسان بما يراه وما يكشف له من الحجب في هذه الساعة، يعرف يقينا أن آخرته قد جاءت، لأن الله يكشف عنه غطاء الدنيا فيرى عالما جديدا، هذا العالم موجود ولكنه كان محجوبا عنه، فيعرف أن كل ما أخبره به الله من غيب هو حقيقة واقعة وموجودة([10]) قال تعالى: {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ
تأتى الشياطين للإنسان ساعة الاحتضار، وفي وقت لا حيلة له، ولا قوة، ولا سيطرة ،ليفتنوه في دينه، ويبعدوه عن كلمة التوحيد، ويخرجوه من الدنيا على غير الإسلام، حتى يموت على الكفر والعياذ بالله،فقد روى أن الشيطان أشد ما يكون على ابن ادم حين الموت ، يقول لأعوانه : دونكم هذا فإنه إن فاتكم لن تظفروا به أبدا ([11])، لكن التثبيت يأتي من عند الله سبحانه وتعالى فيثق المؤمن أن له إلهاً لن يخذله في مواجهة تلك الظروف، فلا يتعرض لزيغ القلب، ولا يتزعزع عن الحق، قال تعالى{ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}.([12])
يقول ابن القيم رحمه الله:
فمن كان مشغولا بالله، وبذكره، ومحبته، في حياته، وجد ذلك أحوج ما هو إليه عند خروج روحه إلى الله، ومن كان مشغولا بغيره ،في حياته، وصحته فيعسر عليه اشتغاله بالله، وحضوره معه عند الموت، ولا يثبت إلا أهل الطاعة، الصادقون ،الصابرون، الذين هم في صلاتهم خاشعون، وعلى صلواتهم يحافظون، فهؤلاء لا تزيغ قلوبهم ساعة الاحتضار، ولا تنال منهم الشياطين شيئاً .([13])
الملائكة تنزل بالبشرى على المؤمنين
قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلَيَاؤُكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ}([14]) ، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وزيد ابن اسلم :إن الذين قالوا ربنا الله، واستقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله، وعلى أداء فرائض الله تتنزل عليهم الملائكة عند الموت، أن لا تخافوا مما تقدمون عليه من أمر الآخرة ،ولا تحزنوا على ما خلفتموه من أمر الدنيا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون،فيبشرونهم بذهاب الشر وحصول الخير ([15]) ، وقال زيد ابن أسلم : يبشرونه عند موته، وفي قبره ،وحين يبعث، وهذا القول يجمع الأقوال كلها، وهو حسن جدا، وهو الواقع وقوله {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ }([16]) أي تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار كنا أولياءكم أي قرناءكم في الحياة الدنيا نسددكم ونوفقكم ونحفظكم بأمر الله ، وكذلك نكون معكم في الآخرة نؤنس منكم الوحشة في القبور، وعند النفخة في الصور،ونؤمنكم يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم الصراط المستقيم، ونوصلكم إلى جنات النعيم ، { وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ } ، مما تشتهيه النفوس وتقر به العيون، {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} ،أي مهما طلبتم وجدتم، وحضر بين أيديكم كما اخترتم، نزلا من غفور رحيم ، أي ضيافةً وعطاءً ،وإنعاما من غفور لذنوبكم رحيم رؤوف ، حيث غفر وستر ، ورحم ولطف. ([17])
وهكذا نعلم، أن المؤمنين أصحاب العمل الصالح، ساعة الاحتضار يرون ملائكة الرحمة، وتكون أول بشارة لهم بالجنة فتنفرج أساريرهم، ويفرحون فرحا شديدا، حتى تكاد نفوسهم تنخلع شوقا إلى الجنة، ويبتسمون فرحين لأنهم ذاهبون إلى خير مما كانوا فيه، إذا نظرت إلى وجوههم بعد الوفاة تراها ساكنة مطمئنة لما رأت من وعد الله الذي لا يخلفه.([18])
الملائكة تضرب الكفار ساعة الاحتضار
قال تعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفي الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وَجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ}.([19])
فكما يرى المؤمن مصيره ومقعده في الجنة وهو يحتضر ويبشر به، يرى الكافر مصيره ومقعده في النار وهو يحتضر، بل أن ملائكة العذاب يهينون الكافر جزاء على كفره ساعة الاحتضار، فيضربونه على وجهه وظهره ضربا مؤلما، لو كٌشف الحجاب عن الإنسان لرأى أمرا عظيما فظيعا، يقول ابن كثير رحمه الله : يقول تعالى :ولو عاينت يا محمد حال توفي الملائكة أرواح الكفار ، لرأيت أمرا عظيما ، هائلا ، فظيعا ، منكرا إذ يضربون وجوههم وأدبارهم ويقولون لهم : ذوقوا عذاب الحريق. ([20])
فتقول له الملائكة ها أنت ذا ترى ما كنت تكذب به في الحياة الدنيا، وترى العذاب الذي ينتظرك، فإن كان لك قوة أو قدرة فاخرج نفسك من هذا، أهرب إن كنت تستطيع، ولكنك لا تستطيع، غرتك قدرتك في الدنيا، فبغيت، وظلمت، وعصيت ،وقلت على الله غير الحق، واستكبرت في الأرض، والآن انتهي كل ما ألفته في حياتك الدنيوية، فآلهتك التي كنت تعبدها من دون الله هربت واختفت، لأنها زيف، وأصدقائك الذين كانوا يعينونك على الباطل وعلى المعصية لا يملكون لك ولا حتى لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، وكل من نصرك في الدنيا بغير حق أصبح الآن عاجزا عن أن يحميك، فيتمنى في هذه الحالة لو لم يولد. ([21])
لن ينفع إيمان الكفار ساعة الاحتضار
قال تعالى: { يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً}. ([22])
في لحظات التعذيب للكافر من قِبَل الملائكة يحس بالجريمة الكبرى التي ارتكبها في حياته، وأن كل ما حصل عليه من متع من حرام لا يوازى لحظة واحدة من العذاب، فيشنج وجهه، ويملؤه الغم والهم الذي لن يزول عنه أبدا، ويرى مقعده في النار، مصير أسود ينتظره، يتمنى أن يفلت منه ولكن لا يستطيع، ولا يجد له عاصم من الموت يؤخره ساعة عن الميقات الذي أجله الله، فيؤمن في هذه اللحظة، ويعلم أن حياته كانت زورا وخطأ وباطلا، وأن عقيدته كانت بهتانا وضلالا، قال تعالى: {وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ}([23]) فيصححها ويعتقد، حتى أن النصارى يؤمنون ساعتها بأن عيسى ابن مريم هو نبي ورسول، فيتوب إلى ربه، ولكن لا تنفعه التوبة لأن الوقت وقت غرغرة، ولأن الساعة ساعة الغرغرة، وقد أغلق فيها باب التوبة، وانتهت فترة الاختبار، وانتهت الإرادة البشرية، وأصبح الإنسان مقهورا لأمر الله ، قال تعالى: {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً}. ([24])
ملائكة الموت تنزل لقبض الروح
بعد أن يتلقى ملك الموت وأعوانه الأوامر الإلهية بقبض الروح ينزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط([25]) من حنوط الجنة([26]) فيجلس ملك الموت عند رأسه وتحف به الملائكة ويبسط له الحرير الأبيض والمسك الأذفر([27]) تحت ذقنه ويفتح له باب إلى الجنة، فإذا نظر إليهم إبليس وضع يده على رأسه ثم صرخ فيقول له جنوده: مالك يا سيدنا فيقول: أما ترون ما أعطى هذا العبد من الكرامة، أين كنتم من هذا؟ قالوا: جهدنا به فكان معصوما.
أما إذا كان الرجل كافرا، نزل إليه من السماء ملائكة، سود الوجوه، معهم المسوح([28]) ومعهم سياط من نار، ونحاس، وجمر من جمر جهنّم، تبسطه الملائكة تحت ذقنه، ويضربه ملك الموت بذلك السفود ضربة يغيب كل أصل شوكة من ذلك السفود في أصل كل شعرة وعرق وظفر، قال تعالى {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا}([29]) فإذا رأت ذلك جنود إبليس انطلقوا إليه يبشرونه بأنهم قد أوردوا عبدا من ولد آدم النار.
يقف الآن حول الميت ملك الموت، ومعه أعوانه ومساعديه من الملائكة، فإذا اجتمعت روح المؤمن تريد الخروج يجئ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، أخرجي إلى روح([30]) وريحان([31]) ورب غير غضبان فتخرج كأطيب من رائحة مسك جعلها أحدكم بأنفه، وتسيل كما تسيل القطرة من فَيّ السقاء ،وتسل كما تسل الشعرة من العجين، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعها الملائكة في يده طرفة عين، حتى يأخذوها ويجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط([32]) قال تعالى{ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِين َفَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيم وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيم ٍوَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ } ([33]) يقول ابن كثير رحمه الله : فإنّ من مات مقرّبا، فله رحمة، وراحة ،واستراحة، وفرح، وسرور، ورزق حسن، وأما إن كان المحتضر من أصحاب اليمين، فتبشرهم الملائكة، وتقول لأحدهم : سلام لك، أي لا بأس عليك، أنت إلى سلامة، أنت من أصحاب اليمين. ([34])
أما الكافر فإذا اجتمعت روحه تريد الخروج، يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الخبيثة، أخرجي إلى سخط من الله وغضب، أخرجي إلى سموم وحميم([35]) وظل من يحموم، أخرجي إلى هوان الله وعذابه، فساء ما قدمت لنفسك فتأبى الخروج وتتفرق في الجسد فينتزعها كما ينتزع السفود([36]) من الصوف المبلل فتخرج كأنتن ريح وجدت على وجه الأرض، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعها الملائكة في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح.([37])
الملائكة تصعد بالروح إلى السماء
بعد أن تخرج روح المؤمن، ويأخذها الملائكة، ويصعدون بها إلى السماء، فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب الذي جاء من الأرض؟ فيقولون: فلان ابن فلان بأحسن الأسماء التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا به إلى سماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، فلا يمر بباب إلا فتح، ولا ملك إلا صلى عليه، حتى ينتهي إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوا عبدي إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى ([38]) فيأتون به أرواح المؤمنين فَلَهُم أشد فرحا من أحدكم بغائبة إذا قدم، فيسألونه ماذا فعل فلان؟ ماذا فعل فلان ؟ فيقول بعضهم لبعض دعوه يستريح فإنه كان في غم الدنيا فإذا قال لهم قد مات أما أتاكم قالوا: ذهب به إلى أمة الهاوية([39]) ثم يدعى ميكائيل من قبل الله سبحانه وتعالى فيقال له :اجعل هذه النسمة مع أنفس المؤمنين ، حتى أسألك عنها يوم القيامة، فيؤمر بقبره،فيوسع له، طوله سبعون، وعرضه سبعون،وينبذ فيه الريحان، ويبسط له فيه الحرير، وإن كان معه شيء من القران نوره، وإلا جعل له نور مثل نور الشمس،فيفتح له باب إلى الجنة،فينظر إلى مقعده في الجنة بكرة وعشياً. ([40])
أما أرواح الكفار فيصعدون بها الملائكة، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمّى بها في الدنيا، حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح له لقوله تعالى: {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ}([41]) فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجّين في الأرض السفلى([42]) وهو مكان سحيق تأوي إليه أرواح الفجار وقد أنزل الله سبحانه عليه سخطه وغضبه، فتطرح روحه طرحاً في المكان الذي يستحقه بعمله قال تعالى: {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}.
يقولالرسول (ص): إن المؤمن إذا مات، تجملت المقابر لموته، فليس منها بقعة إلا وهى تتمنى أن يدفن فيها، وأن الكافر إذا مات ،أظلمت المقابر لموته، فليس منها بقعة إلا وهى تستجير بالله أن لا يدفن فيها.([44])
القبر، هو كل مكان استقر فيه جسد الإنسان، بعد مفارقة الروح له حتى لو كان جوف الوحوش، أو حواصل الطيور، أو قيعان البحار، والمحيطات وحتى لو أحرق الجسد وذرى في الرياح.([45])
فبعد أن كان الإنسان يحيا حياة الأنس والسرور، إذا به يأوي إلى مكان ليس فيه أنيس ولا جليس، وبعد أن كان مبجلاً معظماً في هذه الحياة، إذا به يهال عليه التراب، ويرمى في قعر بعيد، إنه أمر لو تفكر فيه المتفكرون، واعتبر به المعتبرون، ما التذوا بعيش، ولا هنئوا بسعادة، إنه بيت الظلمة، بيت الوحشة، بيت الديدان، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ما رأيت منظرا إلا والقبر أفظع منه([46]) وقد روى عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال: بيَّنا نحن مع رسول الله تعالى، إذ بصر بجماعة، فقال:"علام اجتمع هؤلاء؟" قيل: على قبر يحفرونه، قال: ففزع رسول الله (ص)فبدى بين يدي أصحابه مسرعاً، حتى انتهى إلى القبر فجثي عليه، قال: فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع، فبكى حتى بلَّ الثرى من دموعه، ثم أقبل علينا فقال: "أي إخواني لمثل هذا اليوم فأعدوا".([47])
القبر يتكلم
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم إذا دفن العبد المؤمن، وأعيدت روحه إلى جسده، قال له القبر: مرحباً وأهلاً ، أما إن كنت لأحب من يمشى على ظهري إلىّ، فإذا وليتك([48]) اليوم وصرت إلىّ، فسترى صنيعي بك، وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر ، قال له القبر: لا مرحباً، ولا أهلا،أما إن كنت لأبغض من يمشى على ظهري إلىّ ، فإذا وليتك اليوم فسترى صنيعي بك.([49])
وعن عبيد بن عمير رحمه الله أنه قال : إن القبر ليقول : يا ابن آدم ماذا أعددت لي؟ ألم تعلم أنى بيت الغربة،وبيت الوحدة، وبيت الدود([50]) ،وقال أسيد بن عبد الرحمن رحمه الله: "بلغني أن المؤمن إذا مات ، وحمل، قال :أسرعوا بي فإذا وضع في لحده كلمته الأرض فقالت له: إن كنت لأحبك وأنت على ظهري، فأنت الآن أحب إلىّ .
فإذا مات الكافر وحمل قال :ارجعوا بي فإذا وضع في لحده كلمته الأرض فقالت: إن كنت لأبغضك وأنت على ظهري ،فأنت الآن ابغض إلىّ".([51])
ويضم القبر ضمته
ضمة القبر عقبة لا ينجو منها أحد، فما من ميت يموت، إلا ويضم ضمة القبر، حتى لو مات غريقا، فإن الله يقبره، حتى يضم ضمة القبر، أو يكون البحر هو قبره، فيضم عليه بقدرة الله سبحانه، حتى لو مات وبعد موته حرقوه، وسحقوه،ونثروا رماده في الجو، كما يفعل أهل الديانة البوذية أو الهندوسية في بلاد الهند، فإن مثل هذا ،قادر رب العالمين سبحانه على أن يجمعه مرة أخرى، ويقبره ،حتى تلحقه ضمة القبر، أو يجعل الله تعالى قبره في الهواء فيضيق عليه ويضمه ضمته([52]) وسبحان الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء0
إنها ضمة شديدة، عصيبة، لا ينجو منها قوى ولا ضعيف، عظيم ولا حقير، كبير ولا صغير، قريب ولا بعيد، صالح ولا عاصي، بل هي عامة للجميع لا تجد منها مخرجا، ولا تعرف لها مهربا، وقد روى أن رسول الله تعالى قال إن للقبر ضغطة لو كان أحد ناجيا منها لنجى سعد ابن معاذ([53]) وفي رواية لقد ضم ضمة ثم فرج عنه.([54])
حتى الطفل الصغير الذي لم يبلغ الحلم، ولم يجر عليه القلم، ولم يعرف شيئا، لا ينجو من ضمة القبر وضغطته، لحديث رسول الله تعالى لو أفلت أحد من ضمة القبر لأفلت هذا الصبي.([55])
سبب ضمة القبر
يقول بعض العلماء: أننا جميعا خلقنا من التراب، خرجنا من الأرض، ونعود إليها لقوله تعالى {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى}([56]) لذلك فالأرض هي أُمّنا جميعا، خرجنا منها إلى الحياة، وغبنا فيها عنها زمناً طويلاً ،حينما نعود إليها تستقبلنا، وتضمنا ضمة الأم لأبنها العائد من سفر، فإذا كان الابن طائعاً، موفقاً، مؤمناً في حياته، ضمته أرضه ضمّة الأم الحنون، ضمّة فيها الرّفق والرّحمة والرّأفة.([57])
وعلى قدر عمله يتخلص من الضمة، فإن كان محسنا فإن رحمة الله قريب من المحسنين، فلم يكن للضمة لبث، وإن كان خارجا عن حد المحسنين يطول اللبث في الضمه حتى تدركه الرحمة، أما إذا كان العبد عاصيا، بعيدا عن ربه، مسرفا على نفسه، مهملا ما فرضه الله عليه ،ضمته أرضه ضمة شديدة ،عنيفة، تختلف فيها أضلاعه، فيها القسوة، والسخط، والانتقام. ([58])
أتدرى لماذا سمى هكذا؟ لأن خلقهما لا يشبه خلق الآدميين، ولا خلق الملائكة، ولا خلق البهائم، ولا خلق الحيوانات، ولا خلق الهوام، إنما هو خلق بديع غريب منكر، لا يأنس بهما أحد من الناظرين، يتشكلان لكل إنسان بشاكلة عمله، وعلمه،واعتقاده، بإرادة الله ومشيئته.([59])
أوصافهما
ملكان أسودان، يخرقان الأرض بأنيابهما، شعورهما مسدولة، يجرانها على الأرض، أصواتهما كالرّعد القاصف، أبصارهما كالبرق الخاطف، أنفاسهما كالريح العاصف، نُزعت منهما الرّحمة والرّأفة، إذا رأتهما النفس ارتعدت وارتعشت وفرّت هاربة، بيد كل واحد منهما مقمع من حديد لو اجتمع عليه الثقلان([60]) ما رفعوه ولا حرّكوه، لو ضرب به أعظم جبل جعله دكا.([61])
الأحاديث الواردة في أوصاف الملكين
الحديث الأول
عن عطاء بن يسار قال: قال رسول الله تعالى لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا عمر كيف بك إذا أنت أعد لك ثلاث أذرع وشبر في عرض ذراع وشبر، ثم قام إليك أهلوك فغسلوك، وكفّنوك، وحنطوك ،ثم احتملوك حتى يغيبوك، ثم يهيلوا عليك التراب، ثم انصرفوا عنك، فأتاك فتانا القبر([62]) ، منكر ونكير، أصواتهما مثل الرعد القاصف، وأبصارهما مثل البرق الخاطف ،قد سدلا شعورهما فتلتلاك([63]) ، وتوهلاك، وقال من ربك؟ وما دينك؟ قال: يا نبي الله ويكون معي قلبي، الذي معي اليوم، قال: نعم قال: إذا كفيتهما بالله تعالى. ([64])
الحديث الثاني
عن ابن عباس قال: قال رسول الله تعالى كيف أنت يا عمر؟ إذا انتهى بك إلى الأرض؟ فحفر لك ثلاثة أذرع وشبر، ثم أتاك منكر ونكير ،أسودان يجران أشعارهما، كأن أصواتهما الرعد القاصف، وكأن أعينهما البرق الخاطف ،يحفران الأرض بأنيابهما، فأجلساك فزعاً، فتلتلاك ،وتوهلاك، قال: يا رسول الله وأنا يومئذ على ما أنا عليه، قال:نعم، قال أكفيتهما، هو بإذن الله يا رسول الله.[65]
الحديث الثالث
عن أبي سهيل، عن أبيه،عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله تعالىيا عمر، كيف أنت إذا كنت في أربع من الأرض في ذراعين فرأيت منكرا ونكيرا ؟ قال: يا رسول الله وما منكر ونكير؟ قال فتانا القبر ،أبصارهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، معهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل منى ما استطاعوا رفعها، هي أهون عليهما من عصاي هذه، فامتحناك، فإن تعاييت أو تلويت، ضرباك ضربة تصير بها رمادا، قال يا رسول الله وإني على حالتي هذه، قال: نعم قال: أرجو أكفيكهما . ([66])
يأتي الملكان للمؤمن فيجلسانه، وبعد أن يجلسانه، يسألانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول ربى الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو محمد رسول الله، فيقولان له وما علمك؟ فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت([67]) فيقال له: على اليقين حييت وعليه مت وعليه تبعث([68]) قال تعالى{يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء}.([69])