صفحة 1
مقدمة
شكّلت «منظمة العمل الشيوعي في لبنان» ظاهرة مميزة في الحياة الوطنية. حملت فكراً سياسياً جديداً وقدمت وسائل نضالية خصوصاً، وعرفت نشاطية استثنائية أدت إلى حضورها كحركة سياسية على سوية الأحزاب التاريخية، ولعبت دوراً مهماً على مدى عقد من الزمن خلال الأزمة التي عصفت بلبنان.كيف كان هذا الصعود الصاخب المدوي لحركة سياسية جديدة وكيف تلاشت تلك الحركة في ذروة الأحداث التي أعقبت الاجتياح الإسرائيلي للبنان وقد كانت طرفاً شارك في إطلاق المقاومة الوطنية؟
هذه الرواية النقدية لتاريخ المنظمة وتجربتها شغلتني لسنوات طويلة وأقلقت تفكيري وأثقلت عليّ حتى دفعتني إلى إعداد هذا الكتاب.
فمن جهة تستحق هذه التجربة من يتولّى روايتها ونقدها وهي اعتصرت عمر مئات الشبان والشابات فقضى بعضهم مستشهداً تحت راية أفكارها، وعاش بعضهم الآخر في خيبة ومرارة فتشرّد وعانى حالات التهميش والحصار وشظف العيش وعدم الاستقرار.
لم تقتصر الأزمة على المنظمة وحدها بل طاولت كل قوى اليسار بتفاوت للمسار وأشكال النهايات. لكن هذه الدراسة ستركز على تجربة المنظمة دون سواها مع الإشارات الضرورية لفهم الصورة كاملة خصوصاً بعلاقتها مع الحزب الشيوعي اللبناني أو الجماعات اليسارية الأخرى اللبنانية والفلسطينية التي تشاركت الكثير من عناصر التجربة. هدف الدراسة هو نقل تجربة جيل كامل وفهم دروسها كحاجة للاستفادة من هذه الخبرات. هناك الجانب الموضوعي من الصورة التي تتشارك فيها كل القوى السياسية التي تورطت وانخرطت في الحروب اللبنانية المركبة وهذا شأن مهم يتعلق بإكمال تناول وعرض عناصر الصراع ومجرياته وآلياته ونتائجه. يتعلق الأمر بتاريخ حقبة مهمة في لبنان ومحيطه.
أما الوجه الآخر فهو بعض من الوفاء للذين شاركوا في صناعة الأحداث ودفعوا أثماناً باهظة من جهودهم وأعمارهم وكانوا على اقتناع أنهم يؤدون مهمة وطنية وتقدمية وإنسانية. ولا جدال أنّ تلك التجربة انتهت إلى الكثير من الاخفاقات وعرفت الكثير من الأخطاء الكبيرة والصغيرة. لكن لم تكن بلا أثر على ما جاء بعدها من تطورات وأحداث ونتائج سنحاول تحديد طبيعتها.
فقد تحول الخارجون من المنظمة إلى حركة ثقافية تركت بصماتها على أكثر من صعيد.
أما الجانب المهم أيضاً فهو المعرفة التي يمكن تحصيلها من تلك «التجريبية» التي أحاطت نفسها بفيض هائل من «النظريات» وادعت مواكبتها للتاريخ الموضوعي وللفكر العلمي والعقلاني وهي أسيرة جملة مفاهيم وأفكار لم يثبت الواقع جدارتها في الحياة والانتصار، إما لقصورها وإما بسبب القوى التي حملتها. لقد كان العمل السياسي في تلك الحقبة مرهوناً لاقتراب الواقع من النظرة الأديولوجية، كما كان مرهوناً لعمل الأفراد الذين يستولدونه بعقولهم وإراداتهم وسلوكياتهم ويطبعونه باستعداداتهم الشخصية.
شخصياً لم تكن المرحلة التأسيسية (1974 - 1970) كافية لاكتشاف عيوب تلك التجربة وهي في معظمها فترة تضخم إديولوجي وصراعات فكرية لم تختبر في الواقع بل هي أقرب إلى أحلام الشباب وحماسته لتغيير الواقع. ثم لم أكن من النضج الذي يسمح لي حينها أن أرى ما أراه الآن أو لنقل منذ مطلع الثمانينيات. أما مرحلة الانخراط في صراع سياسي شامل وفيه الممارسة السياسية والعسكرية (1977 - 1975) فهي مرحلة قصيرة مثقلة بالدروس، وهي المحطة التي شكّلت وعيي وموقفي لاحقاً المعارض في العام 1979 وقد تخللها استقالتي من المسؤولية وانكفائي لأكثر من سنة خلالها ثم خروجي نهائياً منها عام 1982. أما النقد السياسي الذي أقوم به أو المراجعة فهي تشملني كما تشمل آخرين دون ادعاء قيامي بدور أساسي في تجربة لعب الأدوار الأساسية فيها عناصر سيرد ذكرهم على المستويات المختلفة الفكرية والسياسية والتنظيمية والعسكرية وغيرها. والخلاصة التي تنتهي إليها هذه الدراسة تظهر كيف اجتمعت السلطة في موقع واحد له عدة رموز وعناصر، وله آلية عسى أن نوفق في اكتشافها والكشف عنها.
أستطيع القول إنني خرجت من المنظمة عام 1982 لكنني لم أغادر العمل الوطني. أما العبرة فهي أنّ المنظمة تلاشت بين أعوام (1983 و1987) ولم تعد قائمة كحركة سياسية، أي أنّ ذلك يفسّر موقفي عام 1982. ففي عام 1987 استقالت آخر مجموعة من العناصر القيادية بصمت له دلالته ويجب الوقوف على أسبابه. فقد اقتنع هؤلاء بنهاية المشروع التنظيمي الذي جمعهم دون أن يعني ذلك اعتزالهم العمل السياسي.
أما السؤال الذي يلح عليّ وسأغامر في الجواب عليه هنا هو، هل كان لذلك «المشروع» من مكان في البلد بعد 1987 أو للتكيف مع المرحلة الجديدة؟ وجوابي أنه لو كانت الأوضاع الداخلية للمنظمة سليمة وصحية وفيها مناخ ديمقراطي فعلي ولدى أمينها العام الاستعداد والرغبة والارادة وربما القدرة على ذلك، لكانت وجدت لنفسها موقعاً ودوراً بعد مراجعة سياسية شاملة، وبعد إحداث تغيير في بنيتها ووسائلها وهيئاتها تخلصاً عن عبء تجربة الحرب وتجاوزها. لكن هذا يبقى في إطار ما أعتقده بأن السياسة فعل إرادي واعٍ يتم في ظروف موضوعية، لكنه يبقى رهن الأفراد الذين يختارون هذا الفعل.
أخيراً..
لا بد من الإشارة إلى أنه لم يسبق أن قام أحد بدراسة هذه التجربة أو تقديم مراجعة سياسية فيها. هناك مساهمات جزئية عن فترة التأسيس أو السير الذاتية الجزئية.
ما تقدمه الدراسة هو قراءة لهذه التجربة قد تصيب وتخطئ، وهي ليست معزولة عن دور الكاتب ولو أنه لا يروي سيرته الذاتية.
صفحة 2
الفصل الأول
الخلفية التاريخية لنشوء اليسار الجديد
رياح التغيير
اجتمعت في الأفق اللبناني أواسط ستينيات القرن الماضي عناصر عديدة نقضت التسوية التي أعقبت أحداث 1958.انتخب اللواء فؤاد شهاب لرئاسة الجمهورية (1964 - 1958) باتفاق مصري أميركي عشية ثورة تموز العراقية (14 تموز 1958) التي قطعت الطريق على الهجوم الأميركي (انزال قوات المارينز في الأردن ولبنان).
تحفّظت القوى الاسلامية التي شاركت في النزاع الاهلي عام 1958 على اختيار قائد الجيش ومن خارج النادي السياسي للرئاسة، وشعرت القوى المسيحية بالاحباط لخسارة الرئيس كميل شمعون معركة التجديد، ودقّت اجراس الكنائس حزناً في بلاد كسروان عند التسلّم والتسليم بين الرئيسين.
قامت التجربة الشهابية على احتواء المد السياسي الشعبي الناصري الذي خض الشارع اللبناني كما خض معظم شوارع البلدان العربية.
فرضت الناصرية حضورها في لبنان كما استنتج الرئيس شهاب في حديث مع موريس دوفرجيه (النهار 1973 /14/29) لأنها قدمت المخرج للجماهير الاسلامية التي كانت تتحمل الثقل الأساسي للتفاوت الاجتماعي.
جاءت التسوية على ركيزتين: مجاراة السياسة الخارجية لجمال عبد الناصر، وخطوات إصلاحية هدفت إلى دمج المسلمين عضوياً في الكيان اللبناني بتعزيز ولائهم للبنان بردم التفاوت الاجتماعي وتعزيز شراكتهم في السلطة.
عملت الشهابية على توسيع التمثيل السياسي بزيادة عدد مقاعد البرلمان إلى 99 نائباً ووضعت قانون الانتخاب لعام 1960 ووزعت الدوائر الانتخابية بما يؤمن التوازن بين القيادات السياسية والطائفية وإشراك الطبقة الوسطى.
واقرت المناصفة في الادارة بين المسيحيين والمسلمين وانشأت مؤسسات للرقابة (مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي) التي حدت من نفوذ «الاقطاع السياسي» وفتحت آفاقاً للكفاءة. وتطلعت إلى «الأطراف والملحقات» بالخدمات الأساسية في البنى التحتية ووضعت موازنات للدولة خارج منطق التقاسم السياسي، وفتحت السوق اللبناني خارج بيروت وجبل لبنان للتوسع الرأسمالي. وأقرت الشهابية بدولة الرعاية الاجتماعية ضد المنطق الكتائبي القائل بوجوب «تساوي الالتزامات مع الحقوق» وعدم تحميل المسيحيين الذين يدفعون ثمانين في المئة من الضرائب أعباء التنمية الاجتماعية لمصلحة المسلمين. (بيار الجميل - لبنان واقع ومرتجى 1954 رداً على مطالب الهيئات الاسلامية).
التفتت الشهابية إلى الادارة وهي الذراع الأساسية للدولة وقامت بتحديثها وتفعيلها واستقطاب الكفاءات لها وضبط التوازن الطائفي فيها، وجعلت من المؤسسة العسكرية (الجيش) والأمن (المكتب الثاني - المخابرات) حزب الدولة الأساسي واستخدمته في إدارة الحياة السياسية وضبط توازناتها.
كونت الشهابية لنفسها نخبة سياسية عسكرية ومدنية مؤيدة وكتلة نيابية وازنة عرفت باسم «النهج» من غير أن تشكل تياراً سياسياً شعبياً منظماً. وخلقت الشهابية لنفسها بالمقابل صفاً واسعاً من الخصوم عملوا على تقويضها.
حاول فؤاد شهاب السيطرة على الحياة السياسية بتشجيع ودعم شخصيات موالية لنهجه واستبعاد معارضيه فتدخل في الانتخابات النيابية وأقصى ريمون إده وكميل شمعون في انتخابات 1964 ودعم ثنائي بيار الجميل وكمال جنبلاط. فلا المعارضون ارتاحوا لسياسته، ولا الموالون الذين وقعوا أسرى الادارة الأمنية للسلطة.
أما البرجوازية الكبرى فقاومت سياسته الاجتماعية، والأحزاب المدنية كانت تتبرّم من قبضته الأمنية ولا سيما بعد محاولة الانقلاب الذي قاده الحزب السوري القومي الاجتماعي نهاية عام 1961.
دعم فؤاد شهاب حزب الكتائب (بيار الجميل) ضد التقليد المسيحي، والحزب التقدمي الاشتراكي (كمال جنبلاط) ضد التقليد الاسلامي، وأسند رئاسة الحكومة لرشيد كرامي في وجه صائب سلام وآل الصلح، وصبري حماده ضد كامل الاسعد في رئاسة مجلس النواب وكان ذلك بمثابة تجديد للقوى السياسية من جهة، ونالت دعم عبد الناصر من جهة ثانية.
وما أن شارف عهد الرئيس شهاب على الانتهاء (1964) حتى أطلقت موجة مطلبية اجتماعية تصاعدت حتى السبعينيات، وظهرت في المحيط الاقليمي مؤشرات لاستئناف الصراع الدولي (حرب اليمن، ومحاولة إسرائيل تحويل مجرى نهر الاردن).
عزف الرئيس شهاب عن تجديد ولايته المضمونة بأكثرية 74 نائباً من 99، وترك خلاصة قاسية عن فشل المؤسسات السياسية. تصدى أحد النواب الموارنة (الأب سمعان الدويهي) للمطالبين بالتجديد مهدداً بانتفاضة مسيحية. وسرت في أوساط الموارنة موجة من التذمرات لم يطل الوقت حتى عبّرت عنها الكنيسة بمواقف واضحة.
خلف الرئيس شهاب وبدعم منه، رئيس مثقف وسطي أكثر إصغاء لمزاج المسيحية المحافظة. تسلم الرئيس الجديد شارل حلو (1964) مقاليد السلطة لحظة تصاعد التوتر العربي الإسرائيلي في المنطقة.
صفحة 3
وجاءت القمة العربية تمتحن سياسة لبنان الخارجية فهبت معارضة مسيحية ضد اشتراك لبنان بأي شكل من أشكال الدفاع العربي المشترك بما في ذلك اعتباره دولة مساندة لا دولة مواجهة. دارت السياسة الوطنية آنذاك على خيارين: استكمال وتطوير النهج الشهابي السابق في السياسة الخارجية والداخلية، أو الارتداد عليه. وكانت انتخابات 1968 دلالة على انكفاء الشهابية وقد تراجعت قواها الداخلية وانحسرت الناصرية بعد هزيمة 1967.
وعلى وقع مشكلات اجتماعية ضاغطة جاءت ثمرة الفورة الاقتصادية، والتوسع الرأسمالي وهيمنة الكتلة المالية المصرفية التجارية، وانهيار اقتصاد الارياف الحرفي والزراعي، والاستقطاب المديني وضيق أسواق العمل، وعلى وقع مشكلات إقليمية أنذرت بتبديل موازين القوى، تحركت القوى التقليدية المتضررة للانقلاب على المشروع الشهابي وعلى إرث الناصرية، وعادت المسيحية السياسية إلى ثقافة «الانعزال» وسعت إلى الرهان مجدداً على الغرب. وكتب منح الصلح (1966) عن «الانعزالية الجديدة».
كان فشل الوحدة المصرية السورية (1961 ـ 1958) بمثابة ضربة قاسية لهيبة جمال عبد الناصر ولفكرة القومية العربية. وحاول الانفصاليون السوريون الضغط على السياسة اللبنانية وهم يملكون التأثير الجغرافي المباشر وقاموا بنشاط سياسي وأمني ضد سياسة الرئيس شهاب. لكن عبد الناصر استدرك الخسارة باعتماد سياسة اجتماعية أكثر جذرية وعزز التحولات الاجتماعية والتنموية، وانشأ اقتصاداً ممركزاً، وعزز علاقاته بالمعسكر الاشتراكي تمويلاً وتسليحاً وخبرات ونظَّم «الاتحاد الاشتراكي العربي» وضم إليه الشيوعيين، واعاد خلط الأوراق في المنطقة واستجاب بتحفظ لمشاريع وحدوية لم تصمد مع سوريا والعراق، لكنه تورط في حرب اليمن، كما انشغل بالأزمات العربية (صراع القوميين والشيوعيين العراقيين) ونزاعات الاجنحة في النظام السوري، والمواجهة مع دول الخليج العربي.
كسرت سياسة عبد الناصر حاجز الحذر من الأفكار الاشتراكية والعداء للشيوعية في بيئة الحركات الوطنية والقومية. اجتاحت المنطقة موجة من النقاشات والحوارات حول سبل تجذير المواجهة القومية مع الاستعمار والصهيونية وقد نجحت ثورة الجزائر واليمن في إعطاء جرعة قوية من المعنويات لحركة التحرّر العربية.
بدأ الدعم السوفياتي لحركة التحرر العربية ولا سيما مع إنجاز السدّ العالي وزيارة خروتشوف لمصر (1964)، يؤتي ثماره تعاطفاً مع المعسكر الاشتراكي، واعطت ثورة الصين وفيتنام وكوبا نموذجاً أكثر قرباً من مفاهيم القوميين العرب. وأمام المشكلات التنموية والسياسية بدأت الأحزاب القومية جدلاً وصراعاً بين تيارات فكرية جديدة.
منذ استلام البعث السلطة في سوريا 8 شباط 1963 و1966 في العراق، طرأت على جدول الاعمال مهمة إعطاء الفكر القومي مضمونه الاجتماعي، فلا يكون مقصوراً على شعارات وحدوية (فشلت أصلاً) وتعطيه شرعية شعبية من مصادر مختلفة. وقد صار الحديث عن الرجعيين في الداخل وارتباطهم بالاستعمار مقدمة للحديث عن الطبقات والفئات الاجتماعية صاحبة المصلحة في التغيير.
وجدت «حركة القوميين العرب» (تأسست 1950) في التحولات الناصرية بدايةً أفقها الطبيعي العروبي والتنموي فزادت التصاقاً بها والتحاقاً بخياراتها. لكن مرحلة الوفاق هذه بدأت تتغيّر منذ 1964 عبر مقالات نقدية لتلك التجربة. أما حزب البعث السوري الذي انحل مع الوحدة (1961 ـ 1958) فقد عاد وتشكل ضد تجربة الانفصال وطرح على نفسه مهمة مواكبة المناخ اليساري الجديد؛ وفي مؤتمره (1966) استعرض الحزب أوراقاً سياسية تقدم بها التيار اليساري (على صالح السعدي، ياسين الحافظ...) وفشل في إقرارها كخط استراتيجي، فخرج منه عدد من الفاعلين ليبحثوا عن خيارات حزبية أخرى. في لبنان حيث للحزب منظمة قوية واسعة نشأت عدة تيارات إحداها مستقلة وأخرى ارتبطت لاحقاً بما يعرف «بعث العراق» وجماعة ارتبطت بسوريا وعرفت بـ «بعث الراية، مجلة الحزب». وآخرون اتجهوا نحو الفكر الماركسي.
لم تكن تجربة الأحزاب الشيوعية العربية جاذبة لشباب اليسار الجديد، كما لم تكن موضع إعجاب وترحيب في أوساط النخب والجمهور.
لقد ارتكبت المؤسسات الحزبية الشيوعية الكثير من الاخطاء التي جعلتها في حال من الانعزال عن التيارات الوطنية والقومية. شكل موقف الاتحاد السوفياتي المؤيد لتقسيم فلسطين (1947) عنصراً مهماً في الرأي من الأحزاب الشيوعية العربية التي انصاعت على مضض وتبعياً للموقف السوفياتي. وشكل صراع القوميين والشيوعيين على السلطة في العراق سبباً آخر ومعارضتهم للناصرية وللفكر القومي. وكان حل الحزب الشيوعي المصري في بوتقة الاتحاد الاشتراكي العربي بادرة ضعف لهوية الشيوعيين ومصدر انقسامات بينهم. والتحق الحزب الشيوعي السوري بزعامة خالد بكداش بسياسة البعث واتخذ نهجاً إصلاحياً منضبطاً على التوجيه السوفياتي. وكان الحزب الشيوعي اللبناني (الذي استقل عن السوري عام 1964) قد مارس سياسة إصلاحية تبعية لقطبين تقليديين هما رشيد كرامي وكمال جنبلاط.
واتسمت مواقف الحزب بطابع إصلاحي نقابي بيروقراطي وغير فعّال في المسألة السياسية وخاطئ في المسألة القومية، من فلسطين إلى موضوع الوحدة.
لكن الفكر اليساري العالمي كان يقدم نموذجاً آخر حتى عن التجربة النظامية السوفياتية التي انكشفت مشكلاتها الداخلية والخارجية بدءاً من أواسط الخمسينات (البيروقراطية الداخلية واحتلال المجر 1956) ونقد الستالينية ودعم الانظمة القومية وسياسة التعايش السلمي.
وكانت الستينيات مرحلة نضال استقلالي واسع في العالم الثالث (آسيا، افريقيا، أميركا اللاتينية) ومرحلة صعود للأفكار اليسارية في أوروبا حيث اتخذت الأحزاب الشيوعية الأوروبية اتجاهات مستقلة (ايطاليا، فرنسا)، واتسع نفوذ التيار «التروتسكي» حتى في أميركا في مواجهة الثقافة المحافظة والرجعية التي أطلقها «المكارثيون» واتساع حركات المطالبة بإلغاء التمييز ضد السود (مارتن لوثر كنج) والمعارضة الشبابية لحرب فيتنام.
كانت هناك ثقافة عالمية جديدة منتشرة وصاعدة وجاذبة صارت تعرف بثقافة «اليسار الجديد» (موريس كرانستون) وقد جسدتها رمزياً حركة «تشي غيفارا» أو «اليسار الايطالي الجديد، المانيفستو» أو أفكار روجيه غارودي الناقدة للنموذج السوفياتي أو هربارت ماركوز التجديدية وفلسفة الوجودية «جان بول سارتر»، أو أفكار فرانز فانون وتجربته في الجزائر «معذبو الارض». الخ...
وكانت الثورة الصينية تلهم المثقفين بتجديد نفسها من خلال ما سمّي «الثورة الثقافية»، وثنائي هوشي منه والجنرال جياب يقدمان نموذجاً نظرياً ناجحاً لما يسمّى «الحرب الشعبية» أو «حرب التحرير الوطنية».
ورغم الحرب الباردة (الصراع بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، حلف وارسو وحلف الناتو) الذي عرف أزمة نشر الصواريخ السوفياتية في كوبا (1961) أو محاولة فصل المجر وبولونيا وتشيكوسوفاكيا (1968) عن الحلف الروسي والتدخل الروسي المباشر للاحتفاظ بهذه الدول، والحروب بالواسطة في دول العالم الثالث، نشأت كتلة (عدم الانحياز 1955 بقيادة الهند، يوغسلافيا، اندونيسيا، مصر) وقدمت نموذجاً للاستقلال عن المعسكرين. ولعبت هذه الكتلة دوراً مهماً في حوار الشرق والغرب وساعدت في تمايز بعض الدول الأوروبية عن الولايات المتحدة (فرنسا ديغول مثلاً).
وعلى وقع مشكلات اجتماعية ضاغطة جاءت ثمرة الفورة الاقتصادية، والتوسع الرأسمالي وهيمنة الكتلة المالية المصرفية التجارية، وانهيار اقتصاد الارياف الحرفي والزراعي، والاستقطاب المديني وضيق أسواق العمل، وعلى وقع مشكلات إقليمية أنذرت بتبديل موازين القوى، تحركت القوى التقليدية المتضررة للانقلاب على المشروع الشهابي وعلى إرث الناصرية، وعادت المسيحية السياسية إلى ثقافة «الانعزال» وسعت إلى الرهان مجدداً على الغرب. وكتب منح الصلح (1966) عن «الانعزالية الجديدة».
كان فشل الوحدة المصرية السورية (1961 ـ 1958) بمثابة ضربة قاسية لهيبة جمال عبد الناصر ولفكرة القومية العربية. وحاول الانفصاليون السوريون الضغط على السياسة اللبنانية وهم يملكون التأثير الجغرافي المباشر وقاموا بنشاط سياسي وأمني ضد سياسة الرئيس شهاب. لكن عبد الناصر استدرك الخسارة باعتماد سياسة اجتماعية أكثر جذرية وعزز التحولات الاجتماعية والتنموية، وانشأ اقتصاداً ممركزاً، وعزز علاقاته بالمعسكر الاشتراكي تمويلاً وتسليحاً وخبرات ونظَّم «الاتحاد الاشتراكي العربي» وضم إليه الشيوعيين، واعاد خلط الأوراق في المنطقة واستجاب بتحفظ لمشاريع وحدوية لم تصمد مع سوريا والعراق، لكنه تورط في حرب اليمن، كما انشغل بالأزمات العربية (صراع القوميين والشيوعيين العراقيين) ونزاعات الاجنحة في النظام السوري، والمواجهة مع دول الخليج العربي.
كسرت سياسة عبد الناصر حاجز الحذر من الأفكار الاشتراكية والعداء للشيوعية في بيئة الحركات الوطنية والقومية. اجتاحت المنطقة موجة من النقاشات والحوارات حول سبل تجذير المواجهة القومية مع الاستعمار والصهيونية وقد نجحت ثورة الجزائر واليمن في إعطاء جرعة قوية من المعنويات لحركة التحرّر العربية.
بدأ الدعم السوفياتي لحركة التحرر العربية ولا سيما مع إنجاز السدّ العالي وزيارة خروتشوف لمصر (1964)، يؤتي ثماره تعاطفاً مع المعسكر الاشتراكي، واعطت ثورة الصين وفيتنام وكوبا نموذجاً أكثر قرباً من مفاهيم القوميين العرب. وأمام المشكلات التنموية والسياسية بدأت الأحزاب القومية جدلاً وصراعاً بين تيارات فكرية جديدة.
منذ استلام البعث السلطة في سوريا 8 شباط 1963 و1966 في العراق، طرأت على جدول الاعمال مهمة إعطاء الفكر القومي مضمونه الاجتماعي، فلا يكون مقصوراً على شعارات وحدوية (فشلت أصلاً) وتعطيه شرعية شعبية من مصادر مختلفة. وقد صار الحديث عن الرجعيين في الداخل وارتباطهم بالاستعمار مقدمة للحديث عن الطبقات والفئات الاجتماعية صاحبة المصلحة في التغيير.
وجدت «حركة القوميين العرب» (تأسست 1950) في التحولات الناصرية بدايةً أفقها الطبيعي العروبي والتنموي فزادت التصاقاً بها والتحاقاً بخياراتها. لكن مرحلة الوفاق هذه بدأت تتغيّر منذ 1964 عبر مقالات نقدية لتلك التجربة. أما حزب البعث السوري الذي انحل مع الوحدة (1961 ـ 1958) فقد عاد وتشكل ضد تجربة الانفصال وطرح على نفسه مهمة مواكبة المناخ اليساري الجديد؛ وفي مؤتمره (1966) استعرض الحزب أوراقاً سياسية تقدم بها التيار اليساري (على صالح السعدي، ياسين الحافظ...) وفشل في إقرارها كخط استراتيجي، فخرج منه عدد من الفاعلين ليبحثوا عن خيارات حزبية أخرى. في لبنان حيث للحزب منظمة قوية واسعة نشأت عدة تيارات إحداها مستقلة وأخرى ارتبطت لاحقاً بما يعرف «بعث العراق» وجماعة ارتبطت بسوريا وعرفت بـ «بعث الراية، مجلة الحزب». وآخرون اتجهوا نحو الفكر الماركسي.
لم تكن تجربة الأحزاب الشيوعية العربية جاذبة لشباب اليسار الجديد، كما لم تكن موضع إعجاب وترحيب في أوساط النخب والجمهور.
لقد ارتكبت المؤسسات الحزبية الشيوعية الكثير من الاخطاء التي جعلتها في حال من الانعزال عن التيارات الوطنية والقومية. شكل موقف الاتحاد السوفياتي المؤيد لتقسيم فلسطين (1947) عنصراً مهماً في الرأي من الأحزاب الشيوعية العربية التي انصاعت على مضض وتبعياً للموقف السوفياتي. وشكل صراع القوميين والشيوعيين على السلطة في العراق سبباً آخر ومعارضتهم للناصرية وللفكر القومي. وكان حل الحزب الشيوعي المصري في بوتقة الاتحاد الاشتراكي العربي بادرة ضعف لهوية الشيوعيين ومصدر انقسامات بينهم. والتحق الحزب الشيوعي السوري بزعامة خالد بكداش بسياسة البعث واتخذ نهجاً إصلاحياً منضبطاً على التوجيه السوفياتي. وكان الحزب الشيوعي اللبناني (الذي استقل عن السوري عام 1964) قد مارس سياسة إصلاحية تبعية لقطبين تقليديين هما رشيد كرامي وكمال جنبلاط.
واتسمت مواقف الحزب بطابع إصلاحي نقابي بيروقراطي وغير فعّال في المسألة السياسية وخاطئ في المسألة القومية، من فلسطين إلى موضوع الوحدة.
لكن الفكر اليساري العالمي كان يقدم نموذجاً آخر حتى عن التجربة النظامية السوفياتية التي انكشفت مشكلاتها الداخلية والخارجية بدءاً من أواسط الخمسينات (البيروقراطية الداخلية واحتلال المجر 1956) ونقد الستالينية ودعم الانظمة القومية وسياسة التعايش السلمي.
وكانت الستينيات مرحلة نضال استقلالي واسع في العالم الثالث (آسيا، افريقيا، أميركا اللاتينية) ومرحلة صعود للأفكار اليسارية في أوروبا حيث اتخذت الأحزاب الشيوعية الأوروبية اتجاهات مستقلة (ايطاليا، فرنسا)، واتسع نفوذ التيار «التروتسكي» حتى في أميركا في مواجهة الثقافة المحافظة والرجعية التي أطلقها «المكارثيون» واتساع حركات المطالبة بإلغاء التمييز ضد السود (مارتن لوثر كنج) والمعارضة الشبابية لحرب فيتنام.
كانت هناك ثقافة عالمية جديدة منتشرة وصاعدة وجاذبة صارت تعرف بثقافة «اليسار الجديد» (موريس كرانستون) وقد جسدتها رمزياً حركة «تشي غيفارا» أو «اليسار الايطالي الجديد، المانيفستو» أو أفكار روجيه غارودي الناقدة للنموذج السوفياتي أو هربارت ماركوز التجديدية وفلسفة الوجودية «جان بول سارتر»، أو أفكار فرانز فانون وتجربته في الجزائر «معذبو الارض». الخ...
وكانت الثورة الصينية تلهم المثقفين بتجديد نفسها من خلال ما سمّي «الثورة الثقافية»، وثنائي هوشي منه والجنرال جياب يقدمان نموذجاً نظرياً ناجحاً لما يسمّى «الحرب الشعبية» أو «حرب التحرير الوطنية».
ورغم الحرب الباردة (الصراع بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، حلف وارسو وحلف الناتو) الذي عرف أزمة نشر الصواريخ السوفياتية في كوبا (1961) أو محاولة فصل المجر وبولونيا وتشيكوسوفاكيا (1968) عن الحلف الروسي والتدخل الروسي المباشر للاحتفاظ بهذه الدول، والحروب بالواسطة في دول العالم الثالث، نشأت كتلة (عدم الانحياز 1955 بقيادة الهند، يوغسلافيا، اندونيسيا، مصر) وقدمت نموذجاً للاستقلال عن المعسكرين. ولعبت هذه الكتلة دوراً مهماً في حوار الشرق والغرب وساعدت في تمايز بعض الدول الأوروبية عن الولايات المتحدة (فرنسا ديغول مثلاً).
صفحة 4
إرهاصات لبنانية
كانت ساحة لبنان ترهص بولادات سياسة جديدة مختلفة عما هو سائد فيها من أحزاب تقليدية معظمها تأسس في ظل الانتداب وتمحور حول زعامات شخصية أو تصدى لتحديث وتأطير وتنظيم الفاعلية السياسية للجماعات الطائفية. بدأت تتشكل مجموعات وتنطلق مبادرات ثم ما تلبث أن تتفكك أو تندثر. وفي مخيلة عناصر هذه المجموعات الشبابية عموماً ضرورة نشوء حركة سياسية جديدة «عروبية» ملتزمة فكرياً بسلاح نظري، فقد كان القرن العشرون الزمن الاكثر خصباً لصراع الاديولوجيات (هنري ايكن، عصر الاديولوجيا)، وكانت الأوضاع السياسية العربية والدولية، تحبل بتيارات تنتظر من يمثلها في لبنان وجواره.وكان التيار القومي العربي (البعث والناصرية) قد شرع يتطاير شظايا واتجاهات في المشرق، فتبحث كل شظية منه عن مقابل لبناني لها وغالباً ما تجده. وكان التيار الناصري قد دخل بدوره طور الانقسام فاذا هو حركات مختلفة ومتصارعة. كانت هناك ناصرية حركة القوميين العرب التي لم تلبث أن توزعت اجنحة تبعاً لانخراطها في الساحة المحلية، في اليمن وفلسطين وسوريا والعراق.... وانقسمت بين ضباط ومثقفين...
كما دق الخلاف الصيني السوفياتي سفين نعي الوحدة (الاممية) وصارت الكتلة الشيوعية حلبة صراع عنيف (وضاح شرارة، الرفاق، دراسات عربية، 1980). أما أحزاب اليسار الأوروبية فقد جنحت إلى تكوين برامجها المستقلة وبدأت تؤسس نظرية «الشيوعية الأوروبية» (سانتياغو كاريو الاسباني، تولياتي الايطالي). ويتزايد نشاط التروتسكيين (نسبة إلى ليون تروتسكي) كردة فعل على اختناق التجربة السوفياتية في البيروقراطية والمراوحة النظامية أمام مشكلات العالم الجديد. ورأينا منشقين سوفيات يتحدثون عن «عودة الرأسمالية إلى الاتحاد السوفياتي» وانتشرت ظاهرة نقد «التحريفية السوفياتية».
القوميون في أجسام قطرية
بدأ المخاض في حركة القوميين العرب، التنظيم الأكثر انتشاراً في دنيا العرب (اليمن، عمان، الكويت، العراق، مصر، سوريا، فلسطين، الأردن، لبنان، ليبيا...). بين تيار محافظ متمسك بالتجربة الناصرية وأولوية «المشروع القومي الوحدوي العربي» باعتباره مقدمة سائر المهمات الأخرى بما فيها تحرير فلسطين. وتيار يساري اشتراكي يدعو إلى إعطاء مضمون اجتماعي طبقي للصراع السياسي في الداخل والخارج، ويتبنى طروحات الماركسية اللينينية ولا سيما نظرية «قيادة الطبقة العاملة للثورة الوطنية الديمقراطية».استورد هذا التيار فكرة لينين عن ثورة اشتراكية في بلد متخلف عبر بناء رأسمالية وطنية (رأسمالية الدولة) بواسطة سلطة عمالية (طليعة سياسية ذات التزام اديولوجي عمالي).
كما زاوج بين هذه النظرية والتجربة الصينية في الكفاح الوطني المسلح (الحرب الشعبية التحريرية) والإرث الفيتنامي المعاصر، (هوشي منه والجنرال جياب..) ونظر إلى الفلاحين كجزء من تحالف طبقي واسع تقوده الطبقة العاملة (حزب الطبقة العاملة)، ولم يكن في أدبيات هذا التيار أي تحليل موضوعي ملموس لتكوين المجتمعات العربية وبنياتها الطبقية كما فعل ماوتسي تونغ في الصين (طبقات المجتمع الصيني) أو لينين في روسيا (تطّور الرأسمالية في روسيا). فكانت هذه الأفكار كاريكاتورية في مجتمع اليمن الجنوبي أو ظفار (عمان) وغريبة عن واقع المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال أو في الشتات، وعن واقع لبنان واقتصاده الرأسمالي المالي (المصرفي التجاري) وعن كل مجتمعات الريع النفطي في الخليج، وقاصرة عن استيعاب سياسات تنموية مشوهة في مصر وسوريا والعراق.
استقل فرع حركة القوميين العرب في اليمن باكراً بسبب الخلافات السياسية مع عبد الناصر ودعمه للحركة الوطنية في الشمال. انتهى الأمر باعلان «الحزب الديمقراطي الثوري اليمني» في عام 1968 الذي أعلن التزامه الفكر الماركسي اللينيني، ساعياً إلى بناء «الحزب الطليعي الثوري». ومن خلال هذا التيار أُعيد تشكيل الجبهة القومية التي قادت حركة الاستقلال في اليمن الجنوبي وأقصى ثنائي سالم ربيع وعبد الفتاح اسماعيل قيادة قحطان الشعبي واندمج في حزبهما الحزب اليساري الصغير بقيادة عبد الله با ذيب.
وفي الساحة الفلسطينية تبلور التيار اليساري داخل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (1968) بقيادة نايف حواتمة ضد القيادة التاريخية (اليمينية): جورج حبش، وديع حداد، هاني الهندي. وشارك في قيادة الفصيل المنشق (الجبهة الديمقراطية) إلى نايف حواتمة، عبد الكريم حمد (أبو عدنان) سعيد البطل (أبو مشهور) ياسر عبد ربه، تيسير خالد، صالح رأفت، داود تلحمي، ممدوح نوفل، بلال الحسن، خليل الهندي، عصام عبد اللطيف، سامي ضاحي، سليمان الرياشي، قيس عبد الكريم السامرائي (أبو ليلى) (من الحزب الشيوعي العراقي) وتعاون مع الجبهة صادق جلال العظم (سوري) والعفيف الاخضر (تونسي).
وظلت الجبهة الشعبية بقيادة جورج حبش ومعه، وديع حداد، هاني الهندي، باسل الكييسي (عراقي) غسان كنفاني، أبو علي مصطفى، صلاح صلاح، أحمد اليماني، أبو أحمد فؤاد،... هاشم علي محسن (عراقي).
وفي الكويت غلبت القيادة المحافظة بزعامة أحمد الخطيب الذي صار عضواً بارزاً في البرلمان الكويتي. وفي سوريا حيث الكتلة المحافظة ممثلة بـ: نايف آغا المهايني، اسامة العابد، فاروق قوتلي، حسان المحاشي، غسان برازي، عصمت هنانو، عماد الحراكي...) وتنتمي هذه الرموز إلى عائلات تقليدية وإلى الطبقة الوسطى ولم تقبل الخيار الماركسي، وانضم معظم عناصر الحركة إلى «الاتحاد الاشتراكي العربي» (الناصري السوري). وفي تقرير اللجنة التنفيذية للحركة جاء: إنهم في جملة القادة التاريخيين الذين رأوا دائماً ضرورة تأجيل الاشتراكية إلى ما بعد الانتهاء من توحيد الوطن العربي.
أما فرع لبنان الأكثر تقدماً والأكثر استجابة لحركة الأفكار الجديدة والتغيير فقد تمثل اليسار فيه بثنائي محسن ابراهيم ومحمد كشلي المشرفين على مجلة الحركة (الحرية 1959) وأعلنا عن إنشاء الفصائل اليسارية ثم أسسا «منظمة الاشتراكيين اللبنانيين» (1969) وغادر معظم كوادر الحركة التاريخيين خصوصاً في صور وطرابلس وصيدا وبعلبك جراء الفرز السياسي.
صفحة 5
يسار على يسار
اختلفت مشكلات حزب العبث العربي الاشتراكي (تأسس 1947) عن حركة القوميين العرب. فمنذ استلامه السلطة في سوريا (1963) والعراق (1966) انقسم بين مجموعة مدنية (معظمها من المثقفين) ومجموعة الضباط العسكريين الذين تولوا تنفيذ الانقلابات والاستيلاء على السلطة. ومنذ استلام السلطة وجد البعث نفسه في وضع متناقض ومعقد (مصطفى دندشلي، تاريخ حزب البعث). تجاذبت المجموعات العسكرية والمدنية الخيارات السياسية، وواجه الحزب أزمة المصداقية بين الادعاء الوحدوي (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) والممارسة القطرية (انفصال 1961 وعدم قيام وحدة سورية عراقية).عرف الحزب تياراً محافظاً (ميشال عفلق وصلاح الدين البيطار) وآخر يسارياً. وفي المؤتمر السادس (1966) برز التيار اليساري بقيادة علي صالح السعدي (عراقي) وحمود الشوفي ومنصور الاطرش (سوريا) يساندهما مثقفون مثل ياسين الحافظ الذي صاغ الورقة الفكرية للمؤتمر، وخرج لاحقاً من الحزب ليؤسس مع الياس مرقص وآخرين «حزب العمال الثوري العربي».
هيمن الجناح العسكري على سياسة الحزب والسلطة وأخذ يقصي القيادات المدنية المعارضة تباعاً من ميشال عفلق وصلاح الدين البيطار إلى أمين الحافظ (رئيس جمهورية) ونور الدين الأتاسي (رئيس جمهورية) وصلاح جديد وإبراهيم ماخوس (أسس لاحقاً الحزب العربي الاشتراكي) ويوسف زعيّن ومن قبل سليم حاطوم خلال فترة 1964 و1970. وتمكن الرئيس حافظ الأسد ومجموعته العسكرية من الاستيلاء الكامل على السلطة عام 1970. وكانت أحداث الاردن (أيلول الاسود عام 1970 بضرب المقاومة الفلسطينية) السبب المباشر لانقلاب 1970 بذريعة إنهاء مشروع «الحرب الشعبية» التي تبناها تيار صلاح جديد وبدت مغامرة بمصير سوريا. وكانت مجموعة صلاح جديد تقوم بالتنسيق مع اليسار الجديد وفصائل المقاومة الفلسطينية.
مسار خاص بالحزب الشيوعي اللبناني
ظل الحزب الشيوعي اللبناني مرتبطاً بالحزب الشيوعي السوري بقيادة خالد بكداش المحافظة التاريخية حتى عام 1964. وهو التزم مواقف الأممية الدولية السوفياتية في سياسته العربية. لكن الانقسامات في الحركة الشيوعية أثرت على الحزب خصوصاً في بيئة منفتحة مثل لبنان. وفي عام 1965 خرجت من الحزب مجموعة أطلقت على نفسها «التيار اللينيني».وانفصلت مجموعة سورية أطلقت على نفسها اسم «الحزب الشيوعي العربي» ومن قيادتها (هلال رسلان وجميل شاتيلا) اللذان انحازا إلى الخيار الصيني. وتشكلت مجموعة لبنانية منها صوايا صوايا وحسن قريطم وادمون عون (ستالينية بكداشية) أطلقت على نفسها اسم اتحاد الشيوعيين. وظل نخلة مطران بكداشي الهوى مع صلات وثيقة بالحزب الشيوعي الايطالي! وظهرت على جوانب الحزب مجموعة تروتسكية من مصادر ثقافية غربية أميركية وفرنسية.
وخلال النقاش الذي دار في الحزب عام 1967 نحو المؤتمر الثاني برز جورج حاوي قائداً لتيار التجديد في ثلاث مسائل أساسية: هامش من الاستقلال لسياسة الحزب عن السوفيات والأحزاب العربية، إعادة نظر في موقف الحزب من المسألة القومية، والعمل على بناء ديمقراطية داخلية. بدأ النقاش داخل هيئات القيادة في الحزب الشيوعي بين موقف تجديدي يأخذ في الاعتبار الواقع الملموس، وآخر جامد ينطلق من آراء السوفيات. خرج النقاش على العلن بعد 1967، واتهم جورج حاوي بالعمالة. تشكلت خلية أزمة من جورج حاوي وخليل الدبس ونديم عبد الصمد وغسان الرفاعي وفضل الحاج وفاروق معصراني وخليل نعوس وأحمد المير ورهيف فياض وجورج البطل، (لم يكن كل الأعضاء من اللجنة المركزية). وبعد سفر جورج حاوي وإبعاده، عاد كريم مروة من موسكو وانضم إلى الخلية، وحسم الصراع داخل اللجنة المركزية بحضور جميع أعضائها في أيلول عام 1967، وبدأ الإعداد للمؤتمر الثاني.
وفي مؤتمره الثاني أجرى الحزب قراءة نقدية لتجربته وتاريخه ضد التبعية للمركز الدولي وتقديس وصنمية القيادة، وغياب الديمقراطية، وكذلك المراجعة لعلاقته بالمسألة القومية، والموقف من عبد الناصر والمسألة الفلسطينية. وبدأ التمايز عن الأحزاب الشيوعية العربية ومارس نقداً خجولاً للأنظمة الوطنية التقدمية واصفاً إياها «بالبرجوازية الصغيرة» التي «تنفرد بالسلطة» ولا تقوم بتعميق نهجها «التقدمي» ومشاركة القوة اليسارية. ولكنه التزم الموقف السوفياتي العام بدعم هذه الأنظمة لتوسيع قاعدتها الاجتماعية وتبنى مفهوم «التطور اللارأسمالي» كنظرية لتطوير هذه الانظمة ووصفها «بالديمقراطية الثورية»، ووافق على سياستها في الصراع العربي الإسرائيلي، وتبنى الموقف السوفياتي والناصري بإزالة آثار العدوان بعد حرب 1967. وتحفظ على الكفاح المسلح الفلسطيني قبل عام 1970. ظل يمارس سياسة التحالف مع «البرجوازية الوطنية» في لبنان ضد اليمين الغبي و«الطغمة المالية» ويدعو إلى حكم وطني ديمقراطي يضم أوسع فئات وطبقات الشعب.
كان الحزب ذا قاعدة شعبية واسعة عابرة للطوائف، وقد بدأت جذوره في العمل النقابي في بيروت وضواحيها وجبل لبنان حيث الانتشار المسيحي، وحيث التعاطف الارثوذكسي مع روسيا، وكانت للحزب تجارب نقابية مهمة جعلته طرفاً فاعلاً في الجسم النقابي الرسمي. وتكونت للحزب مؤسسات ثقافية (اعلامية متعددة من دور نشر وصحف ومجلات) وأنشأ حركة السلم الدولية وتوافرت له المساعدات والمنح التعليمية من دول المعسكر الاشتراكي. كل ذلك جعل الحزب مؤسسة وطنية عريقة، وقد تأسس عام (1924) وخاض معارك انتخابية وشارك في أحداث 1958.
لكن الحزب كان عشية مؤتمره الثاني (1968) مترهلاً يغرق في البيروقراطية والتقليد. فما أن هبت رياح التغيير ونشطت التيارات السياسية حتى استطاع أن يفرز قيادة شبابية واكبت هذا المناخ وظهرت فاعليته في مؤتمره الثالث عام 1972 بعد أن نال ترخيصاً رسمياً عام 1970 في عهد كمال جنبلاط في وزارة الداخلية. وكانت تلك المناسبة تظاهرة وطنية وعالمية أعادت استنهاض كل الجسم الوطني للحزب على أساس المهمات الديمقراطية المفتوحة آنذاك.
صفحة 6
الحزب القومي
ولم توفر تلك الموجة الحزب السوري القومي الاجتماعي (1934) الذي كانت قيادته في السجن بعد انقلاب (1961) ولا سيما عبد الله سعادة، انعام رعد، أسد اشقر. وفي السجن قام ثنائي عبد الله سعادة انعام رعد بمراجعة فكرية سياسية انتهت إلى تجديد بعض المفاهيم وأهمها المصالحة مع العروبة فكرياً وسياسياً بعد تاريخ من الصراع مع الأفكار والحركات القومية (البعث والناصرية) وإعلان الانتساب إلى اليسار وإلى التزام القضية الاجتماعية (الطبقية) والتأكيد على حرب التحرير القومية في وجه إسرائيل والامبريالية والانفتاح على المعسكر الاشتراكي ضد المعسكر الغربي.وقد تجسدت هذه الأفكار في مؤتمر ملكارت للحزب 1969 بعد خروج القادة من السجن مع تغيير في التنظيم الحزبي أكد مبدأ الانتخابات والديمقراطية.
لكن ردة حصلت داخل الحزب على مقررات مؤتمر ملكارت فشهد حركة اعتراضية أدت إلى خروج بعض العناصر الشبابية النشطة فذهبت باتجاه أحزاب اليسار أو الالتحاق بفصائل الثورة الفلسطينية وخصوصاً «فتح». ومن مثقفي هذه البيئة القومية الذين اتجهوا يساراً جوزف سماحه وحأزمة صاغية وجورج ناصيف وجوزف شويري ووليد نويهض وغانم بوغانم. وجاء هؤلاء إلى العروبة الناصرية أولاً ثم إلى اليسار والالتزام بالثورة الفلسطينية.
ومن باب آخر شهدت الجامعة اليسوعية تغلغاً للأفكار اليسارية من مصادر ثقافية أولاً غربية فرنسية. أما الجامعة الاميركية فكانت منذ مطلع القرن العشرين موئلاً للتيارات السياسية لا سيما العروبية.
وتشكلت في الجامعة اليسوعية مجموعة طلابية يسارية تروتسكية الهوى ما لبثت أن أثرت في بيئاتها الريفية وجاء عناصرها إلى الحزب الشيوعي أو إلى منظمة العمل الشيوعي في ما بعد. ومن هذه المجموعة سمير فرنجية، جو ميلا، أمين معلوف، اليكو بيضا، هيني سرور، بول اشقر، فؤاد زحيل، نسيم ضاهر، عماد نويهض، نبيل الخشن، غسان فوّاز، غسان صفي الدين، رشيد الضعيف، شوقي الدويهي، مسعود يونس...
مسيحيون ثوار
منذ عام 1965 تأسست في البيئة المسيحية حركة حملت اسم «كنيسة من أجل عالمنا»، تعهدها عدد من الكهنة الموارنة. وتأثرت هذه الحركة بما يعرف «لاهوت التحرير» الذي ظهر في أميركا اللاتينية (الأب كاميلو توريز وآخرون) ووقفت ضد الاستغلال والفقر ونسبت إلى الكنيسة دوراً في رفع الظلم. ولاقت هذه الحركة أصداء واسعة في المجمع الفاتيكاني الثاني (1968 ـ 1965) الذي مارس نقداً للمجتمع المعاصر (ولا سيما الغربي) كما للمجتمعات الشمولية، ودعا إلى تحرير الناس من الارتهانات المادية. وفي العام نفسه تأسست في لبنان حركة المطران الكاثوليكي غريغوار حداد تحت اسم «الحركة الاجتماعية». أما «الشبيبة المسيحية» فهي حركة عالمية منذ الثلاثينيات وقد نشأت من أفكار «الراهب اليسوعي الماركسي هنري مارتان».تأثرت تلك الحركات بنقد الماركسية للمجتمع الرأسمالي، وراهنت على تجاوز النظامين الرأسمالي والاشتراكي، وعلى تعاون ومصالحة بين الحركات المسيحية والفكر الاشتراكي. وفي أكثر من مدينة ريفية تشكلت مجموعات شبابية (زغرتا، تنورين، بعقلين،) رافضة للقيم والمفاهيم السائدة. ومن بين الناشطين الذين برزوا: الأب هكتور الدويهي، الأب سليم غزال (مطران الكاثوليك)، الأب سمير مظلوم (مطران ماروني)، الأب غبريال حبيب (مجمع كنائس الشرق الأوسط) جورج كويتر، ايلي كتورة، بول فغالي، إيلي بهو، نبيل عبود، ماري روز بولس، ملحم شاوول، طارق متري (الوزير)، سليم نصر...
وبرز في توجيه هذه المجموعات مفكرون مسيحيون كبار مثل الآباء: يواكيم مبارك، ميشال حايك، جورج خضر (مطران الارثوذكس في جبل لبنان). وفي عام 1969 أنشأت مجموعة من الشبيبة الارثوذكسية «تجمع المسيحيين الملتزمين» التي أعلنت تأييدها للمقاومة الفلسطينية ونقدها للنظام السياسي الطائفي، وتأييدها لمطالب المحرومين اجتماعياً.
وبرزت ظاهرة الأحزاب العلمانية الديمقراطية عام 1968 كالحزب الديمقراطي (جوزيف مغيزل، اميل بيطار، أوغست باخوس...)، وحركة 22 تشرين (باسم الجسر) وحزب الجمهورية (موريس جعارة).
صفحة 7
لبنان الاشتراكي
في عام 1965 التقت مجموعة صغيرة من المثقفين الذين كانوا أعضاء في حزب البعث العربي الاشتراكي وراودهم حلم تشكيل تنظيم سياسي. أسس هؤلاء ما أسموه «حلقة دراسات لبنان الاشتراكي» ونشطوا في الأوساط الطلابية واساتذة الثانويات والجامعات أولاً. «كانت تلك مبادرة لم تكن مشروعاً» كما يصفها وضاح شرارة أحد أبرز المؤسسين. انكبت هذه المجموعة على إنتاج فكر نقدي وأصدرت دراسات وبيانات من بينها نموذج لبيان من عدة صفحات يحلل أسباب دعم الثورة الفيتنامية. وفي كانون 1969 أصدرت المجموعة كتاباً بعنوان «العمل الاشتراكي وتناقضات الوضع اللبناني» هو كناية عن دراسات بين 1966 و1968 وتناولت بالنقد تجربة الحكم الشهابي، برنامج الحزب الشيوعي، ممارسة الحزب «الاصلاحية الانتهازية التحريفية» وقضايا تحليلية لنضالات العمال والفلاحين والطلاب والموظفين، وأزمة اليسار ومسألة وحدة اليسار، وتناولت كذلك تجربة حركة القوميين العرب، والعمل الجبهوي (العمل الوطني) تحت اسم (لقاء الأحزاب والشخصيات التقدمية والوطنية).ظهرت هذه المجموعة بنشاط سياسي في التحركات الشعبية الاحتجاجية على عدوان إسرائيل على مطار بيروت نهاية عام 1968. فقد انتزع هذا العدوان الحركة الطلابية من واقعها المطلبي الديمقراطي ووضعها في مقدمة التحرك السياسي الوطني.
وفي أحداث 23 و24 نيسان التي انطلقت ضد سياسة الحكومة في محاصرة العمل الفدائي وتصفيته برزت هذه المجموعة بنشاطية عالية متعاونة مع «منظمة الاشتراكيين اللبنانيين» والأجواء الشعبية في المخيمات الفلسطينية. وترسخت أقدام هذه المجموعة بين الطلاب في الثانويات والمهنيات والجامعات ودور المعلمين وضمت العشرات إلى «تنظيمها» المكون من مجموعة حلقات. ومارست بيانات هذه المجموعة مع «منظمة الاشتراكيين اللبنانيين» النقد الصارم لسياسات الحزب الشيوعي والتقدمي الاشتراكي المهادنة للنظام والسلطة وأطلقت الدعوة إلى إنشاء «لجان دعم العمل الفدائي» وقدمت مذكرة مشتركة إلى «لقاء الأحزاب» الذي لم يلتزم بها. وأخذت المبادرة مع «منظمة الاشتراكيين» واليسار الفلسطيني في تنفيذ مضمون المذكرة بإنشاء لجان دعم المقاومة وبجمع التبرعات للفلسطينيين وإقامة الندوات والاتصالات دعماً للثورة الفلسطينية.
كانت النواة الأولى لهذه الجماعة مكونة من: وضاح شرارة، فوّاز طرابلسي، محمود سويد، كريستيان غازي، وداد شختورة، يولا بوليتي، أحمد بيضون، حسن قبيسي، سامي سويدان. واتسعت هذه النواة لتضم حلقات شارك فيها: بول اشقر، آن اشقر، نوال عبود، غسان فواز، عصام العبد الله، حافظ الشمعة، وجيه كوثراني، كمال بكداش، عزّة شرارة، علي حرب.
عرفت هذه المجموعة نفوذاً في دور المعلمين في بيروت وصيدا وزحلة وجونيه وثانويات رمل الظريف وطريق الجديدة وبرج البراجنة والنبطية وطرابلس، واتسمت بإعداد ثقافي انعكس تأثيراً على محيطها وأعطى لعناصرها أولوية في نشر الثقافة الماركسية في صفوف الناشطين.
صفحة 8
صدمة 5 حزيران 1967
كانت هزيمة 5 حزيران 1967 حداً فاصلاً بين مرحلتين من تاريخ العرب الحديث. احتلت إسرائيل كامل ارض فلسطين التاريخية (القدس الشرقية والضفة الغربية لنهر الاردن وقطاع غزَّة) وسيناء المصرية والجولان السوري ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا اللبنانية، ودمرت معظم القوى العسكرية المتقدمة للجيشين المصري والسوري خلال ستة ايام.امتحنت تلك الحرب الخاطفة قدرات الأمة كلها. الاستعداد العسكري، القيادة السياسية، الادارة المدنية، الثقافة السياسية وعلاقة الحاكم بالمحكوم، السياسة الخارجية، الطاقات الاقتصادية.
أظهرت تلك الحرب خواءً عربياً. فما تراكم من سلاح لم يكن وفق جهوزية قتالية صحيحة. وما جنّد من جيوش لم تكن له بنية حديثة وادارة عقلانية ولا قيادة مسؤولة يقظة. وما كانت من قيادة سياسية لم تكن على مستوى التحديات الفعلية في إدارة شؤون البلاد، وما شاع من خطاب سياسي تهافت، فكانت الدولة في مكان والجمهور في مكان آخر تقوم بينهما حواجز للحرية والمشاركة والمراقبة والمحاسبة.
في تلك اللحظة التاريخية خرج الجمهور العربي في حالة من ذهول من تلك الخيبة التي استحالت على التفسير. فقد وضع الجمهور ثقته بالقائد جمال عبد الناصر «وأعطى له كل شيء لكي يحافظ على كل شيء».
كان الجمهور بحسه العفوي الصادق (في 9 و10 يونيو) يريد أن يرد الإهانة ويسترد الكرامة فوراً فخرج يدعو «حنكمّل المشوار» وأعاد تفويض عبد الناصر لهذه المهمة، وقد أقام بينه وبين نظامه فصلاً كان تعسفياً ليس من زاوية سلوكيات القائد واخلاقياته ومصداقيته، بل من زاوية مسؤولية القائد عن معاونيه.
أخلت ردة الفعل العاطفية مكانها بعد قليل للتفكير والتأمل في الأسباب البعيدة للهزيمة. خرج فيض من النقد والمراجعة طاول كل شيء. ربما كان القول إنها «هزيمة مجتمعية حضارية» الدليل على أن المهمات كانت تاريخية بغض النظر عن صحة العبارة «حضارية». (مهدي عامل، أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازية العربية؟) يصعب حصر تراث «النقد الذاتي» بعد الهزيمة (عنوان كتاب لصادق جلال العظم) الذي اشتغلت عليه النخب العربية، لكن يمكن وضعه في قائمة في الموضوعات لم تستبعد شأناً من شؤون الدولة والمجتمع والثقافة. كان الخامس من حزيران زلزلاً عربياً لم يسبق مثله عمقاً وتأثيراً لا في صدمة الغرب للشرق ولا سوى ذلك من تحديات وجودية.
جذّرت الهزيمة الاتجاهات اليسارية التي تطلعت إلى التجاب الثورية الناجحة لحركات التحرر الوطني في العالم وفي المقدمة النموذج الصيني والفيتنامي. كانت الخلاصة التي تمحور عليها التيار اليساري الجديد هي «امتلاك نظرية ثورية». كانت الماركسية هي نظرية ذاك الزمن بوعودها في مواجهة الامبريالية (اعلى مراحل الرأسمالية)، فغرف من معينها التيار اليساري تلك المقولات الكبرى وأخذ يخضع الواقع العربي لأحكامها غالباً في صيغ جاهزة. كانت الأداة الأساسية للماركسية «التحليل الملموس للواقع الملموس» مجرد عبارة لا إرث لها في التجربة العربية. فبعد نصف قرن من تأسيس أحزاب شيوعية عربية لم يكن هناك تحليل ماركسي للأوضاع العربية بمعنى ماركسية عربية أو تعريب الماركسية. لم يكن اليسار السابق يعرف الواقع العربي كما ينبغي لا في مكوناته الاجتماعية والطبقية ولا في تشكيلاته السياسية ولا في ثقافته. جاءت الماركسية الجديدة وكأنها لحظة تأسيس لينكب المفكرون العرب على التحليل الطبقي الذي لم يتفقوا على تشخيصه وعلى طبيعة التحولات الاقتصادية ولا على طبيعة السلطة السياسية وبنية الدولة (محمود حسين، الصراع الطبقي في مصر) واحمد صادق سعد (نمط الانتاج الآسيوي) فشهدنا نوعاً من الانتقائية التي طغت عليها «اللفظية الثورية» التي صارت معيار صدقية الانتساب للفكر الجديد. كانت الجملة أعلى صوتاً من التحليل العقلاني. لامس الماركسيون العرب الجدد الكثير من القضايا المفتاحية والحيوية لكنهم كانوا يتعجلّون القفز من النظرية إلى اقتراح حلول وتصورات وبرامج وخيارات في معظمها إرادوية. كانت تلك المرحلة تسمح بذلك. فثقافة العالم انعطفت في هذا الاتجاه مع اليسار الجديد في أوروبا ومع التجربة الغيفارية ومع المراجعة الواسعة للماركسية الكلاسيكية السوفياتية.
لم يقتصر النقد على الأنظمة السياسية التقدمية والوطنية (القومية) وقد راوح بين توصيفات «البرجوازية الصغيرة»، اعتمدته الأحزاب الشيوعية وبين تطور «رأسماليات الدولة» (اعتمده اليسار الجديد) المندمجة مجدداً في السوق الامبريالي، بل تعداه إلى نقد المجتمع بثقافته، بوعيه وعقله، فخضع لكل حركات التشريح الانتربولوجية والنفسية، وطاول الدين والوعي الديني (نقد الفكر الديني، صادق جلال العظيم، الخرافة، سلوى الخماش). وتصدر الفكر العربي مشروع إرادوي آخر يقوم على «تجديد النهضة» أو «النهضة الثانية» عبر التنوير المعرفي العلمي العقلاني. كانت تلك ألوان الطيف العربي التي رسمت في الأفق «طوبى» جديدة أو متخيلاً ملهماً للعمل وقد رفدتها أوضاع اجتماعية مزرية ضاغطة وحركات صممت على أن تغيّر أو أن تضع المعالم الأساسية للطريق عبر العمل المسلح.
كان ثقل الأوضاع العربية أصعب بكثير من أن يتمحور على مسألة مركزية واحدة. فالعالم العربي ليس منظومة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية واحدة. أسقط الفكر الثوري على هذا العالم مقولات عمومية وراهن على شعورية عربية لا محمول اجتماعياً وسياسياً لها؛ جزء من العالم العربي هو دول الخليج النفطية المتماسكة حول عقيدة دينية محافظة (الوهابية في السعودية) وحول سلالات حاكمة شديدة الارتباط بأمن الغرب ومصالحه وتوجهاته. والشمال الافريقي ينسج تاريخه خارج التحديات المشرقية. أما مصر فكانت منشغلة ببناء ذاتها وقد اعتصرتها سياسات الحصار والمواجهة وأثقلت عليها الخيارات الاقتصادية التي قادت إلى تعميق الفروق الاجتماعية بشكل جديد. وفي المشرق كان البعث الحاكم في العراق وسوريا أبعد ما يكون قدرة على إرساء قواعد جدية لمعركة قومية. فقد أدت معارك السلطة في هذين البلدين إلى هيمنة نخبة عسكرية ضاقت قاعدتها الاجتماعية إلى حدود عائلية وطائفية وجهوية.
لم يكن في أُفق العالم العربي ما يشكل قاعدة ارتكاز لجذب هذه الشعوب نحو خطة عربية واحدة للنهوض بالتحديات. ذهبت الانظمة التقدمية ضعيفة إلى مصالحة الانظمة المحافظة تحت لافتة «التضامن العربي» ومعركة «إزالة آثار العدوان»، (مؤتمر الخرطوم في السودان) وكان الشباب العربي الذي خرج من صدمة الهزيمة يبحث عن بطل جديد، عن مخلّص يضع بين يديه طموحاته. كان يمكن لهذا المخلص أن يكون فكرة أو حزباً فكيف اذا كان قضية عادلة وشعباً خرج كأنه الاحتياط الاستراتيجي وهو يتمتع بسلوكية التضحية حتى الاستشهاد. كان ذلك المخلص «الفدائي الفلسطيني». كان «الفدائي» اسماً لغير مسمّى ثم صار «كوفية» ترمز إلى الكرامة منذ «معركة الكرامة» في الأردن عام 1968. كانت قضية فلسطين قضية العرب في سياق المرحلة الاستعمارية التقليدية. لكنها كما كيانات العرب الأخرى خضعت للأمر الواقع وصارت تدريجاً «وطنية فلسطينية» لم تحقق استقلالها. لكن الفلسطينيين كانوا جزءاً من نسيج المشرق العربي في ظل الاقتلاع والتشريد واللجوء. صارت فلسطين لعدة أسباب ولسبب مادي واقعي عنصراً في داخل مجتمعات الجوار، في مصر وسوريا والأردن ولبنان. صار سهلاً على الفكر الثوري أن يصوغ من الثورة الفلسطينية أو حركة النضال الفلسطيني مقولة «الرافعة التاريخية» للتغيير في الأوضاع العربية. وبينما كانت فلسطين تحتاج إلى الدعم العربي صارت في الفكر اليساري رافعة التغيير.
انطوت نظرية «الرافعة التاريخية» على تكثيف هائل لفكر العروبة، وعلى رهان إرادوي على هذه العروبة أو هذه الرابطة لكي تتمركز حول المصلحة الفلسطينية (الياس مرقص، المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن). وكان يدعم هذه النظرية وجود مادي فلسطيني (المخيمات) فيجعل منها شريحة اجتماعية تؤثر في موازين القوى السياسية. وكان الاختبار الأول في ايلول عام 1970 في الاردن حيث النقطة الأقوى. ولم يمنع انهيار تلك النظرية أمام الإقليمية الأردنية من أن يعيد هؤلاء تجربتهم في لبنان. تلك كانت حكاية اليسار اللبناني عامة واليسار الجديد خصوصاً وهو يمارس التلقائية والعفوية في أكثر أشكالهما إطلاقية تحت سقف شعارات نظرية لا من خلال نظرية ثورية عقلانية. لكن هذه الممارسة لم تنشأ عن فراغ بل عن جملة تعقيدات وتناقضات ووقائع شديدة الوطأة على أي مشروع تغيير ثوري.
صفحة 9
الصاعق الفلسطيني
فرض العدوان الإسرائيلي على مطار بيروت ليل 28 كانون الأول 1968 جدول أعمال مختلفاً على لبنان. لم يشارك لبنان في حرب حزيران 1967 مؤثراً الحياد والاحتماء بعلاقاته وصداقاته الدولية، أي بكونه صديقاً للغرب على ما يشاع في رعاية الغرب للطابع المسيحي الخاص بلبنان. كان ذلك مصدر مقولة المسيحية السياسية عن «قوة لبنان في ضعفه». لكن إسرائيل التي لم تلتزم هذا الحياد اللبناني ووضعته في المدى الحيوي لأمنها ومطامعها مارست باستمرار ترهيب اللبنانيين لا سيمّا الجنوبيين. فقد اجتازت الحدود اللبنانية مراراً وتكراراً ولعبت دور البوليس المتحفّز لقمع أي محاولة لمقاومة سطوتها منذ عام 1948. استشرفت النخب اللبنانية لا سيما المسيحية منها الخطر الصهيوني قبل أن يصبح واقعاً مادياً مجسداً في كيان دولة إسرائيل. ولطالما ردد اللبنانيون الخاصة والعامة أن لإسرائيل مطامع في مياه لبنان وأرضه. ولم ينسحب اللبنانيون من معركة المواجهة مع المشروع الصهيوني إلاّ في ظل التعريب الرسمي الذي فرض على لبنان الانضباط في الخطة العربية الشاملة منذ تشكيل جيش الانقاذ وهزيمة 1948. شارك لبنان من أطياف مختلفة في مقاومة الصهاينة في ظل الانتداب البريطاني وثورة القسام (1936) وساهم في الحرب العربية عام 1947 عبر جيش الانقاذ بزعامة «فوزي القاوقجي» ومعركة المالكية بقوات الجيش اللبناني.أقحمت إسرائيل لبنان في دائرة الصراع العربي الإسرائيلي متذرعة بنشاط الفدائيين الذين تسللوا من المخيمات عبر الحدود لاطلاق بعض رشقات الكاتيوشا.
كانت السلطات اللبنانية تمارس ضبطاً غير محدود للمخيمات والنشاطات الفلسطينية ومارست أشكال القمع والاذلال، وقضى تحت التعذيب ناشطون فلسطينيون في السجون اللبنانية. خرج الفلسطينيون احتجاجاً على العدوان الإسرائيلي وعلى سياسات تقييد النشاط الفلسطيني. وكانوا يتخذون من مناسبة تشييع شهدائهم سبباً للتظاهر، أو للمواكب الاستعراضية التي تركت آثاراً سلبية على جمهور بعض الفئات اللبنانية، وعدّها بعض القوى السياسية تحدياً لمشاعر اللبنانيين وتعدياً على حرياتهم وعلى سيادة الدولة (نقولا نصر، حرب لبنان ومداها). وقعت عدّة حوادث تصادم بين قطاعات ومواقع من الجيش في الجنوب مع بعض المجموعات الفدائية ثم وقعت احتكاكات بين الفلسطينيين والاهالي في أكثر من منطقة بما في ذلك إطلاق النار على المواكب الفلسطينية خلال عام 1968 ومن بينها حادثة الكحالة الشهيرة، يوم كان كمال جنبلاط وزيراً للداخلية وعلق: «أرادوا إحراقنا فأنقذنا لبنان من الحريق». انبرى اليسار في الدفاع عن حق الفلسطينيين في العمل بحرية على الارض اللبنانية وتعاون مع الجمهور الفلسطيني في حركات الاحتجاج والتظاهر. وتصدر الاسلام السياسي هذه الموجة ليطرح من خلالها أزمة الحكم والشراكة الطائفية ونشأت أزمة حكومية عام 1968 بعد ضربة المطار آخر العام امتدت سبعة أشهر ساهمت في تأجيج الانقسام السياسي الطائفي. وما أن حصلت تظاهرة 24 ـ 23 نيسان 1969 في ساحة البربير احتجاجاً على تطويق الجيش جنوباً لمجموعات فدائية حتى تصدت السلطة بقمع عنيف للمتظاهرين فوقع تسعة شهداء وأكثر من أربعين جريحاً، وطاردت السلطة نخبة من المتظاهرين بالملاحقة القضائية شملت 76 شخصاً معظهم من العناصر الحزبية اليسارية ومن طلاب الجامعات.
كانت تلك الحادثة فاتحة مرحلة جديدة من السياسة اللبنانية فرضت العنوان الفلسطيني شاغلاً أساسياً. وحول هذا الوجود والدور تألبت القوى والمواقف وانفتحت الساحة على مداخلات عربية أفضت إلى توقيع اتفاقية القاهرة لتنظيم هذا الوجود وهذا الدور. كان تعريب أزمة 1969 مقدمة لانشطار نفسي وسياسي استحضر في البيئة المسيحية الخوف من التعريب والأسلمة. تحول اتفاق القاهرة إلى قضية خلافية وعنواناً ظل يتردد حتى منتصف الثمانينيات. خالط الموقف المسيحي أكثر من عنصر وحافز. ففي السابع من آب عام 1967 في أعقاب هزيمة الخامس من حزيران أدلى البطريرك الماروني بموقف سياسي حذَّر فيه من ضياع هوية لبنان أمام موجة العروبة وندد بالتيارات التي تريد ربط المصير اللبناني بالمصير العربي. وفي هذا الوقت بدأت حركة سياسية مسيحية تسعى إلى تكوين حلف سياسي استهدف تصفية إرث الشهابية في سياستها العربية والداخلية. وتشكل الحلف الثلاثي (كميل شمعون بيار الجميل ريمون اده) ليخوض انتخابات 1968 النيابية مكتسحاً معظم دوائر جبل لبنان المسيحي تحت شعارات مواجهة العروبة والصهيونية والشيوعية وفي سبيل حرية وسيادة وحياد لبنان. (فؤاد كرم، الحلف الثلاثي)
أسس هذا الحلف لإنهاء العهد الشهابي الثاني ممثلاً بالرئيس شارل حلول، واستطاع إيصال المرشح عن التكتل الوسط الرئيس سليمان فرنجية معيداً وضع اليد على سياسة الدولة الرسمية التي اعتبرها متقاعسة عن أداء دورها من قبل. انضوى اليسار التقليدي (الحزب الشيوعي اللبناني والحزب التقدمي الاشتراكي) في خطة الرهان على كبح التطرف اليميني وعلى إنقاذ النظام من أزمة المواجهة مع الضغوط العربية من جهة ومع الحركة الشعبية الداخلية من جهة ثانية. لكن أفق هذا المشروع كان مقفلاً أمام تشدد اليمين المسيحي وهو يرفع شعار السيادة والأمن قبل الاصلاح ويدعو إلى حسم المواجهة مع الفلسطينيين.
في 23 نيسان 1969 ظهر واقع جديد تمثل في استقطاب يساري آخر يسيطر على جمهور واسع من الشباب اللبناني الذي هب للدفاع عن حرية العمل الفدائي وانطلق يطرح فكرة إنشاء «اللجان الشعبية» في المدن والاحياء والارياف دفاعاً عن هذا الوجود باعتباره نقضاً للنظام الفاشل والعاجز عن بناء نموذج وطني وتقدمي.
في ساحة 23 نيسان (البربير) انطلقت حركة لبنانية من روافد كثيرة لكن جمهورها الغالب هم الشباب من جامعات لبنان الذين ارادوا التغيير. يصعب القول كم كانت نسبة الملتزمين في الأحزاب آنذاك من بين هذه الآلاف اللبنانية والفلسطينية كذلك. لكن هذا التمرين الثوري كان حاسماً في كسر هيبة السلطة بما كان له من تداعيات على الطبقة السياسية وتماسك النظام ومن تردّدات في الأوساط الشعبية. ما كان قبل ذلك أحلام مثقفين وطموحات شباب في تأسيس نمط جديد من العمل السياسي يضرب التقليد الخشن للزعامات وللسلالات المتوارثة وللطبقة الثرية صار ممكناً حين اندفع جمهور عريض إلى الشارع.
في اليوم الثاني كان التفكير في إنشاء حركة سياسية من نوع جديد. حركة تسيطر على المجال الشعبي وتقوده، تنظمه وتسير به إلى حيث يكون جسماً فاعلاً ضد النظام السياسي. ما كان فروقاً ثقافية صغيرة ترسم حدود المجموعات المتجانسة على مذاهبها وطرقها الخاصة صار سهلاً تجاوزها إلى الاجتماع على الموضوع الأكبر الذي صار يسبق تطلع هذه المجموعات. لاحت فكرة الثورة وسيطر شبحها على الخيال حيث كانت الطبقة السياسية في حال من التفكك والتناقض والتردد والضعف وانعدام الهيبة والسقوط في السياسات المحلية ومنافعها الصغيرة (أزمة تشكيل الحكومة لسبعة اشهر). في تلك العشايا التي تلتئم فيها زمر الشبيبة لتبحث في تجربة اليوم أمر الغد كان الشعار المعبّر: «مين بيقدر يغتالك.. يا ثورة مين... لو نظمتِ عمّالك والفلاحين». (هتاف أطلقه عصام العبد الله) كانت الثورة سابقة على التنظيم وكان على التنظيم أن يحمي الثورة من الاغتيال. دقت ساعة التنظيم بعد أن دقت ساعة العمل.
صفحة 10
المهاجرون والوافدون والمدينة
يصعب فهم تلك الأحداث من دون ملامح تلك المدينة التي تغيّرت في نهاية ستينيات القرن الماضي.كانت بيروت مركز استقطاب النشاط الاقتصادي الحديث لا سيما بعد احتلال فلسطين وتحولها إلى مرفأ ومطار ومصرف ومنتجع وتجارة المنطقة. لكنها حافظت على وتيرة من النمو الاقتصادي والسكاني طبيعية حتى الستينيات. فإلى جانب الرساميل العربية الوافدة والخدمات التي تؤديها للخارج جذبت المهاجرين من الداخل في ركاب القفزة الهائلة في عديد الموظفين القادمين إلى الادارة المركزية والطلاب الوافدين إلى مدارسها وخصوصاً جامعتها الوطنية، (أربعة أضعاف) أما الهجرة الشعبية الريفية الوافدة في طلب العمل فتمركزت غالباً في ضواحي المدينة الجنوبية والشرقية وشكلت أحياءً وبيئات عائلية جديدة قبل أن يصبح النزوح الجنوبي ضاغطاً لدواعي الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والذي عرف عام 1972 نقلة نوعية باجتياح شريط واسع من القرى الحدودية. كان الشباب الوافد إلى بيروت بالآلاف يتسلل إلى نسيج المدينة وخلاياها ويُنشئ فيها مجتمعات صغيرة مختلطة تشغلها هموم ليست من تقاليد مقاهيها وأحيائها. فمن حول الثانويات والجامعات نشأت حلقات للنقاش الثقافي والسياسي وتفاعلت أفكار كانت تناقض التقليد السائد.
في معظم الاحوال كان الوافدون يتلقون جرثومة السياسة هذه في بيروت وينقلونها إلى مناطقهم. وفي البعض الآخر كانت تتشكل في الأرياف اللبنانية حلقات من الشبيبة من حول منتدى أو رابطة أو كاهن مستنير أو استاذ عروبي يساري أو آت من جامعة اجنبية. كانت تلك الحلقات تمثل صراع الأجيال وترفض الانقسام السياسي التقليدي الذي يسيطر على حياة المواطنين ويبقيهم أسرى الجهل والفقر والحزازات العائلية والطائفية.
كان الوافدون إلى بيروت قد انسلخوا عن بيئتهم الأهلية ووطأة عاداتها وتقاليدها وسلطاتها (وضاح شرارة، المدينة الموقوفة). وفي بيروت المدينة المنبسطة الواسعة كان عليهم الانتماء إلى جامعة جديدة هي الأحزاب. يكون الالتحام بالقرابة والنسب أساساً لعلاقات التضامن الريفية. أما في المدن فيكون الالتحام بالولاء لإنشاء عصبية تفرض حضورها. وفي الغالب فالطلّاب لديهم متسع من الوقت وهم متخففون من المسؤوليات المادية والاجتماعية ولم يحددوا مصالحهم بعد في سوق العمل، ولكل جالية طلابية وافدة من إحدى المناطق موئلاً ومكاناً أو ناحية تجذبها لمن سبق من أقرباء ومعارف. تتوثق الصلات والصداقات ثم تتوثق الأفكار والنشاطات. وما هي إلا سنوات قليلة (اربع سنوات جامعية) حتى يستقر المتخرج في المدينة مرتبطاً بعمل ووظيفة ويبدأ تكوين أسرة. تنشأ شبكة من البيوت التي تلف المدينة أو تخترقها وتصبح سياجاً يحاصرها ويخترقها كل يوم. وعلى مقربة من الفروع الجامعية تشتهر المقاهي الخاصة بجماعات الطلاب من لون سياسي معين فيها يخططون وينظمون نشاطاتهم: الغوندول، كورنيش المزرعة، مقهى كلية التربية، مقهى كلية الآداب والحقوق ومقاهي رأس بيروت. هم طلاب معروفون بهوياتهم فلا حاجة لهم لأسماء مستعارة ولا إلى ملاجيء سرية. لبنان الذي نتحدث عنه كان يسمح بقدر وافر من الحريات العامة ويعترف بالأحزاب السياسية التقليدية والعلمانية وحتى القومية واليسارية منذ عام (1970).
لكن العمل السياسي بدأ يشهد تضييقاً منذ اجتاز عتبة الانقسامات التقليدية السابقة. وحاولت الحكومات الحد من الحريات، من حق التظاهر والتجمع ثم حاولت إقرار قانون أحزاب جديد مقيد لحرية الأحزاب عام 1972.
طبعت الأحزاب اللبنانية التقليدية مسحة من التسامح أكثر منها ثقافة ليبرالية أصلية. على العكس كانت لبعض تلك الأحزاب عقائد فاشية وقامت على تنظيم شبه عسكري خصوصاً بعد تجربة 1958. لكن التوازنات الطائفية وتموضع تلك الأحزاب في بيئات خاصة بها غالباً ما أدى إلى احترام حدود نفوذها وعدم المواجهة في ما بينها. أما اذا اقتربت النزاعات من قضايا سياسية أساسية فيقع التصادم ويحصل العنف في محطات مشهودة من تاريخ لبنان المعاصر.
أما ظهور الأحزاب اليسارية أو التجمعات التي اعتمدت الحراك في الشارع والتظاهر الذي لا يعرف حدوداً جغرافية أو طائفية فقد خض المدينة وغير قواعد اللعبة فيها.
كانت قبضة النظام السياسي السلطوية تتصدع مع تناقضات الاجنحة السياسية الحاكمة ما شكل حماية لتلك التعددية، وأعطى مظهراً ديمقراطياً خادعاً للحياة السياسية. انقسمت السلطة حول سياسة لبنان تجاه القضايا العربية وحرية العمل الفدائي وحول صلاحيات أطرافها.
بدأت هذه التناقضات تشل قدرتها على المبادرة والضبط والقمع لا سيما بعد أن أصيبت الشهابية بهزيمة أدت إلى تفكيك جهازها الامني وتحييد الجيش في المواجهات الداخلية (محاكمة ضباط المكتب الثاني عام 1972)، كانت تلك مقدمات لما يمكن اعتباره الطريق المعاكس من الدولة المركزية إلى سلطة المجتمعات الأهلية. تحولت الأحزاب إلى ما يشبه سلطة ثم أخذت تسعى إلى بناء نفوذها على الجغرافيا اللبنانية. صارت فكرة الأمن الذاتي جزءاً من الواقع السياسي ونشطت حركة التدريب والتسليح حتى أدى ذلك إلى تفكك الدولة وانهيار مؤسساتها مع جولات العنف المتتالية.