eKtab
EN ع
الزهور الصفراء
اقرأ عينة مجانية

الزهور الصفراء

بقلم محمد المنصور الشقحاء

صفحة 1

البحث عن بقية

* لا يعرف الكتابة وماذا ترمز إليه الحروف. كل ما يريده من الحياة أن يظل الرخاء، وأن يستمر الفرح مزروعاً في الأحداق. متحدثاً عن النعمة التي افتقدها في طفولته وصباه، والقسوة في المعاملة التي كان يتلقاها من جماعته، بعد أن افترست الوحوش والده ذات شتاء حين تاه في الشعاب والأودية. لم يستطع الكشافة المرسلون من القبيلة تتبع آثاره، واسترجاع (البهم) منه بعد أن همس صوت مجهول بأن (رافع) قرر سرقة أغنام جماعته، والهجرة إلى الشرق حيث يستطيع بما يحصل عليه من قيمتها شراء أرض وبناء مقهى في إحدى المدن التي يتوافد إليها العمال، بحثاً عن عمل لدى شركة الزيت الذي نبع أخيراً في تلك الناحية من البلاد.
***
* لم يستطع الكشافة الوصول إلى نهاية الأثر حيث أخفت الرياح مواقع الأقدام والعثور على جزء من الأغنام.
***
* إنه ابن رافع الذي افترسته السباع. كل قتال يحدث بين الأطفال هو مصدره حتى وعندما شبّ وتجاوز مرحلة الطفولة؛ كان أيضاً مصدر المتاعب والمشاكل رغم طيبة والدته التي تزوجت وأنجبت غيره.
إنما كان الولد الآبق الذي يرتاح للتجوال في الأودية باحثاً عن أي أثر لوالده.
***
* تناست القبيلة (رافع) وإن كان يرد ذكره بين لحظة وأخرى في مجالس السمار وقد ازورَّ الجميع عن ابن رافع.
***
* بيّت (ناجم) أمراً أخذت الهواجس تشغل باله فلم يعد يهتم بالتجوال للبحث عن بقايا آثار والده. ولم يعد يحرص على ملاقاة (جمانة) عند (القليب) أو في (الخلا) حيث تقوم بجمع الحطب والأعشاب ورعي الماشية.
***
* ذات ليلة والجميع يتأهبون للتوجه إلى مجلس الشيخ إذ بناجم يتصدر المجلس في ملابس نظيفة جديدة و(بشت) لا يستطيع غير عدد قليل توفير ثمنه.
ارتسمت الدهشة فوق الشفاه لعدم مبالاته، وحرصه على النهوض من مكانه لمن هو أكبر سناً أو أفضل مكانة. وبدأ حفل السمر بالحديث عن الصحة. ثم إنشاد الأشعار. وعندما استعد عازف الربابة لتقديم وصلته تنحنح (ناجم)، ثم خلع (بشته) من على كتفيه ونهض تاركاً (إياه) مكانه وغادر المجلس.
***
* ترقب الجميع عودته وقد مر الوقت وانفض السامر قبل عودته وبقي البشت. غادر القرية من دون رجعة. لم يأخذ معه مؤناً إنما اكتفى بإرشاد النجوم حتى وصل إلى مركز يعتبر محطة لقوافل العربات.. والمسافرين.
***
* افتقدت الجماعة (ناجم) الذي وصل إلى الشرق، ثم بعد أشهر أخذ يبحث عن عمل. لم يكن معه ما يدل على الطريق الذي يجب أن يتخذه.
إنما أقدم على التوجه مع العمال من خلال الحديث الذي التقطه في الطريق. واستخرج بطاقة عمل من الشركة، حيث أخذ يتنقل من موقع إلى موقع.
صفحة 2
* وجد (جمانة) بعد أن وخط الشيب فوده.. تزوجها على ذكرى (جمانة) الصبي. اعترض مخيم والدها طريق أعمال الشركة.. وقرر الإقامة في المخيم والتخلي عن عمله في الشركة.
افتتح مقهى على الطريق الجديد،واستعان بأطفاله الثلاثة الذين لم يتجاوزوا مرحلة الطفولة في تأمين طلبات الزبائن..
ـ هل أبناؤك يدرسون..؟
ـ ماذا..؟
لا يدري ماذا. كان يرد على أسئلة موظف الإحصاء الذي زاره فجأة في المقهى وأخذ منه معلومات وافرة عن حياته وأسرته.
***
* بيّت أمراً. وأخذ يتطلع إلى أبنائه الثلاثة بعد أن غادره موظف الإحصاء وهم يقومون بتأمين الطلبات. وقبيل غروب الشمس باع المقهى بما يحوي.
***
* غادر مع أسرته الموقع إلى الشرق مرة أخرى وأصبح لديه نقود الآن. بحث عن مسكن صغير في أطراف المدينة. ثم التحق بإحدى الدوائر الحكومية على بند العمال وتقدم بطلب التحاق أطفاله بأقرب مدرسة. طالبه مديرها بشهادات ميلادهم، أو صورة من حفيظة نفوسه إذا كانوا مضمومين فيها. لم يعرف ماذا يعني ذلك سوى أن العراقيل وقفت أمام وجهه.
كان حريصاً على تسجيل أبنائه في المدارس. فقرر أخذ أوراق توصية من إدارته. جهز ثلاثة ملفات، لكل صبي ملف واستطاع بموجب هذه الملفات ضمهم في حفيظة نفوسه وتسجيلهم في المدارس.
***
* تذكر كل هذا وهو يتجه بعربة أكبر أنجاله إلى القرية التي غادرها ذات ليلة بعد أن تخلى عن (بشته). كانت اللوحات الإرشادية تملأ الطريق المعبد الذي امتد حديثاً.
***
* أخذ يسأل عن كل سهم يخترق لوحة إرشادية وبعد عدة كيلو مترات رملية. وجدها أرضاً بلقعاً.. خالية من السكان. وآثار بيوت طينية مهدمة تراكم الرمل فيها وبقايا آثار قوم.. يتربع في الساحات.. انداحت دمعة كبيرة من مقلتيه وتدارى عن وجه ابنه الذي ارتسمت فوقه أكثر من علامة استفهام.. ثم توجه إلى العربة التي عادت إلى الطريق المعبد مواصلة طريقها في رحلة عمل. فضل أن يشارك ابنه فيها للترويح عن النفس بعد أن أحيل على التقاعد وفقد (جمانة) وغادر أبناؤه الباقون الدار.
صفحة 3

في انتظار الحافلة

أعي أنني عمل مصادر حتى في عيون أبنائي. حيث استباحت الهواجس واقعي، فغدت ذرات يصعب متابعتها تنسكب مع أشعة الشمس التي تلج الدور كل صباح عبر فتحات وهمية.
***
إنهم يقتلون مرحلة الصحو التي تنتابني أحياناً. فأخذت في الهذر حتى يصمت من حولي رغم المقاطعات الواضحة التي ترتسم فوق الشفاه حروفاً وكلمات، ثم جملاً اعتراضية غير واعية تنتهي بابتسامة صغيرة باهتة ذات ألوان صفراء متفاوتة الحدة.
***
يقال هناك ناحية من الوطن يقتلون فيها الجياد الأصيلة والكلاب الضالة. حتى القطط لم تسلم من حجارة الأطفال. إذ إن كل ذي روح في تلك الناحية، مشوّه أو مبتور أحد الأطراف. لذا لم يعترض أحد على وجود دكاكين الأطراف الصناعية.
***
استقررت في أعماق الندى زهرة برية ذات أشواك لطخها الدم. تنمو.. تنمو.. رغم الجفاف والجدب. هجرت المزارعين في شاحنات النقل. حيث تم غرس مداخن ذات دخان أبيض يلف أسطح المنازل ويحجب الرؤية.
***
لم أستطع اللحاق بالحافلة التي كنت أحد محتلّي مقاعدها ذات مساء. كانت الساعة تشير إلى الخامسة. كل مرة كنت أرحل قبل موعدنا بثلاثة أيام حتى أصل في الموعد المحدد. إنما هذا اليوم كانت ساعته خربة. أما بقية الساعات فقد كنت أشكّ في صدقها. لذا فات الموعد وعندما سألت بائع القسائم عنك قال: لقد رحلت.
***
أجل عرف صفاتك قبل أن أسترسل في شرح معاناتي. لقد كنت الرجل الذي يحمل الرقم مئة في قائمة السائلين، الذين يلطخ الدم أناملهم. لقد كنت زهرة برية شرسة.
***
ارتفع صوت أجش عبر مكبرات صوت صالة الانتظار معلناً موعد إقلاع ثلاث رحلات إضافية. عدا الرحلة الرسمية.
***
كانت الأطراف الصناعية أكبر عدداً وكماً من الزحام الذي أخذ يكون طوابير من الأعمال الباحثة عن مقاعد شاغرة.
***
من المفروض حسب رقم البطاقة التي أحملها في يدي أن أجلس في مقعد بجانب النافذة، وفي المكان المخصّص للأشخاص الذين لا يدخنون. ومع ذلك، وجدتك تحتلّين مقعدي.
***
الساعة الآن التاسعة. تأجلت الرحلة ثلاث ساعات بسبب عطل في جهاز الحاسب الآلي، إذ إن المبلغ المدون على شاشة الكمبيوتر غير حصيلة الصندوق. وأقل بنسبة كبيرة من الأعمال التي حصلت على تذاكر. ومن ثم احتلت المقاعد الفارغة.
أنت. وكنت المجيب الأول لا أدري لماذا أجبت رغم أن عيني السائل الذي يقف على باب الحافلة تتأملان الفراغ. ترصدان السحب التي أخذت تملأ السماء.
رحت أبحث عن تذكرتي، أو بقية التذكرة التي سلّمني إياها معاون القائد في جيوبي. نثرت حصيلتي من الأوراق والنقود فوق المقعد وعبثت بحقيبة الملابس. فلم أعثر على التذكرة.. وهنا طلب مني الترجل. وأفسح لي الطريق للعودة إلى صالة الانتظار.
***
أقلعت الحافلات الأربع فارغات هذه المرة لأنهم لا يريدون تأخير الرحلة أكثر. فالوقت من ذهب.
***
عدنا إلى طابور الانتظار أمام شباك التذاكر للبحث في قائمة الأسماء عن اسم مدون. إذ إن من يجد اسمه يعد إلى الصالة ومن لا يجد اسمه يقطع تذكرة جديدة.
وصلت أمام الموظف. تأملني قليلاً. ثم ذكّرني بسؤالي عنك وأشار إلى اسم تحته خط أحمر..
ـ أليست هي؟
تأملت الاسم. تذكرت أنني لا أعرف اسمك. هززت رأسي نافياً.
ـ ألديك أطراف صناعية؟
ضحك قبل أن أجيب. كيف يكون لي أطراف صناعية ويدي اليمنى فوق الطاولة تحمل الأوراق النقدية والأخرى تحمل حقيبة الملابس. ثم إنني أرتدي سروالاً رياضياً قصيراً وفانلة صيفية.
***
تسلم البطاقة. هذه المرة لم تكن تحمل رقم المقعد أو المكان المخصص. وتلفت حولي. كانت الصالة فارغة. تمدّدت فوق أحد المقاعد متوسّداً حقيبة الملابس.
صفحة 4

أهازيج ميلاد جديدة

تتناثر الأفكار. تنهال الرؤى باحثة بقسوة عن لحظة حب هي إيمان راسخ لموطن عاثت فوق ثراه أيام الطفولة والصبا. في سذاجة مبنية على وهم كبير هو خليط من الخوف والطيبة.
***
كان عليه أن يستكين. فهو ذات مطيعة لينة تقول ـ نعم ـ قبل أن يصدر إليها الأمر.
***
الربيع الثامن عشر أطل هادراً. بدون مقدمات. ومع هذه الإطلالة حلت الصدمة التي أعادت المعايير إلى لولبها، لتنصهر في هاجس من الرفض. أكد معنى أحلام أخذت تحيط بواقعة مهددة بنهاية بشعة.
***
كان الرحيل هاجساً جديداً. وبرغم الخوف أصرت الجدة العجوز على مرافقته في رحلة الغربة. حيث يبحث الجميع عن الذهب.
***
الطريق طويل وشاق أخذت العجوز معه تبكي. صوتها يصل إليه منهداً يعلن بؤس الأيام، وشقاء الطريق الذي أخذت ترصّعه عيون مشاركيه فأخذت تقدم لجدته يد المساعدة. وقد أقام الرفض متاريسه في أعماقه لعدم الإدراك.. بأن هناك شيئاً رهيباً قادم.. فأخذ يلتصق بجدته أكثر.
***
الشوارع كما هي. رملية تنتشر في جوانبها الأغنام السائبة والدجاج والبقر والقطط والكلاب في خليط عجيب يعلن تقبل الإنسان لكل العوامل، وإمكانية تهجينه للحياة في كل الظروف.
***
الصراخ يملأ الشوارع. والجديد الذي كون خطاً آخر موازياً لخطوط الرفض التي أخذت في الاضمحلال هو رغبة الحياة التي هي بدورها دافع للبحث عن عمل. إنهم.. يذبحون الأبقار في الشوارع ويلطخون الجدران بالبقايا. بينما نادل المقهى ذي المقاعد الشريطية والجدران المتهرئة يصيح بصوت عال، معلناً تلبيته لتقديم طلبات المرتادين. في إحدى يديه إبريق الشاي وفي الأخرى شيشة أخذ الشرر يتطاير من رأسها.
***
الأيام في عنفوانها. وفاطمة التكرونية التي تعمل في دار مخدومه أخذت تهتم به. تقوم بزيارته في الدكان حيث يعمل وتهتم بجدته كثيراً بينما تبحث في عينيه عن الرضا.
***
ثارت ثائرة الشارع. أخذ الهرج يرتفع إلى عنان السماء حيث تم العثور على قتيل مجهول الهوية في إحدى الدور الخربة التي يأوي إليها الغرباء أثناء الليل بحثاً عن الراحة.
***
تكوّن خيط آخر. لماذا يموت الإنسان؟ لقد شاهد الموت إنما بين جنيات الأهل حيث يكون البكاء. ورش الطريق بالماء. وتزاحم الناس لمواساة أهل الميت في صمت ودموع تنداح فوق الخدود حارة تحرق الأنامل بصدقها.
***
التوى طريق حياته. أصبحت المخارج مسدودة. وهاجس من الرعب يطوق خطواته بطوق الترقب. أخذ يتلفت حوله كثيراً. يسارع بين فينة وأخرى إلى الدار حيث تقبع جدته وتقوم بصناعة المراوح اليدوية و«الطواقي» المخرقة.
***
لاحظت الجدة ذلك. فأخذت تقلب الأفكار حتى وصلت إلى مرحلة الشطط فتوقفت عن مواصلة عملها.
***
الطريق الطويل الذي أخذت العجوز معه تبكي، كان يتلوى أمام عربة النقل التي حوتهما في صندوقها. بينما الحديث بين الاثنين لم ينقطع منذ أن غادرت العربة موقف الشحن.
***
ادلهم الظلام. اختفى الطريق. وخيم الوسن على الجميع فعلا الشخير كما نقيق الضفادع.
***
وضع رأسه فوق فخذ جدته التي أخذت تداعب شعره. كان الارتياح يخيم بداخله راسماً صوراً جميلة لمرحلة مقبلة. فأغمض مقلتيه عنوة حتى لا تهرب مرحلة الصحو في داخله.
***
لم يكن هناك أحد يبكي. فالساعة تشير إلى الحادية عشرة ليلاً. الظلام دامس يخيم على المكان لولا ضوء كشّافات تشتعل بالبطارية أحضرها رجال السير لانتشال جثث الموتى، وإعانة رجال الإسعاف في مهمتهم. لم يكن هناك أحد يبكي. لقد خيم الصمت.
صفحة 5

هروب

استافت الرؤيا أحداقاً غارقة في الدم. تلتهم أجر الجدران وتلعق في نهم. مراشف حياة.. أخذت تعج بها الشوارع الترابية.
الوقوف على الأرصفة في ذلك الزمن المندس في دهاليز الحياة؛ وصمة بالنسبة إلى حسناء يطل ضوء وجهها من وراء حجاب شفاف.. تنتظر حافلة العمل.
إنهم يحرقون ريش الطيور في النار، حيث يتم دفن العصافير الصغيرة في الجمر لتعبق رائحة الشواء في الوادي، حيث يرتاح للجلوس مع أصفياء السعد. في مرحلة هروب من الواقع المؤلم الذي انداح قلقاً في غياهب الوجود.
ـ أنت..
ـ أنا..
ـ وهل.. هناك غيرنا..؟
لم يكن هناك سواهما.. حديثها عابق بالروائح والأماني.. بينما أخذ يبحث في الوجوه التي خلقها عقله الباطن عن شبيه، ليتذكر هاجساً في أعماقه يقول ذات يوم ألتقي (سهام). تعبث بضفائرها تبتسم في وجه المارة، تقذف الحجارة في جميع الاتجاهات لتخلق الشغب في شارع الحي الرملي. تصطاد زجاج النوافذ والعربات المارة تزرع الخوف في العيون. يهابها الأطفال، أما هو فقد كان فتاها الذي تختفي معه عن العيون. حتى اختفت فجأة.
كل شيء فيها لا يذكره. بما هو فيه. فحديث الروائح والأماني نبع جديد يحف به سياج من الزهور المهجنة..
ـ أنت..
ـ نعم.. إنني أستطيع.. مواصلة الطريق وزرع الطريق. الذي أصبح الآن مزفتاً بزجاج المشروبات الفارغة لتمر من فوقها دواليب العربات.
ومن ثم تحدث أصوات مفزعة تربك الجميع.
ـ ماذا؟
ـ لا شيء..
الاندهاش المزروع في (ماذا) بركان أخذ يقذف حممه فوق الأشجار لتحرق الجميع في دوامة أعاصير ثارت فجأة غير متباينة الجهات تجتاح كل شيء مخلّفة الرماد فوق الأرض..
الرماد منتشر في الأنحاء. يزكم الأنوف، يلطخ الأطراف في غاية لا يدرك الجميع أنها النهاية.
توقفت عربة أجرة أمام الاثنين فاندسا في المقعد الخلفي. لم يحاول أن يسبقها إلى الدخول، ولم تحاول دفعه إلى الداخل قبلها.
تحركت العربة. لم ينبس السائق بكلمة. كأنه يعرف الوجهة التي يقصدانها. وفجأة توقف ثم التفت إلى الخلف فإذا بالمقعد خال وأوراق بيضاء متناثرة فوقه. تحرك قليلاً من موقفه حتى وجد مكاناً آمناً.
ترجل من العربة.. فتح الباب الخلفي.. أخذ يجمع الأوراق: السطور في بعضها غير مرئي والأخرى بيضاء. كومها بين يديه ثم أغلق الباب وتلفت حوله. ثم وضعها فوق الرصيف بهدوء.
مرت إحدى الحافلات التي تحمل شعار إحدى المؤسسات العامة. وقد احتل مقاعدها مجموعة من الموظفين والموظفات كانت أصواتهم الخافتة تنتشر في الفضاء.
إنهم يغرقون المقل في الكحل الأسود لتبدو مستديرة تسبي عيون الناظرين كما يجب أن يكون لها محور ارتكاز. وبداية انطلاق لترسم خطوطاً عرجاء محدودبة فوق الزفت. تقشع ما سبقها من رسوم تسابق أصحابها على إلقاء أجسادهم أمام العربات المارقة ليرسم الدم المتطاير من الشرايين صوراً صادقة لواقع مؤلم.
ـ أنت.
وتلفتت حولها (كان يقف هنا). همست بذلك لرفيقتها التي وقفت تواً إلى جوارها في انتظار الحافلة.
صفحة 6

الزهور الصفراء

[1]

ارتسمت ابتسامة صغيرة في المكان وأخذت الزهور الصفراء تهتز في خيلاء معربة عن النشوة القادمة من الشمال. حيث أخذت الثلوج تذوب لتجري بين الصخور في طريقها الأزلي نحو النهر الذي تحف به المجمعات السكانية، التي لم تعد تبالي بالفيضان، إذ أصبح موسم خير تتلألأ فيه الثريات معلنةً مقدم موسم الزواج.

[2]

(أزاد) تتجول في غرفتها، تقلب الأفكار. فلم تسمع النقر الخفيف الذي استمر دون هوادة على باب الغرفة. اتجهت إلى الباب لتفاجأ بشقيقها الصغير وبين يديه زهرة صفراء تناثرت بعض أوراقها بين قدميه. جلست القرفصاء وأخذت تناغيه، تحدثه بلهجته. فغرز بقايا الزهرة في شعرها. ثم أخذ بيدها واتجها إلى غرفة الجلوس. حيث بدأ التلفاز يبث حلقة جديدة من المسلسل العربي الذي تتابعه وتحرص عليه. حتى أنها كانت تكلف الآخرين تسجيل الحلقة التي لا تتمكن من مشاهدتها (بالفيديو) حتى لا تفوتها الأحداث.

[3]

كانت الزهور الصفراء تملأ الشوارع والحدائق المنزلية الصغيرة في مرحلة انتشار عجيب. أوّله سكان المنطقة أنه انجراف التربة من جبال الشمال حيث رسمت بصماتها على شواطئ النهر.
انفض السامر وانهالت الرؤى فوق الرؤوس، وتوزعت الخطى متجهة إلى المخادع. الساعة تشير إلى الثانية عشرة.. منتصف الليل. وحفيف نسمة الشمال وهي تداعب الأغصان تقلق القطط المتجولة بين براميل النفايات.. حراس الليل.. وزوار الفجر.. الذين يختفون مع بزوغ أول أشعة الشمس. لإعادة الحياة إلى هذا الشق من الأرض.

[4]

لم يلاحظ المواطنون الأنفاس الغريبة التي أخذت تتسلل وتندس بينهم وقد ارتدت كمّامات ضد الغبار المسموم.

[5]

النهر أخذ يرتفع منسوبه. المياه قدمت من الشمال بلون داكن تعبق منها رائحة غريبة نافذة تصرع من حولها.. تقتل الحياة.
صفحة 7

[6]

(أزاد) تقف خلف زجاج نافذتها المطلة على النهر تسرّح شعرها، تترقب مرور قوارب الصيادين وقوارب الأطفال الذين ينقلون الحاجيات والركاب بين ضفتي النهر.
كان النهر مهجوراً وأشعة الشمس تعكس اللون الجديد للمياه. قربت وجهها من زجاج النافذة تتأمل الحدث الغريب. فتحت النافذة فأزكمت أنفها الرائحة الغريبة فأغلقت أنفها بيدها ثم سارعت إلى إغلاق النافذة. وهنا لمحت مجموعة من الخوذات المكممة تركض في جميع الاتجاهات وأخذت تمخر عباب النهر قوارب مطاطية ذات لون داكن.
شعرت (أزاد) بالخدر يسري في عروقها فاتجهت إلى فراشها ثم تمددت وأغمضت عينيها وهي تتدثر بالغطاء. وراحت في سبات عميق.

[7]

توقفت الحركة على ضفتي النهر..

[8]

الزهور الصفراء أخذت تقاوم الغبار المسموم باهتزازها الناعم في خيلاء رغم انسحاق البعض تحت أحذية الغرباء الذين أخذوا يتجولون بحرية في كل مكان.. يبنون المتاريس.. يوزعون الأفراد.. يحتلون المواقع الحساسة وتمركز أفراد القناصة في مآذن المساجد.. فوق أسطح الدور العالية وخزانات المياه.
عندما انتهت المهمة أخذ كل فرد يفتح أزرار قميصه.. ورباط حذائه.. ثم ينزع الخوذة من فوق رأسه.. ويزيح الكمامات عن أنفه والقناع عن وجهه.. ليتم تبادل الحديث بحرية وهدوء بعد انتهاء المهمة التي لم يكن يتوقع الجميع أن تكون بهذا اليسر.
وتوقفت الكلمات فوق الشفاه التي تهدلت فجأة.. وجحظت المقل.. وأخذت الأنفاس تتلاحق.

[9]

الزهور الصفراء تهتز.. تعبر عن وجودها وحبها لضفتي النهر الذي وهبها الحياة فأخذت ترقص جذلاً مستقبلة الفيضان الجديد الذي كان أقل منسوباً من الأعوام السابقة بفضل السدود المشيدة حديثاً.

[10]

(أزاد) أخذت تتململ في فراشها. نزعت الغطاء عن جسمها. ونهضت من الفراش مرتسمة على شفتيها علامة استفهام ـ حيث نامت بكامل ملابسها ـ وتذكرت مياه النهر الداكنة فأسرعت إلى النافذة. فإذا بالماء صاف يلمع كالرصاص والزهور الصفراء تهتز والقوارب الصغيرة تمارس عملها المعتاد فأراحت جبينها على الزجاج لتلمح بزة داكنة مكومة في نهاية الممر.
صفحة 8

أوراق اليانصيب

انهار المبنى وتناثر الغبار في الفضاء. أخذت الشظايا تهشم جباه المارة، وزجاج العربات ونوافذ العمائر المجاورة وأبوابها.
***
صبيّ صغير يبيع ورقة اليانصيب. شاهد العربة التي دخلت من بوابة المبنى.
***
قائد العربة فتاة شقراء ترتدي بزة عسكرية، وتضع نظارة شمسية. قبل أن تلج المبنى، اشترت ورقتي يانصيب واحدة لها وأخرى لمرافقها في العربة. وتنازلت عن بقية القطعة النقدية للصبي ثم مسحت شعر رأسه واندفعت إلى داخل المبنى.
***
أقبلت عربات الإسعاف والدفاع المدني ودوريات الشرطة. وتكوم المارة يبصقون الغبار الذي أخذ يكتم أنفاسهم.
***
بائع أوراق اليانصيب، تناثرت أوراقه فوق الرصيف من أثر قوة الانفجار. فلم يهتم بجمعها وإن كان يمسك الورقة النقدية الكبيرة التي دسّها في أحد جيوب بنطاله.
***
اقتحم الصبي الجموع. يبحث عن قائدة العربة. وقلبه يتمنى أن تكون سليمة لم يمسسها سوء متذكراً كلماتها الرقيقة ومسح شعر رأسه.
***
خرجت أول جثة من تحت الأنقاض بدون رأس. كما استطاع رجال الجيش إخراج أجزاء متناثرة كونت جسداً واحداً أخذ الجميع يتأملونه مبهوتين. إذ إن الأطراف مختلفة الألوان.. والسماكة.
***
الصبي يحشر رأسه في كل فتحة يستطيع أن يجد فيها ممراً يقترب من خلاله أكثر من المبنى المنهار.
***
شعر الصبي بالإرهاق فعاد إلى مكانه في زاوية الشارع حيث كان يبيع أوراق اليانصيب. وأخذ يجمع بقايا أوراقه المتناثرة التي مرت فوق بعضها أحذية المارة. لم تلفت أنظارهم ببريقها والحظ القادم من خلال أحد الأرقام. ثم تمدد في مكانه مستنداً إلى الحائط الذي خلفه.
***
قفز الصبي من مكانه. صرخ. إنها هي وأخذ يعدو نحوها. أجل كانت هي مع رفيقها يغادران المكان بعد أن تم تنفيذ العملية بهدوء.
القدر يتربص بالصبي الصغير الذي أصر على اللحاق بهما. لم يسترع انتباههما نداؤه المتكرر.
***
اتجه الاثنان إلى عربة تقف في أحد المنعطفات. جلست خلف المقود وأدارت المحرك. هنا شاهدت الطفل يعدو نحوهما فاكتسى وجهها الأشقر بالفزع. أعدت العربة للانطلاق ثم تأملت رفيقها في المقعد. كان صامتاً. تجلدت تقاسيم وجه، تحجرت أطرافه وانصب نظره على الصبي الذي أخذ يقترب من العربة.
راقبت اتجاه نظرات رفيقها المتجلدة. لم يبق للصبي سوى خطوات ليلامس العربة. وهنا رفعت قدمها من فوق الكابح. مرت العربة فوق جسد الطفل الذي تضرج بدمه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. بينما يده تمسك بالجيب الذي يحوي قطعة النقود الكبيرة.
***
اختفت العربة في الزحام. لم يشاهد المارة الطفل المقتول.
***
تحدثت الصحف في اليوم التالي عن البناية المنهارة وعدد الضحايا وأسباب الحادث الذي كان بسبب عربة جيب محملة بمتفجرات أوقفت أمام مدخل العمارة. وفي الصفحات الأخيرة منها بيان بالأرقام الفائزة في السحب الشهري لأوراق اليانصيب.
صفحة 9

رجل يبحث عن وظيفة

أنت مقتول. سوف تُسمل عيناك وتُحرق أطرافك بمحاليل حارقة تذيب الحديد. وعندها سوف يتوقف ذلك الصوت القادم من أعماق الفضاء عن النداء باسمك ومحاولة إرشادك إلى الطريق، حتى تصل وتقول في هدوء لها.. إنك الآن اكتشفت بأن الحب يملأ كيانك، وأن الدنيا لا شيء بدونها..
***
رفع سماعة الهاتف. أخذت أصابعه تضغط على الأرقام التي تكون رقم هاتفها..
ـ آلوه.. آلوه..
ـ كيف الحال؟
ـ وارتفع صوتها معلناً الاحتجاج على غيابه الذي طال أكثر من المتوقع..
ـ إنها أربع وعشرون ساعة فقط.
ـ ماذا؟
عادت إلى هدوئها.. وأخذ يبحث من خلال صوتها عن سبب خروجها مبكرة من الدار، وعودتها في الحادية عشرة مساء ثم انشغال الهاتف حتى الواحدة بعد منتصف الليل.
***
إنهم يسرقون الأطفال في المتنزهات العامة.. كان الحديث يدور هامساً في التلفاز الذي يقبع مع زوجين افترشا أرض إحدى حدائق المتنزهات العامة في المدينة. وعلى مدّ البصر كان سمير وعبير يتسابقان في طفولة بريئة في امتطاء المراجيح والألعاب الموزعة هنا وهناك.
***
أخذ أحمد يتأمل ساعته. إنها السابعة صباحاً. لا شيء في الوجود أشد من ترقب موعد بالنسبة إلى شخص فوضوي يشعر أن النظام قبر، وأن التعليمات غرف من الجبس لا منفذ فيها سوى شبابيك تم تسويرها بقضبان حديدية رغم ارتفاعها وعدم الاستفادة منها.
الموعد الساعة الثامنة. سوف يدخل صالة الامتحان ليبحث من خلال الأوراق التي سوف تقدمها اللجنة المختبرة عن موقع في ملاك موظفي الدولة العام. إنها المرة السابعة التي يدخل فيها الامتحان في محاولة صعبة. قرر فيها التخلي عن وظيفة على بند العمال استطاع الحصول عليها ـ بواسطة ـ ليعمل موزعاً لصور المذكرات الرسمية في إحدى الإدارات الحكومية للحصول على وظيفة داخل الهيئة.
صفحة 10
انتهت مباراة كرة القدم. وقام رئيس الاتحاد الدولي مع رئيس الدولة بتسليم الكأس المذهب للمنتخب الفائز. بينما يقف تحت سارية العلم ـ علم الاتحاد الدولي ـ أربعة من رجال الشرطة ومجموعة كبيرة من مصوري التلفزيون والصحف لتسجيل حدث إنزال العلم من فوق السارية وتسليمه للدولة المضيفة للمسابقة القادمة بعد أربعة أعوام.
ارتفعت الأكف مصفقة وأفراد المنتخب الفائز يركضون بالكأس المذهبة أمام مدرجات مواطنيه. بينما لاحظ المنتخب الحاصل على المركز الثاني أن عدسات التلفزيون والصحافة تتابع الأقدام الراكضة وبعين أخرى تنتظر إنزال العلم. فأهملت متابعة صعود أفراده إلى المنصة. هنا قرر قائد الفريق الانسحاب ثم صرح في غرفة الملابس بأن الانسحاب كان حرصاً على سلامة لاعبيه، حيث أهملت الدولة المنظمة تأمين الحراسة الكافية بسبب الخلافات الأيدلوجية بين الدولتين.
***
رن الهاتف مرة واحدة.. تطلع في ساعته إنها السادسة مساء، إذاً هي في انتظاره.. تململ في الفراش، وأخذت حواسه تتنبه للهدوء المخيم على الدار. تذكر أن زوجته وأطفاله غير موجودين وأنه وحيد منذ ألف عام.
تذكر أنهم طردوه من الفردوس الذي كان يعيش فيه عندما شعر بالسأم من الحياة الهادئة المملة، فأعلن حبه على الملأ صارخاً بملء فيه إنه يحب وإن حبه هو الهواء والدم والحياة وما عدا ذلك لا شيء.
فوجئ الجميع بجنونه الآن. عليه أن يرحل فرحل مخلفاً كل شيء، حتى مفاتيح عربته تركها على الطاولة التي يقبع عليها التلفزيون. وغادرهم ماشياً على قدميه، مترقباً أن يلحق به أحدهم. وعندما طال انتظاره، التفت إلى الوراء لعلهم يودعونه.. أو يتلصصون من النوافذ وعبر الأبواب المواربة. وإذا به لا يجد أحداً. لقد تخلى عنه الجميع حتى قطط الحي وكلابه السائبة.
***
منذ زمن لم يذق طعم الدموع، ولم يحاول الاغتراف من ذلك المنهل الحزين. ومع ذلك تكونت الصور القاسية في أعماقه. تذكر تهديد القتل وأخبار سرقة الأطفال وبيعهم في أماكن كثيرة من العالم.
تذكر الأكف المصفقة وهو يزفّ خبر نجاحه في المدرسة وتفوقه في مادة الحساب والهندسة. كانوا يضحكون منه حتى آخر قطعة نقد ورثها من أسرته.
هنا نفرت دمعة صغيرة أخذت تنساب على خده. تذكر أنه لم يبق على نهاية المهلة لتقديم أوراق الإجابة سوى عشر دقائق. وهنا أغمض عينيه، وأخذ يملأ الفراغات بدون مبالاة، ثم نهض من المقعد وقدم الورقة ملطخة بخطوط وفراغات في غير مواقعها. ثم وقع في كشف تسليم الأوراق. وأمام الباب الخارجي أصلح من وضع غترته ثم ولج الطريق العام واختفى في الزحام.