eKtab
EN ع
الزير سالم
اقرأ عينة مجانية

الزير سالم

بقلم ممدوح العدوان

صفحة 1

الجدل الذي دار على صفحات الصحف والمجلات والندوات التلفزيونية حول مسلسل الزير سالم نقل هذا المسلسل من كونه مادة ترفيهية تنتهي عند (يعجبني أو لا يعجبني)، إلى كونه مادة ثقافية يحتاج نقاشها إلى مرجعية معرفية.

كانت النهاية التي انتهى إليها الزير سالم في المسلسل من أكثر الموضوعات المثيرة للجدل. فالسيرة الشعبية تنتهي عند انتصار الزير وتمكن الجرو من قتل خاله جساس وإذلال بني بكر.

ولكن التاريخ لا يتوقف عند المزاج الشعبي الذي تتفاعل معه السيرة.

(عنتر) والزير وأبو زيد أكثر الشخصيات البطولية تردداً على ألسنة الناس، حتى في الأمثال والأغاني. وقد استفاد كثيرون من كون اسم الزير سالم شائعاً بين الناس ليدعوا ادعاءات معرفية غير دقيقة.

ولنقف عند السيرة.

صفحة 2

إنني واثق من أن سيرة الزير لم تعد تُقرأ في المقاهي منذ نصف قرن على الأقل. كما أن نسبة من قرأها من الأجيال الجديدة ضعيفة جداً. التقط البعض الاسم من الثقافة العامة الشائعة على الألسن. والبعض الآخر قرأ شيئاً عنها في الكتيبات التي تنشر للأطفال أو اليافعين عن أبطال التاريخ والسير. وربما حكى القصة جد أو جدة للأحفاد في سهرة معينة.

وهناك نسبة من الجيل القديم الذي جاوز الثمانينات من العمر ما تزال تحفظ مقاطع غنائية من السيرة في الصيغة الشعرية التي اسمها «المجروينة».

ولا شك في أن هناك من قرأ عن حرب البسوس في كتب التراث. ولعل نسبة قليلة جداً قرأت السيرة في كتاب.

ولكن في الجدل الذي أثير في الصحف لم يبقَ أحد إلا وادعى أنه سمع القصة في المقهى، أو سمعها أبوه أو جده. وقد أوحي في المداخلات التي نشرت حول الموضوع أن الريف والأحياء الشعبية عندنا ما تزال تسهر على قصة الزير أو عنترة أو غيرهما. علماً أن هذا انتهى من حياتنا منذ أكثر من نصف قرن على الأقل.

وسأحتاج إلى جهد آخر لكي أستطيع أن أفهم سبب هذا الادعاء المعرفي عن طريق السرد أو القراءة.

صفحة 3

وأقول إنه ادعاء لأن المتقولين أوردوا أموراً ليست موجودة في كتب التراث، ولا في صيغ السيرة المطبوعة. بل أنكروا و تجاهلوا أحداثاً وشخصيات وردت في السيرة ذاتها وفي الكتب والمراجع، وبعضها ارتبطت فيه قصائد من ديوان الزير سالم نفسه حملت أسماء الأماكن والشخصيات والأحداث.

ففي ديوان الزير سالم قصيدة عن المقايضة التي أجبر عليها التغلبيون بين الخيل والماشية. وفيه قصيدة عن اضطرار الزير سالم لتزويج ابنته مقابل جلود الماعز. وفيه أيضاً القصيدة التي يتغزل فيها بالتغلبية وهو في الأسر، ثم يستطرد ليبكي فيها على من فقدهم من أعزاء وأصحاب.

بل ذهب بعضهم، وبينهم مثقفون يعتمد على ثقافتهم، إلى حد إنكار معركة «تحلاق اللمم»، التي أذل فيها الزير سالم واعتزل الحرب بعدها؛ وبالتالي فهم ينكرون شخصية الحارث بن عباد، وهو صاحب واحدة من أشهر قصائد التراث الشعري العربي في الجاهلية: «قربا مربط النعامة مني».

صفحة 4

ولعل هذه الضغوط هي التي أجبرت المخرج والممثل – المنتج – البطل على عدم تصوير الموقف المذل إلى نهايته (كما وردت في التاريخ، وكما أوردته في المسلسل). فالحارث بن عباد بعد أن يعد الأسير الذي بين يديه أنه سيطلق سراحه إذا دله على الزير سالم، يسقط في يده حين يعرف أن الأسير نفسه هو الزير. فيطلب منه أن يدله على كفء لابنه (أو ابن أخيه) يقتله به، فيدله الزير على امرئ القيس بن أبان. وبعدها «جز الحارث ناصية الزير وأطلقه».

ولم يطاوع المخرج والمنتج – البطل قلباهما لتصوير جز الناصية لما تحمله من إذلال. ولست أدري ماذا كان يمكن أن يكون عليه رد الفعل لو أن المشهد قد صور كما كتب.

صفحة 5

فالناس يدافعون عن الصورة النمطية التي في أذهانهم عن البطل. والحقيقة التاريخية تخرب هذه الصورة وتشوهها. ولذلك فإن إنكار هذه الحقيقة أسهل عليهم من تقبلها. ويأتي الإنكار إما من خلال اتهامنا بالتزوير، أو بالتحريف من أجل الإسقاط، أو بالجهل بالتاريخ أو بالسيرة.. ناهيك عن الاتهام بمعاداة الأمة وتشويه صور أبطالها.

والأمر الذي لم أحسب له حساباً، بالفعل، هو الحساسية القائمة (ما تزال قائمة) بين البكريين والتغلبيين، أو بين القيسيين واليمانيين. وقد انبرى أكثر من متعصب لإحدى الجهتين باتهامي بممالأة الجهة الأخرى، أو تعمد تشويه هذه القبيلة أو تلك. ولا حاجة بي إلى تكرار القول إن بكراً وتغلباً قبيلتان عريقتان مجيدتان نعتز بهما. ولكن الحرب بينهما قد وقعت. ولم ينكر وقوعها أحد، وعلى هذه الحرب بنيت السيرة. كما أن الحروب بين القيسيين واليمانيين في تاريخنا أشهر من أن يشار إليها. واستمرار الحرب يعني أنه لم يستطع طرف أن ينتصر على الآخر انتصاراً نهائياً. وهذا يعني أن الحرب كانت سجالاً. وأن هذا الطرف انتصر في معركة، ثم انهزم في غيرها.

ولكن هذا كله ولَّد لدينا فرصة لمناقشة جدية حول الدراما وعلاقتها بالتاريخ وبالسيرة الشعبية، من خلال الرد على بعض الطروحات، لعل هذه المناقشة تعود بفائدة ما على القارئ، وتلقي الضوء على بعض الالتباسات التي حدثت.

صفحة 6

معلومات خاطئة

نحن بنات طارق

نمشي على النمارق

المسك في المفارق

والدر في المخانق

إن تقبلوا نعانق

أو تدبروا نفارق

فراق غير وامق

عرس المولي طالق

والعار منه لاحق.

هذه الأبيات لا يعرفها كثيرون منا، إلا حين قرأنا أن النساء القرشيات قد غنَّينها يوم غزوة «أحد». وأنا أعرف مسبقاً ماذا كان يمكن أن يكون عليه موقف بعضهم لو أنني أوردت هذه الأبيات في مسلسل الزير سالم. سيعتبرون على الأقل أنني أجهل التاريخ. أو أنني أقسر التاريخ مغافلاً القارئ أو المتفرج، لأنقل شعراً مرتبطاً بموقف معين إلى موقف سابق له بسنوات طويلة. إذ ما الذي يربط شعراً نقل إلينا من خلال معركة «أحد» التي كان فيها الرسول العربي (ص) إلى حدث جرى قبل ولادة الرسول بسنوات طويلة.

ولكن التاريخ الموثق يقول إن هذه الأرجوزة، كما يورد صاحب «الأغاني»، قد رددتها النساء البكريات يوم «تحلاق اللمم»، التي خاضها البكريون ضد التغلبيين في أول لقاء بينهما بعد انضمام الحارث بن عباد إلى الحرب، وانتصروا فيها انتصاراً ساحقاً. وكان الحارث بن عباد، سيد بني بكر، قد اعتزل الحرب قبل هذه المعركة، وانضم إليها بعد مقتل ابنه جبير (أو بجير) – وقيل إنه ابن أخيه.

وقد جاء في معجم البلدان لياقوت: «كان أول يوم شهده الحارث بن عباد يوم قضية، أو يوم تحلاق اللمم، لأن بني بكر حلقوا رؤوسهم يومئذ. وجعلوا ذلك علامة بينهم وبين نسائهم. وعندما استحرَّ القتال»، حدث ما يلي (وهو ما لم نورده في المسلسل):

«تقدمت إحدى فتيات بكر وخلعت ثيابها ورمتها وسط المعركة، ثم اقتدت بها أختها ومشتا بين صفوف المقاتلين عاريتين تنشدان وتصيحان:

صفحة 7

وغى وغى وغى

حر الحِرار والتظى

وملئت منه الربى

المحلقون بالضحى (الأغاني ج20 ص 144)

«وأقبلت من ورائها كرمة بنت ضلع أم مالك بن زيد فارس بكر تتغنى:

نحن بنات طارق... إلخ».

وبنات طارق، كما جاء في «ثمار القلوب في المضاف والمنسوب» (ج1 ص 299 – 300 الباب العشرون): في ذكر «النساء المضافات والمنسوبات يُتمثل بهن»: بنات طارق. ذكر الزبير بن بكار بإسناد له أنهن بنات العلاء بن طارق بن.... من كنانة يضرب بهن المثل في الحسن والشرف. وعن.... قال: رأت عائشة رضي الله عنها بنات طارق اللاتي يقلن «نحن بنات طارق نمشي على النمارق» فقالت: أخطأ من يقول إن الخيل أحسن من النساء. وقالت هند بنت عتبة لمشركي قريش يوم «أحد»: نحن بنات طارق... إلخ».

صفحة 8

هذا يعني أن المعلومات المتوفرة لدى الكثيرين منا ليست دقيقة أو أنها في حاجة إلى التدقيق والرجوع إلى المراجع. قليل من البحث والجهد يوصل إلى معلومات قد تكون مفاجئة، ومثيرة لاستنكار أولئك المعتمدين على ثقافة السماع والمقاهي والمحفوظات المدرسية الأولى. وأنا أرى أنه من المعيب أن نكتب عن تاريخنا أو سيرنا الشعبية دون السعي لنبش المعلومات المبعثرة في الكتب لتحقيق أكبر قدر من المصداقية، حتى لو كانت النتيجة غير مرضية لكثيرين.

ما حدث معي في مسلسل الزير سالم من الاصطدام بالآخرين ينبع أساساً من هذه الإشكالية. فالجميع يعرفون الزير سالم. يعرفونه من الذاكرة الطفلية أساساً. ويعرفونه، ربما، من خلال سماعهم أو قراءتهم للسيرة الشعبية المرتبطة بحرب البسوس والزير سالم. ولعل الكثيرين منهم لم يسمعوها من الحكواتي ولم يقرؤوها ، بل سمعوا شذرات منها من أهاليهم أو عجائزهم، فاعتبروا هذا السماع مرجعية معرفية نهائية.

وصاروا يعتبرون معرفتهم هذه بالزير سالم تأكيداً على ملكيتهم له، واحتكاراً لمعرفتهم به، بحيث يصبح أي مساس بها أو مخالفة لها خرقاً لمصداقية مكرسة في الذاكرة. وهذه المصداقية أو الملكية تكتسب قدسيتها لأنها تصبح جزءاً من الميراث الشعبي المقدس الذي لا يجوز المساس به.

وهناك أكثر من تفصيل في الذاكرة السماعية الشعبية أو المدرسية أو الطفلية يحتاج إلى مراجعة توثيقية يجب أن يقوم بها المثقف الجاد بوصفه باحثاً أو مستفيداً من التراث لعمل إبداعي.

صفحة 9

ومن أغرب ما قرأت في حياتي ما جاء في مقالة لكاتبة سورية في صحيفة الحياة تعليقاً على مسلسل «الزير سالم»: «فمن وحي سيرة بني هلال وشحناتها الدرامية أنتج الكاتب والشاعر ممدوح عدوان نصاً درامياً أطلق عليه عنوان «حرب البسوس».

أين سيرة بني هلال من حرب البسوس أو الزير سالم؟ هل من المعقول أن يكون هناك من يجهل أنهما ملحمتان وسيرتان مختلفتان، وتدوران في عصرين مختلفين ومكانين مختلفين؟ وإذا كان يجهل لأنه لم يعش في بيئة تهتم بهذه السير، وإذا كان لم يهتم هو بالاطلاع عليها، في صغره أو بعد أن كبر، فلماذا يتورط في الكتابة النقدية وإطلاق الأحكام؟

صفحة 10

ولنتجاوز هذا الجهل المغيظ كي ننتقل إلى الملابسات التي أثارها مدَّعو المعرفة بسيرة الزير سالم أو بالتاريخ. وسأسوق مثالين فقط عن التباسات الذاكرة الشعبية:

تقول الذاكرة الشعبية إن النَّوَر (الغجر) هم قوم جساس، الذين شتتهم الزير سالم. وقد جاء في الصفحات الأخيرة من السيرة أن الزير قد فتك ببني مرة. «وأما الذين سلموا منهم فإنهم طلبوا الأمان من الزير والجِرو فأجاروهم وعفوا عنهم بشرط أن يكونوا مثل العبيد لا ينقلون سلاحاً، ولا يحضرون حرباً ولا كفاحاً، ولا يوقدون ناراً، لا ليلاً ولا نهاراً، ولا يُعرف لهم قبر ميت ولا دار، إلا مشتتين في البراري والقفار، يقضون حياتهم بضرب الطبل ونفخ المزمار، وإن غابت نساؤهم في النهار لا يسألها بعلها أين كنت بل يسألها عما جلبت، وليس لهم سنة غير الرقص والخلاعة، فقبلوا بهذه الشروط بكل رضا وقناعة، وبعد هذه الشروط تسلطن الجرو..».

هذا ما جاء في السيرة.