صفحة 1
(1)
استيقظ على صوت أمه وهي تهمهم كعادتها بألفاظ غير مفهومة تسلي نفسها وهي تظن أن صوتها غير مسموع.كانت تتحرك في الغرفة جيئةً وذهاباً تعيد ترتيب الأشياء القليلة التي تغيرت أماكنها في عتمة الليلة الماضية.
تنقل إبريق الشاي الذي أكله السواد وصار جزءاً منه غير قابل للزوال، وقد تركت الأيام أكثر من انبعاج في جوانبه ولم تبق من لونه القديم إلا بقية من الجبصين الأزرق على غطاءته المثقوبة من الأعلى.
صينية الشاي (التوت) التي كثرت النقرات والتجاويف فيها وقد ارتمت عليها أربع كاسات شاي (ضد الكسر)، وما زالت تحمل بقايا شاي ثقيل أسود تم امتصاصه بتلمّظ في الليلة الماضية على ضوء الفانوس الراعش.
الفانوس الوقور الذي ما زالت زجاجته الممشوقة تحمل هالات السناج والتي افترشتها من الداخل ولم تترك سوى فوهتها الرفيعة نقية من السواد، وقد راحت في سبات عميق في الكوة المجوفة.
الكوة العتيقة المحفورة في الجدار والتي يهيأ للرائي أنه قد تم تسويتها في الطين بيد حانية رقيقة من زمن موغل في القدم.
رفع رأسه بتثاقل وهو يمرر يده على شعره النافش المتناثر بفوضى مخيفة وتناول المخدة من تحت رأسه، وأخذ يشم كسوتها البنية الكالحة، وحالما زكمته رائحة العرق المتراكم أبعدها، وألقاها خلف ظهره، وجعلها بينه وبين الحائط الطيني المهترئ.
يتابع أمه في ثوبها الأسود ذي الطبقات المتراكبة والتي تبلغ أربع أو خمس طبقات طبقة فوق طبقة، وتثبتها من الوسط قماشة عريضة مشدودة على الخصر على شكل حزام، ويعلو الثوب طبقة تلتف حول رأسها على شكل منديل كبير.
هذا الزي من ألبسة العجائز لكنها اختارته منذ ست عشرة سنة، لتنكبّ على تربية صغيرها ولتدفع عن بابها طرقات الخُطاب، الذي يطمعون بالاقتران بصاحبة الوجه الجميل.
تحرك يدها بمكنسة من القش تآكلت جوانبها وبقي شيء من وسطها تم تثبيته على شكل لفافة بخيط من القنب، وأخذت تحركها على أرض الغرفة وتجهد وهى تدخلها في الحفر المتناثرة لتخرج منها الأتربة وأعواد (الهيشي).
ثوبها الطويل يجرجر على الأرض بحنان وهي تتحرك مرفوعة القامة، ثم تنحني لتسحب في طريقها البساط الصوفي الباهت الحمرة، ولتسوي بيدها بعض (شراشبه) التي ما زالت معلقة في مكانها قريبة من الخروق المنتشرة والمناطق الذائبة.
يعلو صوتها وهي تحرك مكنستها برتابة دون أن تنظر إليه:
- »قم غَسّل واستهد بالرحمن«.
يهمهم بصوت ما زال يحمل آثار النوم:
- »لا إله إلا الله محمد رسول الله«
تمر صور صلاتها الرتيبة في ذهنه، حيث تستقبل القبلة وتكبر، وتبدأ بقراءة الفاتحة بصوت مسموع، ثم تركع وترفع وهي ما زالت في الفاتحة، ولا تختمها إلا في السجود، ثم ترفع من جديد وتكرر ذلك في ركعاتها كلها، وفي نهاية الصلاة ترفع يديها داعية، فتقرأ الصلاة الإبراهيمية بصوت نديٍ راجٍ وهي تبتهل:
- »يا رب. عفوك كبير وعبدك ذليل. يا رب. لا أعرف كيف أقولعليك القبول«.
يحاول معها بتلعثم:
- »أمي. أعلم أنني ما زلت صغيرا، وعمري ستة عشر عاما، ولكنني أريد أن أنصحك«
تتأمل جسمه النحيل الطويل ووجهه الذي ما زال يحمل براءة الطفولة وحسنها وعينيه الواسعتين اللتين تشبهان عيني والده. ثم تقول بعطف:
- «حاتم. أنت وحيدي. أنت كبيرنا. هات ما عندك»
- «أمي الفاتحة اقرأيها وأنت واقفة، ثم في الركوع قولي سبحان ربي العظيم»
تحاول ولكنها تنسى وتعود لعادتها القديمة، فيكف عنها وهو يرى رحمة الله الواسعة التي تتجاوز عن الجاهل الضعيف الذي يجتهد حسب معرفته والتي لا تعاقب إلا الفاجر المقتحم الهالك الذي يتقصّد البغي والعدوان.
يبتسم وقد سها عن صب الشاي وشربه، فتناديه وهي في صلاتها في إحدى المرات:
- «يا وليدي حاتم. اشرب الشاي قبل أن يبرد».
يرجعه صوتها الدافئ:
- «ماذا بعد؟ أنا صحوت قبل فجة الضوء وتوضأت وصليت، وعجنت ورفعت الفراش وأنت في شخيرك، قم فاقض صلاتك»
يحرك عينيه باتجاه باب الغرفة المفتوح قليلا، ضوء النهار ما زال قرب المصرف مما يعني أن الساعة مازالت حول السابعة. يتابع بعينيه الضوء المستقيم المنبعث من شق الباب حيث تسبح خلاله هباءات متثاقلة تدور حول بعضها.
يتذكر موعظة أحد الشيوخ:
- « ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ،وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:7-8]، تحاسب حتى على الذرة: الهباءة السابحة في الضوء من الخير أو الشر. الهباءة في الميزان، لا حول ولا قوة إلا بالله»
ينهض ويخرج من باب الغرفة. تمتد عيناه إلى العشب النامي بسكينة في أطراف الحديقة في بدايات آذار وقد تلألأت عليه حبات الندى، وبدأت وريقاته تتحرك بفعل الهواء الخفيف البارد. يرتعش من البرد. تصل إليه دفقه من الضياء فجأة فينظر باتجاه (العويليا) حيث الشمس تتبطح على قمته، وتقوم بطرد الغيوم غيمة غيمة عن وجهها الصبيح.
صفحة 2
يتجه إلى البرميل الأخضر ليملأ الإبريق القديم. تتزحلق قدمه على الأرض الطرية فيتدارك نفسه ويتمسك بالغصن الضخم المتدلي من شجرة المشمش.
يتابع بعينيه الشجرة التي تتفرع أغصانها كثيراً وتسمو عالياً حتى تكاد تغطي سطح الغرفة، وتحمل في شهور الصيف قطوفاً كثيرة من حبات المشمش الحلو ذات الحجم الكبير، والتي تلفت نظر كل من يراها، حتى كان ذلك اليوم.
اليوم الذي حضرت فيه لزيارة أم حاتم الجارة أم عطية بوجهها الجاف، وعينيها الحادتين اللتين تتحركان دون استقرار، ولسانها الذي يسأل عن كل شيء حتى البيضة من باضتها.
أجلستها أم حاتم في ظل المشمشة لتحميها من حر الشمس ولتعرضها للنسمات الغربية المنعشة.
جلست أم عطية متثاقلة وهي تفضل الجلسة في البيت لتكون أقرب إلى حاجيات الضيافة.
تنتبه أم عطية للشجرة وتطلق سيلا من التأففات والأسئلة دون انتظار الإجابة أو سماع التعليق:
- «أف ما أكبر المشمشة!»
- «ربما تكون شجرة كينا أو حور»
- «غير معقول تأكدوا!»
- «أعطوني شتلة أو شتلتين من نوعها وأنا أزرعها»
- «ما عدد الصناديق التي تحملها في السنة؟ وشتلتها من أحضرها؟»
- «لا تنسوني من صندوق أو صندوقين».
ترد أم حاتم بعد كل قذيفة من أم عطية وقلبها ينبض بشدة:
- «قولي ما شاء الله. صلي على النبي. الطف يا لطيف، عزك يا عزيز».
فلا تعيرها أم عطية اهتماماً حتى ينتفض الجميع على الصوت الهائل الناتج عن السقوط المدوي لنصف الشجرة الآخر، وكأنها نشرت بمنشار ولولا لطف الله الكريم لكان النصف الذي يجلسون في ظلاله.
سقطت من عيني أم حاتم دمعتان، وأخذت تسوي منديلها بسرعة دون وعي وهي تهمهم:
- «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. أخ ما أقوى عينها! الحمد لله أنها انطفأت في الشجرة»
تلتفت إليها أم عطية معترضة:
- «ماذا تقولين يا أختي؟»
ترد أم حاتم بتلعثم وهي تحرك راحتها في وجه أم عطية مهدئة:
- «لاشيء لا شيء. اشربي شايك يا أم عطية. أهلا وسهلا»
تهدئ أم عطية من نبرتها وبؤبؤاها يتراقصان بسرعة ثم تقول:
- «أهلا بك. انتهى عمرها يا أم حاتم. شباب مثل طلق الريحان يموتون بأهون الأسباب. الله سترنا فلم نكن تحتها»
يتوضأ ويزداد صحواً ونشاطاً تحت لسعات الماء الذي لم ترتفع حرارته بعد، ويصلي وهو يعاهد الله على عدم تأخير الفجر عن وقتها.
تصل إلى أعماقه رائحة أوراق الزيتون المحترقة المختلطة برائحة خبز الشراك، فيسرع ليجلس على حجر بالقرب من الصاج، وهو يتابع تقلبات الرغيف بين كفي أمه وهي توسعه إلى أكبر مدى ممكن حتى يكاد يلتصق بمرفقها، فتلقيه على الصاج الساخن، و بحافة راحتها تسوى بعض المناطق.
تمسح دموعها المتساقطة بفعل الدخان المتماوج تبعا لحركة الهواء، ثم تقلب الرغيف على الجهة الأخرى بأطراف أصابعها لتطرحه بعد ذلك على القماشة.
يمد حاتم يده ليقطع من الرغيف بسرعة فيلسع أصابعه فتسقط القطعة، فينفض يده في الهواء من حر اللسعة قائلا:
- «آه ما أحماها! والله كأني أمسك جمرة»
فترد أمه وهي تقلب الرغيف وكأنها تتكلم في منامها:
- «قعدتك قعدة أبيك، ونفس طريقته -الله يرحمه- كل شيء تريدونه بسرعة»
وتبدأ بحكاية أبيه التي سمعها ألف مرة وهي لا تمل من تكرارها وكأنها ترويها للمرة الأولى:
أبوك له عينان سوداوان واسعتان. في نظراته نسر الأعالي أو الصقر السريع الانقضاض. طويل كأنه الرمح الصاعد. بطنه مستقيم لا زيادة ولا نقصان.
حسن الوجه رغم خشونته الظاهرة. يحمل أنفا عاليا يوحي إليك بأن صاحبه عزيز النفس مترفع عن الدنايا.
لو كانت له صورة - يا حسرة - لأريتك إياها لتعرف قيمته.
إذا تكلم فكلام متزن باطمئنان وثقة. يأخذونه لقضاء الحاجات والصلحات على صغر سنه لأنه نجيب لا يرد.
لم أنكر عليه إلا عجلته الدائمة في كل شيء، وكأنه كان يحس -رحمه الله- أن عمره قصير وسيموت في الخامسة والعشرين، فيسرع كثيرا لقضاء الحاجات التي لا تنتهي.
وتزداد قطرات الدموع من عينيها، ولا يعرف أهو من أثر دخان الصاج أم من هبوب الذكريات، فتمسح دموعها بكمها الطويل، وتتابع عصر الكلمات:
رآني فجأة في بيتنا وهو يهم بالعودة - والله عليم إني ما رفعت عيني عن البساط - فتعلق قلبه بي. لكنه ليس مثل شباب هذه الأيام فلم يزد على أن قال:
- «الله يحفظك يا بنت عمي»
يتابع بعينيه الشجرة التي تتفرع أغصانها كثيراً وتسمو عالياً حتى تكاد تغطي سطح الغرفة، وتحمل في شهور الصيف قطوفاً كثيرة من حبات المشمش الحلو ذات الحجم الكبير، والتي تلفت نظر كل من يراها، حتى كان ذلك اليوم.
اليوم الذي حضرت فيه لزيارة أم حاتم الجارة أم عطية بوجهها الجاف، وعينيها الحادتين اللتين تتحركان دون استقرار، ولسانها الذي يسأل عن كل شيء حتى البيضة من باضتها.
أجلستها أم حاتم في ظل المشمشة لتحميها من حر الشمس ولتعرضها للنسمات الغربية المنعشة.
جلست أم عطية متثاقلة وهي تفضل الجلسة في البيت لتكون أقرب إلى حاجيات الضيافة.
تنتبه أم عطية للشجرة وتطلق سيلا من التأففات والأسئلة دون انتظار الإجابة أو سماع التعليق:
- «أف ما أكبر المشمشة!»
- «ربما تكون شجرة كينا أو حور»
- «غير معقول تأكدوا!»
- «أعطوني شتلة أو شتلتين من نوعها وأنا أزرعها»
- «ما عدد الصناديق التي تحملها في السنة؟ وشتلتها من أحضرها؟»
- «لا تنسوني من صندوق أو صندوقين».
ترد أم حاتم بعد كل قذيفة من أم عطية وقلبها ينبض بشدة:
- «قولي ما شاء الله. صلي على النبي. الطف يا لطيف، عزك يا عزيز».
فلا تعيرها أم عطية اهتماماً حتى ينتفض الجميع على الصوت الهائل الناتج عن السقوط المدوي لنصف الشجرة الآخر، وكأنها نشرت بمنشار ولولا لطف الله الكريم لكان النصف الذي يجلسون في ظلاله.
سقطت من عيني أم حاتم دمعتان، وأخذت تسوي منديلها بسرعة دون وعي وهي تهمهم:
- «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. أخ ما أقوى عينها! الحمد لله أنها انطفأت في الشجرة»
تلتفت إليها أم عطية معترضة:
- «ماذا تقولين يا أختي؟»
ترد أم حاتم بتلعثم وهي تحرك راحتها في وجه أم عطية مهدئة:
- «لاشيء لا شيء. اشربي شايك يا أم عطية. أهلا وسهلا»
تهدئ أم عطية من نبرتها وبؤبؤاها يتراقصان بسرعة ثم تقول:
- «أهلا بك. انتهى عمرها يا أم حاتم. شباب مثل طلق الريحان يموتون بأهون الأسباب. الله سترنا فلم نكن تحتها»
يتوضأ ويزداد صحواً ونشاطاً تحت لسعات الماء الذي لم ترتفع حرارته بعد، ويصلي وهو يعاهد الله على عدم تأخير الفجر عن وقتها.
تصل إلى أعماقه رائحة أوراق الزيتون المحترقة المختلطة برائحة خبز الشراك، فيسرع ليجلس على حجر بالقرب من الصاج، وهو يتابع تقلبات الرغيف بين كفي أمه وهي توسعه إلى أكبر مدى ممكن حتى يكاد يلتصق بمرفقها، فتلقيه على الصاج الساخن، و بحافة راحتها تسوى بعض المناطق.
تمسح دموعها المتساقطة بفعل الدخان المتماوج تبعا لحركة الهواء، ثم تقلب الرغيف على الجهة الأخرى بأطراف أصابعها لتطرحه بعد ذلك على القماشة.
يمد حاتم يده ليقطع من الرغيف بسرعة فيلسع أصابعه فتسقط القطعة، فينفض يده في الهواء من حر اللسعة قائلا:
- «آه ما أحماها! والله كأني أمسك جمرة»
فترد أمه وهي تقلب الرغيف وكأنها تتكلم في منامها:
- «قعدتك قعدة أبيك، ونفس طريقته -الله يرحمه- كل شيء تريدونه بسرعة»
وتبدأ بحكاية أبيه التي سمعها ألف مرة وهي لا تمل من تكرارها وكأنها ترويها للمرة الأولى:
أبوك له عينان سوداوان واسعتان. في نظراته نسر الأعالي أو الصقر السريع الانقضاض. طويل كأنه الرمح الصاعد. بطنه مستقيم لا زيادة ولا نقصان.
حسن الوجه رغم خشونته الظاهرة. يحمل أنفا عاليا يوحي إليك بأن صاحبه عزيز النفس مترفع عن الدنايا.
لو كانت له صورة - يا حسرة - لأريتك إياها لتعرف قيمته.
إذا تكلم فكلام متزن باطمئنان وثقة. يأخذونه لقضاء الحاجات والصلحات على صغر سنه لأنه نجيب لا يرد.
لم أنكر عليه إلا عجلته الدائمة في كل شيء، وكأنه كان يحس -رحمه الله- أن عمره قصير وسيموت في الخامسة والعشرين، فيسرع كثيرا لقضاء الحاجات التي لا تنتهي.
وتزداد قطرات الدموع من عينيها، ولا يعرف أهو من أثر دخان الصاج أم من هبوب الذكريات، فتمسح دموعها بكمها الطويل، وتتابع عصر الكلمات:
رآني فجأة في بيتنا وهو يهم بالعودة - والله عليم إني ما رفعت عيني عن البساط - فتعلق قلبه بي. لكنه ليس مثل شباب هذه الأيام فلم يزد على أن قال:
- «الله يحفظك يا بنت عمي»
صفحة 3
فاحمر وجهي وركضت متعثرة بثوبي، وأنا أكاد أصدم الجدار.
ولم أقعد في بيت أهلي أكثر من يومين أو ثلاثة حتى حضرت الجاهة الكريمة طالبة أمينة لابن عمها فارس.
وفي لحظات تم تحديد متطلبات الزواج التي لم تزد على فرشتين من الصوف وبساط وصندوق،... وليس مثل تعقيداتكم.
مدت أربعة مناسف وليمة للزواج وليس مائة منسف. وهذه المناسف يأكل منها الرجال أطواراً، كلما شبعت مجموعة تلتها مجموعة، وكل مجموعة تحسب حساب من بعدها فلا تأكل الأخضر واليابس.
وبالأهازيج الجميلة التي انطلقت مدوية في ليالي تشرين، وعلى قرع فناجين القهوة التي لم تنطفئ نيرانها أياما عديدة:
يا بو رشيدة قلبنا اليوم مجروح
جابو الطبيب ومددوني على اللوح
ظليت أنادي واطرق الباب بالسيف
جرحا غميقا بالحشا مستظلي
قلت برخه لما عشيري يصلني
عيو يا بابي هيلك ما يفتحولي
وتم زفافي على ابن عمي الذي استقبلني مترنماً مرحباً، والفرحة تتطاير من عينيه وهو يكاد يرقص من البهجة:
جتني تيبرقع
ربي أعطاها جوز
لابسه ثوبي برقع
العيون سود وساع
وكانت أياماً جميلة انقضت على عجل وكأنها إطلالة البدر المفاجأة بين الغيوم.
وما لبث أبوك أن طار إلى أطراف البلاد مع أصحابه عاملاً مع (الخواجات) القادمين من وراء البحار، والذين يحملون معهم أكياساً كبيرة من الشقاء والتفريق بين الأحباب ثم يفرغونها في بلادنا، ويملأونها مرة أخرى بالمعادن التي يسيل في سبيلها العرق الكثير، ويختلط بحجارة الصوان والحثان والتراب والطين.
ويتدفق شلال من الدم الحار المهدور الذي لا يطالب به أحد، يتدفق على التراب الغض الأحمر.
ويدفعون من الأجر الفتات، ليستمر هطول العرق على الوجوه المحروقة من حر الشمس.
ويعود أبوك لاهثا ليمتص إجازاته المتباعدة امتصاصا، وقد ملأ حقيبته الجلدية من خيرات الأسواق.
يعود وقد اكفهر لونه وجف جسمه وصارت الحياة تتبخر منهشيئا فشيئا.
وعندما أسأله مشفقة خائفة:
- «تتغير كثيراً يا عيوني. لو تترك هذا الجحيم. أنا خائفة أن تتركني ولا تعود»
فيجيبني متغابيا وهو يحس بما أحس به ولكنه يريد أن يريحني:
- «يا بنت الحلال أنت نصيبي وأنا لا أخون الصحبة»
فأرد عليه بصوت خفيض حتى لا أثير مخاوفه:
- «أنا يا عيوني لا يهمني سوى صحتك التي أراها متراجعة. وأدعو ربي من عليائه بأن يحفظك بحفظه وييسر لك أبناء الحلال»
فيجيبني متنهداً متصنعاً الهدوء والطمأنينة:
- «توكلي على الله. الله يحفظك يا أعظم كنوزي»
فأضع يدي على بطني، وأقول له:
- «أنا خائفة عليك، وأحب أن تكون بجانبي في ساعة الولادة التي أراها قريبة»
- «توكلي على الله. لعل ولادتك تكون في إجازتي. والأقارب بجانبنا وهم لا يقصرون»
ويحضر الجيران والأقارب وتستمر الأفراح أسبوعاً كاملاً بطول الإجازة، حيث لا يخلو البيت من الزائرين الذين عضهم الجوع، فنطبخ يوميا ما يكفي القبيلة.
وسرعان ما يرحل الأسبوع وكأنه بعض يوم.
وهكذا الأيام السعيدة يهرول فيها الزمن دون توقف، وكأنه السحاب الذي تطرده الرياح العاصفة خلف الجبال.
وما نلبث أن نفترق فاللقاء فعلا بداية الفراق. وتنهمر دموعي رغماً عني وأنا أخفيها، وهو ينشغل بتحضير أغراضه، ويمنع عيونه من مصافحة عيوني حتى لا يضعف أمامي، ويترنم بشيء من اللحن الحزين، ليشعرني براحته وعدم انزعاجه.
وما أصعب لحظات الوداع التي لا يعرفها إلا من تذوق مرارتها تحت لسانه! الزمن يزحف فيها كالسلحفاء المشلولة. الدموع تتزاحم في العيون وكأنها نبع أوائل الربيع. الأفواه ضيقة جافة كأنها مجموعة من أخشاب البناء الخشنة. الكلمات تنتزع انتزاعاً متفرقة الحروف وكأنما الأسنان المتشنجة تقوم بتمزيقها.
وأخيرا يخرج أبوك متثاقلاً مجرجراً ساقيه، وكأنه يريد إلقاء نفسه في واد سحيق أو في هوة من النيران المتوهجة. فأتبعه بعيوني حتى تلتهمه الدروب الضيقة ويغيب خلف مرتفعات العويليا التي تخفي كل شيء.
النساء القاسيات يلمنني على بكائي خلفه:
- «أنت بألف نعمة. الجدران لا تطعم خبزاً. ويا ليتنا نستريح من همَ أزواجنا نحن أيضاً»
فأجيبهن بدموعي وقلبي يتفطر من الألم:
- «قلبي يا ناس. قلبي يا ناس. والله إنه خائف وغير مرتاح»
- «من أي شيء يا مجنونة؟»
فأرد عليهن وأنا مقتنعة أنهن لن يفهمن، فما نحسه ونشعر به في قلوبنا يكون في أحيان كثيرة أقوى من الكلمات والتعابير:
- «زوجي يا أخواتي. روحي. دم قلبي. يذوي ويذوب أمام عيوني ولا أفعل له شيئاً »
فتعلق إحداهن بخبث وعدم تصديق:
- «والله كأنهما قيس وليلى»
فيصلني التعليق فأرد مغتاظة:
- « نعم كان يحبني من كل قلبه»
ولم أقعد في بيت أهلي أكثر من يومين أو ثلاثة حتى حضرت الجاهة الكريمة طالبة أمينة لابن عمها فارس.
وفي لحظات تم تحديد متطلبات الزواج التي لم تزد على فرشتين من الصوف وبساط وصندوق،... وليس مثل تعقيداتكم.
مدت أربعة مناسف وليمة للزواج وليس مائة منسف. وهذه المناسف يأكل منها الرجال أطواراً، كلما شبعت مجموعة تلتها مجموعة، وكل مجموعة تحسب حساب من بعدها فلا تأكل الأخضر واليابس.
وبالأهازيج الجميلة التي انطلقت مدوية في ليالي تشرين، وعلى قرع فناجين القهوة التي لم تنطفئ نيرانها أياما عديدة:
يا بو رشيدة قلبنا اليوم مجروح
جابو الطبيب ومددوني على اللوح
ظليت أنادي واطرق الباب بالسيف
جرحا غميقا بالحشا مستظلي
قلت برخه لما عشيري يصلني
عيو يا بابي هيلك ما يفتحولي
وتم زفافي على ابن عمي الذي استقبلني مترنماً مرحباً، والفرحة تتطاير من عينيه وهو يكاد يرقص من البهجة:
جتني تيبرقع
ربي أعطاها جوز
لابسه ثوبي برقع
العيون سود وساع
وكانت أياماً جميلة انقضت على عجل وكأنها إطلالة البدر المفاجأة بين الغيوم.
وما لبث أبوك أن طار إلى أطراف البلاد مع أصحابه عاملاً مع (الخواجات) القادمين من وراء البحار، والذين يحملون معهم أكياساً كبيرة من الشقاء والتفريق بين الأحباب ثم يفرغونها في بلادنا، ويملأونها مرة أخرى بالمعادن التي يسيل في سبيلها العرق الكثير، ويختلط بحجارة الصوان والحثان والتراب والطين.
ويتدفق شلال من الدم الحار المهدور الذي لا يطالب به أحد، يتدفق على التراب الغض الأحمر.
ويدفعون من الأجر الفتات، ليستمر هطول العرق على الوجوه المحروقة من حر الشمس.
ويعود أبوك لاهثا ليمتص إجازاته المتباعدة امتصاصا، وقد ملأ حقيبته الجلدية من خيرات الأسواق.
يعود وقد اكفهر لونه وجف جسمه وصارت الحياة تتبخر منهشيئا فشيئا.
وعندما أسأله مشفقة خائفة:
- «تتغير كثيراً يا عيوني. لو تترك هذا الجحيم. أنا خائفة أن تتركني ولا تعود»
فيجيبني متغابيا وهو يحس بما أحس به ولكنه يريد أن يريحني:
- «يا بنت الحلال أنت نصيبي وأنا لا أخون الصحبة»
فأرد عليه بصوت خفيض حتى لا أثير مخاوفه:
- «أنا يا عيوني لا يهمني سوى صحتك التي أراها متراجعة. وأدعو ربي من عليائه بأن يحفظك بحفظه وييسر لك أبناء الحلال»
فيجيبني متنهداً متصنعاً الهدوء والطمأنينة:
- «توكلي على الله. الله يحفظك يا أعظم كنوزي»
فأضع يدي على بطني، وأقول له:
- «أنا خائفة عليك، وأحب أن تكون بجانبي في ساعة الولادة التي أراها قريبة»
- «توكلي على الله. لعل ولادتك تكون في إجازتي. والأقارب بجانبنا وهم لا يقصرون»
ويحضر الجيران والأقارب وتستمر الأفراح أسبوعاً كاملاً بطول الإجازة، حيث لا يخلو البيت من الزائرين الذين عضهم الجوع، فنطبخ يوميا ما يكفي القبيلة.
وسرعان ما يرحل الأسبوع وكأنه بعض يوم.
وهكذا الأيام السعيدة يهرول فيها الزمن دون توقف، وكأنه السحاب الذي تطرده الرياح العاصفة خلف الجبال.
وما نلبث أن نفترق فاللقاء فعلا بداية الفراق. وتنهمر دموعي رغماً عني وأنا أخفيها، وهو ينشغل بتحضير أغراضه، ويمنع عيونه من مصافحة عيوني حتى لا يضعف أمامي، ويترنم بشيء من اللحن الحزين، ليشعرني براحته وعدم انزعاجه.
وما أصعب لحظات الوداع التي لا يعرفها إلا من تذوق مرارتها تحت لسانه! الزمن يزحف فيها كالسلحفاء المشلولة. الدموع تتزاحم في العيون وكأنها نبع أوائل الربيع. الأفواه ضيقة جافة كأنها مجموعة من أخشاب البناء الخشنة. الكلمات تنتزع انتزاعاً متفرقة الحروف وكأنما الأسنان المتشنجة تقوم بتمزيقها.
وأخيرا يخرج أبوك متثاقلاً مجرجراً ساقيه، وكأنه يريد إلقاء نفسه في واد سحيق أو في هوة من النيران المتوهجة. فأتبعه بعيوني حتى تلتهمه الدروب الضيقة ويغيب خلف مرتفعات العويليا التي تخفي كل شيء.
النساء القاسيات يلمنني على بكائي خلفه:
- «أنت بألف نعمة. الجدران لا تطعم خبزاً. ويا ليتنا نستريح من همَ أزواجنا نحن أيضاً»
فأجيبهن بدموعي وقلبي يتفطر من الألم:
- «قلبي يا ناس. قلبي يا ناس. والله إنه خائف وغير مرتاح»
- «من أي شيء يا مجنونة؟»
فأرد عليهن وأنا مقتنعة أنهن لن يفهمن، فما نحسه ونشعر به في قلوبنا يكون في أحيان كثيرة أقوى من الكلمات والتعابير:
- «زوجي يا أخواتي. روحي. دم قلبي. يذوي ويذوب أمام عيوني ولا أفعل له شيئاً »
فتعلق إحداهن بخبث وعدم تصديق:
- «والله كأنهما قيس وليلى»
فيصلني التعليق فأرد مغتاظة:
- « نعم كان يحبني من كل قلبه»
صفحة 4
ثم يأخذها البكاء وتتساقط دموعها على الرغيف بين يديها، وهي تتذكر الأحداث المؤلمة التي تشعرك بأن الحياة ظلال وارفة وفيء جميل، ولكن إلى حين قريب، فما أسرع قدوم الليل وتجرع المصائب! التي تعيدك إلى الحقيقة التي لا ينبغي أن تغيب عن وعي العاقل بأننا ممتحنون مختبرون في هذه الحياة، والنتائج في يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين.
ثم جاء خبر موته مرة واحدة، ونزل علي كأنه السقف المنهار. كان اليوم هو الثلاثاء. آخر ثلاثاء من شهر خمسة سنة 1934. سكتة قلبية قطفته في ريعان شبابه -الله يرحمه-.
الدار صارت بعيني غير الدار وكأني غريبة عنها لا أعرفها، لأن الدار ليست الجدران والأثاث، الدار بسكانها، وسكانها راحوا.
البيت مغارة نائية ومأوىً للضباع. الحديقة قطعة من البرية القاسية التي تعوي فيها الرياح.
(الزرّيعة) ذاوية صفراء وكأنها لم تعانق الماء من سنين. جبل العويليا وحش ضارٍ يفغر فاه ليقوم بالتهامي.
أصحابه قالوا بأن (الكمبريسا) أكلت أحشاءه شيئاً فشيئاً حتى ذوى وانتهى.
ثم بعد أسبوع على انتهاء العزاء، حضرتَ إلى الدنيا. فرحتنا بقدومك شوبها الحزن على الراحلين، وافتقاد الأب الجاني:
رجيتك لا تخليني
قليبك ما يعادي
غيرك ما يواتيني
يرحمك ربي ويرعاك
- «يا أمي يكفي بكاءً، منذ ستة عشر عاماً وأنت تبكينه. الميت يتأذى من نواح أهله، وأنت لست أرحم من الله به»
فترد وهي تمسح دموعها وتلتقط أنفاسها:
- «صحيح يا وليدي. أنا لا أنوح عليه، ولكن يعزّ علي الرفق، والنبي يعقوب عليه الصلاة والسلام قال: يا أسفى على يوسف»
ثم تحرك رأسها مغمغمة:
دمعي جرى من فوق خذي حوادير
بالليل أساهر عاليات النجوم
ثم تلف الخبزات بقماشتها البيضاء الباهتة، وتقول وهي تعدل قامتها براحة يدها مصدرة تنهيدة طويلة:
- «تلحقني يا حاتم، لتتناول الفطور»
فيرد عليها وهو يقلب الصاج بسلك معقوف:
- «سأطفئ النار ثم ألحق بك»
وفعلا يقوم بعصاً طويلة بقلب الرماد وهو يسعل ويحرك رأسه لتجنب الدخان الصاعد، ثم يفرد الجمر ليتسنى له الانطفاء على مهل.
يرفع جسمه ويقوم ماشياً متفقدا علب الزريعة المتصافة في طابور طويل طويل، وهي تحمل صوراً ورسومات وأسماء متنافرة بحافات مازالت فيها بروزات حادة تجرح غير المنتبه، أعلاها جميل بهيج، يحمل أحلى الألوان وأعذب المناظر وأشذى الروائح من الريحان والنرجس وفم السمكة والسجادة والقرنفل والنعناع والميرمية وأصابع الغولة... في أسماء كثيرة لا تنتهي.
ولا يكاد يقف قبالتها حتى تصل إلى أنفه روائحها من تجاويف الذاكرة قبل أن يشمها بأنفه، فيغمض عينيه ويسرح بعيداً إلى ديار لا أحزان فيها، إلى بلاد الأفراح والسعادة حيث بساط العشب اليانع غير المتناهي تحت باقات النور.
السرائر الذهبية المتقابلة في ظلال الأشجار الوارفة المثمرة.
الصحاب ذوو الوجوه المنعمة التي فيها نضرة النعيم المتلألئة حيث البسمات الأخاذة والضحكات البريئة.
الولدان المخلدون الذين تستملح خدمتهم في حركتهم الدائبة بآنية الذهب والفضة ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ [الإنسان:19].
وتتشكل أمامه لآلئ كثيرة متوهجة متناثرة: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان:20].
الحور العين اللواتي يسرن أسراباً في خفر وحياء بتقاسيم فاتنة وبقامات ممشوقة في فساتين حريرية مقصبة، وهن يشتملن على مباسم أحلى من الضياء.
الملائك يحلقون في المكان المقدس في أجواء من النور لا يمكن وصفها، ويباركون الجمع بأرواحهم اللطيفة.
الهواء المنعش الرطب المحمل بعبق المسك والذي يحرك أشجار الموسيقى بأعذب الألحان مع غناء الخالدات الساحر بما لم تسمعه أذن قط، فتترك الجمع الصباح فينشوة وسرور.
الخلود غير المتناهي مع السعادة والحبور الدائم وغياب فكرة الموت التي تنقض كل لذة.
رضى الرحمن الذي يطغى على كل شيء، ويتركك تطير في كل مكان مغفوراً لك إلى أبد الآبدين (اذهبوا مرضياً عنكم فلا أغضب عليكم أبداً)
ويأتيه صوت أمه من الداخل:
- «تأخرت. الفطور جاهز»
ثم جاء خبر موته مرة واحدة، ونزل علي كأنه السقف المنهار. كان اليوم هو الثلاثاء. آخر ثلاثاء من شهر خمسة سنة 1934. سكتة قلبية قطفته في ريعان شبابه -الله يرحمه-.
الدار صارت بعيني غير الدار وكأني غريبة عنها لا أعرفها، لأن الدار ليست الجدران والأثاث، الدار بسكانها، وسكانها راحوا.
البيت مغارة نائية ومأوىً للضباع. الحديقة قطعة من البرية القاسية التي تعوي فيها الرياح.
(الزرّيعة) ذاوية صفراء وكأنها لم تعانق الماء من سنين. جبل العويليا وحش ضارٍ يفغر فاه ليقوم بالتهامي.
أصحابه قالوا بأن (الكمبريسا) أكلت أحشاءه شيئاً فشيئاً حتى ذوى وانتهى.
ثم بعد أسبوع على انتهاء العزاء، حضرتَ إلى الدنيا. فرحتنا بقدومك شوبها الحزن على الراحلين، وافتقاد الأب الجاني:
رجيتك لا تخليني
قليبك ما يعادي
غيرك ما يواتيني
يرحمك ربي ويرعاك
- «يا أمي يكفي بكاءً، منذ ستة عشر عاماً وأنت تبكينه. الميت يتأذى من نواح أهله، وأنت لست أرحم من الله به»
فترد وهي تمسح دموعها وتلتقط أنفاسها:
- «صحيح يا وليدي. أنا لا أنوح عليه، ولكن يعزّ علي الرفق، والنبي يعقوب عليه الصلاة والسلام قال: يا أسفى على يوسف»
ثم تحرك رأسها مغمغمة:
دمعي جرى من فوق خذي حوادير
بالليل أساهر عاليات النجوم
ثم تلف الخبزات بقماشتها البيضاء الباهتة، وتقول وهي تعدل قامتها براحة يدها مصدرة تنهيدة طويلة:
- «تلحقني يا حاتم، لتتناول الفطور»
فيرد عليها وهو يقلب الصاج بسلك معقوف:
- «سأطفئ النار ثم ألحق بك»
وفعلا يقوم بعصاً طويلة بقلب الرماد وهو يسعل ويحرك رأسه لتجنب الدخان الصاعد، ثم يفرد الجمر ليتسنى له الانطفاء على مهل.
يرفع جسمه ويقوم ماشياً متفقدا علب الزريعة المتصافة في طابور طويل طويل، وهي تحمل صوراً ورسومات وأسماء متنافرة بحافات مازالت فيها بروزات حادة تجرح غير المنتبه، أعلاها جميل بهيج، يحمل أحلى الألوان وأعذب المناظر وأشذى الروائح من الريحان والنرجس وفم السمكة والسجادة والقرنفل والنعناع والميرمية وأصابع الغولة... في أسماء كثيرة لا تنتهي.
ولا يكاد يقف قبالتها حتى تصل إلى أنفه روائحها من تجاويف الذاكرة قبل أن يشمها بأنفه، فيغمض عينيه ويسرح بعيداً إلى ديار لا أحزان فيها، إلى بلاد الأفراح والسعادة حيث بساط العشب اليانع غير المتناهي تحت باقات النور.
السرائر الذهبية المتقابلة في ظلال الأشجار الوارفة المثمرة.
الصحاب ذوو الوجوه المنعمة التي فيها نضرة النعيم المتلألئة حيث البسمات الأخاذة والضحكات البريئة.
الولدان المخلدون الذين تستملح خدمتهم في حركتهم الدائبة بآنية الذهب والفضة ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ [الإنسان:19].
وتتشكل أمامه لآلئ كثيرة متوهجة متناثرة: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان:20].
الحور العين اللواتي يسرن أسراباً في خفر وحياء بتقاسيم فاتنة وبقامات ممشوقة في فساتين حريرية مقصبة، وهن يشتملن على مباسم أحلى من الضياء.
الملائك يحلقون في المكان المقدس في أجواء من النور لا يمكن وصفها، ويباركون الجمع بأرواحهم اللطيفة.
الهواء المنعش الرطب المحمل بعبق المسك والذي يحرك أشجار الموسيقى بأعذب الألحان مع غناء الخالدات الساحر بما لم تسمعه أذن قط، فتترك الجمع الصباح فينشوة وسرور.
الخلود غير المتناهي مع السعادة والحبور الدائم وغياب فكرة الموت التي تنقض كل لذة.
رضى الرحمن الذي يطغى على كل شيء، ويتركك تطير في كل مكان مغفوراً لك إلى أبد الآبدين (اذهبوا مرضياً عنكم فلا أغضب عليكم أبداً)
ويأتيه صوت أمه من الداخل:
- «تأخرت. الفطور جاهز»
صفحة 5
فيتحرك باتجاه الغرفة متباطئا محاولا فتح عينيه، وهو يتمنى لو بقي إلى الأبد في أجواء الروح والريحان وجنة النعيم.
يغمس خبزته بالسمن البلدي وينفضها قليلاً حتى لا تتساقط قطراتها على ملابسه، ويمتص الشاي الساخن من بين وريقات الميرمية الخضراء على أثر كل لقمة.
يتأمل أمه الحبيبة. الوجه الذي لم تغب عنه حتى هذه اللحظة آثار الجمال الماضي الذي لم تستطع هزيمته الأحزان المتلاحقة. العينان العسليتان اللتان رعتاه دائما بالنظرات الحنونة. اليدان المخلصتان اللتان مهدتا له الطريق، ودفعتا عنه المعتدين، وجنبتاه العثرات والحفر.
يتتبع تفاصيل الوشم الذي انتشر على وجهها، ولم يترك موضعا إلا ورسم فيه عرقا أو وردة أو خطاً، حتى طرف أرنبة أنفها اللطيف التي ما زالت تحمل نقطةً خضراء بالقرب من الثقب الجانبي، والذي كان يحمل في الزمن الماضي حلقةً ذهبيةً صغيرةً كانت من مقتضيات الجمال التي لا يجوز الخروج عنها.
يتذكر قولها وهو ينكر عليها في لطف بالغ:
- «الوشم حرام يا أمي، لماذا عملتموه؟»
فتجيبه في نظرة ساهمة وكأنها تشاهد أحداث الماضي حاضرةً غضةً تتحرك أمام عينيها، فتغيب فيها بعمق وهي تتمنى أن تبقى محبوسةً فيها، وقد ارتسمت على فمها ابتسامة جميلة أظهرت سنها الذهبي اللامع الذي ما زال جديدا وكأنه ابن البارحة:
- «كنت طفلة صغيرة ألعب حول البيوت مع صويحباتي ولا أشعر بالزمن، وأتعلق بثوب أمي كلما رأيت رجلاً غريباً.
كنت جاهلة بريئة لا أعرف ما ينتظر البنت من زواج وخلفة وموت.
كان العالم في نظري مقسوم إلى ثلاثة أقسام آباء وأمهات وأطفالهم، وكل واحد يلتزم بالدور الذي خلق لأجله، فالأب يبقى أباً والأم تبقى أماً والطفلة تبقى طفلة.
حتى جاء ذلك اليوم الذي صرخ فيه رجل كبير:
- «لقد حضروا، وهاهم يبنون بيوتهم بالقرب من هنا»
وما هي إلا لحظات حتى كنا هناك. الخيام تنتشر على مد البصر. الحمير والدواب تتدافع وتحوم في كل مكان، حاملة على ظهرها البسط والفراش والأعواد والخيام والغرابيل والسكاكين والشباري والمغارف. وكأنها بحركتها الكثيرة تطالب بتخفيف حملهاوإطلاق سراحها.
بعض الحمير تتحرك مسرعة وهي تحمل على جناحيها (طناجر) في قاعها طعام مطبوخ جاهز!
بين البيوت تتراكض طفلات حافيات بشعور منفوشة وسخة ولهن صراخ وصخب، ويسير رجال بشوارب حمراء كبيرة مدببة ذات شعر مستقيم، ونساء طويلات يجالسن الرجال، ويقهقهن بصوت عال، ويتحدثن بلهجات غريبة، وهن يتحركن بسرعة بملابسهن الفضفاضة ذوات الألوان الفاقعة الغريبة الحمراء والصفراء والخضراء وبعض الألبسة التي تحمل جميع الألوان.
حاولت أن أهرب وأنا أسمع صراخ الطفلة التي تثبتها النساء الشديدات بأيديهن، وتعبث إحداهن بإبرة في وجهها والدم يسيل، فأركض بأقصى سرعتي متعثرة بحبال الخيام الممدودة في كل مكان، ولكن أمي لا تتركني بل تلاحقني راكضة مسرعة، فأسقط على وجهي على التراب الأحمر الذي ما زالت رائحته في أنفي، فتمسح دموعي، وتضمني إلى صدرها، فأدفن وجهي في مدرقتها المخملية السوداء وأنا أبكي، وهي تقول:
- «يا حبيبتي. نريد أن نجملك ونزينك في وجهك بالزخارف والخطوط التي تجعلك جميلة حلوة في عيون الآخرين. وكل صاحباتك هذا اليوم سيتم وشمهن وأنت لست أقل منهن»
وفعلا وبين أيدي النساء ذوات الألوان الزاهية والتي تفوح منهن روائح العرق الكريهة، وتحت صرخات الألم المختلطة بقهقهاتهن، ومن بين قطرات الدم المتساقطة من الإبر يتم حشو الثقوب باللون الأخضر، ورسم الزخارف المتشابكة، وثقب طرف الأنف بدقة متناهية وإتقان كبير.
ثم أسير بجانب أمي وأبي عائدة، وأنا أنظر إلى الرجل الذي يفتح فمه بشكل وحشي ليتم إصلاح أسنانه وهو يتململ من الألم، فأتذكر آلام الوشم، وأحس بجفاف حلقي..
أصل إلى البيت وأذني تتابع الأغنية الغجرية بكلماتها الغريبة:
يا غليم يا غلام
لا ترح درب الشمال
يوخذك التركملي
يعمل فيك كان مان
يعمل من جلدك رباب
للشيوخه والشباب
فألتصق بأمي خائفة من درب الشمال المنحرف الذي يقودك إلى قبضات التركملي القوية بشواربه الضخمة الحادة، وهو يسحب شبرية طويلة من شباريهم الكثيرة التي يصنعونها ويزخرفونها.
ثم بسرعة كبيرة وباحتراف متقن يقوم بذبحي ونفخ جلدي بشفاهه الغليظة، ثم سلخه وتنشيفه، ثم تشكيله على شكل غربال وطبلة وربابة يتراقص على نغماتها شيوخهم وشبابهم ونساؤهم فيإباحية مطلقة.
أعود يوميا مع صاحباتي حيث نصعد التلة الشمالية إلى (القعدة)فوق الصخرة.
الصخرة كبيرة بحجم البيت فنصعد على ظهرها من جهتها التي تحمل مواقع للأقدام وكأنها درج منحوت.
على ظهر الصخرة نتسابق في الجلوس واحتلال الأمكنة، فنجد مكانا لكل واحدة منا إلا أن بعض الأماكن يكون التسابق عليها شديداً حيث نجدها مكورة مريحة ولها متكآت، وبعضها الآخر يكون من نصيب المتأخرات حيث الجلسة المائلة، أو الأطرافالمدببة المؤذية.
يغمس خبزته بالسمن البلدي وينفضها قليلاً حتى لا تتساقط قطراتها على ملابسه، ويمتص الشاي الساخن من بين وريقات الميرمية الخضراء على أثر كل لقمة.
يتأمل أمه الحبيبة. الوجه الذي لم تغب عنه حتى هذه اللحظة آثار الجمال الماضي الذي لم تستطع هزيمته الأحزان المتلاحقة. العينان العسليتان اللتان رعتاه دائما بالنظرات الحنونة. اليدان المخلصتان اللتان مهدتا له الطريق، ودفعتا عنه المعتدين، وجنبتاه العثرات والحفر.
يتتبع تفاصيل الوشم الذي انتشر على وجهها، ولم يترك موضعا إلا ورسم فيه عرقا أو وردة أو خطاً، حتى طرف أرنبة أنفها اللطيف التي ما زالت تحمل نقطةً خضراء بالقرب من الثقب الجانبي، والذي كان يحمل في الزمن الماضي حلقةً ذهبيةً صغيرةً كانت من مقتضيات الجمال التي لا يجوز الخروج عنها.
يتذكر قولها وهو ينكر عليها في لطف بالغ:
- «الوشم حرام يا أمي، لماذا عملتموه؟»
فتجيبه في نظرة ساهمة وكأنها تشاهد أحداث الماضي حاضرةً غضةً تتحرك أمام عينيها، فتغيب فيها بعمق وهي تتمنى أن تبقى محبوسةً فيها، وقد ارتسمت على فمها ابتسامة جميلة أظهرت سنها الذهبي اللامع الذي ما زال جديدا وكأنه ابن البارحة:
- «كنت طفلة صغيرة ألعب حول البيوت مع صويحباتي ولا أشعر بالزمن، وأتعلق بثوب أمي كلما رأيت رجلاً غريباً.
كنت جاهلة بريئة لا أعرف ما ينتظر البنت من زواج وخلفة وموت.
كان العالم في نظري مقسوم إلى ثلاثة أقسام آباء وأمهات وأطفالهم، وكل واحد يلتزم بالدور الذي خلق لأجله، فالأب يبقى أباً والأم تبقى أماً والطفلة تبقى طفلة.
حتى جاء ذلك اليوم الذي صرخ فيه رجل كبير:
- «لقد حضروا، وهاهم يبنون بيوتهم بالقرب من هنا»
وما هي إلا لحظات حتى كنا هناك. الخيام تنتشر على مد البصر. الحمير والدواب تتدافع وتحوم في كل مكان، حاملة على ظهرها البسط والفراش والأعواد والخيام والغرابيل والسكاكين والشباري والمغارف. وكأنها بحركتها الكثيرة تطالب بتخفيف حملهاوإطلاق سراحها.
بعض الحمير تتحرك مسرعة وهي تحمل على جناحيها (طناجر) في قاعها طعام مطبوخ جاهز!
بين البيوت تتراكض طفلات حافيات بشعور منفوشة وسخة ولهن صراخ وصخب، ويسير رجال بشوارب حمراء كبيرة مدببة ذات شعر مستقيم، ونساء طويلات يجالسن الرجال، ويقهقهن بصوت عال، ويتحدثن بلهجات غريبة، وهن يتحركن بسرعة بملابسهن الفضفاضة ذوات الألوان الفاقعة الغريبة الحمراء والصفراء والخضراء وبعض الألبسة التي تحمل جميع الألوان.
حاولت أن أهرب وأنا أسمع صراخ الطفلة التي تثبتها النساء الشديدات بأيديهن، وتعبث إحداهن بإبرة في وجهها والدم يسيل، فأركض بأقصى سرعتي متعثرة بحبال الخيام الممدودة في كل مكان، ولكن أمي لا تتركني بل تلاحقني راكضة مسرعة، فأسقط على وجهي على التراب الأحمر الذي ما زالت رائحته في أنفي، فتمسح دموعي، وتضمني إلى صدرها، فأدفن وجهي في مدرقتها المخملية السوداء وأنا أبكي، وهي تقول:
- «يا حبيبتي. نريد أن نجملك ونزينك في وجهك بالزخارف والخطوط التي تجعلك جميلة حلوة في عيون الآخرين. وكل صاحباتك هذا اليوم سيتم وشمهن وأنت لست أقل منهن»
وفعلا وبين أيدي النساء ذوات الألوان الزاهية والتي تفوح منهن روائح العرق الكريهة، وتحت صرخات الألم المختلطة بقهقهاتهن، ومن بين قطرات الدم المتساقطة من الإبر يتم حشو الثقوب باللون الأخضر، ورسم الزخارف المتشابكة، وثقب طرف الأنف بدقة متناهية وإتقان كبير.
ثم أسير بجانب أمي وأبي عائدة، وأنا أنظر إلى الرجل الذي يفتح فمه بشكل وحشي ليتم إصلاح أسنانه وهو يتململ من الألم، فأتذكر آلام الوشم، وأحس بجفاف حلقي..
أصل إلى البيت وأذني تتابع الأغنية الغجرية بكلماتها الغريبة:
يا غليم يا غلام
لا ترح درب الشمال
يوخذك التركملي
يعمل فيك كان مان
يعمل من جلدك رباب
للشيوخه والشباب
فألتصق بأمي خائفة من درب الشمال المنحرف الذي يقودك إلى قبضات التركملي القوية بشواربه الضخمة الحادة، وهو يسحب شبرية طويلة من شباريهم الكثيرة التي يصنعونها ويزخرفونها.
ثم بسرعة كبيرة وباحتراف متقن يقوم بذبحي ونفخ جلدي بشفاهه الغليظة، ثم سلخه وتنشيفه، ثم تشكيله على شكل غربال وطبلة وربابة يتراقص على نغماتها شيوخهم وشبابهم ونساؤهم فيإباحية مطلقة.
أعود يوميا مع صاحباتي حيث نصعد التلة الشمالية إلى (القعدة)فوق الصخرة.
الصخرة كبيرة بحجم البيت فنصعد على ظهرها من جهتها التي تحمل مواقع للأقدام وكأنها درج منحوت.
على ظهر الصخرة نتسابق في الجلوس واحتلال الأمكنة، فنجد مكانا لكل واحدة منا إلا أن بعض الأماكن يكون التسابق عليها شديداً حيث نجدها مكورة مريحة ولها متكآت، وبعضها الآخر يكون من نصيب المتأخرات حيث الجلسة المائلة، أو الأطرافالمدببة المؤذية.
صفحة 6
يسرقنا الوقت فنجلس الأوقات المديدة ساهمين، ونحن ننظر إلى هذه المدينة المتحركة الملونة والضوضاء التي لا تنتهي.
يتناهى إلى أسماعنا قرع الطبول والدق على الطبلات والجر على الربابة والشتائم الكثيرة على (جساس).
يسأل حاتم أمه بشوق:
- «من جساس هذا الذي يشتمونه كثيراً؟»
تجيبه بهدوء وروية:
- «يقولون بأن جساس كان سيدهم الذي ينتسبون إليه، وأنه سبب مشاكلهم وتنقلهم الدائم بعد أن قتل (كليباً ). فحكم عليهم (الزير سالم أبو ليلى المهلهل) بالترحال المستمر ما طلعت شمس. ولولا فعلة جساس لكانوا مرتاحين مستقرين كبقية خلق الله».
يلح على أمه بالأسئلة:
- «الزير سالم أبو ليلى المهلهل ألم يمت من وقت بعيد؟»
ترد ضاحكة:
- «من زمان بعيد جداً، وعظامه الآن مكاحل»
- «إذن لماذا لا يستقرون وقد مات؟»
تجيبه وهي تبحث عن إجابة مقنعة:
- «تعودوا على الرحيل. يعافون المكان إذا خالطوه أسبوعاً. الرحيل والتحميل والتنزيل دم أحمر يتنقل في شرايينهم. الاستقرار صار عندهم مرضاً »
بعد (القعدة) ننزل إلى (الاستراحة) حيث نلقي ظهورنا على السهل الأخضر الذي تفترشه أعشاب النجيل افتراشاً كاملاً، ونتابع بأبصارنا جبال الغيوم البيضاء وهي تتبطح على البساط الأزرق الجميل وتشكل أمام عيوننا مناظر غريبة.
ثم نعود إلى بيوتنا، وأفواهنا تتحرك وتحاول التغلب على الجوع بمضغ الأعشاب البرية التي نلتقطها في طريقنا كرغيف الراعي والدريهمة والسعيسعة وقرن الفار وإبرة العجوز...
في أحد الأيام ونحن في طريقنا إلى القعدة قلبنا حجراً كبيراً، لنتابع بأعيننا أنواع المخلوقات الصغيرة الكثيرة الزاحفة التي تفر إلى كل ناحية هرباً من ضوء الشمس أو خوفاً من أيدينا العابثة.
نتأمل سيقان الأعشاب المصفرة والبيضاء التي نمت في العتمة وهي تلتف إلى الأعلى عند أطراف الحجر باحثة عن الشمس والضياء، إلا أننا في هذه المرة رأينا ما لم يكن في الحسبان.
يسألها حاتم باهتمام:
- «ماذا رأيتم يا أمي؟»
- «رأينا تحت الحجر شيئاً عجيباً لن أنساه أبداً. رأينا قماشة صفراء بلون حبات الليمون وقد ربض عليها صرصور أسود.
استغربنا لون القماشة ونظافتها وصفارها الفاقع تحت الحجر، وجلوس الصرصور بسكون في وسطها.
مدت إحدانا عوداً طويلاً لتزحزح الصرصور وتأخذ القماشة، إلا أننا صدمنا كثيراً وفررنا مرعوبين عندما تحركت القماشة الصفراء، وإذا هي أفعى مخيفة صفراء اللون والصرصور هو رأسها الأسود اللامع، فتراجعنا خائفين صارخين وقلوبنا تنبض وتضطرب بشدة.
فسمع صراخنا طفل قريب من أبناء القرية العجيبة نافش الشعر قذر الثياب حافي القدمين، تتحرك حول أنفه ذبابات عديدة يجتهد في طردها بكلتا يديه دون فائدة.
أخذ هذا الولد الصغير يبحث عن الأفعى فرحاً. وما هي إلا لحظات حتى رأيناها تتراقص بين يديه، وهو واقف يقلبها بعودينقصيرين، والأفعى تلتف تبعاً لإشارته، وكأنها كرة من الصوف. فسألناه مستغربين:
- «أنت كيف تمسكها بيديك؟ ألا تخاف من لسعتها وسمها؟»
فيضحك وهو يحك أنفه والأفعى تتقلب على أعواده:
- «أنا فقير محوي»
فنستغرب كلماته ونحن ننظر في وجوه بعضنا بعضاً:
- «ماذا تعني بفقير محوي؟»
فيرد بنفس عبارته البلهاء وهو يهش الذباب:
- «فقير محوي يعني لا أنقرص»
ثم يركض نحو الأسفل مسرعاً حافياً وهي بين يديه، ولا يأبه للأشواك والحجارة والحفر المتناثرة، ونحن نتابعه بنظراتنا المدهوشة، وكأنه زائر مجهول من كوكب بعيد، أو مغامر غريب قادم من وراء البحار، أو فارس صنديد من قصة سيف بن ذي يزن، ولا نتركه حتى يغيب بين الألوان الزاهية والحركة التي لا تنقطع بين الخيام.
في يوم من الأيام ونحن نصعد إلى القعدة، نفاجأ باختفاءالمدينة كاملة.
نفتقد الخيام والألوان والصغار والنساء والرجال والدواب والحركة والضوضاء.
كأنما الأرض انشقت عن فتحة كبيرة جداً ثم ابتلعتهم جميعاً وأغلقت فمها إلى الأبد.
ننزل راكضين محزونين باتجاه السهل الأحمر فلا نجد إلا الحجارة المصفوفة على شكل مربعات واسعة.
الحجارة التي بقيت شاهدة على الخيام التي نصبت في هذا المكان في يوم مشمس.
رماد مبعثر وبقايا من (القرامي) والأغصان المتفحمة من أثر النيران التي كانت تتوهج في الأماسي وتبث في الأجساد الدفء والحياة.
رياح خفيفة تتحرك في السهل بلا اتجاه وتطلق لحناً حزيناً، وكأنها شاعر جاهلي يتنقل بين الأطلال يتلمس آثار المحبوبة ومواضع أقدامها.
نعدو بين الحجارة ونحن في حزن شديد على الراحلين الذين ثوروا المكان ثم أخمدوه، وكأننا في مشهد سحري في أحد عوالم الجن الذين يظهرون فجأة في منطقة ما بجمالهم وخيلهم وأمتعتهم ونسائهم ورجالهم وحركتهم وضوضائهم وحدائهم ثم يختفون في لحظات.
يختفون وكأن ظهورهم ناجم عن نسيانهم الاختفاء، أو ليثبتوا لنا أنهم أحياء وأنهم جزء من الحقيقة.
يتناهى إلى أسماعنا قرع الطبول والدق على الطبلات والجر على الربابة والشتائم الكثيرة على (جساس).
يسأل حاتم أمه بشوق:
- «من جساس هذا الذي يشتمونه كثيراً؟»
تجيبه بهدوء وروية:
- «يقولون بأن جساس كان سيدهم الذي ينتسبون إليه، وأنه سبب مشاكلهم وتنقلهم الدائم بعد أن قتل (كليباً ). فحكم عليهم (الزير سالم أبو ليلى المهلهل) بالترحال المستمر ما طلعت شمس. ولولا فعلة جساس لكانوا مرتاحين مستقرين كبقية خلق الله».
يلح على أمه بالأسئلة:
- «الزير سالم أبو ليلى المهلهل ألم يمت من وقت بعيد؟»
ترد ضاحكة:
- «من زمان بعيد جداً، وعظامه الآن مكاحل»
- «إذن لماذا لا يستقرون وقد مات؟»
تجيبه وهي تبحث عن إجابة مقنعة:
- «تعودوا على الرحيل. يعافون المكان إذا خالطوه أسبوعاً. الرحيل والتحميل والتنزيل دم أحمر يتنقل في شرايينهم. الاستقرار صار عندهم مرضاً »
بعد (القعدة) ننزل إلى (الاستراحة) حيث نلقي ظهورنا على السهل الأخضر الذي تفترشه أعشاب النجيل افتراشاً كاملاً، ونتابع بأبصارنا جبال الغيوم البيضاء وهي تتبطح على البساط الأزرق الجميل وتشكل أمام عيوننا مناظر غريبة.
ثم نعود إلى بيوتنا، وأفواهنا تتحرك وتحاول التغلب على الجوع بمضغ الأعشاب البرية التي نلتقطها في طريقنا كرغيف الراعي والدريهمة والسعيسعة وقرن الفار وإبرة العجوز...
في أحد الأيام ونحن في طريقنا إلى القعدة قلبنا حجراً كبيراً، لنتابع بأعيننا أنواع المخلوقات الصغيرة الكثيرة الزاحفة التي تفر إلى كل ناحية هرباً من ضوء الشمس أو خوفاً من أيدينا العابثة.
نتأمل سيقان الأعشاب المصفرة والبيضاء التي نمت في العتمة وهي تلتف إلى الأعلى عند أطراف الحجر باحثة عن الشمس والضياء، إلا أننا في هذه المرة رأينا ما لم يكن في الحسبان.
يسألها حاتم باهتمام:
- «ماذا رأيتم يا أمي؟»
- «رأينا تحت الحجر شيئاً عجيباً لن أنساه أبداً. رأينا قماشة صفراء بلون حبات الليمون وقد ربض عليها صرصور أسود.
استغربنا لون القماشة ونظافتها وصفارها الفاقع تحت الحجر، وجلوس الصرصور بسكون في وسطها.
مدت إحدانا عوداً طويلاً لتزحزح الصرصور وتأخذ القماشة، إلا أننا صدمنا كثيراً وفررنا مرعوبين عندما تحركت القماشة الصفراء، وإذا هي أفعى مخيفة صفراء اللون والصرصور هو رأسها الأسود اللامع، فتراجعنا خائفين صارخين وقلوبنا تنبض وتضطرب بشدة.
فسمع صراخنا طفل قريب من أبناء القرية العجيبة نافش الشعر قذر الثياب حافي القدمين، تتحرك حول أنفه ذبابات عديدة يجتهد في طردها بكلتا يديه دون فائدة.
أخذ هذا الولد الصغير يبحث عن الأفعى فرحاً. وما هي إلا لحظات حتى رأيناها تتراقص بين يديه، وهو واقف يقلبها بعودينقصيرين، والأفعى تلتف تبعاً لإشارته، وكأنها كرة من الصوف. فسألناه مستغربين:
- «أنت كيف تمسكها بيديك؟ ألا تخاف من لسعتها وسمها؟»
فيضحك وهو يحك أنفه والأفعى تتقلب على أعواده:
- «أنا فقير محوي»
فنستغرب كلماته ونحن ننظر في وجوه بعضنا بعضاً:
- «ماذا تعني بفقير محوي؟»
فيرد بنفس عبارته البلهاء وهو يهش الذباب:
- «فقير محوي يعني لا أنقرص»
ثم يركض نحو الأسفل مسرعاً حافياً وهي بين يديه، ولا يأبه للأشواك والحجارة والحفر المتناثرة، ونحن نتابعه بنظراتنا المدهوشة، وكأنه زائر مجهول من كوكب بعيد، أو مغامر غريب قادم من وراء البحار، أو فارس صنديد من قصة سيف بن ذي يزن، ولا نتركه حتى يغيب بين الألوان الزاهية والحركة التي لا تنقطع بين الخيام.
في يوم من الأيام ونحن نصعد إلى القعدة، نفاجأ باختفاءالمدينة كاملة.
نفتقد الخيام والألوان والصغار والنساء والرجال والدواب والحركة والضوضاء.
كأنما الأرض انشقت عن فتحة كبيرة جداً ثم ابتلعتهم جميعاً وأغلقت فمها إلى الأبد.
ننزل راكضين محزونين باتجاه السهل الأحمر فلا نجد إلا الحجارة المصفوفة على شكل مربعات واسعة.
الحجارة التي بقيت شاهدة على الخيام التي نصبت في هذا المكان في يوم مشمس.
رماد مبعثر وبقايا من (القرامي) والأغصان المتفحمة من أثر النيران التي كانت تتوهج في الأماسي وتبث في الأجساد الدفء والحياة.
رياح خفيفة تتحرك في السهل بلا اتجاه وتطلق لحناً حزيناً، وكأنها شاعر جاهلي يتنقل بين الأطلال يتلمس آثار المحبوبة ومواضع أقدامها.
نعدو بين الحجارة ونحن في حزن شديد على الراحلين الذين ثوروا المكان ثم أخمدوه، وكأننا في مشهد سحري في أحد عوالم الجن الذين يظهرون فجأة في منطقة ما بجمالهم وخيلهم وأمتعتهم ونسائهم ورجالهم وحركتهم وضوضائهم وحدائهم ثم يختفون في لحظات.
يختفون وكأن ظهورهم ناجم عن نسيانهم الاختفاء، أو ليثبتوا لنا أنهم أحياء وأنهم جزء من الحقيقة.
صفحة 7
وهكذا في كل عام نجدهم ينبعون فجأة من حيث لا ندري، وينصبون خيامهم في نفس المكان، ويدعونا حداؤهم الغريب للانتباه:
يا غليم يا غلام
لا ترح درب الشمال
يوخذك التركملي
يعمل فيك كان مان
يعمل من جلدك رباب
للشيوخه والشباب
ثم تبتلعهم الأرض فجأة كما حضروا فجأة.
وقد نفتقدهم عاماً أو عامين متلاحقين، وكأنهم قرروا الاستقرار، ثم يظهرون فجأة وبنفس المواصفات.
مسحت أمينة فمها، وتناولت الغليون بلطف وحنان، وكأنه قطعة أثرية من قوم عاد البائدين.
حملت حجره الكبير الذي ملأ راحتها، وراحت تنظفه بالسلك الصغير المعلق وتفرغ محتوياته المتفحمة في العلبة المستديرة أمامها.
تسحب سلكاً طويلاً من تحت (النملية)، وتأخذ ذهاباً وإياباً بتسليك عصا الغليون الطويلة التي تقارب الذراع.
هذه العصا التي جلبها لها حاتم من مطارق شجر الدفلى النامي على ضفاف الوادي الكبير، حيث قامت بتجويفها من الداخل بواسطة سلك محمى بعمل دؤوب وقلب صبور، وبعد ذلك قشرتها من الخارج وهذبتها بالسكين.
لفت قطعة قماش صغيرة على الطرف المدبب للعصا، وأعادته إلى بطن حجر الغليون وبرمته بيديها حتى اطمأنت إلى ثباته.
مدت يدها داخل الكيس القماشي الصغير الذي يرافقها في تنقلاتها، وأخرجت منه حفنة من عيدان الهيشي، وقذفتها داخل الحجر وكبستها بإبهامها، ثم وضعت الحجر على الأرض بحنان وكأنها تضع مولوداً غض الإهاب في فراش النوم.
أمسكت طرف العصا بفمها، وأخذت بيديها الاثنتين الممدودتين تشعل قطعاً من الأوراق بقداحتها الكازية القديمة، وتسويها على ظهر الهيشي، وهي تسحب النفس تلو النفس محاولة إشعاله دون فائدة. يرتفع صوتها متأففة ساخطة:
- «يا عمي، الهيشي مغشوش، التجار قليل منهم يخافون الله!»
يشعل حاتم أوراقاً تلو أوراق، وهي تسحب الأنفاس، وكأنها تقوم بعمل إنساني كبيريتساءل حاتم باهتمام:
- «أنا لا أدري كيف يستطيعون غش الهيشي!»
تجيبه بثقة واطمئنان وهي تحرك يدها اليمنى:
- «أنت ما الذي يدريك! الهيشي الأصلي لا يقطف في كل وقت. الهيشي الأصلي يقطف ليلا في ليلة بدرية (قمرة)»
وبعد جهد جهيد تدخل العصا بين الوسطى والسبابة والإبهام في يدها اليمنى، وهذا إيذان بابتداء الكيف، حيث احمر ظهر الغليون، وتوهج الجمر مع الأنفاس المتلاحقة.
تتصاعد أمواج كبيرة من الدخان الثقيل الذي يحجب الرؤية لتشبعه بالشوائب الكثيرة.
تسعل أمينة مراراً، وتبصق في العلبة أمامها، ثم تغطي فوهة العصا بقطعة قماش لتصفي الدخان الصاعد إلى رئتيها.
يقول لها ناصحاً مشفقاً وهو يعرف جوابها المسبق:
- «يا أمي! الدخان ضار، وبالذات الهيشي حارق محرق»
فتجيبه بحماس وهي تهز يدها:
- «يا ولدي! الحاجة (فضة) عمرها فوق المائة، وصحتها حديد، وهي تسحب على الغليون أكثر مني»
- «يا أمي! الشيوخ يحرمونه»
فترد عليه من بين سحب الدخان التي ملأت أجواء الغرفة، وبدأت تخرج من الباب كأنها أفاع بيضاء صاعدة:
- «يا وليدي! في آية.. في حديث!» ثم تضيف في ثقة:
- «الهيشي - يا وليدي - يمنعني من الغيبة والكلام على الناس، فعندما أقعد مع النسوان أكظم على عصا الغليون، وأدخن وأسمع ولا أطلق كلمة!»
تصمت وتسحب نفسا وتضيف إلى الغليون كمية أخرى من الهيشي، فتنتشر مرة أخرى سحب غامقة جديدة.
تضيف أمينة وقد رقت عباراتها قليلا وكستها غلالة من الحزن القديم:
- «الدخان - يا وليدي - يريحني وينسيني همومي، كما قال الشاعر عقاب:
حمام يلي تزعج الصوت بلحوننوحك طرب منت مثلي معنّى»
يا غليم يا غلام
لا ترح درب الشمال
يوخذك التركملي
يعمل فيك كان مان
يعمل من جلدك رباب
للشيوخه والشباب
ثم تبتلعهم الأرض فجأة كما حضروا فجأة.
وقد نفتقدهم عاماً أو عامين متلاحقين، وكأنهم قرروا الاستقرار، ثم يظهرون فجأة وبنفس المواصفات.
مسحت أمينة فمها، وتناولت الغليون بلطف وحنان، وكأنه قطعة أثرية من قوم عاد البائدين.
حملت حجره الكبير الذي ملأ راحتها، وراحت تنظفه بالسلك الصغير المعلق وتفرغ محتوياته المتفحمة في العلبة المستديرة أمامها.
تسحب سلكاً طويلاً من تحت (النملية)، وتأخذ ذهاباً وإياباً بتسليك عصا الغليون الطويلة التي تقارب الذراع.
هذه العصا التي جلبها لها حاتم من مطارق شجر الدفلى النامي على ضفاف الوادي الكبير، حيث قامت بتجويفها من الداخل بواسطة سلك محمى بعمل دؤوب وقلب صبور، وبعد ذلك قشرتها من الخارج وهذبتها بالسكين.
لفت قطعة قماش صغيرة على الطرف المدبب للعصا، وأعادته إلى بطن حجر الغليون وبرمته بيديها حتى اطمأنت إلى ثباته.
مدت يدها داخل الكيس القماشي الصغير الذي يرافقها في تنقلاتها، وأخرجت منه حفنة من عيدان الهيشي، وقذفتها داخل الحجر وكبستها بإبهامها، ثم وضعت الحجر على الأرض بحنان وكأنها تضع مولوداً غض الإهاب في فراش النوم.
أمسكت طرف العصا بفمها، وأخذت بيديها الاثنتين الممدودتين تشعل قطعاً من الأوراق بقداحتها الكازية القديمة، وتسويها على ظهر الهيشي، وهي تسحب النفس تلو النفس محاولة إشعاله دون فائدة. يرتفع صوتها متأففة ساخطة:
- «يا عمي، الهيشي مغشوش، التجار قليل منهم يخافون الله!»
يشعل حاتم أوراقاً تلو أوراق، وهي تسحب الأنفاس، وكأنها تقوم بعمل إنساني كبيريتساءل حاتم باهتمام:
- «أنا لا أدري كيف يستطيعون غش الهيشي!»
تجيبه بثقة واطمئنان وهي تحرك يدها اليمنى:
- «أنت ما الذي يدريك! الهيشي الأصلي لا يقطف في كل وقت. الهيشي الأصلي يقطف ليلا في ليلة بدرية (قمرة)»
وبعد جهد جهيد تدخل العصا بين الوسطى والسبابة والإبهام في يدها اليمنى، وهذا إيذان بابتداء الكيف، حيث احمر ظهر الغليون، وتوهج الجمر مع الأنفاس المتلاحقة.
تتصاعد أمواج كبيرة من الدخان الثقيل الذي يحجب الرؤية لتشبعه بالشوائب الكثيرة.
تسعل أمينة مراراً، وتبصق في العلبة أمامها، ثم تغطي فوهة العصا بقطعة قماش لتصفي الدخان الصاعد إلى رئتيها.
يقول لها ناصحاً مشفقاً وهو يعرف جوابها المسبق:
- «يا أمي! الدخان ضار، وبالذات الهيشي حارق محرق»
فتجيبه بحماس وهي تهز يدها:
- «يا ولدي! الحاجة (فضة) عمرها فوق المائة، وصحتها حديد، وهي تسحب على الغليون أكثر مني»
- «يا أمي! الشيوخ يحرمونه»
فترد عليه من بين سحب الدخان التي ملأت أجواء الغرفة، وبدأت تخرج من الباب كأنها أفاع بيضاء صاعدة:
- «يا وليدي! في آية.. في حديث!» ثم تضيف في ثقة:
- «الهيشي - يا وليدي - يمنعني من الغيبة والكلام على الناس، فعندما أقعد مع النسوان أكظم على عصا الغليون، وأدخن وأسمع ولا أطلق كلمة!»
تصمت وتسحب نفسا وتضيف إلى الغليون كمية أخرى من الهيشي، فتنتشر مرة أخرى سحب غامقة جديدة.
تضيف أمينة وقد رقت عباراتها قليلا وكستها غلالة من الحزن القديم:
- «الدخان - يا وليدي - يريحني وينسيني همومي، كما قال الشاعر عقاب:
حمام يلي تزعج الصوت بلحوننوحك طرب منت مثلي معنّى»
صفحة 8
وعلى ذكر الهموم التي تنتشر مع قدوم الليل وتبدأ بالضغط على الصدر، وتلويع القلوب، يتذكر حاتم ما رآه البارحة، فينقبض وجهه ويظهر عليه الاهتمام وهو يستعيذ:
- «أعوذ بالله من شر ما رأيت»
ثم يتوجه إلى أمه باهتمام:
- «صحيح. البارحة رأيت رؤيا غريبة»
تتسع عيناها وتتوقف يداها عن الحركة، وتفتح فمها والدخان يتصاعد منه:
- «خيراً إن شاء الله، اللهم صل على النبي، ماذا رأيت؟»
يجيبها بجبين عابس، وهو يحك شعره بسبابته محاولا أن لاينسى شيئا:
- «رأيت نفسي أمشي، وبجانبي ثلاثة ديوك قوية تسايرني وتماشيني. ديك أسود رابع يتحرك أمامي بعرج شديد، ويعيقني عن السير. كلما سقط هذا الديك ينهض ليتعثر من جديد. بعد ذلك فقدت أحد الديوك الثلاثة، ولم أجد له أثرا وبقي بجانبي ديكان»
تصمت وتتأمل وتتوقف عن التدخين والحركة، وتغيب في تفكير شديد، وكأنها تمثال دقيق لامرأة من العرب البائدة عاجزعن الحركة.
تحاول فك الرؤيا وعدم الخطأ فيها، فهي على جناح طائر تقع كما تفسر، وينبني عليها أمور وأمور، وما البقرات السمان والعجاف ببعيدة.
تتكلم بهدوء وبصوت خفيض ومن بين الدخان المتصاعد من حجر الغليون، وكأنها تقرأ من صفحة القدر مباشرة:
- «صل على النبي العدنان وعلى أنبياء الله الكرام»
- «اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى أنبياء الله الكرام»
- «تتزوج على خير يا حاتم، ويعطيك الكريم من خيره العميم أربعة من البنين.
ثلاثة منهم على درب الأنبياء عليهم السلام الواحد أحسن من الثاني. قل أحمدك يا رب»
- «أحمدك يا رب»
- «أصلحهم يغيب عنك. يصعد إلى السماء مثل شعاع النور.
تفقده وتفقد قطعة من قلبك. اصبر تعط الأجر. قل إن شاء الله»
- «إن شاء الله»
- «أما الديك الأسود الرابع - الله يحمينا ويحميك ويعافينا ويعافيك - محراك شر. ولد سيئ وعمل غير صالح ونبت شيطاني، فلا تحزن عليه»
يقاطعها حاتم بألم:
- «وحدي الله يا أمي. نبت شيطاني! ولد سيئ!»
ترد عليه بحزن:
- «لا إله إلا الله. أنا - يا ولدي - لا أقطع فيه، قد تصدق الرؤيا وقد تكذب.
قد يزيد الشيطان عليها شيئا حسداً وعدواناً، وقد يكون الديك الأسود من زياداته.
والعلم الصحيح عند ربك رب العالمين»
يضع حاتم يده على جبينه ويغيب في تفكير شديد.
- «أعوذ بالله من شر ما رأيت»
ثم يتوجه إلى أمه باهتمام:
- «صحيح. البارحة رأيت رؤيا غريبة»
تتسع عيناها وتتوقف يداها عن الحركة، وتفتح فمها والدخان يتصاعد منه:
- «خيراً إن شاء الله، اللهم صل على النبي، ماذا رأيت؟»
يجيبها بجبين عابس، وهو يحك شعره بسبابته محاولا أن لاينسى شيئا:
- «رأيت نفسي أمشي، وبجانبي ثلاثة ديوك قوية تسايرني وتماشيني. ديك أسود رابع يتحرك أمامي بعرج شديد، ويعيقني عن السير. كلما سقط هذا الديك ينهض ليتعثر من جديد. بعد ذلك فقدت أحد الديوك الثلاثة، ولم أجد له أثرا وبقي بجانبي ديكان»
تصمت وتتأمل وتتوقف عن التدخين والحركة، وتغيب في تفكير شديد، وكأنها تمثال دقيق لامرأة من العرب البائدة عاجزعن الحركة.
تحاول فك الرؤيا وعدم الخطأ فيها، فهي على جناح طائر تقع كما تفسر، وينبني عليها أمور وأمور، وما البقرات السمان والعجاف ببعيدة.
تتكلم بهدوء وبصوت خفيض ومن بين الدخان المتصاعد من حجر الغليون، وكأنها تقرأ من صفحة القدر مباشرة:
- «صل على النبي العدنان وعلى أنبياء الله الكرام»
- «اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى أنبياء الله الكرام»
- «تتزوج على خير يا حاتم، ويعطيك الكريم من خيره العميم أربعة من البنين.
ثلاثة منهم على درب الأنبياء عليهم السلام الواحد أحسن من الثاني. قل أحمدك يا رب»
- «أحمدك يا رب»
- «أصلحهم يغيب عنك. يصعد إلى السماء مثل شعاع النور.
تفقده وتفقد قطعة من قلبك. اصبر تعط الأجر. قل إن شاء الله»
- «إن شاء الله»
- «أما الديك الأسود الرابع - الله يحمينا ويحميك ويعافينا ويعافيك - محراك شر. ولد سيئ وعمل غير صالح ونبت شيطاني، فلا تحزن عليه»
يقاطعها حاتم بألم:
- «وحدي الله يا أمي. نبت شيطاني! ولد سيئ!»
ترد عليه بحزن:
- «لا إله إلا الله. أنا - يا ولدي - لا أقطع فيه، قد تصدق الرؤيا وقد تكذب.
قد يزيد الشيطان عليها شيئا حسداً وعدواناً، وقد يكون الديك الأسود من زياداته.
والعلم الصحيح عند ربك رب العالمين»
يضع حاتم يده على جبينه ويغيب في تفكير شديد.
صفحة 9
(2)
أتأمل الوادي العريض أمامي، أنظر إلى الغرب كالعادة، وأرتفع نحو الأفق.شمس ما بعد العصر ضعيفة وغير مؤذية وهي مشغولة بلملمة أشعتها استعداداً للغياب.
إنها كالجندي المهزوم الذي يريد الهرب من ميدان المعركة فلا يستطيع التصويب خلفه. ولو أطلق فطلقات طائشة يحاول بها تأخير طلائع المنتصرين الذين يجرفون كل شيء أمامهم، أو يسوونه بالأرض (كالمدحلة). المدحلة التي تطحن الحجارة والحصو والزفت وتجعله بساطاً أسود.
أنزل ببصري من الأفق إلى حافة الوادي البعيدة حيث تسمو أشجار البلوط والسرو لتشكل حدوداً طبيعية للوادي من الجهة الغربية.
تحت الأشجار تنحدر الأرض بشكل قائم بارتفاع ثلاثة طوابق على امتداد الجهة الغربية وبطول ثلاثة أميال.
هذا المقطع الطولي القائم تغطي حافته نباتات غريبة متدلية متشابكة طويلة تنمو إلى الأسفل، وكأنها خصلات وحشية من الشعر المسترسل من غير تهذيب على كتفي غول أو عملاق.
تلتقي هذه الأعشاب المتدلية بقمم أشجار اللوز والتين التي نمت بشكل فارع وهائل وعلى سيقان ضخمة طويلة وكأنها تريد الخروج من الوادي.
أتابع بنظري هذه الجهة التي تمثل مقتلاً للغرباء الذين لا يعرفون طبيعة الوادي، وقد يسقطون في منحدراته الشاهقة كطائر حزين أصابته قذيفة الصياد، فراح يهوي متقلباً بلا وجهة محددة.
المدخل الغربي للوادي عبارة عن ثلاث دروب ضيقة تتلوى بين الأشجار كأفاع بنية ضخمة، ولا يعرفها سوى سكان المنطقة الذين يستطيعون عبورها على أرجلهم أو دوابهم.
ثم تستوي الأرض بعد ذلك على شكل سهول واسعة ومسطحات خضراء جميلة تتراكب حوافها على شكل درج أخضر واسع تغطيه الخضراوات بمختلف أنواعها.
وكل سهل من هذه السهول تحيط به سلسلة من الأشجار المتشابكة كالتين والزيتون والصبر مشكلة حدوداً فاصلة بين المزارعين تمنعهم من الاشتباك، وتحفظ تربتهم من التنقل من أرض إلى أخرى.
أصل أخيراً إلى قعر الوادي حيث تصدم طبلة أذني أصوات خرير المياه القوية، وتطاحنها الدائم خلال صراعها اليومي الذي لا ينتهي.
هذا السيل يستمد مياهه من ينابيع البلدة الغزيرة والكثيرة، والتي تتشابكك قرب الوادي الكبير لتشكل عدة شلالات في انحدارها المستمر نحو الأسفل.
تنمو في مجرى السيل أشجار الدفلى بأزهارها الجميلة، وعلى الحافتين تتطاول أشجار الحور والكينا، لتسمو عاليا جداً محاولة من بعيد موازاة مطلع الوادي الكبير، ولكنها تبقى على سموقها عاجزة كثيراً.
تحلق حول الأغصان العالية في الوادي أسراب من عصافير الدوري المتصارعة، ووفود من الطيور المهاجرة الغريبة الأشكال، والتي تحضر كضيوف في كل عام في مواعيد متفق عليها.
أصوات مختلطة تنبعث من حركة أغصان وزقزقة عصافير ورفيف أجنحة وتطاير ريش. وأسمع من هنا وهناك تغريداً عذباً لبعض الحساسين يقطعه نعيق غراب أو صياح بومة.
ثم تتشابك السهول والمسطحات في الضفة الأخرى من الوادي حتى تقف عند المقطع الشرقي الأقل ارتفاعاً من المقطع الغربي.
المقطع الشرقي أيضا لا يمكن عبوره إلا بالدروب الضيقة الملتوية التي مهدتها أرجل المزارعين وحوافر دوابهم من زمن الإنسان الأول.
حافة الجهة الشرقية تغطيها الأعشاب المختلفة، وتتشابك عليها أشواك البلان المتكورة ذات الحجم الضخم، والتي تتداخل فيما بينها على شكل ثلاثة أو أربعة صفوف على امتداد الجهة الشرقية، وكأنها صفوف الجنود المنبطحين خلف بنادقهم متمسكين بتربة أرضهم منتظرين قدوم الأعداء.
أتوقف عند الشجرة الوحيدة على الجهة الشرقية والتي أجلسفي ظلالها بجذورها العارية القوية التي تتمسك بالتربة المائلةبمخالبها المعقوفة.
أتأمل الساق السمين الملتوي الذي يرتفع بعد ذلك عالياً مشكلاً مظلة من الأغصان والأوراق السوداء التي تصنع ظلالاً بحجم غرفتين.
أقطف قرناً أو قرنين من ثمار الخروبة لألوكه قطعة قطعة، وأنا أمتص السائل الحلو القليل، ولأبصق الخيوط المتبقية والتي تجعل فمي دبقاً متماسكاً.
أمد يدي كالعادة وأمسح بحنان على الساق الثخينة الخشنة والتي امتلأت بالندوب والأسماء وقلوب الحب، ويدي الأخرى تتحرك على وجهي، وتتابع تجاعيد بدايات الستين والجلد الذي صار أشبه بمطاط إطارات السيارات.
أضغط على الساق الضخم بكلتا يديّ للاطمئنان على قوة الشجرة، وأرتاح عندما أجدها راسخة قوية لا تتحرك.
أتفقد الجذور البارزة الملتوية، وأكوم عليها الأتربة بيدي العاريتين، وأتذكر إبريق المياه الذي أحضرته لها في المرة السابقة، ودلقتهعلى جذورها.
- «هل يوجد عاقل واحد يسقي شجرة خروب برية يا حاتم!
خروبة تعيش لوحدها من زمن سيدنا آدم عليه السلام!»
أضحك وأنا أرد على صديقي أبي محمود بعباراته الغريبة:
- «والله يا أبا محمود، إنها في غلاوة أولادي علي وحمزة وطارق»
فيرد في تخابث:
- «وابنك صالح لماذا لا تأتي على ذكره؟»
- «اتركنا من صالح الآن»
صفحة 10
يتابع مستنكراً:
- «ثم إلى متى زياراتك الأسبوعية إلى الخروبة؟ كل يوم جمعة بعد العصر! كل يوم جمعة بعد العصر! مثل ساعة (بق بن)»
- «والله يا أبا محمود أحس بشيء يشبه المرض عند عدم زيارتها. ولا أدري عن السبب. أهو فيئها أم هواؤها أم خروبها أم مشاهدتها! أحس معها بعلاقة إنسانية دافئة»
تهب نسمات منعشة من الوادي الكبير، فتحرك أغصان الخروبة، وتزيدني انشراحاً وتوسع غرفات قلبي.
أتذكر هواء المعسكر بجانب قرية (الفادية) حيث الهواء الممزوج برائحة الأعشاب البرية والذي يفتح مسارب في الدماغ، وينسيك العدو الرابض أمامك خلف الجدر والمتاريس على بعد عشرات الأمتار.
العدو الذي يتحرك مسرعاً إذا مشى في الأرض المكشوفة بلا سواتر، وكأنه الأفعى إذا تناوشتها الحجارة القاتلة.
أتذكر الأخبار الأولى عن العدو القادم من وراء البحار، والذي تتقيؤه البواخر الضخمة على شاطئ المتوسط، لينتشروا في الأرض بعد ذلك انتشار الجراد في حقول القمح.
لماذا لا يبقون في بلادهم ويرضون بالمقسوم؟
أو فلينتقلوا إذا لم يكونوا مرتاحين إلى بلاد تحاذيهم ويفهمون لغتها! لماذا نحن دائما الحائط المنخفض؟ أم أن الحمار القصير يركبه الجميع، ويتعلمون عليه مهارات الفروسية!
أم أن هذه المنطقة يجب أن تبقى في سباتها العميق، فيزرعون في أرضها الشياطين الذين يفرضون عليها طقوس النوم وفنون الفراش (أمامك ليل طويل فنم)!
كانت أخبار المذابح التي تنفذها عصاباتهم في حق النساء والأطفال والشيوخ تصل إلى كل مكان، وتلقي في الروع أنهم من جنس آخر.
ربما تزاوج محرم بينهم وبين وحوش منقرضة من آكلة اللحم.
ترتسم ابتسامة على شفتي عندما أتذكر طفولتي واعتداءاتهم الوحشية، حيث كنت أظنهم يختلفون عن أشكالنا بآذانهم الزرقاء الطويلة وأنوفهم الحمراء المدببة.
يلفح وجهي هواء الحراسة البارد في ليل كانون الذي يقص المسمار.
النعاس يثقل أجفاني في الهزيع الأخير من الليل حيث السواد يشكو من السواد.
المعطف الشتوي الثقيل يدخل إلى جسمي بعض الحرارة، ويثقل كاهلي مع البندقية ومخازن العتاد. أصابع قدمي قطع من الجليد الحاد أحس بها عند الحركة فقط.
أتحرك في الظلام الدامس ببسطاري الأسود ذي الرقبة الطويلة محاذياً سياج المعسكر من أجل بعض الدفء، ولطرد النعاس.
أمد يدي في جيوبي باحثاً عن قطعة من (البسكويت) العسكري لأطحنها في فمي من أجل نشر بعض الحرارة.
أقرأ سورة (الإخلاص) عدة مرات. أكرر قصار السور. أشعر بالأنس مع القرآن وبرعاية رب العالمين وحفظه.
أسمع وقع أقدام، فأسكن وأحرك بندقيتي باتجاه الصوت، وأصرخ هاتفاً:
- «كلمة السر؟ عرّف عن نفسك»
أصيخ السمع، وإصبعي يتراقص على الزناد ويغلق المنطقة الفارغة منه استعداداً للرمي، إذ لا مجال للتردد في هذا المكان، فالأوامر واضحة قاطعة:
إذا لم تسمع الكلمة الصحيحة فأطلق النار فإنما هو عدوك.
إن لم تقتله قتلك وقتل إخوانك، ولوث المنطقة تحت قدميك.
يجيبني بصوت جاد خفيض، وهو يحرك يمناه:
- «قبة. أخوك عريف الخفر حمدان. ما شاء الله صاح يا حاتم!»
- «بالطبع. الله موجود. ثم البرد والعدو والعقوبات. من أين يأتي النوم؟»
تبتلع الظلمة حمدان وأنا أتأمله بإعجاب بقامته الممدودة الرشيقة، وبسمرته اللطيفة، وبتدينه الفطري الصادق.
كان مثلي جندياً حافياً يخرج في نوبات الحراسة المتتالية على مدار اليوم والليلة إلا أنه وبقفزة واحدة وبقدرة قادر صار عريفاً بشريطتين.
حدثني بالتفصيل الممل عن ترفيعه، فالجنود على الجبهات يحبون التفاصيل والتفريعات والدقائق غير المهمة، وكأنهم يطمئنون أنفسهم بأنهم في الحياة العادية بتفصيلاتها التي لا تنتهي.
حدثني بعفويته قائلا:
- «كنت أخدم في معسكر (الهادي) على بعد سبعة أميال من (الفادية) والعدو على بعد سبعين متراً عنا وأنا أراه صباحاً ومساءً.
آيات القرآن على شفتي ولا تفارق لساني وقلبي.
آيات الشهادة لها معزة خاصة عندي، وتدخل لنفسي السكينة والخشوع. إذا كررت آيات الشهادة ثلاث مرات تسقط دموعي بسهولة من غير تكلف.
ثم يتلوها بخشوع بلكنته البدوية التي ما زالت ترن في أذني منذ ذلك الحين: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:169]
كلما خلوت إلى نفسي ومرت بذاكرتي صور السياج والخنادق والمعارك، أسمع صوت حمدان من وراء السحب يردد هذه الآيات.
- «ثم إلى متى زياراتك الأسبوعية إلى الخروبة؟ كل يوم جمعة بعد العصر! كل يوم جمعة بعد العصر! مثل ساعة (بق بن)»
- «والله يا أبا محمود أحس بشيء يشبه المرض عند عدم زيارتها. ولا أدري عن السبب. أهو فيئها أم هواؤها أم خروبها أم مشاهدتها! أحس معها بعلاقة إنسانية دافئة»
تهب نسمات منعشة من الوادي الكبير، فتحرك أغصان الخروبة، وتزيدني انشراحاً وتوسع غرفات قلبي.
أتذكر هواء المعسكر بجانب قرية (الفادية) حيث الهواء الممزوج برائحة الأعشاب البرية والذي يفتح مسارب في الدماغ، وينسيك العدو الرابض أمامك خلف الجدر والمتاريس على بعد عشرات الأمتار.
العدو الذي يتحرك مسرعاً إذا مشى في الأرض المكشوفة بلا سواتر، وكأنه الأفعى إذا تناوشتها الحجارة القاتلة.
أتذكر الأخبار الأولى عن العدو القادم من وراء البحار، والذي تتقيؤه البواخر الضخمة على شاطئ المتوسط، لينتشروا في الأرض بعد ذلك انتشار الجراد في حقول القمح.
لماذا لا يبقون في بلادهم ويرضون بالمقسوم؟
أو فلينتقلوا إذا لم يكونوا مرتاحين إلى بلاد تحاذيهم ويفهمون لغتها! لماذا نحن دائما الحائط المنخفض؟ أم أن الحمار القصير يركبه الجميع، ويتعلمون عليه مهارات الفروسية!
أم أن هذه المنطقة يجب أن تبقى في سباتها العميق، فيزرعون في أرضها الشياطين الذين يفرضون عليها طقوس النوم وفنون الفراش (أمامك ليل طويل فنم)!
كانت أخبار المذابح التي تنفذها عصاباتهم في حق النساء والأطفال والشيوخ تصل إلى كل مكان، وتلقي في الروع أنهم من جنس آخر.
ربما تزاوج محرم بينهم وبين وحوش منقرضة من آكلة اللحم.
ترتسم ابتسامة على شفتي عندما أتذكر طفولتي واعتداءاتهم الوحشية، حيث كنت أظنهم يختلفون عن أشكالنا بآذانهم الزرقاء الطويلة وأنوفهم الحمراء المدببة.
يلفح وجهي هواء الحراسة البارد في ليل كانون الذي يقص المسمار.
النعاس يثقل أجفاني في الهزيع الأخير من الليل حيث السواد يشكو من السواد.
المعطف الشتوي الثقيل يدخل إلى جسمي بعض الحرارة، ويثقل كاهلي مع البندقية ومخازن العتاد. أصابع قدمي قطع من الجليد الحاد أحس بها عند الحركة فقط.
أتحرك في الظلام الدامس ببسطاري الأسود ذي الرقبة الطويلة محاذياً سياج المعسكر من أجل بعض الدفء، ولطرد النعاس.
أمد يدي في جيوبي باحثاً عن قطعة من (البسكويت) العسكري لأطحنها في فمي من أجل نشر بعض الحرارة.
أقرأ سورة (الإخلاص) عدة مرات. أكرر قصار السور. أشعر بالأنس مع القرآن وبرعاية رب العالمين وحفظه.
أسمع وقع أقدام، فأسكن وأحرك بندقيتي باتجاه الصوت، وأصرخ هاتفاً:
- «كلمة السر؟ عرّف عن نفسك»
أصيخ السمع، وإصبعي يتراقص على الزناد ويغلق المنطقة الفارغة منه استعداداً للرمي، إذ لا مجال للتردد في هذا المكان، فالأوامر واضحة قاطعة:
إذا لم تسمع الكلمة الصحيحة فأطلق النار فإنما هو عدوك.
إن لم تقتله قتلك وقتل إخوانك، ولوث المنطقة تحت قدميك.
يجيبني بصوت جاد خفيض، وهو يحرك يمناه:
- «قبة. أخوك عريف الخفر حمدان. ما شاء الله صاح يا حاتم!»
- «بالطبع. الله موجود. ثم البرد والعدو والعقوبات. من أين يأتي النوم؟»
تبتلع الظلمة حمدان وأنا أتأمله بإعجاب بقامته الممدودة الرشيقة، وبسمرته اللطيفة، وبتدينه الفطري الصادق.
كان مثلي جندياً حافياً يخرج في نوبات الحراسة المتتالية على مدار اليوم والليلة إلا أنه وبقفزة واحدة وبقدرة قادر صار عريفاً بشريطتين.
حدثني بالتفصيل الممل عن ترفيعه، فالجنود على الجبهات يحبون التفاصيل والتفريعات والدقائق غير المهمة، وكأنهم يطمئنون أنفسهم بأنهم في الحياة العادية بتفصيلاتها التي لا تنتهي.
حدثني بعفويته قائلا:
- «كنت أخدم في معسكر (الهادي) على بعد سبعة أميال من (الفادية) والعدو على بعد سبعين متراً عنا وأنا أراه صباحاً ومساءً.
آيات القرآن على شفتي ولا تفارق لساني وقلبي.
آيات الشهادة لها معزة خاصة عندي، وتدخل لنفسي السكينة والخشوع. إذا كررت آيات الشهادة ثلاث مرات تسقط دموعي بسهولة من غير تكلف.
ثم يتلوها بخشوع بلكنته البدوية التي ما زالت ترن في أذني منذ ذلك الحين: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:169]
كلما خلوت إلى نفسي ومرت بذاكرتي صور السياج والخنادق والمعارك، أسمع صوت حمدان من وراء السحب يردد هذه الآيات.