eKtab
EN ع
أم الكتاب
اقرأ عينة مجانية

أم الكتاب

بقلم خالد حمد الدغمي

صفحة 1

المقدمة

الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه، ورفع قدر العلم وعظمه، ووفق للتفقه في دينه من اختاره وفهمه .أحمده كثيرا عدد خلقه وكلماته، وملء أرضه وسمواته، وأسأله الصلاة على نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله أجمعين وعلى جميع النبيين والمرسلين، وسلم تسليما .
فإن غرضي في هذا الكتاب أن أثبت فيه على جهة التذكرة للناس ما أرسل به رسول الله - ص - مهما تعاقبت الأحوال والأعوام ليكون القرآن إمامنا وقدوتنا فذكر الله تعالى هو تذكر عظمته وجلاله وجماله ونعمه .
إذ لا منعم سواه، وكل نفع يجري على يد غيره فهو الذي أجراه، وكل خير يصل إلى بعض مخلوقاته من بعض فهو الذي قدره وقضاه، يا من هو المحمود المشكور على الحقيقة، فاعلم يا طالب الحق أن هذا كتاب تنشرح له صدور قوم مؤمنين، بما اشتمل عليه من الفوائد والمعارف، وإيضاحه الكافي لفاتحة الكتاب، وأسأل الله العون والقبول في ان انقل المفيد النافع لأكبر عدد من حولي، فلم يزل عليه السلام يدعو بها وإليها ويأخذ بالمختلفين على طريق مستقيم ويقربها للقلوب، جعلنا الله من العاملين بما علمنا، وأعاننا على تفهيم ما فهمنا.
إنها من كلام الرب ولا يملها الإنسان مهما كررها، وإن قراءتها بركة وثواب في كل الأحوال، وإن قراءة آية واحدة مع التدبر والخشوع، خير لك من قراءة ختمة مع الغفلة والخنوع.
ان هدفي من هذا الكتاب هو معالجة الشعور الإسلامي المنحدر باتجاه الجاهلية، وان محاولة تفسير هذه الظاهرة، وكشف أسرارها ومعرفة بواعثها الخفية، لا يكون إلا بالرجوع إلى القران الكريم للتخلص من استبداد الجاهلية التي لا تلبث ان تتعامل معنا تعامل خطير خبيث، وان القلوب الحائرة والنفوس الخائنة هي التي تبث الخور والضعف في الصفوف، وتحاول ان تغرس في داخلنا الإحساس بسيطرتها علينا، وعلى العالم اجمع.
وبما ان القرآن العظيم قد جمع في الفاتحة، فما أسهل أن نفهمه فهما يسيرا سهلا، يتمثل بإحاطة الله لكافة خلقه لمواجهة الجاهلية وإحساسها بتضاؤل العالم أمام ظواهرها المتعددة، وبالمفهوم الدقيق و الشامل لتلك الظواهر لتكون فاتحة الكتاب حرزا حقيقا شافيا أمام ضعفنا وسوء حالنا على المستويين الفردي والجماعي.
والفاتحة بما تمثله من معاني كبيرة، تعتبر الأساس الحقيقي والعمود الفقري للتصدي لظواهر الاستضعاف والتراجع والتضاؤل والنكوص الحاصل، وهي القادرة على توجيه النشئ، توجيها عمليا و حركيا بصفتها ام القران العظيم.
وبذلك فهي الصفة الشرعية لمنهج الدعوة، شرعت لتذكير الإنسان بذلك الشعور بالسلطان الإلهي الأعلى، الذي هو روح العبادة وسرها، وعند هذا لا يحمد أحدا على فعل إلا الله، ولا يتوجه قلبه في طلب أمر من الأمور إلا إلى الله، فيصير الحمد كله لله، والثناء كله لله.
ان عدونا الحقيقي هو علاقتنا بالجاهلية، ولا يتعمق احساسنا بالحرب على هذا العدو إلا من خلال فهمنا الدقيق لمعاني فاتحة الكتاب، لكي لا نكون ضعفاء امام جنود ابليس المؤمنين بالولاء و الانتماء والطاعة للجاهلية، التي توجه سهامها للقلوب.
ان الجاهلية لا تخضع لأي الزام شرعي، ولا يكون اخضاعها الا بالعلم، ولا يكون العلم الا بفاتحة الكتاب ام القران العظيم، فهي بإذن الله تأسر الجاهلية و تلزمها لكي لا تصل الى ما كانت تصل اليه، ومن ثم؛ فهي الشافية لاستئصال هذا المرض العضال، لتكون بذلك الحصن الحصين التي يلجأ لها المسلم لحماية نفسه، فاعلم اخي المسلم انه لن يجيرك احد من اي خطر او مصيبة المت بك، او كانت تحيط بك، الا بالجوار الالهي و تعميق الاحساس بالعداء مع الجاهلية وخطرها ووسائلها القائمة على الافساد، المتمثل بإثارة مشاعرنا نحو الجاه والمال والسلطة والنساء، فيضرب بعضنا اعناق بعض.
و لن تكون النجاة من خسائرها الا برحمة الله وفضله (الرحمن الرحيم)، وتتمثل وسائل الجاهلية باليأس والخذلان والعداء والجهل والاغواء والكبرياء والنفاق والبغضاء والحيرة والندم والبدع والمعصية والصغائر والتضليل والذنوب والغفلة، وان التوافق مع اولياء الجاهلية وأئمة الكفر لا يزال المحرك لهذه الوسائل، وهو المحرك الفعلي للشر ونقض امر الله ومخالفته.
صفحة 2
ان الوقت وحساب الاعمال وعنصر السرعة، في غاية الاهمية لمواجهة ما نحن فيه، حتى لا يحل علينا غضب الله، ونميل عن الصراط المستقيم ونبتعد عن عبادة الله والاستعانة به، ونهتدي الى امر الله عز وجل، فمن تبع هداه فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ومن هنا فان المحاولات لقطع اسباب الهداية لا تزال قائمة، وان محاولات تضييع اثار الفهم والصواب، والدعوة الى الاضلال، والافساد، والاعراض، لا تزال قائمة ايضا لتشغل الانسان المسلم عن الاخرة بحب الدنيا حبا حتى العبودية لها.
ان الشيطان لا يستطيع انتزاع الفطرة من كيان الانسان، ولا حتى انتزاع العداء من قلب الانسان اتجاهه، ولكنه يرتكز على ضعف النفوس البشرية واضعافها، وتضيع عزمها، واضعاف ارادتها، ليعجز بذلك من ان يصبح حامل رسالة.
ان عناصر واقع الضلال المتمثلة بالجهل، والسفه، والكفر، ما هي الا امتداد لسلطة ابليس وعبيده ومرؤوسيه من المشركين والمنافقين، الضامن لخضوعهم لسلطته، فهم من ينقض امر الله للتأثير على الناس بعوامل الضعف والخوف، واستغلال حالة الجهل واليأس، والمخرج من هذه الحالة لا يكون الا بالشافية، التي تعتبر حرزا عاما بكل ما تحويه من معاني لنجاة المجتمع والامة، وامتناع الشر والضرر، والاتجاه نحو الاحسن، لان الشيطان واعماله لا تتجه الا نحو الشر المطلق.
لقد اشتملت الفاتحة، على معرفة الأصول والفروع والمكاشفات، فهي في الحقيقة سبب لحصول الشفاء، وإن الاتصال بالأرواح الخبيثة يوجب الخيبة والخسران والخذلان والحرمان.
ان اهم مقتضيات الحكمة هي الالتزام بالحق ، لتحقيق منهج الدعوة و بناء الانسان الداعية، الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، وفق المنهج الذي توضحه فاتحة الكتاب وصولا الى مرحلة التربية الربانية، تطبيقا لأحكام المنهج الاسلامي القائم على العبادة والاستعانة والذكر، والاحساس بالصراع القائم بين الجاهلية والاسلام.
والمعاني أو الأحكام المستفادة من الفاتحة تشمل صلة الإنسان باللّه، وتحدد طريق مناجاته، وترسم له نوع مسيرته في الحياة، وتلزمه باتّباع المنهج الأقوم والطريق الأعدل، الذي لاانحراف فيه قيد أنملة عن جادّة الاستقامة، ولا قبول بأي لون من ألوان الضلال والغيّ والانحراف.
هذه المبادئ تدل على متانة بناء التشريع الإسلامي وقوة أركانه وصلاحيته للأحكام في كل زمان و مكان بين جميع الأجناس، ويدل على ذلك أن الأمة الإسلامية ازدهرت وقويت شوكتها حينما كانت تخضع في جميع شؤنها للشرع الإسلامي.
إن أحسن أحوال العبد في هذه الدنيا أن يكون مواظبا على العبادات، وهذه أول درجات سعادة الإنسان، فإذا اتبعت رضوان الله سبحانه وتعالى فهو يهديك بمنهجه إلى سبلِ السلام، في بيتك، في صحتك، في أولادك، في تجارتك، في عملك، في ماضيك، في حاضرك، وفي مستقبلك.
يقول النبي ص : "ما من خارج يخرج من بيته الا ببابه رايتان، راية بيد ملك، وراية بيد شيطان، فان خرج لما يحب الله عز وجل اتبعه ملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع بيته، وان خرج لما يسخط الله، اتبعه الشيطان برايته، فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع الى بيته".
فمن أراد حلاوة الإيمان وحقيقة الإيمان، فليقبل على الله محبا خاضعا، فليس احد احق بالحب من الله، وليس احد أحق ان يخضع له ويذل له الا الله.ولهذا كان يقول ص :«اللهمَّ، إنِّي ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، وأنَّه لا يغفر الذُّنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنّك أنت الغفور الرَّحيم.
قال عمر (رضي الله عنه): "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم".
صفحة 3

نبذة عن سورة الفاتحة

سورة الفاتحة هي أول سورة في القرآن الكريم، وحسب العقيدة الإسلامية لا تصح صلاة المسلم بدونها، إذ أن قراءتها ركن من أركان الصلاة. وقد سمى نبي الله محمد هذه السورة بأم الكتاب وأم القرآن في عدة أحاديث، كما صار قوله عليه السلام: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له أفضل الذكر"؛ لأنها كلمات حوت جميع العلوم في التوحيد، والفاتحة تضمنت التوحيد والعبادة والوعظ والتذكير.
الفاتحة سر القرآن، وسرها "إياك نعبد وإياك نستعين" فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله عز وجل .
إن هناك معنيان للاسم، أحدهما قريب، وهو لأنه أفتتح بها المصحف، والمعنى البعيد هو أنها سميت بذلك لأنها مفتاح القرآن (أي لمعانيه)، فبها تفتتح كل سورة من سوره. فكل كنوز القرآن فيها، ولو فهم المرء الفاتحة فسيفهم كل سور القرآن التي بعدها، فهي سورة بأسرار خافية، تحمل أفكارا سامية، كيف لا؟ وهي تبدأ بحمد الله ذو النعم الفاضلة، تحمل بين جنباتها روحا ساكنة، روح تهبط على القلوب الواهية، تمنحها الأمن والأمان وتحيطها بدفء يجلو ما علق بها من صدأ الدنيا الفانية، فالحمد فيه معنى الشُّكر ومعنى الاعتراف بالجميل، والسُّورة تبدأ بالاعتراف، والاعتراف فيه معنى عظيمٌ؛ لأنَّه إقرارٌ من العبد بتقصيره وفقره وحاجته واعترافٌ لله جلَّ وعلا بالكمال والفضل والإحسان وهو من أعظم ألوان العبادة. تلك هي الفاتحة السبع المثاني حياة للقلب الميت، وبصرًا للعين العمياء، وسمعًا للأذن الصماء، وريًّا للظمآن، وفيها الغنى كله، والشفاء والسلامة، ثم كتاب الله يُبصر به ويُنَطق به ويُسمَع به. وكل ما يلاقيه الناس في هذه الحياة من البؤس هو جزاء على تفريطهم في أداء الحقوق والقيام بالواجبات التي عليهم.
شكا رجل إلى الشعبي وجع الخاصرة؛ فقال: " عليك بأساس القرآن فاتحة الكتاب، سمعت ابن عباس يقول: لكل شيء أساس، وأساس الدنيا مكة، لأنها منها دحيت; وأساس السماوات عريبا، وهي السماء السابعة; وأساس الأرض عجيبا، وهي الأرض السابعة السفلى; وأساس الجنان جنة عدن، وهي سرة الجنان عليها أسست الجنة؛ وأساس النار جهنم، وهي الدركة السابعة السفلى عليها أسست الدركات، وأساس الخلق آدم، وأساس الأنبياء نوح؛ وأساس بني إسرائيل يعقوب؛ وأساس الكتب القرآن؛ وأساس القرآن الفاتحة؛ وأساس الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم؛ فإذا اعتللت أو اشتكيت فعليك بالفاتحة تشفى".
سورة الفاتحة هي أعظمُ وأفضل سورة في كتاب الله، القرآن كله تفسيرٌ لها، وشرحٌ مُجملٌ لها، هي أم القرآن، وأمُ الشيء في اللغة: أي أصله، وقيل أيضاً: أعلاه، فهي أفضل القرآن وأعلاه، وقد حَوَتْ جميع مقاصده.
فقد تضمنت العقائد، العبادات، مناهج الحياة، واثبات المعاد، والنبوات، والهداية، والتوحيد بانواعة ولزومة الى الموت، كما تضمنت مراتب الهداية والوحي والالهام، وشفاء الابدان والقلوب والسيرعلى نهج الرسول ص ، ومعرفة النعمة والغنا والوعد والوعيد والتوبة وشروطها والغفلة وتضييع الوقت والمعصية وانواعها ومفسدات القلب والخوف والزهد والورع والصدق والتوكل والصبر والرضا والقضاء والقدر والمحبة والصفاء، وهي أول سور القرآن الكريم وهي سورة مكية من السور المثاني نزلت بعد سورة المدثر يبلغ عدد أياتها 7 آيات، وقد سميت هذه السورة بالفاتحة لأنها تفتتح القرآن أي أنها أول سورة فيه، وسورة الفاتحة تشمل جميع معاني القرآن الكريم ومقاصده؛ فهي كمقدمة للقرآن ككل، فقد تحدثت عن العقيدة، والعبادة والاعتقاد باليوم الآخر والإيمان بالله عز وجل وصفاته، وأفردت الله عز وجل بالعبادة والدعاء وطلب الهداية إلى الطريق المستقيم. ويؤمن المسلمون أن سورة الفاتحة تعلمهم كيفية التعامل مع الله، فأولها ثناء على الله (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)) وآخرها دعاء لله بالهداية (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)).
وهذا الترتيب الثلاثي بين الرحمة والهداية والنعمة هو ترتيب مبنيٌ بعضه على بعض؛ فمن رحمهُ الله هداه، ومن هداهُ فقد أنعمَ عليه، فالنعمة الحقيقية تكون بالرحمة والهداية.
إن العقل يدل على ثبوت الرحمة الحقيقية لله عزّ وجلّ، فإن ما نشاهده في المخلوقات من الرحمة بَيْنها يدل على رحمة الله عزّ وجلّ؛ ولأن الرحمة كمال؛ والله أحق بالكمال.
وهي تٌعلّم المرء كيف يتعامل مع الله، فإن أراد الدعاء فيستحّب له أن يثني على الله أولاً (فيبدأ بحمد الله تعالى وتمجيده ثم الصلاة على رسوله)، وبعد ذلك يدعو بما يشاء فإنَّ دعاءه يستجاب بإذن الله. وكلما تقرأ سورة الفاتحة فإنّ الله تعالى يجيبك. فإذا اعتللت أو اشتكيت فعليك بالفاتحة تشفى.
أي شرف هذا في حوار يكرر رب العزة ذكرك فيه بالعبودية ويكافئك بالإجابة مع أنك لم تأت بجديد ولم تتفضل بشيء من عندك، فهو سبحانه أهل الثناء كما تقول وخيراً مما تقول.
والقرآن كله بعد سورة الفاتحة إما أن يكون مبيّناً للعقائد، مفسّراً معنى الحمد لله رب العالمين ومعنى الرحمن الرحيم ومعنى مالك يوم الدين.. أو مبيّنا كيف نعبد الله تعالى (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). أو يخبر عن المناهج في الأرض وطرق الظالمين والهالكين وطرق الناجين.
لا يوجد في القرآن آية بدون معنى أو فائدة أو حكمة أو تشريع، فهو كلام اللّه المعجز دستور الحياة البشرية، وبناء عليه، يقصد بالآيات القرآنية تحقيق فائدة الإنسان في حياته الدينية والدنيوية والأخروية، وتربطه بالحياة.
فلا عاصم من التردي في الشهوات ومتاهات الانحراف إلا اللّه، لذا أرشدنا الحق سبحانه إلى طلب الهداية والتوفيق منه، حتى نسير على منهج الحق والعدل، ونلتزم طريق الاستقامة والنجاة، وهو طريق الإسلام القديم المستمر الذي أنعم اللّه به على النبيين والصديقين والصالحين. وهذا شأن العبد العابد الناسك العاقل العارف حقيقة نفسه ومصيره في المستقبل، لا شأن الكافر الجاحد الضال المنحرف، الذي أعرض عن طريق الاستقامة عنادا، أو ميلا مع الأهواء، أو جهلا وضلالا، وما أكثر الضالين عن طريق الهداية، المتنكبين منهج الاستقامة، الذين استحقوا الغضب والسخط الإلهي!
ومن آداب الدعاء التي أرشدت إليها الفاتحة، أن يبدأ بالحمد والثناء على الله، ثم يظهر ضعف حاله وهذه هي أحوال الأنبياء في الدعاء، وهي أكمل الأحوال والحمد لله يقتضي الثناء عليه لما هو من الجلال والعظمة والوحدانية والعزة والإفضال والعلم والمقدرة والحكمة وغير ذلك، ثم شرع لنا بعد هذا الدعاء أن نقول (آمين) ومعنى (آمين) أي اللهم استجب، يقول النبي ص : (إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.
صفحة 4

الاستعاذة وأحكامها

الاستعاذةُ ليست من القرآنِ إجماعًا، ومعناها: أستجيرُ باللهِ ليحفظني من أذى الشيطانِ وهو المتمرّد الطاغي الكافرُ من الجنّ، والرجيمُ بمعنى المرجومِ وهو البعيد من الخير المطرود المُهان. ويستحبُّ البدءُ بها قبل البدء بقراءة القرآنِ وهو قولُ الجمهور، وأعوذ بالله يعني ألتجئ إلى الذات الكاملة التي جمعت الأسماء الحسنى كلها، والمؤمن دائماً يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم أنْ يضله، أو يغريه، أو يفسده، أو يفتنه، أو يحمله على معصية.
فعلاج الشيطان بالاستعاذة والمخالفة له، وعلاج النفس بالقهر، وعلاج الدنيا بالزهد، وعلاج الخلق بالانقباض والعزلة.
قال الله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴿١٩٩﴾وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٠٠﴾) وقال تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴿٩٨﴾إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿٩٩﴾إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ﴿١٠٠﴾). وإن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كفى ذلك عند الشافعي وأبي حنيفة وزاد بعضهم: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث وتطييب له. ومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أي أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرني في ديني أو دنياي أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله. اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من همزه ونفخه ونفثه. (وهمزه: الموتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر) .
عن انس رضي الله عنه قال : قال رسول الله ص : (اذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب، و قل هو الله أحد، فقد أمنت من كل شيء إلا الموت) .
* * *

البسملة ومعناها

كل شيء في هذا الكون باسم الله، يتم باسم الله وبإذن من الله، والكون تحكمه الأسباب، نعم ولكن ارادة الله فوق كل الأسباب، وأنت حين تبدأ كل شيء باسم الله، كأنك تجعل الله في جانبك يعينك، ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه علمنا أن نبدأ كل شيء باسم الله.
معنى البسملة في الفاتحة أن جميع ما يقرر في القرآن من الأحكام والآيات وغيرها هو لله ومنه، ليس لأحد فيه شيئ غير الله، وأن أسماء الله الحسنى صفات تجري على هذا الاسم العظيم، كأن نقول باسم الله القوي وباسم الله الرازق وباسم الله المجيب وباسم الله القادر وباسم الله النافع، إلى غير ذلك من الأسماء والصفات التي نريد أن نستعين بها، ولكونها صفات وصفت بالحسنى؛ فأن معنى(الرحمن) المنعم بجلائل النعم، ومعنى(الرحيم) المنعم بدقائقها وأما الجمع بين الرحمن والرحيم ففيه معنى بديع، وهو أن الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم. ورسول قال: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله الرحمن الرحيم أقطع"، نقول لك: قل باسم الله الرحمن الرحيم، فرحمة الله تسع كل ذنوب خلقه، وهو سبحانه وتعالى الذي يغفر الذنوب جميعا.
ولذلك فنحن نبدأ تلاوة القرآن الكريم (بسم الله الرحمن الرحيم) لنتذكر دائما أبواب الرحمة المفتوحة لنا، فرحمة الله في الدنيا تشمل المؤمن والعاصي والكافر، يعطيهم الله مقومات حياتهم ولا يؤاخذهم بذنوبهم، يرزق من آمن به ومن لم يؤمن به، ويعفو عن كثير، وبهذا يقصد النبي من متعلق البسملة أنني أقرأ السورة عليكم أيها الناس باسم الله لا باسمي، وعلى أنها منه لا مني، فإنما أنا مبلغ عنه - عز وجل- .
* * *
صفحة 5

أسماء السورة

لسورة الفاتحة كما ذكر السيوطي في كتابه "الإتقان في علوم القرآن" أكثر من عشرين اسماً، وهذا يدل على شرفها لأن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى. فمن أسمائها:
• فاتحة الكتاب، لأنها تفتتح قراءة القرآن بها لفظا، وتفتتح بها الكتابة في المصحف خطا، وتفتتح بها الصلوات .
• أم الكتاب، الحلال والحرام، وقيل اللوح المحفوظ.
• الشافية، فاتحة الكتاب شفاء من كل سم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «في فاتحة الكتاب شفاء من كل داء».
• القرآن العظيم، سميت بذلك لتضمنها جميع علوم القرآن.
• الوافية، لأنها لا تتنصف ولا تحتمل الاختزال.
• الكافية، لأنها تكفي عن سواها ولا يكفي سواها عنها.
• الحمدُ، لأن فيها ذكر الحمد، فالحمد لله على النعمة أمان من زوالها.
• السبع المثاني. لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة، ولأنها استثنيت لهذه الأمة فلم تنزل على أحد قبلها ذخرا لها.
• الرقية، الواقية، السورة بأجمعها رقية.
• أساس القرآن، فأساسها (بسم الله الرحمن الرحيم) وقد جمعت معاني القرآن العظيم كله فكأنها نسخة مختصرة منه.
وللفاتحة أسماء أخرى جمعت من آثار أخرى‏:‏ سورة الكنز والشافعية، وسورة الصلاة، وسورة الشفاء، والأساس، وسورة الشكر، وسورة الدعاء‏،‏ وسورة المناجاة، وسورة التفويض.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "قال رسول الله : أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم".
* * *
صفحة 6

محور مواضيع السورة

يَدُورُ مِحْوَرُ السُّورَةِ حَوْلَ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ، وَالعَقِيدَةِ، وَالعِبَادَةِ، وَالتَّشْرِيعِ، وَالاعْتِقَادِ باليَوْمِ الآخِرِ، وَالإِيمَانِ بِصِفَاتِ الَّلهِ الحُسنى، وأن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها‏،‏ الإيمان بأسماء الله وصفاته،‏ وإحكام الصفات‏، وكل منها يدل على ذات الله تعالى وعلى الصفة التي اشتق منها، ولكل منها لوازم يدل عليها بالالتزام، كدلالة الرحمن على الإحسان والإنعام ، ودلالة الحكيم على الإتقان والنظام، ودلالة الرب على البعث والجزاء؛ لأن الرب الكامل لا يترك مربوبيه سدى، ومن عرف الأسماء الحسنى، والصفات العليا، عرف أن اسم الجلالة الأعظم (الله) يدل عليها كلها وَإِفْرَادِهِ بالعِبَادَةِ وَالاسْتِعَانَةِ وَالدُّعَاءِ.
و‏(‏العبادة‏)‏ اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال‏‏ والأقوال الظاهرة والباطنة‏ والتوحيد، والايمان باليوم الاّخر اساس عقيدة المسلم، ومنهج حياته.
و(الاستعانة)‏ هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع‏، ودفع المضار‏،‏ مع الثقة به في تحصيل ذلك‏.‏ وَالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ جَلَّ وَعَلاَ بطَلَبِ الهداية إلى الدِّينِ الحَقِّ وَالصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ بالتَّثْبِيتِ عَلَى الإِيمَانِ وَنَهْجِ سَبِيلِ الصَّالِحِينَ، وَتَجَنُّبِ طَرِيقِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ، وَالإِخْبَارِ عَنْ قِصَصِ الأُمَمِ السَّابِقِينَ، وَالاطَّلاَعِ عَلَى مَعَارِجِ السُّعَدَاءِ وَمَنَازِلِ الأَشْقِيَاءِ، وَالتَّعَبُّدِ بأَمْرِ الَّلهِ سُبْحَانَهُ وَنَهْيِهِ إنه ليس أحد سينفعك مدحه ويضرك ذمه إلا الله، وتقرأ هذه السورة في كل ركعة من الصلاة، وهذا يشعر بأهمية استحضار القلب للمعاني العظيمة التي فيها، وأن رحمة الله العظيمة وسعت كل شيء وعمت كل حيّ فلا يجوز للمسلم أن ييأس من رحمة الله، وإذا يئس فإنه يكون قد كفر والعياذ بالله. والترغيب في دعاء الله، والتضرع إليه بأن نطلب من الله تعالى دائماً الهداية والتوفيق إلى طريق الحقّ وهو الطريق المستقيم، وتعويد النفس على كثرة الحمد لله تعالى، مما يدعو إلى التأمل في موجبات الحمد ودواعيه مما أنعم الله سبحانه من النعم التي لا تعد ولا تحصى، (الحمد لله رب العالمين) (الحمد): هو الثناءُ باللسانِ على الجميل والحمدُ للهِ هو الثناءُ على اللهِ بما هو أهله لإنعامهِ، فيؤمنون مثلا بأنه رحمن رحيم، ذو الرحمة التي اتصف بها، المتعلقة بالمرحوم؛ فالنعم كلها، أثر من آثار رحمته، وعلى انفراده بالخلق والتدبير‏،‏ وكمال غناه‏، وتمام فقر العالمين إليه‏،‏ بكل وجه واعتبار‏.
أن الله تعالى مستحق مختص بالحمد الكامل من جميع الوجوه؛ ولهذا كان النبي إذا أصابه ما يسره.
قال: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات"؛ وإذا أصابه خلاف ذلك قال: "الحمد لله على كل حال".
‏فاستشعر أن كل نعمة أنعم بها عليك هي من الرحمن الرحيم فرحمته وسعت كل شيء، فخلق خلقه برحمته وأنزل كتبه برحمته وأرسل رسله برحمته وخلق الجنة برحمته وخلق النار أيضا برحمته، فهي سوطه الذي يسوق به عباده المؤمنين لجنّته ويطهّر بها أدران الموحدين سبحانه، (الرحمن) ذي الرحمة العامة الذي وسعت رحمته جميع الخلق، (الرحيم) بالمؤمنين، وهما اسمان من أسمائه تعالى، يتضمنان إثبات صفة الرحمة لله تعالى كما يليق بجلاله. قال رسول الله : "الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض"، وأن الله تعالى هو المالك المدبر لأمور العالم كلها، وأن رحمته تعالى تغلب غضبه، وإحسانه الذي هو أثر رحمته يغلب انتقامه، وكلمة الحمد لله أفضل عند الله من الدنيا وما فيها والحمد لله رب العالمين أساس معرفة العبد بربه.
* * *