eKtab
EN ع
آمال على سما القصيد
اقرأ عينة مجانية

آمال على سما القصيد

بقلم راشد الزبير السنوسي

صفحة 1
المقدمة
 
النهر والشاعر صنوان هذا يمثل شريان الحياة وهذا يُجمّلها ، وجريان النهر في مساره جزء من طبيعة تكوينه ولكنه حينما يضيق بما فيه يفيض على جانبيه مكتسحا كل شىء كذلك هو الشاعر تظل مساراته أقرب إلى طبيعته وتراكيب لغته ، حتى إذا صادف حبّاً مميّز اً فاض كما يفيض النهر وتفجّرت طاقاته المستكنّة ناسجة إبداعا رائق الصورة ، عذب العبارة ، يعطيه الحقّ في المكان المميّز بين المبدعين .
 
وكما تنمو على ضفّة النهر زهرة أو شجرة أو ينتصب إنسان ليواجه قدره ، يصنع الشاعر كونا من ظل وخرير ، ينسج عالما إليه تؤوب النفوس المجهدة لتجد الراحة والأمان ، وتحلّق دون جناح لفضاءات تُحسّها ولا تدركها ، تســــتمتع بها ولاتمتلكها .
 
وهو لايصدر إلاّ عن إحساس مرهف ولا تنطق الكلمة لديه إلاّ إن خرجت من مستكنّ الأعماق مستمّدة صيرورتها من ذلك الألم الذى ينطق صدقا، ليحمى نفسه ومشــــــــــاعر غيره من الزيف وينقل البشـــارة كما يتســـرّب الهواء النقيّ الى رئة ظمآى .
 
ويبقى سؤال قديم حديث يتردّد في الآفاق .
 
هل الشاعر مناطق جغرافيّة يبتدئ فتيّا كلهيب خطّ الاستواء ثم يلحق أطرافه فتور حينما يحطّ ركابه عند مداري الجدى والسرطان ، حتى إذا وصل إلى القطبين كان ذلك إيذانا بانتهائه كمبدع ؟
 
أم أنه كلّ لا يتجزّأ، ولغز غير قابل للتفتّت والتشرذم ؟ هنا يحضرنى حديث مرّ عليه قرابة ثلث قرن دار بينى وبين الشاعر الراحل أحمد رامي عام 1966 حينما كنت أشارك في مهرجان الشعر العربى بمدينة غزّة . كانت كلّ الأسماء المتألقّة في سماءالإبداع الأدبي متواجدة هناك ، وعلى مدى ثمانية أيام ظلّت حلقات حميمة تنعقد وتتواصل كلّ ليلة حتّى ساعة متأخّرة . في إحداها ضمّتني جلسة مع كلّ من الأديب أمين يوسف غراب ، والشاعر الأديب على أحمد باكثير والشاعر أحمد رامي ومضي الحديث شيّقا ومتنوّعا . كان رامي في حدود السبعين أو أكثر بقليل شاعرا متألّقا وصاحب غزل رقيق فسألته : هل تجد نفسك وأنت تكتب الغزل في مثل هذه السنّ ؟ فأجاب ضاحكا : إن إحساس الشاعر لا علاقة له بسنّه ، وما دام نبع الإلهام متدّفقا فنبرة الشعر لديه تبقى في شباب دائم .
 
كنت استمع إليه غير مصدّق لأننىَ ولم اتخط الثلاثين في حينها كنت أظنّ أنّ إجابته إنّما هى قفز في فراغ ، واستجلاب للربيع في غير أوانه .
 
وكرّت السنوات وإذا بي أجد نفسي وقد وقفت على عتبة الستين أدفع إلى المطبعة بدواوين يغلب عليها الغزل، فهل صدق رامى عندما دافع عن حقّه في التعبير دون اعتبار للسنّ أم أننى حينما أقدم هذه الأعمال إنّما أستجلب الربيع في غير أوانه ؟
 
إنّ تقدير ذلك متروك للقارئ صاحب البصيرة النافذة وحسبى من كلّ ذلك أننّىَ وقد كتبت الغزل في العشرين وأكتبه الآن وأنا في الستينَ لا أفتقد التلقائيّة في التعامل مع الحرف وفي ظنّى أننّى ما نطقت إلاّ صادقا فإذا استطعت أن أرسم بسمة على شفة ، وأن أحقّق المتعة لقلب مجهد وشغاف متلهفّة ، فذلك نجاح يفسح لى المجال لتتسّرب كلماتى كنسمة عطريةّ ترحل عبر السطور كما تحلّق الحمائم في الفضاء حاملة في مناقيرها زادا هو الحلم لأفراخها وسيظلّ السؤال الذى ألقيته على رامي مطروحا ، وتبقى الإجابة مرهونة بعناصر متداخلة تمنع الحسم بشكل قاطع وخير من ذلك كلّه أن يكون الاهتمام بالنصّ ومدى ألقه وصدق تعبيره عن المشاعر الإنسانيّة ، عن اللحظة التى تساوي الكون بكامله ، عن الفرحة التى تشقّ صدر ملهوف مُعلنة أنّ الحياة هى الحبّ وأن لا شىء أسمى وأثمن من هذا النبع الذى لا تعدله كلّ كنوز الدنيا .
 
بهذه العبارات أقدم لقارئي الكريم هذا الديوان فإن وٌفّقتٌ فذلك ما أتمنّى، وإن كان العمل دون ذلك فحسبي أننّى حاولت ، وأقنع من الغنيمة بالإياب .
 
راشد
صفحة 2
للقلب حلم
 
للقلبِ حلمٌ وللأحـلام آمــالُ
 
يَســـــــرى بها في حنايا الصَّدر مــوّالُ
 
عصفـــورةٌ أينما حطّت على فننٍ
 
ماسَ الخميلُ ، وهــزّ القلبَ تَســآلُ
 
وكلّما اسْـــتَحْضَرَ السُّـــمارُ بسمتها
 
ورجّــعَ الرّوضُ مـــا قالَتْهُ أو قــــالوا
 
جُنّ آلْيراعُ وطـــار الحــرفُ مُنْتَشِياً
 
ينثّ مِن وحْيِها ســـحراً ويَكْتالُ
 
قمراُء يلتذُّها في ليله سَــــحًرٌ
 
لاقـــاه في الفجر عند النّبّعِ سَلْسَالُ
 
يَستقبلُ الصّبوَاتِ الخضرَ مُنتشياً
 
وقد أراَحَ المطايـــا وانْتَـــشى البــالُ
 
وخلفَهالاهثَ الأنفـــاس يتبَعُـها
 
مــوجٌ تَداخَلَ في مـوجٍ وشلاّلُ
 
إذا تحَدّر ثار العطرُ زوبعةً
 
تشاغلُ النحرَ إن ضاقَت به الحالُ
 
وتحـتويه فيغفو فــوقَ راحتِها
صفحة 3
كعاشــقٍ أفعمت جنبْيهِ آمالُ
 
رقيقةٌ كنسـيم ضَمّهُ سَحَرٌ
 
وإنَ رَنَتْ ثار فى الجبينِ زِلزالُ
 
لها سَــمًاءَانِ تاهَ البـوحُ بينَهُما
 
وفي صَفائهما الأوهــامُ تخـتالُ
 
وترقُصُ الكلماتُ الموحـياتُ إذا
 
عَبرْنَ شبّاكـها ، والحـرف ميّالُ
 
تُدنيهِ مـنها ثغـورُ الوردِ قد رشفت
 
شـــــهداً تخيّره للقَطفِ عَســـَّــالُ
 
ولستُ ـ حينَ جلوت الشـعرَ أعذبَهَ
 
مشـيت دربَ الذى يلهـو ويحتالُ
 
لكننّى كنتُ مسْــكوناً بعاطفةٍ
 
وبعض هـذا الذى عــانَيْتُ قــتّال
 
ففى سماواتــها الآفــاقُ مـوحيةٌ
 
وفي ســواها تبــاريحٌ وإمحالُ
 
فإنْ تكن تُطرب ا لأشـعارَ صُحَبُتها
 
فلــذّة الشّـــعرِ إلـهامٌ وآمــال
صفحة 4
أسيرةُ النجوى
 
ستظلّين لنجواى أسيرهْ
 
ياهوىً تَغزِ لُهُ في هدأةِ الليلِ ضَفِيرهْ ...
 
تخضُنُ النافِرَ .... تلتذُّ عُلاه ... وشفِيرهْ
 
مستجيرٌ ومُجيرَه
 
وعناقٌ فيه للشاعِرِ آهاتٌ مُثِيره
 
حينما كنتِ على الأهداب أحلاماً أثِيره
 
كنتِ في غيبوبتى فجراً قد اختطّّ مَصِيره
 
لم يكنْ يختزنْ النّسمةَ إيثاراً وغَيره
 
فهو من رقّته ينسُجُ للمقبلِ سِيره
 
للتّى توّجَها الحبُّ على القلبِ أميره
 
والتى أسمَعَها البلبلُ في اللّيلِ صفيره
 
والتي غنّى لها الجدولُ منساباً خريره
 
والتى ضرّجها الورْدُ فأهدتْهُ عبيَره
 
ثمّ نامَتْ تزرع الحلم وتُرْويِه ...قريره
 
إيه يا فاتنةَ اللحظِ ويا تلك الأميره ...
 
عائذٌ من وهْدة اليأسِ وقد صدَّ عذيره
 
بالعيونِ السّودِ يسلُبنَ النُّهى دونَ جريره
 
بالشفاهِ المستلذّاتِ لأنفاسِ الظهيره
 
ظمأ عَرْبد فيهنّ فأجّجْنَ سَعيره
 
عائذٌ منكِ بكِ اليومَ وقد صرتِ قديره
 
وملكت القاصىَ الدّانىِ أيا أنْقى سَرِيره
 
واصطفتك الأنجمُ الزّهرُ على الأرضِ سفيره
 
3/6/97
صفحة 5
مطلبُ الهَوىَ
 
للهــَـوَىمطلبٌ ولي مطلـبانِ
 
وكــلاَنا تَلهــو به مْقلتَان
 
فيهِما عــاصفٌ ورقّةُ أنسامٍ
 
وبــوحٌ تذوُب فيه المعـانِى
 
وأحاسـيسُ كلّما هزَّت الصَّدرَ
 
وهــَامتْ في إثْرِهَا الشـفتان ..
 
بَرزَتْ في المَدى رهافة آمـالٍ
 
وغارتْ مـن حُسـنِها نجمتان
 
هَـــوَتَا فُلَّتين في حَلكِ اللــيل
 
لكىِ تَلثُمَابِكُلِّ حـــَـنَانِ ..
 
ثَغَرها والعيـونَ والوجنة السكرى
 
فيصفو حــَـرفي ويحُلو بيانِي
 
وهي مـيَّاســَةُ القــوام ِلحـوحٌ
 
سحُرهَا حينما يضمُّ كــِـيانِي
 
مَلكتْ خافقاً تصيَّدَةُ الحسنُ
 
وسَاحتْ بِه العــيوُن الرواني
 
ســنواتٍ أفنينَه بين ودٍّ
 
وصدودٍ ولم يَصـلْ لأمــانِ
 
وهو اليومَ هائمٌ في صباها
 
وسواها ضربٌ من الهذيانِ
 
7/6/97
صفحة 6
يادفقة
 
يادفقةً ترحل بي مع القــــوافيِ مَدَدَا
 
أرسم مــن وحْي مُحِبٍّ بهـــــــــواهُ اتَقّدا
 
يذكرُ ما أســـْــــــــــهَرَهُ ثمّ يُزيُح الزّبـــَــدا
 
ليحــضُنَ اللحظة مَأ.....خــوذاً بما قد شِهدا
 
عيـــنانِ تحلمانِ في عُمـقِهما الــرّدى
 
عـــانقت فيهنَّ رؤىً دَلَّلْنَ عُمرى أمــَـدَا
 
وكُنّ يَفســـِــحنَ لِى الآ مـــالَ تربو عَدَدا
 
وكنّ يســـلسنَ مِن الأ مــــس ليُغوين غدا
 
وكنّ في الرّوضِ نـــداءاتٍ وفي الأفق صَدَى
 
حتى إذا لم يــــجدالـــــ ـ ـملهوفُ مـــن مَدّ يَدَا
 
حــــوّمَ كالطيِر وإنْ ....بات يُعــــــانى كمدا
 
وليلةٍ تســـــفحنى ...علىشــــفاهٍ بَدَداً
 
طـوّفت فيها تعـِـــبا أرقبُ وعــــداً وُعِدا
 
وكانت الأنجم تحَـــدُ ....ونى وكنّ الرّصَــدَا
 
لكننّى حـــــين رنَتْ آمــالُ والفجرُ بدا
 
وانسـربَ العصفورُ في الروضِ وبالحبِّ شـــــَــدَا
 
كنّا جريَحىْ عــَــنَتٍ حكّمِ فـــينا اللّدَدَا
 
15/6/1997
صفحة 7
دبيبُ الهوى
 
هـــواكِ له في الحنايا دبيبُ
 
وعيناكِ أفـــقٌ طـواه المغيبُ
 
هما البحرُ لاشــاطئٌ يتقيه
 
إذا ثار أو غــابَ عنه الحبيبُ
 
وهذِى الشــفاهُ التى كلَّما
 
ترشّفها الوهم رقّ النســيبُ
 
وهذِى النهـوُد التى طاولت
 
شمــوخ السماء كرمح يصيبُ
 
أعادت جـنونَ الصــبا فامحّت
 
طيــوفٌ وكانت دنىً لاتغـــيبُ
 
أيا حلوة الهمــس يانســمةً
 
إذا انْسْــربَتْ دنــدن العندليبُ
 
أنا شـــاطئٌ سكنتهُ الطيوبُ
 
ودنياكِ في كلّ وقــت تَطيبُ
 
تغلغلتِ في كل عــرقٍ هــوىً
 
وحـَـــرَّق جنبي ذَاكَ اللهيبُ
 
وأفعمت عمرى بآمـــالِه
 
وآمـالُهُ لم يَرعْهَا المشــــيبُ
 
تحـــَـدّتْ نجــوما تخطّفنني
 
وذَاتُ الضفيرةِ سـحرٌ رهيب
 
ألــوذُ برقـّـــتها هائماً
 
فألقى الحــنانَ لديها يُذيبُ
 
ولوطلـبتْ كلَّ عمـرى فدىً
 
للحظةِ وصـلٍ فإ نّي أجُيبُ
 
18/6/97