eKtab
EN ع
آمنت بربكم فاسمعون
اقرأ عينة مجانية

آمنت بربكم فاسمعون

بقلم محمد سعيد البوطي

صفحة 1

كلمة غلاف

آمنت بربكم فاسمعون

هذه قصة حقيقية تسردها صاحبتها.

إنها فتاة أمريكية، تذوقت منذ صباها طعم حرية العقل، فتعشقتها..ثم اندفعت من هذا المنطلق في طريق شاق وطويل. كان أوله نقد كل عقيدة دينية تنهض على ضرورات الخضوع للبيئة والانسجام مع التقاليد، وآخره اعتناق الإسلام من مستوى الفهم له أولاً، واليقين به ثانياً، والالتزام الكامل به ثالثاً.

اصطدمت صاحبة الكتاب بعقبات عاتية: من حواجز البيئة ومكائد التبشير، ونوازع الأهل.. فكيف تجاوزت كل ذلك وهي بنت ضعيفة؟ وقامت أمامها كذلك حواجز العجمة والجهل بالإسلام. تخطتها بإرادة عجيبة وصعوبة بالغة؟

فكيف كان ذلك..؟

صفحة 2

تقديم

الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي

هذه قصة بسيطة...

بسيطة في صياغتها، وأسلوبها، وعباراتها!.. لم تقم على شيء من روعة البيان، ولا براعة الأسلوب، ولم ينضبط نسيجها بمنوال ما يسمونه الفن القصصي، ولا دخل في شيء من لحمتها أو سداها خيط خيال، أو طيف تصوير.

ومع ذلك فقد نالني من التأثر الشديد بهذه القصة البسيطة بهذا الشكل ما لم أجده لدى قراءة كثير من روائع القصص لمشاهير الأدباء والكاتبين!.. ولقد انجرفت منها في تيار من العواطف والمشاعر التي تتحكم بمجامع القلب، ما كانت لتستثيرها بين جوانحي أقلام أبدع القصاصين، ولا ريشة أروع الفنانين والمصورين!..

فمن أي سبيل سرى إلى نفسي كل هذا التأثر، من قصة ذاتية، ما أيسر أن يحبك خيراً منها في الصنعة والأسلوب أي طالب ثانوي في الفرع الأدبي؟..

لقد سرى كل ذلك إلى نفسي من خلال سر واحد انطوت عليه قصة هذه الكاتبة، هو: الصدق!.. الصدق في التعبير، والصدق في العاطفة، والصدق في الاعتقاد.

إنك تقرؤها، فلا تشعر إلا أنك تلمس نبضات قلب.. وتندمج بين طيات شعور.. وتخشع لجلال يقين..

ولعمري إن جميع فنون الصنعة الكلامية، مهما سمت وتضافرت، لن تغني عن حرارة الصدق إذا ما افتقر إليها الكلام، بل لا تعود تلك الفنون إلاّ أثقالاً يمجها الذوق ويضيق بها الشعور. وما أصدق ما قاله الحكماء قديماً: ليست النائحة كالثكلى!..

لا جرم إذن أن ذروة الفنّ الكلامي وغايته، إنما يتمثلان في الصدق، لا فرق بين أن يتهيأ ذلك للإنسان قفزاً، كما هو الحال في كاتبة هذه القصة، أو أن يرقى إلى إبرازه والكشف عنه في سلم من أعمال الصناعة الأدبية وفنونها المختلفة.

إنما السماجة، كل السماجة، في أن تدور صناعة الكلام حول نفسها، دون أن تحتوي على أي مضمون إنساني، يصدق المتكلم في الشعور به، والتعبير عنه. وإنَّ للنفاق ألواناً، ولكن أثقل أنواعه على القلب ذاك الذي يحاول أن يتبرقع بفنون الإثارة والبيان، ومظاهر الصنعة الكلامية والكتابية، ليجعل صاحبه من التمثيل حقيقة لا وجود لها في شيء من قاع شعوره ولا أعماق وجدانه.

كاتبة هذه القصة، امرأة أمريكية، تذوقت منذ صباها طعم حرية العقل، فتعشقتها، ثم اندفعت من هذا المنطلق في طريق شاق وطويل.. كان أوله نقد كل عقيدة دينية تنهض على ضرورات الخضوع للبيئة، والانسجام مع التقاليد، وكان آخرُهُ اعتناق الإسلام من مستوى الفهم له أولاً، واليقين به ثانياً، والالتزام الكامل به ثالثاً.

تلك هي خلاصة القصة.

أما جوانب الأهمية فيها، فكثيرة. ولكني ألفت نظر القارئ منها إلى ما يلي:

أولاً - إن في قصة هذه المرأة مع الإسلام، وكفاحها الذي تحملته في سبيل البلوغ الحقيقي إليه، ما يقطع دابر تلك الحجة الواهية التي تدور على ألسنة كثير من الشاردين والجانحين؛ عندما يقول أحدهم، وهو قابع في أقصى أودية الكسل والخمول: ما ذنب الذين نشؤوا في بيوت أو مجتمعات بعيدة عن الإسلام، بحيث لم يتهيأ لهم أن يفهموه على حقيقته، ولا أن يتلقوا التربية الملائمة لنهجه؟..

لئن كان الواحد من هؤلاء ينشأ في بيت لا يعرف الإسلام ولا يسعى إلى التمسك به، فإن صاحبة هذه القصة نشأت في دنيا من ظلمات الكفر والفجور والانحلال. ومع ذلك فقد توافر لها من الاستشعار بأهمية الخطب وخطورته، ومن الاعتزاز بحرية البحث والنظر، ما أعانها في تمزيق تلك الظلمات كلها، لتقف من ورائها على الفجر الصادق، ولتستنشق عبير النور الخالص، ثم لتفرق بكامل يقينها العقلي بين الحق والباطل.

اصطدمت بعقبات عاتية من حواجز البيئة، ومكائد التبشير، ونوازع الأهل، فاستعلت على كل ذلك وتجاوزته ثم تحررت منه!..

قامت أمامها حواجز العجمة والجهل بالإسلام، فبدأت من حيث يبدأ الصغار في مدارسهم الابتدائية؛ تدرس في «قراءاتهم» وتسير على طريقتهم، تتحمل أقسى درجات الصبر والأناة، دون أي شريك معها أو معين لها، حتى تعلمت اللغة العربية الفصحى، وتخلصت من سجن عجمتها. ثم أقبلت تتعلم القرآن وتتبين عن طريقه حقائق الإسلام.

صفحة 3

فأي عذر بعد هذا لشباب نشؤوا في بلاد مسلمة، ينطقون بلغة القرآن، ومن حولهم الكتب الزاخرة التي تعرف بالإسلام، وبين ظهرانيهم المساجد المعمورة بالمواعظ والدروس، أي عذر لهم في أن يغمضوا أعينهم عن هذا الدين ويعرضوا عنه، لمجرد أن بيوتهم ليست بيوتاً إسلامية، أو أن آباءهم لم يعلموهم الإسلام؟..

ما من إنسان أوتي نعمة العقل والتفكير، إلا وهو يملك مقومات التحرر من سلطان أي بيئة وتقليد، فهذه نعمة وهبها الله لسائر عباده المكلفين.

وما من عاقل إلا ويعلم أن أمر الإيمان بالله والدينونة له، ومعرفة ما قد كلفنا به، مسألة خطيرة تتعلق بمصير كل إنسان.

فكل من أتيح له أن يسمع بنذير هذا الدين وندائه، فإن خطورة الأمر تقتضيه أن يتتبع النداء ويصغي إلى النذير، وأن يتبين حقيقة الأمر عن كثب.. ولئن كلف ذلك أمثال هذه الأخت الفاضلة أن تجتاز دنيا من ظلمات الكفر والضلال وتقتحم عقبة إثر أخرى، وهي لا تملك خلال ذلك كله إلا حرية عقلها، فما أيسر أن يكلف ذلك آحاد المسلمين عندنا مجرد الانعتاق عن سلطان بيوتهم، والتحرر من تقاليد بيئاتهم.

ثانياً - لقد قرأت في كل سطر من سطور هذه القصة، معنى قول الله عز وجل وهو يوضح مستقر الإسلام من كيان كل واحد من بني الإنسان، مؤمناً كان أو كافراً، مشرقاً أو مغرباً: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30/30] .

ولقد أصغيت من خلال سطور هذه القصة إلى نداء الحقيقة، ينبعث هداراً قوياً من واقع هذه الأخت المؤمنة، يسمعه كل متأمل حر: ألا إن هذا الدين ليس صنعة إنسان، ولا اختراع دولة، ولا ميراث أمة!.. إنما هو حقيقة ربانية تنزلت من لدن قيوم السماوات والأرض، ذاك الذي بيده نواصي هذه الخليقة، وإليه مردّ الناس أجمع، فلن تنكسف شمسها مهما تصاعدت إليها أتربة الأرض، ولن يُطفأ نورها مهما اتجهت إليها أفواه نافخة وأوداج منتفخة.

فطرةٌ غرسها في أعمق أعماق النفس الإنسانية خلاقها العظيم ومبدعها الحكيم!..

ولئن لم يشعر بها الكائدون والمعاندون؛ فذلك لأنهم حجبوا عنها بسكر شهواتهم وأهوائهم، ويوشك أن يشعروا بها عند أيّ هزة تصيبهم أو بلاء يحدق بهم.

وإلاّ فمنذا الذي هيج هذه الأخت إلى تفهُّم الإسلام ثم اعتناقه، وكل من حولها من الناس مثبط أو مبشر أو مضلل؟.. منذا الذي صاح بها في أعماق نفسها أن تبحث عن الحقيقة، بل منذا الذي أشعرها أن ثمة حقيقة يمكن أن تعثر عليها إن هي جدّت في البحث عنها والسعي إليها؟.. على أن الأمر ليس أمر هذه الأخت وحدها، بل هو شأن المئات بل الآلاف، في أنحاء أوربة وأمريكة وآسية، كلهم جادّون في البحث، متجهون إلى الإسلام، مهطعون إلى الداعي.. داعي الفطرة الإسلامية المنبعثة من أعماق نفوسهم الإنسانية.

أتريد أن تسمع معي صوت هذه الفطرة، صافية من كل شوب، نابعة حتى من فؤاد لم يتبصر بحقائق الإسلام بعد؟

إذن فتعال أقتطع لك من قصة هذه الأخت، العبارات التالية، وهي تصف حالها إذ وضعت مولودها الأول في مسقط رأسها بأمريكة، بعيداً عن زوجها المقيم بدمشق، وذلك قبل أن تدخل الإسلام وتعلم شيئاً من أحكامه وتفاصيله:

"ها أنا ذا أحضنك لأول مرة يا بني، بعيداً عن والدك، فقد أدخلوه في الجيش، فأرسلني لأضع عند أبي العجوز، الذي لا يزال يحزن لشأني رغم تأكيدي له أنني بخير.. وسنعود قريباً أنا وأنت إلى دمشق..

لقد سميتك محمداً، فإنه اسم أبيك وجدك، وهو كذلك اسم نبيك إذ خرجتَ إلى الدنيا مسلماً مطمئناً..

أنت أمانة بين يديّ، ولا أملك أن أكفل مستقبلك.. ليتني كنت مؤمنة فأتوكل على الله.. ليتني قادرة على أن أجعلك مؤمناً، أن أحدثك وأنت نائم، فتسجَّل عندك كلمة تبقى معك إلى أن تكبر، كلمة تثبتك. ولم أحفظ من دينك إلا ما كنت أسمع المؤذن يقول، لأقوله في أذنك..".

واحتضنت الأم طفلها، وأخذت تتلو ألفاظ الأذان في أذنه بسائق من الفطرة التي تعتلج في أعماقها، دون أن تعلم بأن ذلك سنة موروثة عن رسول الله !!..

هل يمكن أن تسمع أذناك صوت الحقيقة الإسلامية الكامنة في أعماق كل نفس، بأقوى مما ينطق به هذا المشهد الأخاذ في هذه القصة؟..

صفحة 4

ألا، ويل لكل من ائتمنه الله على مولود، ليرعى فيه نواة الفطرة الإسلامية، فضيع الأمانة، وسعى سعيه لخنق هذه الفطرة واجتثاث أصولها. ثم مضى وهو يظن أنه استبدل بالفطرة نقيضها، وأسكت صوت الحقيقة عن بلوغ مداه!..

ثالثاً - لقد تملكني شعور مؤلم ممضّ، ما أظن إلاّ أنه يتملك كل من سيقرأ هذه القصة بإمعان وتدبر، أن تنظر فتجد هذه الأخت (وهي نموذج للكثير من أمثالها) غامرت ببذل كل جهد، وضحَّت بكل حظ من حظوظ النفس، في سبيل أن تعتنق الإسلام عن دراية وعلم، وتطبقه عهداً لا تخونه ولا تقصر فيه. فطابت لها الهجرة عن الوطن، وتجرعت غصة البعد عن الأهل والأقارب، ثم استسهلت كل صعب في سبيل أن تتعلم اللغة العربية الفصحى، ولا تقتنع باللغة الدارجة التي اكتسبتها من الجيران والصديقات، إلى أن تعلمتها، فوصلت بها إلى شغاف الهدي القرآني والنور النبوي..

على حين أنك ترى في مقابل ذلك حالاً عجيبة لكثرة من الناس، نبتوا فوق أرض إسلامية مقدسة، تظلهم حياة إسلامية وارفة، أمامهم موائد شتى للمعارف الإسلامية النيرة، لا تحجبهم عن تذوقها عجمة، ولا يفتقرون لتفهمها إلى لغة، ولا يحتاجون للوصول إليها إلى هجرة عن وطن أو مفارقة لأهل.. وعلى الرغم من توافر ذلك كله لهم تراهم يركلون النعمة بأقدامهم، ويطمسون أبصارهم بأيديهم، كي لا ترى شيئاً من بصيص النور الذي أمامهم، وينقذفون هنا وهناك بحثاً عن سبيل يصدهم صداً عن حقائق الإسلام الساطعة، وبراهينه النيرة! يلهثون سعياً وراء تقليد الضائعين، ولا يعتبرون بحال الآلاف منهم، وهم يستنجدون بالإسلام وهديه، ويقتحمون للوصول إليه كل شدةٍ وتهلكة!!..

لقد رأيت في هذا العام لفيفاً من الشباب تجمعوا في بيت الله العتيق، من شتى أنحاء أوربة وأمريكة، انتجاعاً للمعارف الإسلامية، وشوقاً إلى أن يروا بيت الله العتيق، فيجددوا في ظلاله بيعتهم الصادقة لله عز وجل.. وقد نالهم في سبيل الوصول إلى ما وصلوا إليه كل لون من ألوان الشدائد، وقد كانوا بغنى عن ذلك كله، لولا ظمأ إلى التشبع بالحقيقة الإسلامية هاج في أكبادهم!.. فلقد رأيتهم في بيت الله الحرام، وقد لبسوا العمائم، وأطلقوا اللحى، وارتدوا ألبسة الإسلام التي هجرها المسلمون اليوم ضعفاً وتقليداً، يعكفون على دراسة اللغة العربية والعلوم الإسلامية المختلفة، لا يستبدلون بالسعادة التي وصلوا إليها، أضعاف ما استدبروه من زخرف الدنيا ومتاعها!!..

رأيت هذا، ففاضت العين مني: أسى!..

أتكون هذه حال الغرباء عن الإسلام ودياره، ويكون حال أكثر المسلمين عندنا هو الانهماك الأعمى في محاربة الإسلام والكيد لحقائقه الساطعة؟..

إن هذا لعجيب حقاً!!

ولكن الأعجب منه أن يندفع أولئك الغرباء، إلى الإسلام، ويعتنقوه بكل طمأنينة وإخلاص، دون أن يحجبهم عن إشراقه هذا الواقع المخزي الذي يعاني منه كثير من المسلمين!..

الأعجب منه أن يملك أولئك الإخوة الغرباء، القدرة على التمييز بين حقيقة الإسلام وواقع المسلمين، فلا يصدهم عن الإسلام واقع أهله، ولا يحملهم التقززُ من مخجلات أوضاعهم على التعقد النفسي من الإسلام الذي ينتسبون إليه!..

ولكن من يدري!.. لعل المسلمين اليوم لو كانوا أعزاء بإسلامهم، لتسابق الناس إلى الإسلام أفواجاً من كل حدب وصوب، ولاصطبغ كل من أوربة وأمريكة بالإسلام خلال بضع سنوات!.. بل هي الحقيقة التي لا يرتاب فيها أي عاقل متبصر لوقائع الأمور.

وهذا هو السرّ في أن عقلية كل من الاستعمار الأوربي والأمريكي لا تبالي أن تنشط الحركات الإسلامية في ربوعها، إذا ما اطمأنت إلى أن الإسلام مهيض الجناح في ربوعه، وأن معظم المسلمين معرضون عن إسلامهم، يحاربونه بأيديهم.

ولكن، فليعلم الجميع أن ديناً أقام الله عماده بيده، وفطر عليه أفئدة عباده، لن يوقف من مدِّه أو يخْفِض من سلطانه كيد مستعمر أجنبي، ولا حقدُ مسلم غبيّ، ولسوف يأتي اليوم الذي يتحقق فيه مصداق قول ربِّ العالمين:

{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 41/53] .

وبعد، فهذا بعض من جوانب الأهمية في هذه القصة، أما الجوانب الأخرى فيمكنك أن تقف عليها عندما تمضي في قراءتها بتدبر وإمعان.

إنها قصة فتاة أمريكية، غدت بعد ذلك أماً لمن أسمته: محمداً.

وهي لم تكتبها إلا عبرةً ودرساً لأولادها، وعندما جاء من يستأذنها في النشر، لتكون العبرة بها أتم وأشمل، أبت إلا أن تسجل على القصة إلى جانب اسمها الأصلي كنيتها التي اعتزت بها وجعلت منها بديلاً عن اسمها القديم: أم محمد.

وكأني بها لا تريد أن ينفصل اسم محمد  عن كيانها، ولا تريد أن تنسى الساعة التي أسمت فيها وليدها الأول محمداً، وأهدت إليه، في جوف الظلام الذي كان يحيط بها آنذاك، قبساً من ضياء الفطرة الإسلامية، اقتطعته من أعماق مهجتها المتوهجة بنور الإسلام، حتى قبل أن تدخل رحابه، وتقطع على نفسها وحياتها البيعة الصادقة له.

وشاء الله أن يكون ذلك القبس، سلسلة الكلمات النورانية التي تتعالى فوق المآذن وتتكرر على أسماع المسلمين خمس مرات في كل يوم وليلة..

فيا أختي المهاجرة في سبيل الله؛ أقول لك بلغة دموعي، قبل بيان قلبي ولساني: تقبل الله منك جهادك وهجرتك في سبيله، وجعل من الكلمات القدسية التي انسكبت من فمك في أذن مولودك الصغير، شعلة وضاءة تنتشر من خلال سطور هذه القصة في كل بيت من بيوت المسلمين، وفي كل قلب لا تزال فيه بقايا من جذوة الإيمان ونبضات اليقين.

أذاقنا الله جميعاً لذة معرفته، وسعادة القرب منه، وأعاننا على التخلص من عفن الشهوات والأهواء التي تحجبنا عنه، حتى نخلص إلى دار القرار بسلام، والحمد لله ربِّ العالمين.

دمشق 28 صفر 1399

محمد سعيد رمضان البوطي

27 كانون الثاني 1979

* * *

صفحة 5

مقدمة

{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 41/53] .

لقد وقفت مراراً عند هذه الآية قبل إسلامي.. بل إني علقت أملي كله بهذا الوعد.. بأن يوماً سيأتي، أرى فيه آيات الله، كما يراها المؤمنون، فتطهّر قلبي من الشك، ولو بعد حين.. فلم أكن أراها كذلك، وكان ذلك أملاً بعيداً، مع أن الآيات الموجودة في الآفاق، موجودة تحت بصر كل إنسان في أي زمان، وتكفي وحدها لأن تثير فينا العجب، حتى ولو كنا كفاراً.. تثير فينا العجب، وتهدي من شاء الله هدايته إليه.. وأما الآيات التي في الأنفس، فهي غامضة أحياناً، تختلف كما تختلف الشخصيات والظروف، لا يراها إلا المؤمن، وبها يزداد إيمانه. ولم أكن أقدرها حق قدرها حتى تكرر السؤال من حولي: كيف آمنت؟ وما الذي جعلك تسلمين؟ وعجزت فعلاً عن الجواب، إلا أن ذلك كان من فضل الله ونعمته عليَّ ورحمته الواسعة لي، لكنني أدركت أن السائلين كانوا يهتمون بهذا البيان تثبيتاً لإيمانهم أيضاً.. لذلك أخذت أتأمل في الماضي، حتى قبل أن أعرف شيئاً عن الإسلام، إلى أن تأكدت أن الله كان يناديني وأنا غافلة، كما يفعل حتماً بكل إنسان، ومهما كان بعيداً عن الهدى، فإن الهدى موجود لمن أراده. والإيمان لا يأتي دفعة واحدة، وإنما يأتي بعد مجموعة كبيرة من الحوادث والانطباعات. ثم رحمة فيما أنزل للعباد، تأكيداً أو إصلاحاً لكل ما استنتجوا من الحياة.

فعلى المؤمن الباحث ألا يهمل آيات الأنفس، ولينفض الغبار عنها، لتحقيق الوعد:

{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ *} [فصلت: 41/53] .

وإليكم هذه الخلاصة..

صفحة 6

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

{ْهَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً *إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} [الإنسان: 76/1-3] .

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ* أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ *وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 7/172-174] .

خرجَتْ طفلة إلى آية النهار المبصرة، فجلسَتْ تحت الشجرة، وكأنها تجلس عندها لأول مرة.. لم تتذكر كيف سارت هكذا على درب الحياة، فقد وجدت نفسها سائرة عليه، تشعر أحياناً بثقل سؤال لم يلفظ، بل لم يتكون بعد، فتدفع به إلى زمان ومكان غير هذا الزمان وغير هذا المكان لتتنفس قليلاً..

كانت تنعم بالطبيعة وتتأمل الكون من السماء إلى أصغر الحشرات، ولم يكن لديها ما يدفعها إلى تنظيم هذه الانطباعات ولا التعبير عنها، لكنها كانت تشعر بمطلق السعادة هناك في حديقة المنزل، وأصبحت الخلوة غاية في نفسها، لا تشبع منها مهما طال الوقت.

أسندت ظهرها إلى الشجرة، حافية القدمين، تحرك الأصابع في التراب الرطب، ورفعت وجهها إلى الشمس الدافئة مغمضة العينين، وأحست بالنسيم يرفع شعرها بلطف وحنان، وتمنت أن تبقى هكذا إلى الأبد..

فإذا بها تسمع صيحة ينقبض لها قلبها، يتبعها صراخ ينكره عقلها الصغير، فلا تجد له تفسيراً عنده.. وفجأة كما بدأت الأصوات المرعبة انتهت.. فتحرك جسدها الجامد مسرعاً إلى أمن البيت، وكادت تصطدم بشيء..

إنها هرة صغيرة ترتجف بعنف.. والدم يسيل منها.. فأدركت الطفلة أنها تتألم، فنادت أمها، ووقفت مشدوهة في حين حملتها أمها إلى المطبخ.. وسالت دموعها.. كيف تطيق هذه المخلوقة الناعمة الصغيرة كل هذه الآلام الشديدة في جسدها الممزق؟!! ودت لو تخفف عنها، وأخذت تتمنى.. تتمنى بكل قلبها وعقلها وروحها.. تخفيف آلامها، وانقطاع عذابها.

وبعد أيام أخذ جرح الهرة يلتئم، فبشرتها والدتها لقد نجت من الموت. فقالت الطفلة: وما هو الموت؟!

- إنه عدم الحياة.

- ومن منا لا يحيا؟

- الذي انتهى عمره.

- تعنين من الحيوان؟

- والإنسان أيضاً يموت.

- عندما يصاب بألم شديد؟!

- ليس ذلك شرطاً، فمن الناس من يتوفى خلال نومه، وغالباً ما يكون ذلك عند الكبر.

- أنا لا أريد أن أموت.

- أرجو لك عمراً طويلاً جداً..

كان المساء يتقدم، فيجد الطفلة على المقعد الخاص بها، تأكل ما وضع لها من الطعام، وتراقب حركات والدتها في المطبخ:

إنها تعلم كل شيء، فهي تعمل كل شيء، تعمل لنفسها.. وتعمل لأجلي.. وأنا لا أعرف أن أعمل شيئاً إلا وهي تساعدني. وإن هي لم تضع أمامي الطعام فلن أجده.. يا له من وزر تحمله.. لكنها لا تخاف لأنها تعلم.. الكبار كلهم يعلمون، وأنا لا أعلم..

إنها تقترب مني وتبتعد، فهي مستقلة بنفسها.. وأنا التي لا أقدر على شيء.. أنا مستقلة بنفسي.. إنني أنا.. وهي ليست أنا.. ومن رأيتهم من الناس أمثالها فإنهم ليسوا أنا.. هم هم، وأنا أنا.. ذلك لأنهم ينظرون إلي من خارج جسدي، وأنا أنظر إليهم من داخل جسدي، كما أنظر إلى الشارع من النافذة، فأنا موجودة داخل جسدي، ولا أستطيع الخروج منه..

إذن هذا هو الفرق بيني وبينهم: أنا في الداخل وهم في الخارج، فلا أحد مثلي أبداً.

صفحة 7

ولكن.. لماذا يا ترى!!؟ لِمَ وُجدت هكذا؟! ومن أوجدني؟! أهي أمي؟ لا أعتقد.. فما الذي أوجدني ووضعني ههنا؟! لا أعلم شيئاً ولا أقدر على شيء؟!..

- إنه عائد اليوم! إن والدك سيعود من السفر، كم قد اشتقنا إليه!! ألا تفرحين لرؤيته؟

- لا.. لا أفرح..

- ما هذا الكلام؟!

- إذا عاد ذهب إلى المخبر فلا نراه..

- إنه والدك، وهو عالم محترم بين الناس، يعمل لهدف نبيل، إننا نحبه، ونفخر به، وأنت ابنته..!

- إذن، سأفرح..

- أمي؟.. لدي سؤال.

- نعم؟

- إني آسفة فقد تظنين أني لا أصدقك..

- ما سؤالك؟

- ألا تغضبين إن سألته؟

- لا أغضب.

- لقد قال لي رفيقي إن "البابا نويل" ليس حقيقياً، وإن الوالدين هما اللذان يضعان الهدايا تحت الشجرة ليلة عيد الميلاد، فقلت له إنه غلطان، لأن أمي تروي لي قصته كل عام، وهي لا تقول إلا الحق.

- أهكذا قلت له؟

- لكنه لم يقتنع.. وإنما نهرني وسخر مني.. أرجوك أن تصححي له رأيه.

- لقد كنت أتوقع منك الشك قبل الآن.

- لا أشك يا أمي، ولكن.. أريد أن يقتنع هو.

- ولِمَ يدخل الشك في قلبك؟

- أنا؟ لا أعلم.. لا تؤاخذيني يا أماه.. بلى.. إنه قد دخل.

- فلِمَ لم تسألي؟

- إني.. ماما.. هل قوله صحيح بأن البابا نويل.. لا وجود له؟

- نعم إنه صحيح.

- فكيف كنت أفرح بشيء لا وجود له؟! كيف كنت تحدثينني عنه وتدّعين أن الهدايا منه، ولا وجود له؟!!

- إنها أسطورة تسر الصغار والكبار. ألم تكوني مسرورة بخيال زيارة البابا نويل لك؟!

- كل فرحي لا يعادل هذه الإهانة.. يا له من خزي لن أنساه!!

- لكن الأطفال كلهم يؤمنون، ثم يكبرون.. ومن الطبيعي أنهم يعرفون الحقيقة، ويرضون بها.. وتبقى لهم الذكريات الجميلة، فيكررونها مع أولادهم..

- لقد علمتني أن أصدق وأصدّق، فصدّقتك..

- يا بنتي ألا تفهمين؟ إنها عادة تقليدية يحبها الأطفال..

- لا أريد أن أسمع!! لقد كذبت! لقد كذبتِ وخدعتني! كيف أصدقك بعد اليوم؟ كيف أصدق أحداً؟! وكيف أثق بأحد؟.. لأكن حذرة.. فلا أقعن في مثل هذا مرة أخرى..

- ماذا يزعجك يا بنتي؟ لماذا تبكين؟

- إن الضباب يحيط بي ولا أجد بيتي! إني ضائعة لا أجد الطريق!

- لقد رأيت أحلاماً مخيفة لا حقيقة لها، فلا تبالي.

- إني أراها في كل ليلة وأخشى النوم.

- اطمئني، فإنها خيالات لن تؤذيك..

- قومي! استيقظي! ما بك؟ هل رأيت الضباب مرة أخرى؟

- كلا..

- ماذا رأيت حدثيني!

- لا.. لا أستطيع..

- ماذا أفعل بك؟ إني أجدك على هذه الحالة كل ليلة، فلا راحة لك في النوم.. انظري إلى جسمك كيف يرتجف.. صارحيني يا بنتي!! ما الذي تعانين.. أخشى أن تكوني مريضة..

- لست مريضة.

صفحة 8

- لكن الرؤيا لا تفارقك.

- لا.

- ألا تستطيعين التكلم عنها؟

- لا.. لا تذكريني بها.

- قد أضطر أن أذهب بك إلى الطبيب.

- لا أريد ذلك.

- إذن ستحدثينني عما يرعبك في كل ليلة، وسنتغلب عليه إن شاء الله.

- انتظري قليلاً..

- لن أتركك تنامين حتى تروي لي ماذا يلم بك..

- من البداية؟

- نعم.

- سأحاول، لكني أخاف..

- إنني معك.

- لقد وقعت على الأرض وجرحت ركبتي.

- نعم؟

- فحملني أبي.. حملني إلى الضوء الصغير الذي يضيء حين يدور جهاز التدفئة تحت أرض البيت، وقال لي إن هذا النور الضئيل سيبرئ جرحي..

- غريب!

- وحين رفعني أبي أصابت نقطة من دمي الضوء الصغير فإذا به ينفجر في وجهي، فينفجر معه جهاز التدفئة، ثم ينفجر البيت كله.. وأرتمي إلى الأرض.. أتطلع إلى أبي فلا أجده!! البيت يحترق!! يقترب مني اللهب ويخفق قلبي بعنف في صدري، وقد ذهب عني صوتي، وخارت قوتي.. لا بد أني أحترق..

- إني معك، فلا تبكي يا بنتي.

- لقد ذهبوا وتركوني أحترق..

- وهل تصل إليك النار؟

- إني في تلك اللحظة أستيقظ..

- خير يا بنتي خير.. سنتحدث في الصباح، وأفهمك أنه خيال، لا ينبغي لنا أن نخاف منه أبداً.

أيها البحر الصديق، كن لي ملجأ من هذه الحياة الشاقة المحيّرة فإني أحس عندك براحة وطمأنينة كدت أنساها لو لم أتعرف عليك.. أدخلني في مملكتك مع أهل الصخور والأحواض والأعماق، وعلمني شجاعةً أواجه بها غرباء البشر فلا أخشاهم، ولآتينَّك في كل فرصة، فإن أملي فيك كبير، أيها الصديق، أيها البحر!!

- كم سيحسدني رفيقي حين أخبره بأني ذهبت معك إلى المخبر يا أبي!

- أود لو تصبرين قليلاً فلا تزالين صغيرة، لكن ربما تتشجعين على الجهد في المدرسة..

- لا أحب المدرسة.

- ولكن لا بد منها؛ فهي أساس الحياة الفضلى، ومَن لا علم له لا احترام له.

- ألا تعلمني أنتَ فأترك المدرسة؟ إنها سلبت روحي! إنها عدوي!

- إني مختص بعلم الإحاثة، فلا أقدر على تدريس غير هذه المادة. وإني اخترت اختصاصي بعد دراسة شيء من العلوم كلها، فكيف تعلمين ما هو ميلك إن لم تتعرضي إلى الكل؟! ثم إن طلابي قد خرجوا من المدرسة ثم من الجامعة قبل أن يأتوني.. تفضلي، ادخلي..

- آه! إنها قاعة تفوح فيها رائحة حجارة وغبار! ومكاتبها! كأنها تحتوي آلافاً من الكتب والمصنفات!

- نعم، هو كذلك.

- ما هذه الحدائد؟

- إنها بعض المغنطيسات.

- لا أستطيع أن أفرقها. كم هي قوية! أصحيح أن الأرض مغنطيس؟!

- نعم، بسبب دورانها. أتدرسين هذا في المدرسة؟

- لا أتذكر. بابا!! ما هذا!!

- ماذا يظهر لك؟

- رمل أبيض.

- ضعي الصحن تحت المجهر.. عدلي الصورة من هنا.. جيد..

- إنها صدف!! ملايين من الصدف كالتي أراها على شاطئ البحر!

- بل إنها مستحاثات.. بقايا متحجرة من حيوانات دقيقة جداً عاشت من بليون سنة تقريباً.

- ما أروعها! بعضها على شكل نجمة، وبعضها مدور، وبعضها شائك.. إنها أمم! ماذا تفعل بها يا أبتاه؟

- إنني وزملائي نعمل على جمعها وتصنيفها لنكتشف بها النفط، فأصل النفط من أجسام هذه الحيوانات.. وقد بدأنا نحسب ونحدد بها تاريخ الأرض بما نجده في طبقاتها الصخرية من أنواع هذه المخلوقات.

- لقد علمت الآن لماذا لا تبقى في البيت طويلاً.. والحق معك يا أبي! ما كنت أتصور أن العلم لذيذ هكذا.. دعني أرافقك دائماً إلى هنا، وأساعدك وأتعلم.

- إن لم تزعجيني أثناء عملي، فسوف آتي بك في بعض أيام العطلة.

- أبداً أبداً يا أبي..

- وشرط ثانٍ أن تنتبهي إلى دروسك في المدرسة.

- لا تجعلني أعدك شيئاً، قد لا يتحقق، فإني أستمع إلى الدروس لكن أفكاري تهرب فجأة، تحملني بعيداً بعيداً، على الرغم مني فماذا أفعل؟

- حاولي!

- سأحاول.. شكراً يا أبي.

- انظري! هذه نقطة من الماء على الشريحة.. ضعيها تحت المجهر.

- إنها تتحرك.. فيها أشياء تتحرك..

- ركزي..

- إنها مخلوقات شفافة.. يا للعجب! أنحن نشرب هؤلاء؟

- كل يوم. لاحظي أن جسمها من خلية واحدة، تنقسم أمام عينيك فتتكاثر هكذا، وأن لها مثل قلب ينبض.

- لولا المجهر ما رأيتها.. ترى، هل هي تراني؟

- كلا. إنها لا تبصر، وحتى لو كانت تبصر فلن تراك لضخامة حجمك بالنسبة إليها.

صفحة 9

- عجباً! إنها تعيش وتقوم بوظائفها ولا تعلم أني أراقبها، وإن شئت أمسكت بهذا الدبوس وعذبتها أو أمتُّها، وإن شئت رحمتها وتركتها. وكيف لا أرحمها وهي ضعيفة حقيرة، لا تستحق الأذى، وبعد قليل سيجف ماؤها، وتموت؟ إني أحكم عليها بالرحمة! أحكم عليها بالرحمة!

- هيا يا بنتي، لقد انتهيت مما علي من العمل، بينما كنت تلعبين بالمجهر، وقد تأخرنا عن الغداء، فهيا.

- إن كان لا بد من المدرسة يا ماما، فلماذا تجبرينني على الذهاب إلى الكنيسة؟ ألست أستحق الراحة في يوم العطلة؟

- كفى! لقد حفظت تذمرك هذا غيباً، ولا رغبة لي في سماعه مرة أخرى. ارتدي ثيابك، إن العبادة تنفع الأخلاق.

- إن الخطبة طويلة تضيق الصدر، لا تعجبني إلا الأناشيد.

- ذلك لأنك لم تستوعبيها بعد.

- أأنت تفهمين كل ما يقول القسيس؟! حتى "الثالوث" و"الروح القدس"؟!

- قد يوجد في الدين أحياناً ما هو أعلى من مستوانا فنجده غامضاً، ولكن إن لم نفهمه تماماً، فعلينا أن نؤمن به.

- كيف نؤمن بما لم نفهم؟

- الفهم في العقل. وأما الإيمان، فهو في القلب.

- فالإيمان يعني أننا نصدّق.

- أحسنت!

- ما أصعب الإيمان..

- هيا قبل أن نتأخر!

- إني أتخلى عن الكنيسة، ولن أرافقك اليوم، ولا بعد اليوم.

- ويحك!!

- الآن ستقولين إن الله سيعذبني إن لم أحضر أليس كذلك؟! لقد وجد الناس في تلك الأساطير ما يخوفون به أولادهم، لكني لم أعد صغيرة كما تحسبين..

- من أين لك هذه الوقاحة وقلة الأدب؟!؟

- من أبي.

- ماذا؟

- إنه صادق أمين ولا يحضر الكنيسة.

- لكنه كان يحضر في مثل سنك.

- فعندما كبر وأصبح عالماً علم أن حضوره لا فائدة منه، فلم يعد يحضر.

- هل قال لك ذلك؟

- إنه واضح بدون أن يقول. وأنا سأكون مثل أبي، أعتمد على العلم، فلا حاجة لي في الكنيسة..

- هيا يا رفيقي! لنذهب إلى مخبئنا.

- ألم ترافقي أمك إلى الكنيسة؟

- لقد رفضت الذهاب معها، ولم يكن الأمر سهلاً.. تعال لأطلعك على هذا الكتاب الصغير.

- يكفينا كتب المدرسة.

- ليس هذا مثلها. لقد سألت أمي كيف يخلق الطفل، فاشترته ليشرح لي كل شيء.. وفيه معلومات ما كنا نتصورها قط! تعال لنقرأ معاً..

صفحة 10

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمّىً وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) *هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ*أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ} [غافر: 40/67-69] .

- أبي؟ أأنت في المكتبة؟ لقد جئت لأرد هذا الكتاب إلى مكانه.

- ما هذا الكتاب الضخم؟

- إنه (أصل الأنواع) لدارون.

- وهل من الممكن لفتاة مقصرة في دروسها أن تكون قد فهمت شيئاً من هذا الكتاب؟

- بعض الكلمات لم أفهمها، لكنه يقول إن الحياة بدأت كأصل واحد، ثم تطورت عبر العصور؛ بسبب بقاء الأصلح حسب البيئات، حتى صارت كما نراها اليوم من فروع شتى. لقد سمعت عن دارون في المدرسة، ثم وجدت كتابه في مكتبتك، فأردت أن أعرف..

- نظريته؟

- نعم.. قال الأستاذ إنها فرقت بين رجال العلم ورجال الدين، إذ تخالف رواية الإنجيل فتجعلها مهجورة. وهذا الذي لم أفهمه..

- يقول الإنجيل إن الكون وما فيه خُلق في ستة أيام، وقد أثبت العلم أنه عملية بلايين من السنين.

- ربما كانت أياماً غير أيامنا..

- ويقول الإنجيل إن الله جبل آدم من تراب، ثم نفخ فيه من روحه فأصبح إنساناً. ألا تذكرين؟

- ودارون يقول مثل هذا. فأصل الحياة من ماء وتراب، ولا يقول - كما زعم الناس - إن الإنسان من القرد، وإنما للإنسان والقرد أصل واحد وهما فرعان منه. ثم لا أذكر أن الإنجيل حدد زمن خلق آدم من أول بنائه حتى نُفخ فيه.. ربما كان ذلك عبر العصور..

- ربما.

- أبي؟ هل نظرية دارون حقيقة؟!

- إنها نظرية. معنى ذلك أنها رأي مثقف مبني على نتائج بحوث علمية قام بها هو وغيره. فلا أقول إنها حقيقة على الإطلاق، لكنها معقولة، وقد تكون أقرب إلى الحقيقة مما اعتقدنا سابقاً.

- ألا تؤدي البحوث العلمية إلى الحقائق؟

- أحياناً.. ليس دائماً.

- أفليس هناك سبيل إلى معرفة الحقيقة؟!

- ماذا تعنين بالحقيقة؟

- من أين جاء الكون وإلى أين يذهب..

- هذا ما شغلنا في الدراسات، ولا نعلم اليوم إلا القليل. لكن العلم هو أملنا الوحيد، عسى أن تكون أجيال المستقبل أعلم منا في هذه المسائل؛ إذ نقدم لها، كما قدم لنا أسلافنا، ما تبني عليه. وهذه هي الإنسانية بعينها، خدمة الإنسان لأخيه الإنسان..

- لماذا لا تقرئين الإنجيل يا أماه؟ أليس هذا من دينك؟!

- لقد قرأته أكثر من مرة، وكان يجب أن أقرأه من جديد.. لكني، على الأقل، أحضر الكنيسة.

- لقد خطر لي أن أجرب حضورها مرة ثانية، عسى أن أفهم شيئاً لم أكن أفهمه وأنا طفلة. وأود لو أقرأ الإنجيل قبل ذلك، لكني أجد لغته صعبة، تتعبني كثيراً..

- إن شئت قرأت لك قليلاً كل يوم..

- "فالآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك..".