صفحة 1
أقـــوال
" أيها المارّ من هنا، كما أنت الآن كنت أنا، وكما الآن أنا ستكون أنت،
فتمتع بالحياة لأنك فانٍ "
هكذا خاطب ارايوس ضيوفه في أم قيس - جادارا
" وجد الحب لينسيك الموت، لذا كلما تنازلت عن مساحة من ذكرياتك، تقدم الموت واحتلها "
أحلام مستغانمي
" بقيت أتذمر من عدم امتلاكي حذاء، حتى رأيت رجلا بلا قدمين"
كونفو شيوس
" سأصبر، هل يعلم الصبر أني صبرت على كل شيء أمرّ من الصبر "
الإمام علي بن ابي طالب
" يسقط الرجل في أول حفرة نسائية تصادفه، إن تاريخ الرجل هو تاريخ السقوط في الثقوب "
نزار قباني
" لا يجب دائماً قلب الصفحة، أحيانا بنبغي تمزيقها "
مالك حداد
" عندما تكره المرأة رجلاً لدرجة الموت، فاعلموا أنها كانت تحبه لدرجة الموت "
مارك توين
صفحة 2
المــؤلف
- قاص، شاعر، كاتب مقال
- مكان الولادة: بيت سوريك - القدس
- الحالة الاجتماعية: متزوج
- المؤهل العلمي: ليسانس حقوق وليسانس اداب
- العمل: محامي ممارس
- العنوان: عمان
ص. ب 213481
هاتف 4639974
- البريد الالكتروني:
صـدر للمـؤلف
- الارض والاطفال - مجموعة قصصية – دمشق.
- امي اذا تعانق ريحها - مجموعة شعرية - دار التوفيق – عمان.
- تضاريس الجرح النازف - مجموعة شعرية - دار يافا - عمان.
- لم تزل نوافذ المطر تضىء - مجموعة شعرية - دار يافا - عمان.
- رجل يريد ان يحيا - مجموعة قصصية - فضاءات - عمان.
صفحة 3
قـالـوا
هذه القصص ثورة على بؤس القيم الاخلاقية والانتهازية الاجتماعية والظلم الذي يبحث عن فرائسه، فالقاص يلتقط من الواقع شخوصه واحداثه وينسج منها حكاية عذبة فيها كثير منة الخيال الذي لا يتطابق مع الواقع لغرابة هذا الواقع وثمة منحى اخر تنطوي عليه مضامين هذه القصص وهو المنحة الرمزي... وتبدو المفارقة في هذه القصص في مزجها الغرائبي بين المكان والحدث والشخوص... موسى سمحان الشيخ في مجموعته هذه رجل يريد ان يحيا حكماء ماهر حتى انك تشعر انه يروي لك مشافهه، فيسرقك من نفسك وانت تستمتع له، ان تسمع لا تقرأ، وهذا هو سحر السرد محمد سلام الجميحان... وكم اعجيت بصدق بحبكه القصص التي ولدت بصورة عفوية وصادقة وغير تصنعية يضعها الكاتب ليرضي القارىء... وانت تقرؤها تشعر بأنها قصص تتحدث عن الواقعية وفيها الكثير من الموضوعية وما يأخذ الالباب اسلوب وسحر المفردات المعتمدة على السهل الممتنع، في قصص موسى سمحان الشيخ الشاعر والقاص، يبدوا وكأنه يدرسنا حصة في كتابه السهل الممتنع ليرضي كل الاذواق الادبية والمستويات الفكرية والعاطفية بكل اشكالها من البسيط للمعقد عاطفيا خصوصا حينما يأخذنا هذا الشاعر مرهف الاحساس والشعور ويرسم لنا قصص اناس كانوا يعيشون على السليقة والفطرة او البديهة المتاتية من النقاء الاخلاقي والشفافية للروح الانسانية. حقا لقد قرأت هذه القصص حتى منتصف الليل والرغبة توقذني لقراءة آخر القصص الشاعر الفيلسوف سامي الاجرب يعد الكاتب موسى سمحان الشيخ والذي يمارس المحاماه من المبدعين الذين يعملون بصبر وتؤده..... وهو لا يألوا جهدا في تحديث رؤيته القصصية وتطوير البنية السردية.
جهاد ابو حشيش
مدير دار فضاءات للنشر والتوزيع
الكتابة ليست مهنة، فنحن في كل المرات نموت ونحن نطرح الاسئلة وعن عمد، بل عن سبق اصرار وترصد، فقيلولة العمر تحتمل الحرية كما تحتمل الافول، ولعل هذه القسوة وهي تمني النفس باستشراف المستقبل تحاول ان تؤطر دور الكاتب في شهادته على عصره و دوره الدائم في تكثيف معاني الحرية في الكشف عن المسكوت عنهوبالنسبة لي فان الامعان في نبش الذاكرة هو الحبل السري الذي يصل الوعي الجمعي بالذات الضالة والمحمومة ابدا ز الجسر هنا ليس هو البناء السردي وحتى الابداع ذاته الحامل هو الحلم عبر متواليته الهندسية الرعناء والذي يجعل للرؤية والمعنى الفلسفي قيمة ما، ان ادوات القص من سرد وتكثيف وخيال وبوح هو ما يبقي هذا الخيط الرفيع مرتعسا بين الواقع الحامضي الحاد وبين امكانية العيش في هدوء نسبي معرفي هي قصص تسعى لانتشال الحوار الثقافي في بلادنا من سغب الفقر الروحي والاقتتال الرخيص من بين فكي عناصر النخبة المفلسة الكاذبة.
صفحة 4
(1)
( الشيـخ مهيـب )
لا يعرف أناس قريتنا بالضبط من أين جاء الشيخ مهيب، وقد لا يكون مهماً بحال من الأحوال أن يعرف الناس من أين جاء سيدي الشيخ، المهم انه جاء سواء أكان ذلك من منطقة الخليل أو من منطقة نابلس، الناس في الأرياف يصلون على الحاضر ويتركون ما وراء الأكمة للفضوليين أمثال العم عنكير الذي أصر على معرفة الجهة التي أوردت الشيخ مورده، وعبثاً حاول عنكير هذا مع شيخنا مهيب إلا إن سيدي الشيخ أطبق فمه ولاحقاً كف عنكير عن المحاولة موقناً بأنه ليس بالضرورة أن يكون لكل سؤال جواب وان كان لكل مبتدأ خبر.
في ثلاثينيات القرن المنصرم هبط الشيخ مهيب إلى قريتنا، وقريتنا كما تعلمون طيبه وصغيرة، ومفخرتها انه لا أحد من قاطنيها من يفك الحرف أو يقرأ الوارد الخطي على قلته يوم ذاك، جربت القرية المنحوسة حظها حينما أرسلت ابنها البار عبد الرزاق في واقعة مشهودة للأزهر منذ خمسة عشر عاماً أو اكثر قليلاً، لكن الفتى العاق لم يرجع ويقال أنه لم يحصل على العالمية الأزهرية فعاد طالب زواج إلى غزة بعد أن فشل كطالب علم في مصر وقد ذهب لتمثيل قريته، فما عاد ولا عاد العلم بين برديه وهكذا كان الشيخ مهيب بكل عظمته ووقاره تعويضاً لقريتنا عن فتاها المنحوس الذي افلح في جلط والده وعمى أمه التي تعتبر بحق من جميلات القرية بشهادة عنكير اشد أهل القرية فضولاً وتدخلاً في كل صغيرة وكبيرة.
موطن الشيخ مهيب في أسبوعه الأول وكالعادة هو جامع قريتنا المبارك، مسجد على صغر مساحته وتواضع حجراته القليلة وشبه العارية إلا من حصيرته الرثة، إلا انه يتسع لكل من يفد إلى قريتنا، هو ستر لنا وغطاء، واجهة حق وخير، فمن أولى بشيخنا الجليل مهيب من مسجدنا الواقع على أعلى تله في القرية؟؟؟ والمحاط بأشجار التين والزيتون من كل، ناحية دخل الشيخ مهيب مسجدنا وكل ما يملكه من حطام الدنيا الفانية صندوق خشبي مثبتة عوارضه القصيرة بمسامير بحرية تثبت بطريقه توحي بدقه الصنعة وبدائيتها في الوقت ذاته، أما ماذا يوجد داخل صندوق سيدنا فلا أحد يعرفه سوى الله والراسخين في العلم والشيخ ذاته، ومن نافلة القول أن نؤكد أن، عنكير على فضولته وسعة حيلته ليس من مصلحته حتى ولو حاول الولوج إلى داخل الصندوق ـ أن يعرف محتوياته، وتحت جنح الليل جيء للشيخ بفرشه صوفية متوسطة الطول مع أن شيخنا مهيب من طوال القامة كما جيء له أيضا بلحاف ومخدة وقد حدث ذلك دون أن يتحدث فاعل الخير عن فعله، المطلوب راحة الشيخ، وهل تحظى قريتنا بشيخ كل يوم؟؟؟؟
صفحة 5
المناوشات في أولها، لم تحتدم المعارك بعد، عصابات الآراغون والشيترن والبالماخ الصهيونية وبالتنسيق الكامل مع قوى الانتداب تطلق النار على القرية بين فينه وأخرى، يتصدى لها شباب القرية بكل ما لديهم من بناد ق وأسلحة بدائية ويفلحون في كل مرة بصدهم وإبعادهم عن حماهم العزيز، والشيخ مهيب الذي غدا ابن القرية بحق وحقيقة يخرج معهم بعصاه، ينشدهم ويشجعهم ويضرب لهم الأمثال مجسداً عظمة أمة الجهاد، فيحبه الناس اكثر، ويلتف الشباب والكهول حوله، يكسب الشيخ مهيب في كل يوم موقعاً جديداً، فؤاداً جديداً، صوته الجهوري الجميل لا يضارعه سوى علمه الديني المتدفق خاصة بعد صلاة العشاء في كل ليلة وفي خطبة الجمعة، وهكذا غدا من المؤكد أنه ليس لدى عنكير ما يسلق به الشيخ لفظياً، فالشيخ مهيب ـ شاء عنكير أم أبى ـ إضافة نوعيه لقريتنا المعطاءة هو شيخها في الطهور والأعراس وحفلات الزفاف وبطل ـ سهراتها في المضافات وعلى أسطح المنازل لهذا دون أن ننسى مهمته الأساسية تعليم صغار القرية القرآن والحساب إنه شيخ وآي شيخ؟؟؟
فاتني ـ سنداً للامانه الملقاة على عاتقي كراوٍ إن أؤكد على جانب من الخلق الرفيع بالإضافة لوسامة غير متكلفة تبدو واضحة للعيان حينما يحلق الشيخ لحيته ويشذبها وحينما يضع الكحل العربي في عينيه الواسعتين، هل آثار لب فتيات القرية التي لا تخفى عليهن خافيه، إنهن يرصدن حركات كل شئ وان تظاهرن بعكس ذلك خوفاً وخفراً، الشيخ على تماس غير مباشر بهن، فهو من يدرس أبنائهن أو إخوانهن، وهو الجار العزيز لينبوع الماء الوحيد الذي تستقي القرية منه، الشيخ في الواجهة بحكم مكانته وقدره، ولأنه ذكي بالفطرة ويعرف حق المعرفة مكانة رجل الدين خاصة بين سكان الأرياف فقد أبقى مسافة فاصلة وواضحة بينه وبين الناس، سيما النساء، ومع هذا فالبصر يسبق أحياناً، وبدون قصد أو تخطيط مسبق رآها: سارة إحدى صبايا القرية الجميلات، سارة، رمح، مهرة، غصن أخضر، عينان خضروان مبتسمتان يثريهما نعاس خاص يلحظه الشيخ فيغض، البصر، ويسبح الله جلت قدرته واهب القوة والجمال والسحر، رآها الشيخ اكثر من مرة، وعلم من مصادره الخاصة إنها ابنة شقيق المختار عبدالقادر، أسرها في نفسه، كل شيء في أوانه يا مهيب، وأنت لها إذا جد الجد.
تشق الزغاريد عنان السماء، الفرح يدق باب القرية والقرى المجاورة، صليات الرصاص تنير سماء القرية المفعم بالمسرة والحبور، لاشيء يلهب الحماس كالنصر، لقد عاد الرجال في هذه المرة من إحدى المعارك مع العدوين الصهيوني والإنجليزي ظافرين بل وغنموا بعض الأسلحة الخفيفة والتي رحلت مؤقتا لبيت المختار ليصار لاحقاً في البت في مصيرها، حلقة الدبكة تكبر، يمنحها الصغار نكهة تشبه أمطار كوانين على البيادر والمساطيح ويعلو صوت سارة وسط حلقة الدبكة:
بلدنا يا مجاها ناس = حميناها بضرب الرصاص
بلدنا يا مجاها يهود = حميناها بضرب البارود
صفحة 6
يميز الشيخ مهيب صوتها، يدخل النغم إلى أعماق روحه بحس كأنها تغني له، ليس من حقك أن تبالغ يا مهيب، ولكن ـ هكذا يستدرك ـ الست أنت أحد المدافعين عن القرية، الست أحد المجاهدين الذين يبذلون النفس والنفيس من أجل حماية هذا التراب من دنس الكفرة الفجرة، ويهمس سارة بحق على الخط ذاته، يشعر بدغدغة داخليه، على الأصح تنتابه رعده خاصة إلا أنه يجابه نفسه ويمضي حاملاً إبريقه الفخاري وهو يردد إنها إرادة الله أولاً، نعم أولا وقبل كل شئ سأدق الباب بعد أن أبيت استخارة.
جاء الصباح سريعاً، الشيخ مهيب على موعد مع صغاره هنا لا قيمة للوقت بمعناه الحرفي أو قل العصري، أنهى الشيخ مسرعاً حصتي القران والتفسير، الوقت يقترب من الظهيرة، الشيخ في حقيقة الأمر ليس في ذروة تركيزه المعتاد، على مبعدة عشرين متراً يربض عنكير يدخن الهيشي ويثرثر مع مجموعة من شيوخ القرية على الجانب الأيمن من المسجد طائر اسود يرسل صوتا يشبه الحشرجة، ملامح الحزن والشرود ترتسم على ملامح الشيخ مهيب، كأن بجسمه قشعريرة، كأن به أعياء لا يعرف له سبباً، بلى هو يعرف وخير من يعرف صرف الطلاب قبل موعدهم، أذن لصلاة الظهر في موعدها، صلى بالحاضرين جماعة، ولم يكد ينهى صلاته حتى وجد على مصطبته طبقه المفضل شبه اليومي قلابة بندورة حراقة رأسين من البصل الحاد ورغيفين من خبز الطابون الساخن المقحمش، التهم طعامه بسرعة البرق، غسل يديه وفمه وتسوك ثم تمدد غير بعيد عن مصطبته ورأى فيما يراه النائم: سارة تبتسم له وتعاتبه في الوقت ذاته، أفاق منزعجاً كونه رأى إلى جانبهما هو وسارة بركة من الدم وعمود من الدخان أراد إن يعمد إلى صندوقه ليستخرج كتاب تفسير الأحلام إلا أن موعد صلاة العصر قد داهمه.
بعد صلاة عصر يومنا هذا، وفي أزقة قريتنا المتعرجة سارت جاهه متواضعة على رأسها مختار قريتنا المبجل، كان فاضلاً حقاً عكس المخاتير غالباً في كل زمان ومكان حيث يضعون نفسهم في خدمة رجال السلطة والأمن خلافاً لتوجهات مواطنيهم واناسهم، أقول سارت متجهة صوب بيت شقيق المختار حاشدة معظم كبار السن في القرية باستثناء عنكير وهناك استقبلت الجاهة وأكرمت وفادتها حيث طلب المختار و على سنة الله ورسوله ابنة شقيقه سارة لصديقه الشيخ مهيب وتم الإيجاب والقبول.
سارة أسعد مخلوقة على ظهر البسيطة، والشيخ مهيب فرح بما أتاه الله وبما سعى إليه، وأهل هذه القرية الطيبه لا يعتبرونه غريباً عنهم، إذ لو كان الأمر كذلك فهل يكون المختار على رأس جاهته، وهل سيستجيب شقيقه بسهولة ويسر لاعطائه سارة، وسارة كما يعرف الجميع إحدى جميلات القرية المعدودات، وإحدى الفتيات اللاتي يشهد لهن بالأدب والستر، نعم فرحتان تنتظران الاتحاد والاكتمال، عاد للشيخ فرحه الداخلي وصفاء روحه ونقاء سريرته، أيوجد في الحياة ما هو أرق وأجمل من امرأة تسند المرء وتحفزه في مواجهة صعاب الحياة؟؟ بعد منتصف الليل بقليل هاجمت عصابة صهيونية من مستنوطه الهدار القريبة من القرية، هاجمت القرية من ثلاثة اتجاهات على شكل طوق اكمل الإنجليز المنتدبين ضلعه الرابع، جاؤوا هذه المرة للأخذ بثأرهم من القرية التي غلبتهم في المرة السابقة وأوقعت بهم خسائر فادحة، تمكنت قوة صهيوينة صغيرة من النفاذ إلى داخل القرية، أمعنت بطشا وفتكاً ووحشية بكل من اعترض سبيلها، تصدى شباب القرية وشيوخها وحتى بعض نسائها للغزاة المعتدين بكل ما لديهم من عدة وعتاد إلا إن القوة المهاجمة كانت هي الأقوى، دامت المعركة قرابة ساعتين ولم تتمكن القرى المجاورة من إسناد قريتنا بالسرعة الممكنة والمعدات اللازمة، انجلت المعركة عن استشهاد خمسة من القرية، من بينهم والد العروس وشقيق المختار، بينما بترت ساقي الشيخ مهيوب اثر شظية غادرة وأصرت سارة على إتمام زواجها بشيخنا بعد شهرين بالتمام والكمال.
صفحة 7
(2)
الحمـام الزاجـل يطيـر إلـى القـدس
في نهاية النفق ضوء، هكذا قال والد نادين الصغيرة، ذلك شعاره، عصامي لدرجة الاختراق، يبحث عن حياة أفضل كمعظم ابناء جيله، بل كمعظم الناس في كل زمان ومكان، ويبقى التفرد، النكهه الخاصة بين كل واحد وآخر، ربما الطموح الذي تشاركه فيه زوجته وعوامل أخرى في داخليهما ـ هو الذي دفعهما لترك عمان التى تعطي أناسها بقدر ما تستطيع، وتقف أحيانا عاجزة عن شد مواطنيها اليها، الطموح، القرف، اكتشاف الآخر دفع بهما الى الهجرة لأمريكا قبل احداث سبتمبر الأمريكية الأخيرة بثلاثة اعوام، والولايات المتحدة الأمريكية في الذهنية العربية ربما العالمية: يومها على الاقل: دولة الفرص والأحلام والمساواة دون رؤية الوجه القبيح الاميركا، والد نادين بل ووالدتها لا تعنيهما السياسة الا بقدر ما تمس حياتهما الشخصية مسا يومياً ومباشراً، فما شأنهما بإمبريالية أميركيا وطحنها لكل من يقف في دربها أو يعترض مصالحها في شتى بقاع الارض.
وصلا بعد رحلة شاقة الى جزيرة الأحلام، الى ارض الرؤى المدهشة، امسكا بدرجات السلم التى بدت ساعتها لهما كدرب يوصل لجنة أرضيه، فإذا كانت عواصم العرب قاطبة تملك جاذبية الطرد لمواطنيها وقوة الشد العكسي للوراء لشعوبها وتاريخها فهل تستطيع بلاد العم سام أن تقدم فعلياً إجابة قاطعه لكل هذا الرهط من المهاجرين الشباب؟؟ او على الأصح هل تقوى هذه القلعة الاستعمارية العتيدة على إسعاد هؤلاء الوافدين الجدد؟؟ لم يتوقفا أمام وجع الأسئلة الجادة أو يتعبا نفسيهما باستقراء البعد الثلاثي للقارة الجديدة، هما الآن معاً في قارب العمل والأحلام، فهل وجدا ضآلتهما؟؟؟
تمكن والد نادين ـ التى لم تكن قد ولدت بعد ـ من الحصول على عمل شبه مناسب في محطة وقود لمهاجر عربي متخصص في اصطياد القادمين الجدد الذين يفتقرون لأذونات عمل تتيح لهم العمل تحت مظلة الشرعية، صاحب المحطة هذا رجل استغلالي بقدر ما هو لعين ان القبول بشروطه التى هي بمثابة عقد إذعان مطلب أساس لمن يعمل معه، وهل بإمكان المضطر كصاحبنا الا أن يقبل بشروط رب عمله المستغل؟؟؟ وبالتدريج تحسن وضعهما قليلاً، تمكنا من الحصول على بيت شبه مناسب وسيارة قديمة تقل الرجل الى عمله وتتيح لزوجه التسوق، ومحاولة التعرف الى بعض جاراتها العربيات، المؤكد ان جنة النعيم هذه بدت لهما ويوماً بعد يوم واضحة وقاسية وشائهه فهنا كل شيء مادي محض..... نقود.... نقود ولا شيء سواها، الجميع هنا يكدح ويعمل انما دون جدوى، وإذا كان جمع النقود عزاء بعض الأقوام، فأين يجد الاخرين الذين لا يجدون سوى قوت يومهم، أين يجدون عزاءهم وبرقع أحلامهم؟؟ الى هنا والأمر طبيعي، فقصص العرب والمسلمين متشابهة الى ابعد حد، جديدها يسير نحو الأسوأ بالقطع، والسلطات الأمريكية تزداد سعاراُ بعد احداث البرجين، الجميع في مهب الريح قررت أن أزور أمريكا، فهذه القارة ساحرة رغم كل شيء، أقول رغم كل شيء وأعنى تماماً ما أقول، طبيعة أجمل من أن توصف، وشعب طيب مضياف وتكافؤ فرص تحميها قوانين عصرية، اصطحبت زوجتي معي كعادتي في كل أسفاري بعد الاقتران بها، الرفيق قبل الطريق فكيف إذا كان الرفيق زوجه صالحه؟؟؟ لدى هنا أبناء وأقارب وأصدقاء كثر، كلهم يرغبون ويصرون على دعوتي ومن بينهم العصامي الشهم والد نادين، صهري العزيز، وصديقي المضياف.
صفحة 8
شهدت مع ابنتي البكر ميلاد صغيرتها نادين والتي تدلع بـ نانا، نعم سمعت صرختها الأولى على ضفاف الميسسبي في ضاحية من ضواحي ولاية ميسوري وبالتحديد في سانت لويس حيث يرتفع القوس الشهير بوابة أميركا للغرب الأميركي.... وبجوار مصنع طائرات البوينج حيث تبتدي إحدى معجزات أمريكا التكنولوجية الكثيرة وصرخة ـ نادين أو نانا على رأي أمها ـ حملت صوتا صوت الفرح بالقدوم الى الحياة هكذا خلته، وصوت آخر هو صوت الاحتجاج على غربة قسرية لم تخترها أو تسعى اليها.
هذه الصغيرة الجميلة تؤكد وجودها بصراخ دائم، يبدأ متحشرجاً متقطعا ثم لا يلبث ان يعلو، ماذا دهي نادين لتبقي أمها ساهرة لساعة متأخرة؟؟ ونحن ـ جدتها وأنا هل نستطيع أن نغادر هذا المشهد الا لساعات قليلة نقضيها خارج المنزل: في الغابة الرائعة المجاورة وعلى ضفاف البحيرات الصغيرة، او بجانب النهر العظيم: المسيسبي، تلك لحظات في الذاكرة لا تنمحي نعود بعدها لموسيقى صراخ نادين التى لا تكل ولا تمل، في الليل نبحث عن فضائيات العرب ومسلسلاتهم التى لا تنتهي، تزيد في كل مرة وأينما كنا ان نعود الى هناك فقحطان وعدنان والعاربة المستعربة تضرب جذورها في شريان كل ناطق بالضاد، وأما نادين فتكبر كل يوم وعلى أرض ليست هي أرضها، نادين نقطة في مصحف كبير لم يدوم الأمر طويلا، فالنظام والقوانيين وحتى النظرة والاجراءات تغيرت لدى السلطات الأميركية خاصة تجاه العرب والمسلمين، فالدولة العظمى تجد نفسها وقد ضربت تحت خاصرتها عنوه وعلى حين غره تجد نفسها على مفترق طرق، هكذا ومع الآف من العائدين وجدنا نادين بيننا، نادين وقد كبرت قليلاً، أصبح عمرها سبعا، يدعونها مزاحاً نانا الأميركية كونها حصلت على الجنسية الأميركية لميلادها هناك وكونها لا تتقن اللغة العربية جيداً، فقد وضعت هنا في مدرسة أهلية.
سعدنا بعودتهم جميعاً، لقد استردينا أسرة غالية علينا، وفي أعماقي كنت أتمنى عودة الآخرين، كلهم أبنائي فغربة الوطن وان قست لا تعتبر غربة لمن يحسب جيداً او على الأصح لمن يأتي على نفسه قليلاً، اما الغربة البعيدة، غربة ما وراء البحار فهي الدرك السفلي فعلياً خاصة حينما تقترن بعودة قسرية وخالية الوفاض، ونانا سعيدة كل السعادة حينما لا تدرك أبعاد عودتهم الى هنا، فقد كتب عليهم البدء في السطر من أوله، تبدو نادين هادئة، بل وتبدو رغم صغرها واثقة من نفسها، تشعرني في كل مرة أراها فيها بأننا كلنا صغاراً، مهما كبرنا نظل صغاراً والصغار ابداً يبحثون عن حكايات تشبههم وقد لا تشبههم أحياناً، فالحكاية هي الدرب، الحكاية حمامتنا التى تطير الى البعيد القريب، ثم تعود لنا، تحط على مقربة منا وفي فمها في كل مرة قشه صغيرة لبناء عشها الجميل على شجرتنا الخضراء، تطلب نادين مني حكاية في كل مرة تحط على غصن بيتنا، فأعمد الى مكتبتي المتواضعة أغرف من القصص العربي ما تيسر، الا ان نانا توقفت عدة مرات أمام قصة الحمامة المطوقة التى ساقها ابن المقفع في مؤلفة الشيق كليله ودمنه على لسان د بشليم الملك وهو يحاور بيديا الفيلسوف، كانت معضلتي مع نادين في هذه القصة بالذات مسألة استعادة أجواء إخوان الصفا وهم (( الأعوان على الخير كله والمؤاسون عند ما ينوب من المكروه ))فكيف يتسنى لي انا العبد الفقير لله ان أعود بنفسي القهقرى الى مدينة داهر بأرض سكاوندجين وان أرافق الحمامة المطوقة والجرذ والظبي والغراب، أليست هذه مهمة صعبة، والأصعب منها كيف تقنع صغيرة كهذه الطفلة الجميلة بصعوبة تدابير هذه الحمامة الذكية، عشرات الأسئلة ان لم يكن اكثر عن الارض والمدنية، عن الأشجار وعن الصياد وأدواته وعن الوكر ومواصفاته ومعناه ومشكلة المشاكل مع نانا بل مع كل أحفادي الذين أحبهم وآنس صحبتهم هي شرح الفرو قات الدقيقة بين الحمامة والغراب، اما صلة القربى والمتأصلة في ذهن نادين بين الجرذ والظبي فحدث ولا حرج واعترف أنني ـ خاصة حينما أكون ضجراً او مغتماً ـ احاول أن ابتعد قليلاً عن ملاحقتهم لي بطلب المزيد من الحكايات والتي يتلوها في كل مرة امتحان عسير نادراً ما استطيع تجاوزه نتيجة لصعوبة الأسئلة ودقتها وغموضها وخلوها من دوائر او أسئلة اختيارية تتيح لي النجاح بالنقاط او التملص بالهرب منها فالأطفال أذكى واصدق واشد براءة مما نتصور ونانا وأحفادي جميعا كما خبرتهم خير مثال على ذلك.
صفحة 9
مساء ولأمر ما جاءت نادين مرة مع أمها، لم أكن رائق المزاج، كنت استدعي وحدتي واكثفها، هربا من انشغالات تفلح أحياناً في اختطافي من عالمي اليومي المليء بالمطبات والمشاكل، قبلتني من خدي كعادتها وانتزعتني من سريري ممسكة بيدي وهي تتمتم: جدو... جدو، عبرت بي الصالة مسرعه صوب حديقتي الممرعة بالأزهار الجميلة الخلابة وبدأت تسألني أسئلة شبه دقيقة عن الأزهار: الأسماء، والعائلة الروائح، والألوان، عمر كل زهرة ومن أين أتيت بها، ثم لماذا يزرع الناس الأزهار ويعتنون بها، شرحت لها بأٍسلوب حاولت ان يكون حسياً ومبسطاً عن الجذر والساق والأوراق والأزهار، تحدثت عن تهيئة التربة ودور الماء والهواء والشمس في حياة الزهرة، وعرجت على الكأس والتويج والمادة الخضراء.... الخ، كانت تصغي باهتمام وكأنها فلاحة ماهرة أو قل كونها تحيا في عمان بدت كطالبة في كلية الزراعة وفي قسم ألبستنه بالذات، لقد أخرجتني حقاً من فزع الوحدة والفراغ، ومكأفاة لها منحتها اضمامة ورد منوعة حملتها إلى منزلها بعد أن قبلتني.
على ضوء تجربتي مع أحفادي الصغار وليس مع نانا وحدها، أستطيع أن أؤكد انهم جيل مختلف وفي زمن مختلف، لديهم أدوات ووسائل وتقنيات لم نعشها ويمكن القول بأننا لا تفهم بعضها، هذه القوى الساحرة الماكرة تقربهم وربما تبعدهم عنا لكنهم يظلون صغارنا، أكبادنا، حمائمنا المطوقة على رأي ابن المقفع عبدالله، هل المسافة بيننا وبينهم كالمسافة بينهم وبين والديهم كالمسافة بيننا وبين أبنائنا؟؟ أشك في ذلك ولكنها هوه يخلقها العلم والتكنولوجيا في كل يوم إن لم يكن في كل ساعة، وما خلصت إليه من تجاربي مع أحفادي، أحبائي الصغار أنني أتعلم منهم حقاً، أعلمهم ـ هكذا أبدو في نظري نفسي ـ نعم أعّلم وأتعلم وهذا درس الحياة الأكبر والاهم، فالصغار يصبحون كباراً، والكبار يعودن مرغمين إلى زمن الطفولة.
في الصالة خلق كثيرون، نساء....... ونساء.... الأصوات تعلو، القهقهات تعم المكان، لا شيء بالنسبة لي أهم من إغلاق الباب واستخدام المذياع الصغير بحثاً عن أغنية فيروزية أو خبراً عربياً لا يسم البدن ويرعرع الألم، بهذا الجو حينما تفرض علي عزله كهذه، فالنساء طوق، ليس كطوق حمامة نادين أو حتى حمامة ابن المقفع، والسعيد من ينفذ من هذا الطوق الجميل، بينما أنا هكذا أو على الأقل هذا ما اذكره كما تقول ذاكرتي الوسطى طرقت نادين باب غرفتي: من الطارق قلت وأنا أظن أن إحداهن تحمل إلى فنجاناً من القهوة أو كوباً من الشاي كمكافئة لي في مخبئ المهيب... وحينما تطلعت إليها وهي تمرق إلى كالسهم: كانت نادين بشحمها ولحهما:
صفحة 10
ـ جدو
ـ قبلتها
ـ نعم يا روح جدو
ـ اقتربت مني قالت حدثني قصه
ـ نادين هذا ليس وقت القصص
عبست قليلاً، وبدأت تقلب في الكتب الملقاة على الكمودينه إلى جانبي، امسكتها على التوالي:
حدائق النور أمين معلوف
نظرية التراث د. فهمي جدعان
واخيراً كتاب علاء الأسواني نيران صديقه شخصت إلى شبه غاضبة وقالت: أنت لا تريد أن تحكي لي حكاية قلت لها: ألا ترين أنني أطالع كتابا ما، حاولت الاقتراب مني لترى ما الذي أقرأه، حجبت الكتاب عنها، لاستفزها اكثر نظرت إلىّ نظره عتاب، طرقت الباب بقوة لتعود بعد قليل وفي يدها كتاب أصفر صغير موشى بالأسود صعدت إلى السرير وقالت ببراءة عجيبة جدي أريد أن أقرأ هذه القصة اقتربت منها وتفحصت الكتاب لاتاكد أنه ديون محمود درويش( أرى ما أريد) ضحكت من أعماقي، وقلت لها مداعباً: هذه قصة صعبة قالت سأقرأ وستشرح لي، ضممتها إلى صدري بينما هي ولا أدري لماذا تفتح هي على صفحة 46 لأقرأ لها ومعها:
(( ولد ما طيرّ الآن حمامه
بدلاً منا
أعلي، إلى سقف الغمامة
فلماذا تذرف الغابة هذا الثلج
حول الابتسامة))
نادين ألان معي ومع درويش في أرى ما أريد، كيف اشرح لها؟؟؟ وعن ماذا أشرح لها؟؟؟ هي ألان دون أن تدري تملح جرحي وتجعلني شئت ام أبيت أرى ما تريد، أهي طفولتنا المسروقة أهي نشيدنا الدائم نحو صفصاف ولوز بانتظارنا وعبر جوال أمها أخبرتني صغيرتي أنها تكتب أقصوصة بعنوان الحمام الزاجل يطير إلى القدس إنها أول القصص يا نادين.