eKtab
EN ع
امرأة في حفل توقيع
اقرأ عينة مجانية

امرأة في حفل توقيع

بقلم إياد نصار

صفحة 1
إياد نصار: واقعية ممتعة وحكي بارع
 
بقلم لطفية الدليمي
 
تقوم القصة القصيرة على اقتناص لحظات أو حالات انسانية محددة، وهي نمط من أنماط رؤيتنا للحياة الانسانية التي مارسناها جميعا، ولا نزال نمارسها كل يوم، وتقنص القصة القصيرة معضلات العوز، والوحدة، والحنين للحب، والحب ذاته، والحنين للوطن، واليقظة من أحد أوهامنا، أو تخيّل وهم جديد، وتتابع اللحظات القصوى لوعي الإنسان بمدى خسارته أو حرمانه، أو ترصده وهو في مواجهة قدر من أقدار الوجود، أو تنشغل في معاينة حياة البشر الغفل الذين يحيون، ويكابدون مأساة العيش، ويموتون دون أن يعرف بمرورهم في هذه الدنيا أحد، ومن هنا يبدأ دور الكاتب ومحنته في تعقب حيوات اولئك المنسيين، والكشف عن تشوقاتهم وخذلانهم وخسائرهم، وتبني وجهات نظرهم عبر اختيارهم رواة للنص، أو التحدث عنهم من وجهة نظر الراصد الخارجي، الذي يراقب أفعالهم من بعد، ويطعم مشاهد قصصه بشذرات من اشتغال المخيلة.
 
قصص إياد نصّار في هذه المجموعة الجديدة قصص ناضجة، ذات بنى واقعية منفتحة بعيدة عن التجريب والتغريب، سواء في الأشكال أو المضامين أو الأسلوب، فهي تنهل من نهر الحياة وتناقضاتها ومفاجآتها، وموضوعات اياد في هذه القصص تفاصيل يومية أو مصيرية لنساء ورجال من المهمومين والمحرومين والحالمين، وقد أحالتني قراءة هذه القصص الى الحكّائين الشعبيين الذين يحفظون ويروون تراث شعوبهم وأوجاع الناس وأحلامهم البسيطة ومخاوفهم. التقط الكاتب هذه النماذج، وقدمها لنا ببراعة الحكاّء وحرفية القاص، وأتى تركيزه على شخصياته النسوية وراويات قصصه ليقدم لنا ما تتعرض له النساء من قمع يبدأ من بنية العائلة ليمتد إلى المجتمع خارجها، فتضطر النساء الى القبول بخيارات تراجيدية يرغمن عليها تفضيلا على العنوسة والوحدة في مجتمع متحجر لا يقدم لهن ما هن جديرات به من الفهم والتقدير والبدائل الإنسانية والرعاية، بل يتربص بهن لإصدار أحكامه القاسية.
صفحة 2
يعمد إياد نصار إلى التنويع في أساليب القص، فهو وريث تراث محلي وإنساني شاسع، ويبدو في أدائه القصصي مستفيدا من بنية الحكاية الشعبية لتوغله في الأجواء الشعبية والريفية ومعرفته الواسعة بمقومات هذه البيئة وموجّهات قيمها وأحلامها وتقاليدها، وكما نجد في مرجعنا الحكائي الأقدم (الف ليلة وليلة) جميع أساليب القص التي كتب عنها منظرو الفن القصصي في عصرنا، نجد لدى إياد نصار تنوعاً كبيراً في شخصيات ورواة قصصه، ونتعرف إلى الشخصيات الناجزة التي حققت ثباتها واكتملت وظهرت في النص تعبيراً عن موقف أو فكرة، كما نجد الشخصية المتطورة التي تنمو وتتغير مواقفها خلال الحدث. ومثلما يثري تنوع شخصياته فعالية الحكي، يمتعنا تنوع الأحداث والأمكنة، فمن قرية في الريف ومدينة عربية الى تجربة مجند في قوات دولية في (هاييتي) الى بيئة بدوية صحراوية في بلاد مغاربية كما في قصة التيه، التي تتميز عن قصص المجموعة كونها تنحو، أكثر من قصصه الأخرى، إلى الرمز، فثيمة المتاهة والخطر الذي يحيق بالرحل المسافرين، والتوجس ممن يقابلونهم في رحلة التيه منح هذه القصة بعداً كونياً يضعنا أمام معضلة الانسان والوجود والموت ومخاطر الحياة في عالم يتربص بالفرد أينما ولى وجهه، وهي من قصص المجموعة البارزة.
 
ثمة نبرة سخرية مريرة خفية مرة، وظاهرة مرات أخرى، في معظم قصص إياد. وهو إذ يستخدم التورية في بعض قصصه، يعمد الى المفارقة الصارخة في بعضها الآخر، وينجح في كونه راصداً يقظا للمشكلات والوقائع الاجتماعية التي تضج بها مجتمعاتنا العربية.
 
لغة إياد نصار توصيلية تتسم بالبساطة والوضوح. ولأنها تعالج المشاعر الإنسانية وكشوفات العلاقات العاطفية البكر ومواجهة المصائر الفاجعة والأقدار المحتومة، كان لابد لها أن تكون ميسرة قريبة إلى المحكي اليومي وبعيدة عن الرمز والايحاء يساندها البناء الخطي في بعض القصص فليس في قصص إياد تحطيم للشكل أو لجوء للتغريب والأسطرة إلا في مواقع نادرة، وتنبع معظم قصصه من بئر الذاكرة واستحضار التجربة والذكرى، أما المخيلة فإنها تنسحب لصالح التذكر وتظهر عندما يمازج القاص بين الوقائع والأفكار والرؤى والأحلام، فتصبح القصة لديه مضموناً يعبر عن جوهر القص بشكله غير المتحذلق البعيد عن الخطابية، وهذا ما يتطلبه الموضوع الأساس الذي ارتكزت عليه قصص إياد وهو ثيمة الوحدة الإنسانية التي تعاني منها النفوس المستوحشة المنفردة في مجتمعات لا تأبه بالخصائص الفردية، ولا تمنح الفرد حقه في الاختلاف، بل تضعه ضمن قوالب معدة سلفاً، وتفرض عليه القبول بشروط هذا القالب.
صفحة 3
نجح اياد في تبني وجهة نظر المرأة التي يروي بلسانها بعض قصص المجموعة، فكأنه يعيد سلطة الحكاءات الشعبيات اللاتي كن ولايزلن عارفات القبيلة وحكيمات العشيرة وكاهنات الربع، تجتمع لديهن النساء ليروين أمامهن حكايات العذاب والعشق والأحلام وغرائب الأحداث.
 
تنفرد قصة (حياة بين الأموات) بمقاربتها لقضية عامة من منظور محنة خاصة لإمرأة، وهي قضية نادراً ما تطرق إليها كتاب عرب، قدمها الكاتب هنا بجرأة وذكاء كبيرين من وجهة نظر أنثوية وهي موضوعة فئة المقاتلين المتطوعين أو المستأجرين كمرتزقة في مناطق معينة من عالمنا وفي مقدمتهم مجموعات (العرب الافغان)، الذين استدرجوا الى أفغانستان وصحبوا معهم زوجاتهم وأطفالهم الذين أصبحوا أول الضحايا والأكثر تضرراً لخيار هؤلاء الرجال المخدوعين، واختيار وجهة النظر الأنثوية اختيار ذكي وبارع، فنحن نعلم أن نتائج كوارث الحروب والصراعات العرقية والعنف والإرهاب تقع في المقام الأول على الضحايا من النساء اللائي يتحولن إلى أرامل بائسات أو شهيدات بلا قضية، لأنهن لم يخترن هذا السبيل وهذا المصير، إنها من القصص الجديرة بالإعجاب شكلا ومضمونا ومعالجة.
 
تتميز من بين قصص المجموعة قصة (ولادة قصيدة) ببناء فني جميل وتوتر مشوق ونسق كلاسيكي محكم يعتمد الحبكة وتصاعد الحدث بلوغاً الى الكشف في مشهد النهاية، غير أن إياد ينوع في بنى قصصه ولا يركن إلى بنية فنية واحدة فيها.
 
يبرع إياد نصار في اختيار رواة قصصه من النساء ويقنعنا تماماً بأن راويته الأنثى تتحدث منطلقة من وعي نسوي بالعالم والبشر والأحداث الدائرة حولها باعتبارها مركز الرؤية وبؤرتها، بخاصة في قصة (رسالة) وقصص أخرى، وهو بهذا يعيد الاعتبار للخطاب النسوي والرؤية الانثوية للعالم عبر منظور جندري ينأى بالكاتب عن التعصب البطرياركي الذي ألفناه لدى معظم كتابنا الرجال، هذا الخطاب الذي يتجنبه كثير من الكتاب وحتى الكاتبات اللائي يكتبن عن العالم من وجهة نظر ذكورية، بل ويصدرن الأحكام على النساء من خلال هذه الوجهة وعبر هذا التبني لخطاب نسوي من منظور المرأة ذاتها. يتناول الكاتب معضلات المرأة المستوحدة وتحولات الواقع والتعامل الذكوري مع أحلام النساء الهشة القابلة للتحطم في لحظة كشف يبرع إياد في تقديمها كخواتيم لقصصه الجميلة.
صفحة 4
ينجح إياد في بناء القصة النموذجية باشتراطاتها الكلاسيكية من بداية وعقدة وحبكة ونهاية، فقصة (ذات يوم شتائي) خير تمثيل للقصة القصيرة النموذجية التي تعلمنا أصولها من تشيكوف وتورجنيف ودي موباسان وغوغول يعمد الكاتب فيها الى ترتيب الاحداث – لا بحسب وقوعها زمنيا إنما بحسب ايقاعها وانعكاساتها على وعي الشخصية الرئيسة، فتطفو المعاناة الانسانية على وعي المرأة في لحظة الذروة القصصية وسط تلك التشكلات المباغتة للنص، وهو يزاوج بين المشاهد الحقيقية والمتخيلة، التي تنهمر على وعي البطلة وتضعها في محنة تداخل الوعي مع واقعة موت طفليها المروعة، وتماثلها قصة (الكتاب السري) وهي قصة متقنة تفضح النفاق الاجتماعي بين جيلين، وتنطوي على جرعة كبيرة من السخرية المرة إزاء تفتح شخصية الفتى والتغيرات التي تطرأ على سلوكه للبرهنة على نضجه وسط عالم الكبار الذي ينكر عليه تطور الشخصية ونمائها، ويكون الكتاب السري ذريعة للكشف عن المآل العدمي للكتاب، والمكيدة التي حاكها الاخ الأصغر لأخيه الراشد، بهذه القصة يتحفنا إياد بإشارات خفية وامضة عن – السر - الذي يمثل المعرفة المحرمة المحظورة على الابناء في بيئة تستعبد الابناء تطبيقا للتقاليد الأبوية المفرطة في قسوتها، وتعتبر الأولاد ملكا للوالد يتصرف بمصائرهم بما تمنحه الذكورة والأبوة من سلطة قامعة.
 
قصص تنتمي في معظمها الى الواقعية الإجتماعية النقدية التي ستظل الأقدر على كشف الخلل في مجتمعات تعاني من ازدواجية النظرة للنفس والعالم.
صفحة 5
قبل أن تستيقظ..
 
"وكان نزولنا عند هذا الخليج بقرية كبيرة عليها حاكم من السودان حاج فاضل يسمى فربامغا وهو ممن حج مع السلطان منسى موسى لما حج أخبرني فربامغا أن منسى موسى لما وصل إلى أحد الخلجان، كان معه قاضٍ من البيضان يكنى بأبي العباس، ويعرف بالدكالي، فأحسن إليه بأربعة آلاف مثقال لنفقته. فلما وصلوا إلى "ميمة"، شكا إلى السلطان بأن الأربعة الآف مثقال سُرقت له من داره، فاستحضر السلطان أمير ميمة، وتوعده بالقتل إن لم يحضر من سرقها. وطلب الأميرُ السارقَ فلم يجد أحداً، ولا سارقَ يكون بتلك البلاد، فدخل دار القاضي، واشتد على خدامه، وهددهم. فقالت له إحدى جواريه: ما ضاع له شيء، وإنما دفنها بيده في ذلك الموضع، وأشارت له إلى الموضع. فأخرجها الأمير، وأتى بها السلطان، وعرفه الخبر فغضب على القاضي، ونفاه إلى بلاد الكفار "الذين يأكلون بني آدم"، فأقام عندهم أربع سنين، ثم رده إلى بلده.
 
وإنما لم يأكله الكفار لبياضه، لأنهم يقولون إن أكلَ الأبيض لا يطيب، لأنه لم ينضج، والأسود هو النضج بزعمهم. قَدِمَتْ على السلطان "منسَى سليمان" جماعةٌ من هؤلاء السودان الذين يأكلون بني آدم، معهم أمير لهم وعادتهم أن يجعلوا في آذانهم أقراطاً كباراً، وتكون فتحة القرط منها نصف شبر، ويلتحفون في ملاحف الحرير، وفي بلادهم يكون معدن الذهب فأكرمهم السلطان، وأعطاهم في الضيافة خادمةً، فذبحوها وأكلوها ولطخوا وجوههم وأيديهم بدمها، وأتوا السلطان شاكرين، وأُخبِرْتُ أن عادتهم متى ما وفدوا عليه أن يفعلوا ذلك، وذكر لي عنهم أنهم يقولون إن أطيب ما في لحوم الآدميات الكف".
 
تحفة النظار في غرائب الاسفار وعجائب الامصار
 
ابن بطوطة – القرن الرابع عشر
صفحة 6
العروس
 
أختنق في هذا الجو الفاسد. مصيري لعبة حظ بأيدي لصوص، والفرح صار حبة دواء انتهت صلاحيتها.. زمن غادر.. في لحظة ينهار كل شيء.. والمستقبلُ يصبح جثةً على درب المجهول.. عادت الى البيت واجمة. بدت لي ضجرة متعبة متوترة، والاعياء خطف وجهها مثل خفاش متشبث في كهف مظلم. لم تقل شيئاً، لكن عينيها قالتا كل شيء. لم يكن في الجو سوى لهاث أنفاسها بعد المشوار في عز الظهيرة. لم أرَ عينيها بين تجاعيد وجهها من غير بريقٍ مثلَ اليوم.. خلعت منديلها عن رأسها بتأفف وضجر. راعني رؤية البياض في مؤخرة رأسها. انقبض صدري كمن مسته صعقة كهرباء.. لم أر الشيب في شعرها بمثل هذا الوضوح من قبل. سمعت زفرات أنفاسها المتلاحقة. كانت تغلي، وفي داخلها مرجل يوشك أن ينفجر. الصيف لاهب والحر لا يطاق. والسماء بدت بيضاء كالحةً بالسراب من شدة الوهج. تهب الخماسين بين حين وآخر، فأختنق من الغبار.. أكره الصيف.. لم أحس به ثقيلاً مثل السنة. في النهار تنضح الجباه والرؤوس التي انحسر عنها الشعر بحبات العرق! وفي الليل تهب ريح يرتعش لها الجلد. لقد أنهك التقلب روحي وأعياها.
 
لم أتجرأ أن أبادرها بالسؤال. يقدح الشرر من عينيها. أرى الجواب في وجهها وأسمعه في أنفاسها اللاهثة. بعد قليل قالت بيأس المستسلم: "ماذا سنفعل الان؟" أطرقتُ وقد عقدت الحيرة لساني. مات الامل الذي راودني منذ الصباح. دعوت في سرّي كثيراً أن تجدها أمي. لو عرفتها لخنقتها بيدي. لا تعرف أنها سرقت أمل قلبي الميت في الحياة. وسرقت عزة نفس أمي. توشك أن تبكي أمي قهراً.. تذهب كل يوم وتعود بخفي حنين. ولكن كان لدّي اليوم إحساس أنها ستجدها، وأننا سنخرج من هذه الورطة. تبدد الامل. شعرت بالغيظ والقهر. ارتسمت خيبة كبيرة كأنها اصابع دامية على وجه مذعور. هل يمكن أن يضيع كل شيء في لحظة؟ أتحرّق أن أعرف من تكون. إزددت حقداً في صدري عليها. صار مصيري لعبة في يدها. كيف يمكن أن تكون إمرأة بهذه الجرأة وتبلّد الإحساس؟
صفحة 7
يتصل "جمال" بين حين وآخر ليطمأن أمي. أعرف أنه مجرد تسكين للألم بدواء انتهت صلاحيته. لم يحصل شيء منذ أسبوعين. كل يوم تذهب للفرع فلا تسمع سوى الوعود والتعاطف. تذهب للمركز الامني لتسأل عنها بلا فائدة. لم أكن أتخيل أن الشر يمكن أن يتحول الى ملاك بلباس أبيض.. يختفي بيننا ونحن لا ندري. تأثر جمال كثيراً بالقصة: "اذا لم يجدوها، فسأدفع ذلك من جيبي".
 
أريد أن أصرخ.. لا أريد شفقة من أحد. أريد حقي.. منذ ثلاث سنوات وهو يشقى في سبيله، ويقاسي معاناة الغربة لأجل ذلك اليوم. أحاول أن أتخيل كيف يعيش وحده في مركز صحي على تخوم الربع الخالي. رسائله تفيض بالشوق ومرارة الوحدة وشظف العيش وحيداً. عندما أسمع رنة هاتفه أميزها.. اضطرب ويخفق قلبي.. أغلق الباب ورائي.. أخجل أن يراني أحد وأنا محمرة الوجه. يخبرني أنه يعدّ الايام يوماً بعد يوم، وساعة بعد أخرى. هل ما زال ذلك اليوم قريباً أم صار بعيداً؟ أحس إنه صار أبعد من مركزه النائي في شرورة شرق نجران. كيف سنخبره؟ وماذا ستكون ردة فعله؟ ماذا سيظن بنا؟
 
تزوج إخوتي الاربعة الكبار ورحلوا عنا. لم يبق سواى وأمي.. تعبت منذ أن تفتحت عيناي على الدنيا. تفتحتْ على دنيا قاسية لم أر فيها أبي. قالت أمي انفجر فيه لغم وهو على الحدود. عشت حسرة كبرت معي كل يوم. أثور على قدري بالبكاء والدموع كلما ذكرت أمي سيرته. لماذا حرمتني الايام أن أراه وأسمع صوته وأحس بحنانه؟ غدر بي الحظ أو القدر لا فرق. احتجت أمي ببساطتها: "بل هو نصيبنا".
 
لا يهم يا أمي.. لا يعرف معنى الحرمان سوى من جرحته أنياب الحياة. كنت أتمنى كأي فتاة أن ترى أباها الى جانبها في مثل ذلك اليوم. كلما رأيت ملامحه المبتسمة في الصورة على الحائط وهو يلبس لباسه العسكري، أحس بفجيعة القدر الذي حرمني منه قبل أن آتي إلى الدنيا.. لكنني تصالحت مع قدري ودفنت حسرتي في أعماقي عندما أطل فارس. لمست في كلامه حناناً إفتقدته منذ زمن. أحسست بالامان الممزوج بخوف في دنيا قاسية. وجدت كثيراً من الشبه بيننا. تركت أمي ووقفت أحدق في ملامح أبي.. تنثال الذاكرة الحزينة بتخيلاتها.. أشعر أنه يوشك أن يتكلم.. أحدق فيه فينفجر شلال الالم في شراييني.. أكاد أختنق..
صفحة 8
حفر فارس الصخر بيديه، وعلّم نفسه بنفسه. كان يعمل وهو في المدرسة، وعندما تخرج، حصل على بعثة ودرس التمريض. عندما جاء لبيتنا أول مرة مع أمه، إختلستُ بعض النظرات اليه. رأيت في وجهه وهيئته شقاء الايام، ولكن ابتسامته كانت تتوشح بالتفاؤل.. وكلامه يزرع بذرة الامل في نفسي. من أسرة فقيرة في حيّنا، ولكننا لم نكن نعرفهم. آمنة أم سعيد جارتنا وصديقة أمي هي التي أحضرته. ماذا سنقول له الان؟ ماذا يبقى من مستقبلي معه الان؟
 
رنّ الهاتف فأسرعت أمي. سمعتها تقول بنبرة انكسار: "لو لم تكن لهذه اليتيمة لما تأثرت الى هذا الحد". عرفت أنه جمال. سألتها ماذا يريد. قالت إنه قدم طلباً لتعويضنا، وهو ما يزال ينتظر الجواب من ادارته. شعرت بحزن له طعم حامض في أعماقي يوجعني.
 
عدت أعصر ذاكرتي علني أجد ابرة في كومة قش.. كان يوم خميس بعد العصر والمحلات مليئة بالبشر. في نهاية الاسبوع يأتي أناس كثيرون من كل مكان. يطوفون ويدورون من غير هدف. صارت الشوارع والمجمعات متنفسهم الوحيد. تصر أمي أن ترافقني في كل مشوار. تقول إنني لا خبرة لي في مساومة التجار وألاعيبهم. فكيف تتركني في هذا الموقف؟ بعد أسبوعين سيصل فارس، ويجب أن أشتري ملابسي الجديدة قبل أن يأتي. بالامس خرجنا لسوق الصاغة وأخذنا نتجول أمام محلات الذهب. أذهلني بريقه وأشكاله. ولكن أمي كعادتها تتريث في الشراء. "سنذهب لنتفرج على الذهب، ونعرف الاسعار ولكن لن نشتري". وافقتُ على مضض. لا أمل في مجادلتها. لم تأخذ معها سوى نقود قليلة كي لا تتهور بالشراء! تحملت أمي المسؤولية بعد وفاة أبي، ولكن قوة أمي قشرة خارجية تخفي ضعفها.. وصرامتها قناع تخفي به حنانها الذي لا تجيد التعبير عنه بالكلمات.
 
السوق في جبل الحسين مزدحم عن آخره.. بدأت العطلة الصيفية. دخلنا محلا للأحذية. جلستُ وجاء البائع وصار يحضر لي أحذية شتى، ولكن لم يعجبني شيء. رأيت تبرماً في عيني أمي. كثيراً ما نتناكف عند الشراء. لا تعرف أمي عن الطراز الدارج شيئاً. أحس أنها نسيت شبابها يوم أن توفي أبي.
صفحة 9
دخلنا محلاً لملابس النوم. كان ضيقاً ومليئاً بالنسوة وأطفالهن. أعجبتني بعض القطع. لم تعجب أمي كثيراً. شفافة خفيفة قصيرة! حاولت إقناعها ولكنها بقيت متمسكة برأيها. ضقت ذرعاً وقلت: "أنا من ستتزوج لا أنتِ". اخترت قميصاً كحلي اللون من قماش حريري شفاف مطرزة حوافه بالساتان والفراء وعلى الصدر نوع من الدانتيل المخرم. قالت إنه فاضح! استنجدت بمكرٍ ببائعة المحل، فأخذت تقنع أمي حتى أذعنت لاصراري على مضض. أخذت أمي تساوم البائعة. أخذت ألكز أمي بطرف أصابعي حتى توافق وننتهي من الامر! استخرجت أمي محفظتها. كانت تنتزع الدنانير منها واحدة بعد الاخرى بصعوبة. برغم التعب ومناكفات أمي ومساوماتها الطويلة، فقد كنت في غاية السعادة. كنت أتخيل نفسي وأنا في تلك الملابس واقفة بين يدي فارس، فأحس بالخجل!
 
أرسل فارس مهري وثمن جهاز العروس طيلة الاشهر الماضية الى أمي بواسطة حوالات بنكية. فتحت أمي حساباً بها في البنك وأودعتها لديهم. طلب فارس أن اشتري ما أحتاجه، فإجازته السنوية قصيرة ولا يريد أن تضيع في التحضير للعرس.
 
رجعنا للبيت. كنت سعيدة بما اشتريته وأنا أجربه آمام المرآة. فتحت أمي محفظتها وأخذت تعد نقودها الباقية. فجأة شهقت صارخة: هل أخذتيها؟ قلت لها ما هي؟ أخذت تبحث بنزق وانفعال عنها في داخل محفظتها. صاحت مرة أخرى وهي تنظر في عيني: لقد ضاعت. ارتبكتُ من المفاجأة.. هل أنت متأكدة؟ وانتزعتُ المحفظة من يدها وأخذت أنبش بداخلها. لم تكن هناك. إستبد بنا القلق. أخذنا نفتش في الخزانة وأدراجها. لم نترك مكاناً في غرف البيت الا وفتشنا فيه. ولكنها لم تكن هناك. طمأنت أمي الا تقلق، فالدنيا ليل. ثم تذكرت أنها ليلة الخميس وأن البنك سيكون مغلقاً في نهاية الاسبوع. قلت لها سنكون صباح الاحد على باب الفرع للابلاغ عن فقدانها قبل أن يحدث شيء.
صفحة 10
ليل طويل.. إستبد بأمي القلق وبقيت تشكو. كنت قلقة ولكنني تظاهرت بالهدوء، وحاولت التخفيف من قلقها. رأيت في عينيها جزعاً كبيراً. لم تهدأ وهي تتخيل أن أحدا وجد البطاقة وسحب كل المبالغ التي كانت في حسابها. قلت: "لا يمكنه ذلك فهو يحتاج للرقم السري". انتبهتُ كالمجنونة وأسرعتُ الى الخزانة ونبشتُ بين الأغراض عن الرقم. تنفستُ الصعداء. لكنها بقيت طيلة نهاية الاسبوع خائفة متشككة.. شعرت أنها كثيرة القلق من غير مبرر. في صباح الاحد نهضنا مبكرين وذهبنا. كان الفرع ما يزال مغلقاً فانتظرنا حتى فتح أبوابه.
 
دخلنا مكتب المدير مباشرة. شرحت له أمي ما حصل. أخذ يضرب على لوحة المفاتيح أمامه. - كم كان لديك في الحساب.
 
- ستة آلاف دينار.
 
أعاد ضرب المفاتيح. ارتسمت على وجهه بوادر مفاجأة. شعرنا بصدمة. وندت عن أمي صرخة كتمتها في آخر لحظة.
 
- لا يمكن أن يحدث ذلك. لقد أضعنا البطاقة في السوق ليلة الخميس. لا بد أن البنك كان مغلقاً، ثم إنه لا يعـرف الـرقم السري.
 
أرجوك تأكد مرة أخرى.
 
أمسك الهاتف وطلب تقريراً في الحال. لم أفهم كثيراً ما قاله. ولكنه طلب منا الانتظار.
 
دخلت فتاة تحمل تقريراً وأعطته للمدير. رأيت على وجهة علامة تعجب كبيرة. وارتفعت حواجب عينيه للاعلى. شعرت بقلق شديد في أعماقي وأنا أرى ملامح الدهشة تكبر على وجهه. نظر الى أمي وقال:
 
- "لا يوجد سوى ثلاثين دينارا وبضعة قروش". قالت بإنكار مضطرب:
 
- "لا يمكن. اشترينا بعض الملابس ودفعت نقداً للبائعين".