eKtab
EN ع
امرأة من ظفار
اقرأ عينة مجانية

امرأة من ظفار

بقلم أحمد الزبيدي

صفحة 1

(1)

كان أبي مربي أبقار وراعياً في الجبال والسهول المحيطة بمدينة مرباط. في شبابه أغرم بامرأة من قبائل الشحرة، وكانت من راعيات الإبل في «سمحان».
باع أبي الأبقار، وهجر تقاليد رعاة الأبقار العريقة، ومعها «أحكوب» ومضارب قبيلته. واشترى «إبلاً» وارتحل معها -أي الإبل- ومع راعية حبه الجميلة يجوبان جبال ظفار وسهولها وفقاً لتقاليد راعيات الإبل.
كانت نهاية قصة أبي والراعية الجميلة سعيدة. ولكنها ككل سعادة لا تدوم. ماتت زوجة أبي أثناء إحدى موجات الأوبئة التي اجتاحت بلادنا. وكرَّة أخرى باع أبي إبله. وعاد إلى مضاربه و «الحكب» أي القرية ومعه ابنه «محاد» الذي أنجبته له الراعية الشحرية الجميلة.
كان أبي ينتمي إلى إحدى القبائل التي تقطن المنطقة الوسطى من جبال ظفار، لم يكن قبلياً ملتزماً، ولم يكن ذا عصبية، وهو ينتقل في الجبال حيثما شاء، ربما لأن الروابط القبلية لعشائر «القَرى» تساعده على ذلك، وربما لأن أبي كان عصامياً ومقداماً، وصاحب قدرات على نسج الصداقات والعلاقات الطيبة التي كانت تؤمنه أينما حلَّ وارتحل.
وبالرغم من مزايا الارتحال التي تتوافر لرعاة الإبل، إلى جانب تنوع مزايا الأمكنة والمراعي والينابيع وتعددها، فإن قبلة أبي الأثيرة ومكانه الحبيب كانت مدينة مرباط الساحرة وجبالها وسهولها وينابيعها وناسها وفنونها وبحرها الأزرق الصافي، وقلوع السفائن البيضاء الذاهبة الآيبة في حوضها الوديع كأسراب طيور بيضاء مهاجرة من وإلى موانئ ما لها عدّ.
كانت النسوة يرددن في «الحكب» أي القرية حكايات أبي في زهو، حكايات صغيرة لغراميات والدي الوسيم، كان أبو محاد أو سالم ـ وهذا هو اسمه ـ يتمتع بجل صفات القبلي المثالية، فهو شجاع، ومقدام، ومحب، وكريم.
بعد سنوات من وفاة امرأة أبي الشحرية «أم محاد» أغرم أبي ثانية بامرأة «مشيخية» تقطن وأسرتها الجبال المحيطة بمرباط.
حكاية هذا الغرام سجلتها أغنيات النانا و«الدبرارت» الرقيقة عن الفتى سالم والساحرة حلوت وهذا هو اسم أمي.
تقول بعض كلمات هذه الحكاية:
بعلت مغودي ربة الجمال
إذ تعتليجن الحسناء إذ تتدلل
في ضير فيرعت على علية القوم
تعمر الـ حصل فلا يليق بها منهم
عرهير كطعة إلا الرجال البواسل
صفحة 2

(2)

في تلك الفترة، كانت حظوظ أبي والأهالي وافرة، فمواسم الرعي والصيد كانت جيدة وأمطار الخريف صبَّت قرابها «مخايل» أي وفقاً لتعبير الأهالي: سالت الأودية، وامتلأت الشعاب، وتدفقت الينابيع، وفاضت شلالات «دربات» وشربت العروق والآبار والسهول والجبال والبوادي من ماء سماء لا ينقطع.
اعشوشبت السهول الناعسة «بالسعد» الذي كبر واستطال فتمايل مع النسيم العليل وكأنه هو الآخر يرقص رقصة الخصب في حضرة «ربي» الخصب والحياة «واسنلي» و «سانلي» هذين الإلهين الظفاريين الوثنيين اللذين خلدا في الذاكرة الشعبية بالرغم من تعاقب الأديان والأزمنة.
كان الإله «واسنلي» كريماً ومعطاءً وكان خدنه الإله «سانلي» مقداماً ومحباً يلوذ به كل محتاج وخائف.
كبرت ثروة أبي من الأبقار، وأصبح ملاكاً متوسطاً؛ ابتاع لنا أبي من ثروته الجديدة بيتاً في مرباط يأوي إليه، ونحن معه أحياناً.
كان هذا البيت المتواضع في مدينة مرباط يشير إلى مكانة أبي النامية في الأوساط القبلية في الريف والمدينة. كبر أبي فكبرنا معه. وسعد أبي فظللتنا سعادته بألوان من الفرح والقناعة والحبور.
في الريف كانت «الأحكوب» تردد الأهازيج لكأنها جوقة موسيقى تعزف «للمشعير» عبر السهول والجبال وترددها «الأحكوب» أي «القرى» فتتدثر بالغابة وزقزقات طيورها وأناشيد حيواتها. ويمتد كل ذلك فإذا رايات قلع السندباد تغني سيمفونيتها الخالدة «ومشعيرها» «مشعير» للكرامة، وللإباء، لعزة القبائل الحميرية الباسلة:
تلك كانت طفولة شعب
طفولة الإلهين الوسيمين
واسنلي وسانلي
طفولة أرض الغدران والينابيع
أرض اللبان
لم يكن عالمنا نحن الفتيات الصغيرات والفتيان الصغار بعيداً عن كل ذلك، كانت أفراحنا تكتمل عندما يطل البدر المنير على أكواخنا والسماء صافية، كان الكبار يتطارحون الغرام، وكنا نحن الصغار نلحظ ذلك فنتطارح غراماً طفولياً ساذجاً وبريئاً.
كانت تلك أياماً للهوى والغرام للحكايات السحرية، وللشاعر الساحر، الذي «لوحظ» والإلهان واسنلي وسانلي يجوبون القرى ويلهون وعرافات القبائل في بحيرات الينابيع الرقراقة حيث خمر يتدفق من عضو الإله سانلي فتتلقفه العرافات الثملات الشبقات ليصنعن منه رقاً وترياقاً وأشياء سحرية خاصة تقدمها العرافات هدايا لساحرات خور روري «المعظمات».
في إحدى تلك الليالي السحرية من ليالي البدر المنير، والسماء صافية اقتادتني صديقتي الصغيرة نحو أكمة وطلبت مني أن أدعك «عضوها» بسائل قالت إنه تدفق من عضو الإله المحبوب سانلي
فعلنا ذلك بالتناوب
وحين عدت إلى كوخنا
كان والدي يتطارحان الغرام
كانت السماء صافية
والبدر المنير يمسد شعري
ويدعو إله السماوات والأرض
الرحمن الرحيم
أن يباركني.
صفحة 3

(3)

وكما إغماضة عين مرت أيام السعادة، وحلت أيام الشقاء، مات أخي الأكبر بلدغة ثعبان وقضى بعده بأشهر أخي الثاني بحمى مفاجئة، وتوفيت أختي بمرض غامض ونحن نتحلق حولها لا نملك من أمرنا شيئا، فلم يكن هناك دواء ولا أطباء ولا مشافٍ... لاشيء إلا ملك الموت يحصد ضحاياه براحة ويسر.

(4)

حلَّ المحل، وجفت الينابيع، وانقطع المطر، وجاء الجفاف فمات الزرع والضرع وعلى الدروب والمسالك وفي السهول والجبال ثمة جثامين ورمم لأبقار وإبل نفقت واقفة.
جاب رجال دين أميون القرى و«السكون» يشربون الحليب ويتزوجون النساء، ويدَّعون كرامات؛ صلوا للمطر فلم يهطل؛ فقرَّعوا الإلهين واسنلي وسانلي.
في المدن هرع غوغاء من رجال القبائل هاتفين:
«واسنلي سانلي
والحمار يركب عليه...»
هالني كل هذا الجحود
كل هذا النكران للجميل
فقد كان هذان الإلهان الوسيمان
يستحقان ما هو أرق وأعذب
طُويت صفحة واسنلي وسانلي
وهرعت القبائل تفتش عن رؤيا جديدة
إيمان مختلف
يحيل على مقبلات الجفاف والمحل.
صفحة 4

(5)

من يعرف هذه الجبال يدرك أنها تكاد تنطق وتقول، ومن سامر هذه السهول يحس كيف تخفي حملها الذي بدا أن أيام مخاضه قد حلت وأقبلت.
وفي مرباط وما حولها من القرى والسكون كان الجميع يشعرون أن خطباً جللاً سوف يحل، كل شي في حياة هذه البلاد: الماء، والهواء، والليل، والنهار، والعيون، والمشاعر، والرغبات والأحلام تشير إلى أن هذه البلاد مقبلة على ثورة عارمة، ثورة ستحدد مصيرها لعقود، ثورة ستكتب مأساتها بالدم والدموع.
في هذه الأجواء، تسلل رجل عبر الحدود مع اليمن قاطعاً طريقاً طويلاً إلى مرباط، كان هذا الرجل يحمل صندوقاً، صندوقاً سحرياً يتكلم ويغني، تقاطرت السهول والجبال لرؤية وسماع هذا الساحر الجديد، أسقط في يد العرافات، وساد صمت ساحرات خور روري، كان الصندوق يهتف بلسان الساحر الجديد: «ارفع رأسك يا أخي فقد ولّى عهد الاستعمار...»
جارنا في مرباط الصياد سعيد الذي ينتمي إلى إحدى القبائل القوية في الجبال المجاورة كان ممشوق القامة كرمح، جميلاً بجدائله الطويلة، رفع رأسه باعتداد ولم يحنه حتى لحظة إعدامه بعد ذلك بسنين... انهالت الرصاصات عليه فلم ينحنِ، وهوى نحو معشوقته الأرض في عناق لا ينقطع.
ظفار التي احتوت أعظم مدونة من الرسوم والكتابات لحضارات عظيمة سجلت تاريخها بعناية ودقة في الجبال والسهول والأودية والبوادي لكأنها «سبورة» تنطق بماض عظيم، هذا الماضي الذي أصابه الوهن، فقعدت قبائله تتقاتل في ظل جهالة وتخلف شديدين وحصار إمامتين إحداهما في اليمن، وأخرى في عُمان الداخل أشد تخلفاً، وسلطنة في مسقط كانت كل الدلائل تشير إلى هيمنة المشروع الاستعماري البريطاني عليها.
عوض الموت، الذي كان وطنياً ظفارياً خالصاً، والذي أعياه صراع القبائل، شكل وفداً وذهب إلى حكام مسقط يعرض عليهم مشروعاً وحدوياً: ظفار ومسقط كيانان في واحد.
كان حكام مسقط يعانون مصاعب جمة، أُسقطت الأسرة الحاكمة في إثر ثورة الإمام عزان بن قيس الوطنية، فتدخلت بريطانيا وأعادت حكم هذه الأسرة إلى مسقط، ومع ذلك ظل العُمانيون يرفضون حكم هذه الأسرة، وظل الوطنيون الإباضيون قوة غالبة ومشروعاً وطنياً للتغيير.
كان مشروع عوض الموت نعمة هبطت من السماء على حكام مسقط، فتمَّ إلحاق ظفار كملكية خاصة بالأسرة، ونفي عوض الموت إلى ضلكوت حيث مات فقيراً معدماً.
ودخلت ظفار في نفقٍ مظلمٍ؛
كان شعب ظفار يستحق أكثر من هذا
أصبح الاستعمار عربياً،
بل إن المسألة معقدة ومركبة.
سلطة الاستعمار تختار من نخبة البلاد التي تستعمرها نخبة تحتل بلداً آخر وتستعمره بالوكالة، حدث هذا مع الإمبراطورية العُمانية في زنجبار.
واليوم يحدث في ظفار؛
انتفضت قبائل القرى
فصمتت قبائل الكثير
وثارت قبائل الكثير
فحيدت قبائل القرى،
والآن جاء الصندوق السحري كما نبي جديد.
صفحة 5
جاء يقول: «يا شعب» وليس يا «قبائل»؛
ساد الدولة رعب من هذا الصندوق.
وانعكس كل ذلك في سهرات «المشعير» حيث انبرت إحدى الشاعرات تروي حكاية هذا الصندوق:
عمي حسن جاب راديو
صندوق خربطني كلامه
مره من لندن
ومره من عدن
وإلا كما صوت العرب
حلوه علومه
صادق ومتهندس
«رفع رأسك أخي»
«السلال» جالك
بالبشارة والسلامة
والقاهرة سبعين ألف
جندي بتحامي عشانك
شعب الظفاري
نزل القوات بالساحة
وخلي كلاشنك
يعزف لحن ثوري
يا محلا كلامه.
صفحة 6

(6)

قضينا شتاء تلك المرحلة في مرباط.
كان منزلنا عبارة عن غرفتين وفناء واسع، في الغرفة الواسعة المستطيلة كان أبي وأمي، وفي الغرفة الأخرى انحشرنا أنا وأخوتي، كان كل شيء مشتركاً وأليفاً، وفي الفناء كنا نقضي معظم أوقاتنا نتبادل الأحاديث، وفي جلسات السَّمر كنا نرقص البرعة وطبل النساء.
في حارات مرباط تمتعتُ بمباهج الألفة والتضامن، الحارات مفتوحة على المنازل، والبيوت مشرعة أبوابها لا تغلق أبداً، كنا ننتقل بسهولة ويسر من بيت إلى آخر، وفي الحارات و«الدكك».
كنا نمضي كلٌّ إلى غايته، هنا «مشعير»، وهناك طبل النساء، وفي «الدكك» وعلى استراحات المساجد كانت الحكايات تترى، حكايات البحارة الآتين من موانئ أخرى، من زنجبار ومقديشو وصور والبصرة وماليندي وبومباي، موانئ ليس لها عدٌّ، في كل ميناء حكاية، وهدايا وسلع، وأحياناً دموع وابتسامات للربان الذي مضى نحو جنيات البحر في اللجة، وللسفينة «الغنجة» التي اختارت لحدها هناك بالقرب من جون العشاق قريباً من جزائر خوريا موريا، أو في «غبة سلامه» حيث ظفر البحار الجسور بمعشوقته جنية البحر عارية، ثم هوى معها متدثرين «بقلع» سفينته في اللجة المظلمة نحو عمق سبعة محيطات وعشرة بحور حيث وضعت جنية البحر مولودها من البحَّار الإنسي الجسور،مولودها الذي أسمته أسد البحر الظفاري وأورثته سلطانها البحري ممالك المرجان، وحدائق الذهب والزمرد، وغابات اللؤلؤ ، وبلاد غانيات سرنديب الفاتنات.

(7)

كان جارنا سعيد وسيماً وأليفاً ذا سيرة عطرة، وتاريخ أبيض. صادفته وأنا أصعد سلالم منزله، فنظر إلي وتمتم:
- ما شاء الله أصبحت امرأة.
التقطت ذلك سريعاً، وانطبعت كلماته في ذهني إلى الأبد، حاولت أن أطيل الحديث معه لكنه مضى، قابلتُ امرأته المكتنزة كبقرة سمينة، كانت تتمدد على السرير شبه عارية، ضقت ذرعاً بأمري، فخرجتُ من دارها أبحث عن صديقتي «فوطمت» مستشارتي لشؤون «الحب» فلم أجدها. عدتُ إلى دار جارتي البقرة السمينة «محبيت» علني أحظى برؤية جارنا الحبيب سعيد، لم تمهلني أمي كثيراً، فقد جاءت وأخذتني إلى بيتنا.
ثمة جلبة وضجيج نساء في دارنا، أقعدتني أمي على السرير وأسدلت خيمة شفافة علي، كانت تلك الخيمة من النوع الذي يستخدم للوقاية من لسعات البعوض، وحين انطلقت زغاريد النساء فهمت أنني قد أصبحت عروساً.
مَرَّ كل شيء سريعاً وحين حلَّ المساء التفَّت صديقاتي حولي، وفهمتُ منهنَّ أن عريسي هو علوان المعاميري وهو ابن عقيد عسكر مرباط سعيد المعاميري.
لم أفهم من المسألة إلا النزر اليسير، فلم تكن لي آنذاك تجربة جنسية، ولم أتحدث مع صديقاتي في أمر هذه الحالة، ولكن هذه الجلبة والزغاريد والقبل، والجوّ الجديد المثير الذي شاع فجأة في بيتنا أدخل السرور على قلبي وجعلني أشعر أنني محور اهتمام الجميع.
كنتُ قد لمحتُ علوان غير مرة في مناسبات شتى، لم يكن ليثير اهتمامي بالرغم من تهافت بعض صديقاتي عليه.
الآن وقد أصبح علوان مشروع زوج لي فقد بحثتُ عن إحساس ما نحوه فلم أعثر عليه، ومع ذلك لم أحس بمشاعر سلبية نحوه، فقد كان علوان بحزام الرصاص المتزر به والسكين في وسطه وبندقية «الصمعة» التي يحملها على كتفه، وكونه عضواً في ميليشيا شبه عسكرية، مطلوباً ومحبوباً من بعض صديقاتي، فهذا الفتى الذي يفيض رجولة هو أيضاً ابن عقيد عسكر الوالي أحد أهم ذوي النفوذ في الولاية.
تنتمي قبيلة المعاميري إلى سهل الباطنة في الشمال العُماني، امتازت هذه القبيلة بتنظيم أفرادها شبه العسكري، فهي كقبيلة تفردت بتنظيمها الميليشوي شبه العسكري وبطاعة عمياء لقيادتها القبلية.
في سهل الباطنة مارست هذه القبيلة مهن الرعي وزراعة الكفاف والصيد، ففي سنوات المحل والجفاف تعاني كقبائل أخرى في سهل الباطنة السغب والمجاعة.
غالباً ما دبَّت الصراعات على أساس الهناوية والغافرية في عُمان الشمالية، وهو خلاف أيديولوجي في أساسه، ضمن مؤسسة الإمامة الإباضية، وإلى جانب ذلك كان هناك نظامان مختلفان كلياً... نظام الإمامة، ونظام السلطنة، وكان الرأي العام والقبائل في عُمان مواليين على الأغلب لنظام الإمامة، بيد أن قيادة قبيلة المعاميري كانت موالية لنظام السلطنة المدعوم من الإنجليز.
في «مملكة ظفار» وفي المناطق السنية على وجه الخصوص احتاج نظام السلطنة إلى هذه الميليشيات شبه العسكرية لحماية النظام ولفرض سيطرته وسلطته.
شاركت ميليشيات قبيلة المعاميري السكان في السغب والجوع، فلم يكن دكتاتور نظام السلطنة ليمنح هؤلاء إلا ما يقيم أودهم، وكان الفقر والجوع يلاحقانهم شأن السكان، ومع ذلك ظلت هذه الميليشيات موالية للنظام حتى اللحظات الأخيرة.
صفحة 7

(8)

مرّت أفراح العرس بسهولة ويسر، التفّت فتيات الحارة حول سريري يرقصن ويزغردن، نحر الرجال الذبائح، وجاء أفراد من قبيلة المعاميري في صفوف منتظمة يرقصون «الرزحة» ويطلقون الأعيرة النارية، وهم يرددون الأهازيج في مدح قبيلة أبي، كانت تلك مجاملة لطيفة سُرَّ أبي بها كثيراً، فأبي مهما كان متسامحاً ومتساهلاً فهو ينتمي إلى مجتمع القبائل.
في منتصف الليل أدخلوه إلى حجرتي، كنت مرهقة في غاية النعاس، وفجأة أغلق رتاج الباب، خلع إزاره، وجاءني عارياً مشوشاً ومضطرباً، خاطبته باللهجة الشحرية الظفارية فلم يفهم، وازدادت حيرته ومخاوفه، فطالبته بصيغة حاسمة أن يلبس إزاره، تحادثت معه قليلاً، وأبلغته أنني متعبة ومرهقة وأن عليه أن يصبر وأن لا يتصرف كوحش.
كان ذلك التصرف ثمرة نصائح صديقتي «فوطمت» الثمينة، ترويض الوحش من أجل السيطرة عليه.
بدا علوان يائساً ومحبطاً، وأخيراً خمدت نيرانه وخرَّ صريع النعاس على الوسادة. شعرتُ بالزهو فأنا التي تدير حلبة الصراع وتقرر المسائل.
أشفقت عليه فأيقظته من سباته ودعوته لإغفاءة على السرير، في السرير هاج وماج وأنَّ وبكى وفي الأخير انقضَّ عليَّ وأفرغ «ماءه» في فخذي.
عندما جاءت النسوة لإيقاظنا بدا وكأنه سيقع من التعب، ضحكت النسوة، بيد أنه همس في أذني وهو يهم بارتداء ثيابه:
- إن ريح الشمال تغلب ريح الجنوب.
ظل يردد ذلك دوماً
في محنته وأساه
في مسراته وأفراحه
في يقظته وسباته
بكلمات متقطعة
وبعبارات فصيحة
كان ذلك كلاماً خطيراً
وذلك ما سيتضح في مقبل الأيام.
صفحة 8

(9)

في الفجر أخذتني امرأتان للاغتسال، كانت بقع من «مائه» لمَّا تزل على جسدي، ابتسمتا ساخرتين مسدتا نهديَّ وحاولتا العبثَ بجسدي، انتهرتهما فأنهيا حمامي سريعاً.
فكرت ملياً في كل هذه الأحداث التي مرت بي، أحداث لم أحسب حسابها، وظروف لم أرتبها، كل شيء مَرَّ سريعاً، وربما حلواً، وها أنا أحصد نتائج كل ذلك، رجل في مخدعي، يخلع إزاره عارياً ويخطر في حجرتي كشبح، هذا الرجل نام في سريري وطرد النوم من عيني، حاول العبث بجسدي، بال ونام وشخر في منامه، وفي الصباح كان علي أن أطعمه وأسمع تبجحاته حول « ريح الشمال تغلب ريح الجنوب».
فيما مضى من الأيام كنتُ أنام كما أشاء، وأستيقظ متى أشاء، كنت أجوب مرباط وأسهر وأرقص طبل النساء، وفي الليل أحلم بفارس يجوب بي الموانئ ويطوف بي من قندهار حتى كشمير ومنها إلى بغداد وسمرقند ومدائن طريق الحرير، لم أعد أحس أنني حرة، أصبحت امرأة ذات بعل، بعل ثقيل وخطير كما نيزك سقط من سماء بعيدة.
فكرت ملياً، أنا فتاة واقعية. فلا سمرقند في يدي ولا قندهار، لا بغداد تعرفني، ولا مدائن طريق الحرير تأبه لي، فما أنا إلا فتاة فقيرة في هذه السهول والجبال، فتاة لم تنل حظها من أي شيء، فلا تعليم، ولا وسائل للحياة معقولة فما أنا إلا راعية أشرب حليب النوق وأهيم في الوديان والذرى أحلم بيوم ممطر وبـ «كلأ» لنوقي وأبقاري.
والدي الذي رباني لم يسمعني يوماً كلمة نابية. ولم تجرِ «لا» على لسانه منذ أن عرفته. فأنا حرة كما الريح التي تصفر في الوديان السحيقة والذرى الشاهقة، حريتي التي ورثتها إنما تأتي من امتداد هذه السهول، ومن شموخ الجبال، ومن تحليق الطيور، ومن خمر الإله «واسنلي» الذي تدفق من «عضوه» الجميل عبر الينابيع والغدران يسقي كل محتاج ويفيض به على عرافاته وساحرات خور روري الفاتنات.
واليوم، أنا سليلة هذه القبائل الباسلة، عليَّ أن أفتش في دروب حياة أخرى، حياة قررت أن أمضيها مع هذا «الفتى علوان»، حياة نقية وصادقة.
حين جاء للعشاء في اليوم التالي حادثته، لقد قررت أن « أمضي معك من أجل حياة نقية وصادقه...». أطرق، فأضفت:
- فأما عن ريحك التي تدعيها فإنها عاصفة مزابل ونفايات لا قيمة لها، دعك منها، رأيته يعتصر ويحك أنفه الضخم، فدعوته إلى الفراش. قال لي: إنه سعيد، وإنه يحبني، وإنه لو أتيحت له كل نساء الأرض فلن يختار سواي. أعطيته ما أراد. وحين انتهينا وبالرغم من كل الأمنيات الطيبة والكلام العذب، أحسست أن جسدي بارد، وأن عقلي محتار وشارد، وأن خاطري في بلبال، لم أدرِ كنه ذلك فتمددت على السرير وقد جفاني النوم وطار عني الرقاد.
صفحة 9

(10)

رحل أبي وأمي وأخوتي إلى الريف، وقعدت وحدي في المدينة، حتى جارنا سعيد لم يعد أحد يراه، كان كما أخبرتني أمي عن أبي يختفي طويلاً، ربما في سفر طويل، وربما في الكهوف والغابات، كل شيء بدا غامضاً وعرضة للأقاويل والشائعات.
علوان أيضاً بدا متوجساً، كان يوصد الأبواب في الليل، ويحشو بندقيته بالطلقات.
سألته:
- لم كل هذا؟
فأجاب:
- نحن عسكر.
كنت سعيدة بأنني ربة هذا البيت، وبعلوان وبندقيته التي لا أظن أنها قابلة لأن تطلق طلقة واحدة، ومع ذلك كان مقنعاً حين قال لي:
- إن أثرها يكفي.
طلبت منه أن يستبدل السكين البائسة التي يربطها في وسطه بخنجر تليق بابن عقيد العسكر.
فأوضح لي:
- آه لو تعلمين، ها هو راتب السلطان لا يكفي حتى لإطعام دابة ومع ذلك فإن علينا نحن العسكر أن نتسلح حتى بالمدى للدفاع عن أنفسنا، فرجال الجبال شرسون، ولا يرحمون.
وأضاف:
- نحن أكثر بؤساً منهم، لديهم الحليب واللحم، نحن ماذا لدينا؟
كان صوته مختنقاً وبائساً، سألته:
- لم لا تشرح ذلك لأبي؟
تمتم:
- أبوك متورط.
لم أفهم، بيد أن ذلك كان يعني الكثير.
مرباط صيف هذا العام كانت رائعة ووديعة وذات طعم خاص، امتلأت شباك الصيادين بخيرات البحر، أجود أسماك المحيط الهندي بأرخص الأثمان، كان علوان يحمل حمولته من الأسماك، وأتكفل أنا بالشواء في تنور مشترك مع جارتنا السمينة كما البقرة «محبيت» زوجة جارنا سعيد.
كانت رائحة الشواء تفوح من كل حارة وبيت، أظهر علوان سعادة فائقة وكان مرحاً ولطيفاً وفاض مرحه وحبوره علينا جميعاً نحن والضيوف المتحلقين حول نار التنور المباركة.
في ليلة من ليالي الشواء فاجأنا سعيد بحضوره البهي.
سألته عن الأحوال فأجابني:
- في أحسن حال.
- وهل لديك أخبار عن أبي؟
- هو الآخر بأحسن حال.
- وأين تختفيان؟
- كيف؟
قال لي علوان:
- إن أبي متورط، ماذا يعني ذلك؟
لم أرَ في حياتي سعيداً بمثل هذا الهياج والارتباك:
- حاولي أن تستدرجيه.
- لماذا؟
- لابد أنه سمع ذلك في مجلس أبيه.
تقدم شابان نحونا فانقطع حبل حديثنا. في الصباح ذهبت أبحث عن سعيد فقيل لي إنه:
- رحل !!
صفحة 10

(11)

أصابني إعياء شديد، تقيأت وكدت أقع من شدة الدوار، أحضر لي الجيران «معالجة شعبية» تفحصتني، وأكدت لي: «أنت حامل». كانت تلك مفاجأة كبرى لي، جاءت أمي من الريف، وزارني الأهالي والجيران، ثمة أمنيات ودعوات. حتى عقيد العسكر زارني وأطلق عياراً نارياً ثم همس في أذني:
- ثمة عقيد عسكر في الطريق، مشروع عقيد عسكر.
ثم أضاف:
- وربما نور ومحبة للجنوب والشمال.
قاطعه أبي:
- الجنوب دوماً نار ونور، ريح عاصف ونسيم عليل.
بدا واضحاً أن هناك خطابين. ولم أشأ أن يكون حملي موضوعاً لصراعهما، أشرت على علوان أن يسقي الضيوف القهوة العربية وكان ذلك يعني في التقاليد الشمالية انتهاء الزيارة.
رشف عمي عقيد العسكر قهوته ممتعضاً وهبَّ مودعاً.
عاتبت أبي بكلمات رقيقة. فقد كان واضحاً في «حدته» وافتقاده روح المجاملة.
ولكن أبي أوضح:
- أتكون مصادفة أن تحملا معاً؟
- أنا ومن؟
- أنت والجبل
- وهل يحمل الجبل؟
- أووه
- .....
كان والدي في هذه الأيام يطلق كلمات سحرية غامضة. كان يظهر ويختفي ولا أحد يعلم أين..؟ يصمت أياماً لا يكلم أحداً، فإذا ما جرؤ أحد أخوتي على محادثته قدحت عيناه شرراً وفي أيام أخر كان يبدو مبتهجاً وهو يلقي خطباً وعظات عن شعب ظفار العظيم، عن سمهرم وعاد وثمود والجبهة المتحدة، وشعب « واسنلي» عن بورسعيد، ووالدكم القائد الأسمر ناصر، عن جميلة بوحيرد وجمال، عن الخط القومي، والقومية العربية عن المحيط الهادر والخليج الثائر. وكلها أمور لا نعلمها ولم يوضحها أبي.
جاءني علوان بالهدايا متودداً وقال لي:
- أي اسم اخترته لعقيد العسكر؟
- قلت غاضبة:
- ابني لن يكون عقيد عسكر عند الحكام الظالمين.
- وما الذي تريدينه أن يكون، حلاّب بقر؟
كان ذلك يعني تعريضاً واضحاً بقبيلتي وقومي رعاة الأبقار. فأجبته:
- سيكون اسم ابني «سانلي».
- ومن يكون سانلي هذا؟
- إنه سيدك أحد آلهة شعب ظفار القدامى.
زمجر غاضباً:
- هذا شرك... هذا كفر.
وذهب إلى الفناء يدور كثور في الحلبة ويصرخ ويزمجر:
- هذا شرك... هذا كفر.
على هذه الحال وجده أبي، هدأ من روعه وشرح له بصبر:
- إن سانلي هذا لا يعدو أن يكون تراثاً وذاكرة في التاريخ، وأننا مسلمون، ولا نحتاج في هذا الصدد إلى شهادة من أحد.
آبَ علوان إلي كطفل وديع. مسَّد شعري والدموع تملأ خده، وأوضح لي بلهجة تصالحية:
- سانلي لا بأس ما دام سيولد مسلماً وعلى م...ذ...هـ...ب...ن...ا !
تعبت من هذا السجال فلم أجبه، كنت قد قررت أن أمر سانلي ابني لن يكون إلا في يدي.
كنت قد استمعت في كلمات مضطربة وغير واضحة عما يعنيه علوان بمذهبه. وكان يعني كما فهمت بعد سنين طويلة « المذهب الإباضي» الجليل والموقر.
لم يكن لعلوان أي ثقافة دينية، فلم يكن يحفظ مثلي أي آية من آيات القرآن ولم يكن يعرف الصلاة أو القراءة مثلي أو مثل بقية السكان، واندهشت حين سمعته يتحدث عن المذهب، وكنت قد خمنت أنه يشير إلى ديانة لا أعرفها، وحين سألت أبي عما تعنيه كلمة مذهب أحرج واضطرب، ولكن أبي عاد إلى مراجعه، وأكد لي أنه يشير إلى المذهب الإباضي الجليل، مذهب أهل عمان، ولم يضف شيئاً لأنه لم يكن يعلم أكثر من ذلك، بل ولا أظنه يود أن يعلم في هذا الصدد أكثر من ذلك.
بدأت بتمهل، وفي أناة أفهم بعض علوان، فهذا الفتى كان غنوصياً باطنياً. حمَّال أوجه، كلما فككت رموز وجه، ظهر آخر أشد غموضاً وانغلاقاً.
جاءني ذات يوم يسأل:
- أتحبين سانلي؟
- أيهما ابني أم الآخر؟
- الآخر.
- كلاهما.
- ولكن سانلي «الإله» ليس سوى صنم لا يضر ولا ينفع.
- ربما بعض ذلك صحيح.
- بل كله...
- ولكن سانلي لم يدَّع ذلك، أي أية ألوهية، وهو لم يصدر أوامر أو نواهي، ولكنه في تلك الأيام الغابرة كان يؤدي دوراً، أحبه أجدادنا، وأورثوه ذاكرتنا وحين جاء الإسلام انتهى الأمر وغدا سانلي طيفاً لطيفاً في الذاكرة، فهو لم يكن مجسماً في حجارة أو حديد، لم يكن وثناً ولا صنما ًولا ديانة، كان طيفاً لطيفاً كما وسن في طفولة ذاكرة شعبنا.
صمت...
غير أني كنت موقنة أنه سيفجر أمراً جديداً، وهذا ما فعله حين جاء إلى أبي يسأله ونحن نتحلق حول نار التنور نأكل السمك:
- أيلد الجبل يا عمي؟
فوجئ أبي فتملص:
- وهل تعترض؟
- ليس الجبل سوى حجارة.
- ألم تسمع العرب يقولون: «تمخض الجبل فولد فأراً»؟
- وهل سيلد جبلك فأراً؟
- جبلي سيلد ثواراً، أحراراً يفلقون الصخر ويصهرون الحديد، عندئذ لن يكون أمامك أنت وأبيك وعسكره سوى الفرار كفئران سفينة غارقة.
كان ذلك منتهى الجرأة من أبي.
وإشارة إلى أن شيئاً ما قد بدأ ينضج ويعبر عن نفسه بجرأة ووضوح.
توترت حلقة الشواء حول النار، وبدا خطاب أبي صادماً وعنيفاً، ولكن حقيقة الأمر أن أبي كان يرغب في إعلان ما هو متفق عليه مع رفاقه، وأعطاه علوان دون قصد الفرصة المناسبة.
تحسست حملي، وتساءلت في هذه الظروف المضطربة أين سيكون مصيري أنا وولدي سانلي. أي مصير؟ وأي حياة؟ وسط حرب بات من المحقق أن نيرانها ستندلع في أية لحظة.
لم يكن الأمر يروقني، فلم أتحمس كثيراً لاندفاعات أبي الوطنية، وكانت مناورات علوان تؤكد لي أنني أمام لغز عصي وأكذوبة كبيرة.