صفحة 1
مــقــدمــة الـطـبـعـة الـعـربـيـة
طبقًا للمحللين الاستراتيجيين توماس بارنت Thomas Barnett وهنري جافني Henry Gaffney، العاملين ضمن مؤسسة الأمن القومي الأمريكي، فإن احتلال العراق لم يكن محاولة تسوية حسابات قديمة أو مجرد تطبيق لقرارات مجلس الأمن الدولي الخاص بنزع سلاح العراق··· وإنما جاء كأول تطبيق لإستراتيجية إدارة بوش الخاصة بالحروب الاستباقية المثيرة للجدل؛ ليشكل نقطة تحول تاريخي على امتلاك واشنطن الفعلي للأمن الاستراتيجي في عصر العولمة ويضيف المحللان بأن على الولايات المتحدة أن تتوقع بأنها ستتحمل نصيب الأسد في الجهود الأمنية الخاصة بدعم مسيرة العولمة؛ باعتبار أنها ستكون الأكثر استفادة من مكاسبها التي لن تتوزع بالتساوي··· فالولايات المتحدة تميل إلى استيراد الطاقة وتصدير التلوث، أو بكل بساطة، نحن نعيش بصورة تتجاوز قدراتنا على التحكم بالبيئة، وكما يتضح من مؤشرات العجز التجاري المتعاظم، نعتمد على العالم في خدمة ديوننا الخاصة وهو ما تقوم به معظم البلدان··· ليس هناك ما يثير قلقنا بشأن هذه الصفقة التي تقوم بالأساس على مقايضة منتجات فعلية (كالنفط) بأوراق نقدية··· ومثل هذا النوع من المبادلات يفسر لماذا استفادت الولايات المتحدة من الارتفاع الحاصل في الاقتصاد العالمي
يرى الباحثان أن مسيرة العولمة تحتاج إلى أربعة تدفقات: تدفق النفط، وتدفق الأمن، وتدفق الأموال، وتدفق العمالة· ودعنا نخصص مقدمتنا أساسًا لتدفق النفط الذي تلعب منطقتنا محوره الأساسي، حيث إن الفصل الأخير من هذا الكتاب يشرح سائر التدفقات الأخرى بإسهاب· والنفط عملة ذات وجهين: أولهما أنه مصدر لتوليد الطاقة، كان السبب في إشعال الثورة الصناعية بتصاعد لوغرتمي منذ إنتاجه بالطرق الحديثة منذ عام 1859، وثانيهما بأنه عماد الإمبراطوريات وذراعها لتسيير آلاتها العسكرية والصناعية والهيمنة على الغير·
ومع أن النفط كمصدر للطاقة معروف للجميع؛ إلاّ أن القليل يعرف بأن الطاقة المستخرجة من برميل نفط واحد تساوي ما يعادل طاقة عمل رجل واحد لمدة 25 سنة! لهذا الأمر انطلقت الثورة الصناعية بشكل متسارع في الولايات المتحدة، مما زاد الإنتاج عن الاستهلاك الداخلي بكثير وبسرعة فائقة، ومما سبب حروبها الاستعمارية (كما تسميها الانسايكلوبيديا بريتانيكا !) منذ سنة 1898 ضد إسبانيا وحتى حربها الأخيرة على العراق، وذلك إما لفتح أسواق جديدة أو السيطرة على المصادر الطبيعية للآخرين· وما لا يعرفه الكثيرون أيضًا أن 10 سعرات حرارية من البترول يتم استخدامها لتوليد سعر واحد من الغذاء· ذلك لأن البترول يتم استعماله كأساس للسماد الكيماوي، والمبيدات الحشرية، والماكينات الزراعية الحديثة، ووسائل نقل المزروعات· كما يستخدم النفط في صناعة الأدوية، وشبكات توزيع المياه، وتوليد الكهرباء والصناعات· إن إنتاج السيارة الواحدة يحتاج إلى معدل 20 برميلاً من النفط، وإنتاج غرام واحد من رقائق الكمبيوتر يحتاج إلى 1600 غرام من النفط، كما أن استخراج المعادن يعتمد على النفط· فإنتاج طن واحد من النحاس بحاجة إلى حوالى 18 برميلاً من النفط·
صفحة 2
ولعل حروب الإمبراطورية الأمريكية النفطية العلنية في بداية القرن الواحد والعشرين كانت نتيجة إدراك الولايات المتحدة بأن بداية النهاية لعصر النفط - ابتداءً من بداية نهاية عصر النفط الرخيص - قد بدأت، حيث أصبحت الولايات المتحدة مستوردة لأكثر من ثلثي احتياجاتها النفطية، وحيث أن منطقتنا هي الحاملة لأكثر من ثلثي احتياطي العالم ذات الكلفة الأرخص في استخراجه؛ فقد اندفعت الولايات المتحدة لغزو أفغانستان ومن ثم العراق بطريقة القاتل أو المقتول، غير آبهة بمعارضة الحلفاء والأعداء على حد سواء· وكما يبين هذا الكتاب فإن عملية غزو حقول نفط الشرق الأوسط العربية والإسلامية واحتلالها قد بدأ التفكير بها ثم التخطيط لها ثم التدرج في تنفيذها منذ السبعينات من القرن العشرين· وكما أن النفط سلاح (إعمار) شامل قامت عليه المدنية الغربية الحديثة بأكملها؛ فإنه أيضًا سلاح (دمار) شامل يمكن أن يُدمر أي اقتصاد يتم حرمانه منه·
في كتابه المعنون (الدولة المارقة) يبين الكاتب الأمريكي ويليام بلوم William Blum أن أهداف الإمبراطورية الأمريكية ثلاثة:
خدمة المال وشركاته وفتح الأسواق لها في أرجاء العالم كافة بتطويع قوانين الدول لتنسجم مع متطلبات تلك الشركات العابرة للقارات باسم العولمة·
عدم السماح بقيام أي مجتمع يمكن أن يمثل نموذجًا ناجحًا يتنافس مع النظام الرأسمالي الأمريكي، والذي وصفته عقيدة بوش الثاني بالنظام العالمي الصالح لكل الدول والأفراد ولكل زمان ومكان·
الهيمنة الكاملة على دول العالم بأجمعه لتحقيق الهدفين أعلاه·
يندرج احتلال العراق تحت البند الأول لإفساح المجال لشركات النفط المتعددة الجنسيات باستغلال الثروة النفطية العراقية· ولكن أين يمكن أن تتنافس الدول العربية والإسلامية الغارقة في التخلف بجميع أشكاله وأنواعه مع أكثر أمم التاريخ قوة وعلمًا واقتصادًا؟ لكن يبدو أن قوى المؤسسة الدائمة الحاكمة في الولايات المتحدة والغرب لها رأي آخر في ذلك، فصامويل هانتغتون Samuel Huntigton يكتب في صفحة (205) من كتابه المشهور صراع الحضارات، ويقول يرى الزعماء السياسيون الغربيون، ومنهم المستشار الألماني ورئيس الوزراء الفرنسي، صحة ما صرح به السكرتير العام لحلف ناتو NATO سنة 1995، بأن الأصولية الإسلامية هي على الأقل توازي الخطر الذي كانت تمثله الشيوعية للغرب، كما أن عضوًا بارزًا جدًا في إدارة كلينتون صرّح بأن الإسلام هو المنافس العالمي للغرب·
صفحة 3
يشرح كتابنا هذا بأن استراتيجيي الغرب يرون أن لا عولمة ولا هيمنة دونما قبول الدول والشعوب الإسلامية بالأنظمة الغربية، جملةً وتفصيلا· ولو أردنا الاستمرار في إنكار الواقع المفروض علينا لقلنا إن الغرب علماني، ولعل ما يزعجه هو غلاة المسلمين وأصوليوهم· لكن هانتنغتون وهو ابن المؤسسة الدائمة الحاكمة لا يلبث أن يزيل هذا الغموض بشكل لا يقبل أي التباس؛ فيقول في ص (217) من كتابه المذكور: إن المشكلة بالنسبة للغرب هي ليست الأصولية الإسلامية، المعضلة هي في الإسلام نفسه وحضارته المختلفة التي يؤمن المسلمون بتفوقها، في الوقت الذي يعانون به من ضعف في القوة· ليست مشكلة الإسلام هي وكالة المخابرات المركزية (CIA) ولا وزارة الدفاع، المشكلة هي في الغرب ذاته وبأنه ذو حضارة يؤمن أصحابها بتفوقها وبضرورة عولمتها لسائر البشر في كل أرجاء العالم· هذه هي عوامل الفرقة التي تغذي الخلاف بين الإسلام والغرب ولو أردنا الزيادة في إنكار الواقع فنقول: كل ذلك بسبب 11 سبتمبر 2001، ألم يقل بوش بأن كل شيء قد تغير بعد ذلك الحدث؟ لكن المشكلة تبقى بأن هذه النوايا والأقوال كانت مبيّتة قبل 11 سبتمبر - لأنها صدرت في سنة 1995 !!
لم يكن ذنب العراق الحقيقي أكثر من أن الله قد حباه بثروات طبيعية ونفط، ونرجو من الله ألاّ يستذكر الآخرون أنهم أُكلوا يوم أكل الثور الأبيض· كان إنتاج العراق لملايينه الثلاثة باليوم من البترول من 18 حقلاً من النفط فقط من أصل 80 - فهناك 62 حقلاً ينتظرها قانون النفط الجديد
ومن هنا تأتي الحاجة الإمبراطورية الإمبريالية للنفط لفرض الهيمنة على الآخرين، حيث ترى الإمبراطورية الأوحد في العالم أنها لا يمكن أن تترك مصيرها بأيدِ أجنبية مهما بلغت صداقتها تلك، وبذلك أصبح احتلال مصادر الثروات الطبيعية بما فيها النفط ركنًا ثابتًا من أركان السياسة الإمبريالية الجديدة· وحيث إن النفط مادة آيلة للنضوب، وقد بدأ العد التنازلي لهذا النضوب في الولايات المتحدة الـ 48 منذ عام 1971، وفي ألاسكا منذ سنين قريبة، وفي بحر الشمال أيضًا، أصبح نفط البلدان العربية والإسلامية هو مفتاح الحياة لبقاء الاقتصاد الغربي لكي يكون أو لا يكون··· كذلك فإن الولايات المتحدة في عصر العولمة قد نصبت نفسها شرطي العالم والعولمة؛ ذلك لأن فوائد هذه العولمة يتم تجييرها لصالح الإمبراطورية الأمريكية· وهنا نستذكر تعليق جورج كينان George Kennan مهندس سياسة الاحتواء بعد الحرب العالمية الثانية، عندما تم بحث السماح بتصنيع اليابان أم عدمه، حيث قال إنه بإمكان اليابان التصنيع كما تشاء، على أن تكون اليد الأمريكية قابضة على صمامات النفط التي تغذي تلك المصانع لتغلقها متى تشاء·
صفحة 4
والشيء نفسه ينطبق على الصين والهند؛ أسرع الاقتصادات نموًا، حيث بإمكانهما تنمية صناعاتهما كما تشاءان ما دامت الولايات المتحدة هي التي تتحكم بتدفق النفط إليهما، وأي طريقة أكثر أمنًا في مثل هذا التحكم من إقامة قواعد جنودها فوق تلك الاحتياطات النفطية العربية والإسلامية، بالإضافة إلى حراسة طرق النفط وإمداداته وأنابيبه من البلد المنتج حتى المستهلك؟ خصوصًا وأن نفط الخليج سيشغل حوالى 80% من الواردات الآسيوية من النفط بحلول سنة 2020·
عندما بدأ المحافظون الجدد والقدامى من قبلهم حربهم الأخيرة على العالم الإسلامي تحت شعارات واهية، فقد وصفوها بأنها حرب الأجيال (Generational War) وبأن جيلين على الأقل سيشهدان هذه الحرب اللا مقدسة· وسوف تستمر الهجمة بطريقة أو بأخرى بغض النظر عن الحزب الحاكم أو من هو الرئيس· فالولايات المتحدة تحكمها مؤسسة دائمة هي التي تقوم بانتقاء أعضاء المؤسسة المؤقتة المنتخبة، وهي التي تضع لها البرامج الاقتصادية والسياسية وتقدم لها المال لحملاتها الانتخابية· وبناءً عليه فإن الرأسمالية التي تعتمد على النمو، هذا النمو الذي عماده الآن النفط، هي في معركة حياة أو موت، وهي شريرة بطبعها تنمو على الحروب حتى لو كان ضحيتها 50 مليونًا من البشر، كما كان الأمر في الحرب العالمية الثانية· هذا الأخطبوط اليوم لا تقهره حكومات وجيوش تقابلها جيوش، وانما تقهر بوساطة الشعوب· فهل يا ترى للمقاومة في العراق ولبنان وفلسطين أية دلالة أو أي معنى؟ لقد رضينا بالهم لكن الهّم لم يرضَ بنا····
صفحة 5
هذا الكتاب
- النفط هو عصب الحياة للاقتصادات الحديثة، وقد شكل العماد الرئيسي الذي بنيت عليه الامبراطوريات، بدءًا من الامبراطورية البريطانية ووصولاً للامبراطورية الأمريكية حاليًا، كما أنه جزء أساسي من الأسواق المالية العالمية، غير أن مشيئة الله قضت أن تكون 70% من الاحتياطات النفطية العالمية تكمن تحت رمال الشرق الأوسط·
- هل كانت الأطماع النفطية وراء غزو الولايات المتحدة للعراق؟ الواقع أن هذا ما يعتقده الكثيرون في العالم، ومنهم مؤلف الكتاب، الذي يحاول من خلاله البرهنة على أن الحرب الأميركية على العراق تأتي في سياق محاولة أكبر تبذلها الولايات المتحدة للهيمنة على مكامن النفط وبسط السيطرة الأميركية على العالم·
- يوفر هذا الكتاب، الذي ألفه مستشار عربي بارز لشؤون النفط، وصاحب مشوار طويل في العمل في كل من الولايات المتحدة والشرق الأوسط، تحليلاً نادرًا للدوافع الحقيقية وراء التدخل الأميركي في العالم العربي، وطبيعة العلاقة التي تربط الولايات المتحدة بالدول العربية وأبعادها· وبالإضافة للتحليل المتعمق للتدخلات الأميركية في الشرق الأوسط، فإن كتاب عبد الحي يحيى زلوم يتضمن وصفًا تاريخيًا لجذور التورط الأميركي الحالي في المنطقة العربية·
- يحلل المؤلف الدور الأميركي المتغير في أوبك ويبحث في مصير نفط العراق، كما يبحث دور النفط في علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل ونظرة العالم العربي لهذه العلاقة الحيوية· ويعرض الكتاب رؤية متميزة لصورة أميركا في المنطقة العربية، وما هو مطلوب لتحقيق السلام الحقيقي وإشاعة الاستقرار في المنطقة·
- مؤلف هذا الكتاب، عبد الحي يحيى زلوم، مستشار نفطي دولي أنهى دراسته الجامعية في الهندسة والإدارة، والإدارة العليا في الولايات المتحدة، بما في ذلك جامعة هارفارد، وقضى حوالى خمسين سنة من العمل في مجال الصناعة النفطية في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا والشرق الأوسط· كما ساهم في تأسيس العديد من شركات النفط في دول أوبك، بالإضافة لعمله كمستشار للعديد من الشركات النفطية الحكومية، بما فيها شركات فرنسية وصينية، وله العديد من المؤلفات باللغتين العربية والانجليزية ترجم بعضها للألمانية·
صفحة 6
المقدمــــة
في سبتمبر 2002 نشرت إدارة جورج دبليو بوش استراتيجيتها للأمن القومي، استعدادًا لشن حروبها الاستباقية بدءًا من العراق· ومما جاء في الوثيقة المذكورة القول: ستعتمد استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة على التوجهات الأميركية العالمية الواضحة، التي تعكس وحدة قيمنا ومصالحنا القومية أما روبرت كابلان أحد رموز المحافظين الجدد فيتحدث عن ذلك بصورة أكثر مباشرة بالقول: نحن ولا أحد غيرنا الذي سيضع الشروط للمجتمع الدولي(1)· ولكن ماذا لو أن المجتمع الدولي أو معظمه رفض تبني القيم الأميركية التي تحاول إدارة المحافظين الجدد فرضها عليه؟
حول هذا الموضوع كتب آندرو مورافيجيسك، أستاذ العلوم السياسية في جامعة برينستون ومايكل مييار محرر مجلة نيوز وييك النسخة الأوروبية، يقولان في مجلة نيوز وييك تحت عنوان وورلد فيو: لعل هذا الجانب من أميركا الذي يجده الأجانب الأصعب على التفهم، ألا وهو تعمد الحكومة تعريض مواطنيها (وبخاصة الضعفاء منهم) للخطر، تبقى الولايات المتحدة الاقتصاد الأكثر إنتاجية على المستوى العالمي، وهي التي يتجاوز إنفاقها العسكري ما تنفقه الدول الأخرى مجتمعة· ومع ذلك فإن النموذج الأميركي لا يحظى بشعبية تذكر في الخارج بل وازداد تراجعًا منذ كارثة إعصار كاترينا· وفي الوقت الذي تتعامل فيه الديمقراطيات النامية مع احتياجات مواطنيها من رعاية صحية وتعليم مناسب ومواصلات عامة كفؤة، وشبكة أمان اجتماعي باعتبارها سمات أساسية للمجتمع، نجد أن أميركا عازمة حتى على إلغاء شبكات حماية أقل أهمية من شبكات الأمان لدى الآخرين·
وفي الوقت نفسه، نجد بأن رئيسًا أميركيًا هو فرانكلين· د· روزفلت كان السباق في انتقاد النظام النازي لانتهاجه سياسة الحروب الاستباقية، وذلك في خطابه الشهير في أكتوبر 1937، الذي قال فيه بأن الحروب النازية الاستباقية من شأنها أن تخلق عصرًا من الرعب وغياب القانون من خلال التدخلات غير المبررة في الشؤون الداخلية للدول ألأخرى، أو الإقدام على غزو أراض أجنبية بالإضافة إلى ذلك، فقد نقل عن المدعي العام الأميركي في محكمة جرائم الحرب في نوريمبيرغ القول بهذا الشأن: موقفنا هو أيًا كانت المظالم التي تعاني منها دولة ما ومهما بلغ حجم اعتراضنا على واقع معين لديها؛ فإن الحروب العدوانية تظل وسيلة غير مشروعة لمعالجة هذه المظالم أو العمل على تغيير مثل هذه الظروف(2)
صفحة 7
في التسعينات شهدت الولايات المتحدة أكبر فقاعة مضاربة في تاريخ السوق المالي الأميركي· وفي بداية القرن الجديد، ما بين 10 مارس 2000 ونهاية الربع الأول من عام 2001 حيث تهاوت قيمة الأسهم في ناسداك من 6,7 تريليون دولار إلى 3,3 تريليون· وفي ذلك قال ستيف جوبس مؤسس شركة أبل للكمبيوتر أمام المحللين بأنه يعتقد بأن الاقتصاد الأميركي يعاني من حالة انصهار·
وطبقًا لمفهوم النظام الرأسمالي الأميركي؛ فإنه عندما يعاني اقتصاد ما من مصاعب فإن الحرب (سواء جاءت بفعل تخطيط مسبق أو حدثت بشكل عرضي) تساعد دائما في الخروج من الأزمة، خاصة - كما اتضح من مشروع القرن الأميركي الجديد- وأن المسرح قد أعد بالفعل للهيمنة الأميركية على العالم· فمن جانبها عملت المؤسسة الأميركية على إيصال رئيس حرب إلى البيت الأبيض، وقدمت له الدعم المطلوب لتجني الشركات النفطية وشركات الصناعات والخدمات العسكرية من ورائه عظيم المكاسب· وفوق ذلك فإن العديد من رموز هذه الشركات ظهروا فجأة في البيت الأبيض، بدءًا من نائب الرئيس ديك تشيني، الذي كان قبلها مباشرة الرئيس التنفيذي لشركة هالبيرتون لخدمات النفط، وكونداليزا رايس التي شغلت منصبًا رفيعًا في شركة شيفرون تكسيكو النفطية قبل أن تصبح على رأس مجلس الأمن القومي· وحتى في الخارج نجد بأن الرئيس الأفغاني المعين من قبل الأميركيين حميد قرضاي والسفير الأمريكي في كابول بعد الإطاحة بطالبان، كانا يعملان مستشارين بشركة أونوكال النفطية (Unicol)·
وخلال فترة الإعداد لغزو العراق شكل روبرت جاكسون، أحد كبار المسؤولين في شركة لوكهيد مارتن، ما عرف بلجنة تحرير العراق· وبرز من بين المؤسسين عدد من الأسماء المتنفذة في المجمع الصناعي العسكري الأميركي، وضمت اللجنة كذلك وزير الخارجية السابق جورج شولتز ( يعمل حاليًا مع شركة بيكتل)، بالإضافة إلى عدد من رموز المحافظين الجدد·
وعليه فلا عجب أن تخرج الشركات المذكورة بحصة الأسد من مقاولات إعادة إعمار العراق، خاصة وأن عقيدة التجارة الحرة والعادلة تختفي عندما يتعلق الأمر بتعرض المصالح للتجمع الصناعي العسكري الأمريكي للخطر· فبعد الغزو وزعت سلطات الاحتلال الأميركي الغنائم على الشركات النفطية، حيث أوكلت لشركة شيفرون تكساكو مسؤولية بيع النفط العراقي، بينما منحت شركتي بيكتل وهاليبرتون عقودًا إنشائية سخية، وهذه مجرد قمة الجبل الجليدي الهائل من المكاسب التي حظيت بها الشركات الأميركية المقربة من إدارة بوش· وطبقًا لصحيفة الفايننشال تايمز، فإنه بعد عام واحد من غزو العراق، سجلت عائدات هاليبرتون ارتفاعًا بنسبة 80%، بينما قفزت عائدات بيكتل بنسبة 135%· أما شيفرون تيكساكو فحققت زيادة في الأرباح بنسبة 90%، وذلك خلال الفترة من الربع الأول لعام 2003 إلى الربع الأول من العام التالي· وفي الوقت ذاته نجد بأن أسهم لوكهيد مارتن لصناعة الأسلحة سجلت خلال الفترة من 2000-2004 (الفترة الأولى من رئاسة بوش) ارتفاعًا بنسبة 300%· وطبقًا للسناتور رون وايدن فإن عملية منح عقود إعمار العراق كانت أقرب إلى حالة الفوضى في مدن الكاوبوي الأمريكي قبل ظهور أمناء شرطة الدولة·
صفحة 8
وفي الوقت الذي حققت فيه الشركات العملاقة الكثير من المكاسب، كان الجنود الأميركيون وعائلاتهم يغرقون في المزيد من الديون· وكما يقول العنوان الرئيسي للصفحة الأولى لصحيفة اليو أس· توداي بتاريخ 31 أغسطس 2006؛ فإن البنتاغون ترى بأن مشكلة الديون التي يعاني منها الجنود الأميركيون تنطوي على الكثير من المخاطر، وبأن المرابين ينهبون المؤسسة العسكرية وتضيف الصحيفة: فهناك واحد من بين كل خمسة ممن يخدمون في القوات المسلحة يقع فريسة مكاتب إقراض المال المنتشرة حول القواعد العسكرية، والتي توفر للجنود مبالغ مالية مقابل فوائد فاحشة تتجاوز معدلاتها 400%، الأمر الذي يؤكده تقرير للبنتاغون مثل هذه التجارة الرائجة التي تصب عوائدها في حسابات عدد محدود من المؤسسات المالية إنما يدفع ثمنها الفقراء والأبرياء من الأميركيين والعراقيين والفلسطينيين والأفغان واللبنانيين وغيرهم، وتمولها عجوزات غير مسبوقة في الميزانية الأميركية·
يعاني تفوق الاقتصاد الأميركي، الذي كان يمثل 50% من إجمالي إنتاج العالم الصناعي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى عملية تآكل سريع· ويعتمد بقاء أميركا حاليًا على تدفق ما يزيد على 3 مليارات دولار يوميًا من العملة الأجنبية لسد العجوزات وتمويل الحروب· وطبقًا لأرقام 2005 فقد كان العجز في الميزانية بحدود 800 مليار دولار، ويقترب من تريليون دولار سنويًا· وللتعويض عن هذا العجز الحاصل في القوة الاقتصادية؛ فإن الإمبراطورية الأميركية تلجأ وبصورة متعاظمة لاستخدام قوتها العسكرية·
غير أن مشروع القرن الأميركي الجديد، الذي فرضه المحافظون الجدد على العالم، مآله الفشل باعتباره مهمة مستحيلة التحقيق كما أحاول إثباته في هذا الكتاب، وهو رأي يوافقني عليه الكثيرون، ومن هؤلاء إيريك هوبسباون Eric Hobsbawn الذي يُعدّ أحد كبار المؤرخين العالميين· يقول هوبسباون في مجلة هارفارد كريسمون (20 أكتوبر 2005): ستشيع الإمبراطورية الأميركية الفوضى والبربرية أكثر مما ستنشر السلام والنظام في العالم مثل هذه الأمبراطورية محكومة بالفشل المؤكد· وهنا أردد تساؤلات هوبسباون القائلة: هل ستستوعب الولايات المتحدة دروس الامبراطورية البريطانية؟، أم تحافظ على موقف عالمي متراجع من خلال الاعتماد على قوة سياسية فاشلة وعسكرية لا تقوى على تحقيق أهداف الحاضر، الذي صممت له كما تدعي الحكومة الأميركية؟
تدّعي عقيدة بوش بأن النموذج الأميركي والقيم الأمريكية صالحة لكل الناس عبر العالم أجمع، وتتوعد بضربات استباقية ورشقات من صواريخ كروز لكل من يتجرأ على تحدي إرادة الولايات المتحدة· غير أن معظم العالم لا يعتقد بأن النموذج والقيم الأمريكيين يصلحان له، بل إن هناك من يرى بأن هذا النموذج لا يصلح للأميركيين أنفسهم· وهنا تظهر نتائج استطلاع نشرتها هيئة الإذاعة البريطيانية في يناير 2005 بأن 58% من غير الأميركيين يرون بأن إعادة انتخاب بوش شكلّ تهديدًا للسلام العالمي أما الأرقام المسجلة بين حلفاء أميركا التقليديين فجاءت مثيرة للدهشة، حيث بلغت نسبة المعارضين للرؤية الأميركية: 77% في ألمانيا، و64% في بريطانيا، و82% في تركيا· أما في العالم الإسلامي فإن نسبة التأييد للولايات المتحدة لم تتجاوز 10% في معظم البلدان·
صفحة 9
ومن جانبه يضيف مورافسيك في تقريره المنشور في النيوزوييك(3)، بأن الأرقام والحقائق تعكس تأييدًا للنموذج غير الأمريكي، مثل النموذج الأوروبي والنموذج الياباني اللذين يعدان أكثر ديموقراطية، ويوفران خدمات تعليمية وصحية وشبكة ضمان إجتماعي أفضل· كما أن الأوروبيين يتمتعون بميزات عمل أفضل من حيث ساعات العمل الأقل والعطلات الأطول، وأجواء العمل الأقل إثارة للتوتر، ومعاناة الديون التي تثقل كاهل الأميركيين· غير أن هذه النماذج أضحت بعد انهيار الشيوعية موضع هجوم من إجماع واشنطن (النخبة الحاكمة في أميركا)، باعتبارها تتعارض والنموذج الرأسمالي الأميركي الذي تحاول واشنطن فرضه عليهم·
هناك مجموعة من الحقائق التي تدعم مثل هذا التحليل، ومنها ما جاء في تقرير مورافسيك في النيوزوييك الذي يقول بالرغم من ثروتها الهائلة فإن الولايات المتحدة تصنف من فئة الدول الفقيرة طبقًا للعديد من معايير الرعاية الاجتماعية وفي حين أن معدلات الفقر في أوساط الأطفال الأميركيين تصل إلى 22,4 % فإننا نجدها بحدود 5,1% في الدنمرك، و4,4% في بلجيكا، و4,3% في فنلندا، و3,9% في النرويج، بينما لا تتجاوز 2,6% بين أطفال السويد· وفيما يتعلق بعدالة الدخل بين السكان فإن الدنمرك تتصدر الدول المتقدمة، تليها اليابان ثم جمهورية التشيك، وتأتي فنلندا في المركز الرابع، بينما نجد الولايات المتحدة في موقع متأخر تمامًا في المركز الحادي والسبعين على القائمة· ولأن بعض الأميركيين الذين يعيشون في الخارج قرأوا تقرير مورافيسيك المثير هذا في النسخة الأوروبية من النيوزوييك، فقد أرسلوا للمحرر متسائلين عن السبب في عدم نشر هذه المعلومات في النسخة الأمريكية من هذه المجلة الأميركية في الأساس· الجواب بالطبع هو أن الإعلام الأميركي محتكر من قبل خمس مؤسسات إعلامية عملاقة يحدد رؤساؤها، ومن خلف أبواب مغلقة، ما يجب وما لا يجب على الأميركيين قراءته أو سماعه أو مشاهدته· ولهذا يسهل على أي متابع إدراك حقيقة أن شبكات التلفزيون والإذاعة الأميركية تمطر المشاهد والمستمع بالرسالة نفسها في سائر الولايات الأميركية الخمسين، ولنجد بأن الديموقراطية الأميركية أضحت لعبة عرضة للكثير من التلاعب والاستغلال من خلال وسائل الإعلام والاتصال الحديثة·
صفحة 10
وفيما يتعلق بالنموذج الاقتصادي الأميركي؛ فهو يتركز بصورة رئيسية حول التجمع الصناعي العسكري، الذي تقاسم غنائم الحرب على العراق حتى قبل أن تحدث· فالحروب جزءٌ لا يتجزأ من النموذج الاقتصادي الأميركي· ومع ذلك نجد بأن الجوائر الخمس الأولى لأكثر الاقتصادات نشاطًا، والتي منحها المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2004، كانت من نصيب دول أوروبية تصدرتها فنلندا التي تطبق النظام الاشتراكي والاقتصاد السلمي البحت· وزيادة على ذلك نجد بأن صناعات إير باص الأوروبية نجحت عام 2005 في التفوق على نظيرتها البوينغ الأميركية العريقة في حجم مبيعات الطائرات التجارية·
الواقع أن الرأسمالية الأميركية تعيش وضعًا حرجًا: فمن جهة يعتمد اقتصادها على النمو، وهو نمو يتغذى على النفط وبعض المصادر الطبيعية الأخرى، وجميعها من النوع الآيل للنضوب، في وقت لن يتجاوز القرن الحادي والعشرين على أبعد تقدير· وطبقًا لتوقعات دراسة أجريت في معهد ماساشوستش للتكنولوجيا في أوائل السبعينات، ونشرت تحت عنوان حدود النمو، فإن النموذج الاقتصادي القائم على النمو، والمقترن بأنماط الاستهلاك الحالية للرأسمالية ومعدلات النمو السكانية في العالم، يتعارض مع التطورات الطبيعية التي ستحدث في منتصف القرن الحادي والعشرين· ويعتقد العديد من العلماء والمستشارين، بمن فيهم مؤلف هذا الكتاب، بأننا نعيش مرحلة وصل فيها الإنتاج النفطي ذروته ودخل عصر الانحدار· ليس هناك من بديل للنفط حاليًا، الأمر الذي يهدد عصب حياة الرأسمالية· وما نشهده حاليًا هو اندلاع حروب المصادر وإن كانت تُشن تحت مسميات أخرى مثل: الحرب على الإرهاب، وذلك بهدف تسهيل ترويجها· وهنا يقول إدوارد بيك Edward Peck، المبعوث الأميركي الخاص للعراق ونائب مدير إدارة مكافحة الارهاب في البيت الأبيض في عهد الرئيس ريغان، في مقابلة أجرتها معه الصحفية آمي غودمان بتاريخ 28 يوليو 2006:
في عام 1985 عندما كنت نائبًا لمدير إدارة مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض في عهد ريغان، طُلب إلينا الخروج بتفسير محدد للإرهاب يمكن تعميمه على الأجهزة الحكومية كافة· وقتها رفعنا لهم أكثر من ستة تعريفات للإرهاب تم رفضها جميعًا؛ لأن الدارس المتمعن لكل منها يخرج بانطباع مؤداه أنها تنطبق جميعًا على الولايات المتحدة باعتبارها متورطة في العديد من هذه الأنشطة